مجلة المجلة تُجري حواراً مع منسق مكتب العلاقات الأكاديمية بالمركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط

 

أجرت مجلة المجلة في نسختها الصادرة باللغة الفرنسية، بتاريخ 3 من شهر أكتوبر الجاري، حواراً صحافياً مع الدكتور شكري الصيفي، منسق مكتب العلاقات الأكاديمية بالمركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط. وقد أجرى الحوار معه الصحافي/ نصر الدين بن حديد.

من الجدير بالذكر أن مجلة المجلة تصدر عن الشركة السعودية للأبحاث والنشر، وهي مجلة شهرية تصدر من لندن بلغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية والفارسية، وتهتم بقضايا الشرق الأوسط والعالم.

 

نعرض الحوار بعد ترجمته من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية:

 

س: في أفريقيا، مفهوم الديمقراطية يميل أكثر نحو الانتخابات، ولا يتجه أكثر نحو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. كيف تفسرون هذه الوضعية التي تنتهي غالباً بديمقراطيات “عقيمة” من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ؟

ج: القارة الأفريقية تعيش عدة أزمات هيكلية لأسباب داخلية وخارجية ومن بينها أزمة الديمقراطية التي يرى كثيرون في القارة السمراء أنها مرادف للعملية الانتخابية، وهذا الأمر طبعا لا يفسر العملية الديمقراطية ذات البنية الكثيفة والشاملة التي يجب توطينها كصيغة أو وسيلة تساعد على تسيير الدولة وتسهيل مصالح مواطنيها لا العكس. نقطة أخرى وجب الإشارة إليها تتعلق بصعوبة الحديث عن نموذج سياسي واقتصادي واجتماعي أفريقي واحد، فسمة دول وشعوب القارة هي التعدد، وهذا التعدد في كثير من الحالات تحول إلى قادح لأزمات في جزء كبير منها سببها التدخل الأجنبي وفشل المنوال التنموي المحلي وإجهاض كل مسارات التعايش لأسباب مختلفة تتصدرها الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ولنا في نموذجي رواندا وأفريقيا الوسطى أبرز مثالين على ذلك.

ولعل المسار الديمقراطي في أفريقيا بقي رهين مسألتين أزمة النخب في معظم الدول الأفريقية واستمرارية الإرث الكولونيالي في أشكال متعددة أبرزها التدخل في الشأن الداخلي لهذه الدول، وهذا التدخل من الدول الغربية “الديمقراطية” كان مستمراً ودائماً لحماية مصالحها من أي توجه قد يعطي للأفراد والمجتمعات حقوقها الاجتماعية والاقتصادية، ولعلنا في هذا السياق نستذكر ماذا جرى للزعيم الثوري البوركيني الشاب توماس سنكارا الذي أغتيل ورفاقه بعد أن حاول تقديم بدائل ذاتية لبلاده في محاولة لرسم حدود للتبعية مع المستعمر السابق فرنسا. وقبله كان السياسي الاشتراكي المناهض للاستعمار البلجيكي باتريس لوممبا ضحية مواقفه الراديكالية من الاستغلال الكولنيالي المجحف الذي عاشته لفترة طويلة الكونغو “زائير”.

من خلال هذه النماذج لم تكن المسألة الديمقراطية أو آلية الديمقراطية الشكلية أو حتى الفعلية منها كافية لتحقيق تطلعات وأحلام الأفارقة الذين يرون ثروات بلدانهم تنهب من الحكام ومن الخارج. وهو ما أدى إلى يأس أو على الأقل تشاؤم الأفارقة من إمكانية تحقيق حقوقهم المشروعة في العمل والصحة والعيش الكريم. لقد باتت هذه المفارقة بين ضياع الحقوق ودمقرطة شكلية للمشهد السياسي متلازمة أفريقية بامتياز. ومع كل هذه العقود الماضية من تحقيق “الاستقلال” وبناء الدولة الجديدة لاتزال معظم الأقطار الأفريقية رهينة أوضاع اجتماعية واقتصادية سيئة، لعل أكبر دليل على تدهورها هذه الرغبة المتعاظمة لدى الأفارقة في الهجرة نحو الشمال نحو أوروبا عبر طريق طويل وشاق يشبه مسالك تجارة العبيد القديمة.. خيار يفضلونه رغم مخاطر الموت والاستغلال على البقاء أسيري واقعهم المر.

إضافة إلى هذه النقطة، يبدو أن قدر المجال الأفريقي أن يكون عرضة لهجمات المستوطنين والطامعين في ثرواته، وهو منذ قرون على هذه الحال، يتبدل الفاعلون والأدوات ويبقى هدف استغلال القارة، فبعد البرتغاليين والبريطانيين والفرنسيين والإيطاليين وإمبراطورياتهم القديمة التي تداعت مع تحولات الحرب العالمية الثانية، بات الأمريكيون والروس والصينيون اليوم لاعبين مهمين بل حاسمين في القارة السمراء.

