الاقتصاد السياسي للدولة الريعية الحديثة

🖨️ طباعة المقال

لا تنشأ الإشكاليات السياسية الكبرى في فراغ. كل بنية سياسية تقوم على شروط مادية تسبقها وتحدّد ممكناتها. الدراسة السابقة كشفت أن التشكيل التاريخي الإسلامي افتقر إلى الشرط المادي الأساسي الذي أتاح في أوروبا معركة العلمانية بصيغتها الكلاسيكية: لم توجد كنيسة كمؤسسة اقتصادية احتكارية مستقلة تملك الأرض وتُقيّد التجارة وتُعيق تراكم رأس المال. غياب هذا الخصم المادي يعني، بصياغة دقيقة، أن المسار الأوروبي في الانتقال نحو الحداثة السياسية لم يكن طريقاً مفتوحاً للتطور العربي. هذا يُفضي حتماً إلى سؤال: إذا كان البناء الديني الإسلامي الكلاسيكي لا يُشكّل عائقاً مادياً مكافئاً للكنيسة، فما الشرط المادي المحدد الذي يفسّر الاستعصاء السياسي العربي المعاصر؟

وليس هذا السؤال بجديد كلياً على مسار البحث. سبق أن تركت إشارة صريحة إلى أن الدولة التي احتكرت تفسير الدين قروناً طويلة ستحتكر، حين يتغير مصدر ثروتها جذرياً، تفسير مصدرها الجديد بالمنطق البنيوي ذاته تماماً. هنا نأخذ تلك الإشارة على محمل الجد، لا ليُردّدها، بل ليُفكّكها ويُثبتها بأدواتها الخاصة.

الجواب لا يكمن في تاريخ الفكر اللاهوتي ولا في مناظرات العلمانية والإسلام السياسي — بل في قلب البنية الاقتصادية الحديثة. الثروة النفطية وما أنتجته من دولة ريعية تُمثّل القطيعة المادية الكبرى في تاريخ المجتمعات العربية الحديثة. لكن المسألة تستلزم تدقيقاً: ليس كل ثروة معدنية ضخمة تُنتج دولة ريعية بالمعنى الدقيق. الشرط الجوهري هو أن يستقل هذا الريع عن الإنتاج الاجتماعي الداخلي ويتدفق إلى الدولة مباشرة من الأسواق الدولية، فيُعفيها من الحاجة إلى استخراج ثروتها من العمل البشري المحلي. هذه نقطة التحول التي تُعيد رسم طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

ليست الدولة الريعية دولة غنية بالنفط فحسب — بل هي نمط من التنظيم السياسي تنبثق فيه علاقات السلطة من طبيعة مصدر الثروة لا من طبيعة العلاقات الإنتاجية الداخلية. حين تعتمد الدولة على ثروة يستخرجها العمال من الأرض ويتراكم منها الفائض، ثمة حتمية ديالكتيكية لنشوء صراع على توزيعه. لكن حين تستلم الدولة هذه الثروة جاهزة من السوق الدولية، تتبخّر هذه الحتمية. المجتمع لم يُنتجها، والدولة لم تستخرجها من العمل المحلي، فتضمحل العلاقة التعاقدية في جذرها.

أحاول هنا ان