 

س: دول ما بعد الفترة الاستعمارية في أفريقيا أخذت شرعيتها من الوعود التي أطلقتها لتحقيق التنمية وتقسيم الثروة واحترام حقوق الأفراد. كيف تقيمون ذلك ؟

ج: سؤال مهم وعميق لأن الإجابة عنه هي مربط الفرس لفهم سبب التعثر في بناء الدولة الوطنية الناجحة والديمقراطية. بالعودة لحقبة الاستقلالات في القارة السمراء والتي امتدت من نهاية خمسينيات إلى ستينيات القرن الماضي، أولاً ما تم كان مفروضاً على الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة ولم يكن خياراً استعمارياً، فقد أدت توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى فرض واقع جديد، وهو ما انعكس إيجاباً على حركات التحرر الوطني التي استطاعت خاصة منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي أن تحقق خطوات ملموسة في اتجاه تحقيق الاستقلال (لمعركة ديان بيان فو وانطلاق حرب التحرير في الجزائر 1954 دلائل وتأثيرات عميقة دفعت إلى خلخلة الهيمنة الإمبراطورية الفرنسية الجاثمة على أفريقيا).

هكذا إذن تمكنت أغلب الدول الأفريقية من نيل استقلالها خلال عقد ستينيات القرن الماضي، لكن المفارقة الكبرى تتعلق بعجز النخب الجديدة والتي في جزء مهم منها ثورية، على فهم آليات المعركة مع الاستعمار وأدواته، صحيح أن هذه الدول نالت إجرائياً استقلالها لكنها بقيت مكبلة بالاقتصاد والإدارة والجيش الاستعماري. كما أن هذه الهيمنة الاستعمارية زرعت أدواتها بشكل مسبق وجعلت من الاستحالة بمكان أن يتمكن الأفارقة من نيل استقلالهم دون أن تكون شريكاً وفاعلاً في مجريات الأمور وهي إلى اليوم تواصل هذا الدور وهذا التدخل.

النقطة الأخيرة هي مسؤولية هذه النخب الأفريقية في عدم تحقيق التنمية ورفع شعارات ذات سقف عالٍ وغير واقعي أو الدخول في اصطفافات دولية وجيو-إستراتيجية غير متوافقة مع موقع وحجم الدولة المعنية نتيجة محدودية الخبرة في إدارة الشأن العام وبناء نماذج تنموية محلية وليست مسقطة من هنا أو هناك.

وحري القول أن الحقبة التي شهدت استقلالات الدول الأفريقية لم تكن مسألة الحريات والديمقراطية مطروحة في معظم دول أوروبا (حكومة شديدة المركزية إبان حكم شارل ديغول لفرنسا – الاستبداد الفرانكي في إسبانيا – حكم عسكري في اليونان..)  كما كان الصراع الثنائي القطبي يهيمن على العالم والصراع العربي الإسرائيلي مهيمناً على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكانت له امتداداته في القارة السمراء. يبقى لابد من الإشارة إلى نموذجين أفريقيين نسبياً أفلحا في الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية مع بعض التحفظات هما تونس والسنغال.

 

س: شهدت الدول الأفريقية تطبيق النموذجين الليبرالي والاشتراكي، ومع ذلك لم تتحقق التنمية. فهل نحن إزاء سوء تطبيق لمضامين هذه النماذج أو سوء اختيار ؟

ج: شهدت الدول الأفريقية استجلاب أو استيراد عديد النماذج كما عرفت تطبيق عدة تجارب، فيما بقي الاهتمام بالقدرات والثروات المحلية محدوداً ومُقتصراً على التفريط فيها دونما توظيفها لتحقيق منوال تنموي شامل ومتوازن يحقق الاكتفاء الذاتي، ويدير عجلة الاقتصاد المحلي.

ولعل الليبرالية الاقتصادية الجزئية أو الشكلية، من جهة، والتطبيقات الاشتراكية العقيمة والنصية لنماذج تنموية وجهت لمجالات ومناطق أخرى، من جهة ثانية، مثَّلا أبرز النماذج التي تم تجريبها في عدة مناطق من القارة السمراء، التي غدت بعد موجة الاستقلالات مخبراً لعدة تجارب، لعل القاسم المشترك بينها كان الاستبداد في أشكاله المختلفة، سواء منه الفردي عبر عبادة الشخصية وتقديسها أو الجماعي خاصة من خلال حكم المجموعات العسكرية المتسلطة تحت شعارات التصحيح والثورة والديمقراطية. وفي كل هذه الحالات التي عرفتها أفريقيا، تتضافر العوامل المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في إفشال المسارات التي كانت من الممكن أن تؤدي بهذه الدول المسماة وطنية إلى قدر آخر أفضل لشعوبها، لكن خيارات رؤوس السلطة في هذه الدول كان متجهاً أكثر نحو التفرد بالحكم واستغلاله أسوأ استغلال للاستثراء الفاحش والزبونية وقصر المصالح على فئة حكم بعناوين متعددة مثل العائلة والعسكرتاريا.. إلخ.

 

س: الاستثمارات والمبادلات التجارية للدول الأفريقية تتم بنسبة 75 بالمئة منها مع شركاء من خارج القارة. كيف تفسرون هذه الظاهرة ؟ وهل من سبل لمعالجتها؟

ج: الحقيقة هي أن هذه من أبرز المعضلات بالنسبة للدول الأفريقية، معضلة التبعية الاقتصادية للخارج، وتظهر جلية في حجم التبادل اللامتكافئ وفي الميزان التجاري. فهذا التبادل سالب في العلاقة التجارية مع أوروبا ومع الولايات المتحدة والصين والهند وبقية الدول. حيث تستورد الدول الأفريقية أضعاف ما تنتج، بل إن هذه التبادلات اللامتوازنة مع الدول الكبرى والقوى الإقليمية ساهمت إلى حد كبير في القضاء على الإنتاج المحلي، غير القادر على منافسة الإنتاج الواسع والمعولم والموجه أساساً للتصدير. الأمر الذي يُزيد في منسوب البطالة والهجرة والفقر .

المشكل الأكبر أنه رغم وجود هياكل أفريقية جامعة، من بين أهدافها الرئيسية الاهتمام بقضايا الاقتصاد التكاملي، إلا أن مسألة التنمية الاقتصادية لاتزال حبراً على ورق لا يتجاوز مشاورات القمم التي تطغى عليها الأزمات السياسية والحدودية. كما تغيب الإرادة السياسية الحقيقية لتنفيذ أجندات حقيقية وخطط إستراتيجية تنهض بالاقتصاد الأفريقي وتوظف موارده بالشكل الأنسب لمصالح هذه الدول.

 

س: ارتبطت أفريقيا عادة بالمساعدات الإنسانية وغيرها، وذلك رغم ثرواتها. كيف يمكن تحويل هذه الثروات إلى عوامل للتنمية الشاملة ؟

ج: مع الأسف، أصبح العنوان الرئيس لأفريقيا هي المساعدات بكل أشكالها الغذائية والدوائية والصحية والاقتصادية، والمفارقة في هذا الأمر أن أفريقيا مطمع كل القوى الاقتصادية ماضياً وحاضراً، فهي موطن المواد الأولية المختلفة، كما أنها مجال طبيعي خصب قد يصبح إحدى المصادر الأساسية لغذاء الكوكب وعافيته المناخية. 

من الصعب الجزم في مسألة ربط الثروة الطبيعية بالتنمية، فالأمر يتطلب مراحل وسيطة لتحويل هذه الطاقات لعوامل قوة اقتصادية للقارة السمراء. المشكلة أن الأزمة هيكلية وليست ظرفية وإصلاحها يتطلب البحث في جذورها. ولا أرى في هذا المجال بديلاً عن إصلاحات متزامنة وعميقة تشمل البنية التحتية والتعليم والتكوين والصحة. والعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال دعم القطاع الزراعي وإصلاح القطاع الصناعي بدل التركيز على قطاع الخدمات الثالث الأكثر هشاشة وتأثراً بالأزمات الدولية. 

 

س: وباء كورونا وضع العالم ككل على المحك وبخاصة العالم الثالث، رغم ما تشهده أفريقيا منذ عقود من أوبئة خطيرة مثل الإيبولا. كيف تفسرون ذلك ؟

ج: لا يعد انتشار الأوبئة مسألة جديدة فهو على امتداد تاريخ البشرية كان إحدى المعوقات والتحديات أمام الإنسانية، ولعل التأثر البالغ لدول العالم الثالث ومن بينها أفريقيا بفيروس كورونا يعود لبعده العالمي الشامل وتفاعل كل العالم مع تداعياته الخطيرة، رغم أنه ليس أول مرض يصيب ساكنة “الهوامش العالمية”. فإيبولا والسيدا والملاريا وغيرها من الأمراض لاتزال تعشش في هذه المناطق ومن بينها أفريقيا، وتقتل الكثير من أهلها في غياب سياسات صحية واضحة وعيش كريم وغذاء سليم.

ومن هذا المنطلق فإن موقع أفريقيا وآسيا الطرفي مقارنة بمواقع الدول المتقدمة الواقعة في مركز العالم، ليس جغرافياً بل تنموياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. وبذلك فنحن إزاء عوالم متفاوتة لأسباب مختلفة، وهي تحت تأثير مراكز المال ولوبيات السياسة والاقتصاد والسلاح والنفط والغاز. ولا خلاص لهذه الدول سواء منها في أفريقيا أو آسيا أو جنوب أميركا إلا بالاعتماد على الذات وتغيير منوال التنمية وإيلاء الأهمية المناسبة لجميع القطاعات الحيوية، واكتساب أوراق ضغط للتفاوض بشأن مصائر هذه الشعوب ومستقبلها.

 

ترجمه من الفرنسية إلى العربية، الدكتور شكري الصيفي، خصيصاً لمنصة رؤى شرق أوسطية.

 

رابط الحوار الأصلي، باللغة الفرنسية:

https://fr.majalla.com/node/260136/interviewscoordinateur-du-bureau-acad%C3%A9mique-de-l%E2%80%99ecmes-aucune-id%C3%A9ologie-import%C3%A9e-ne

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *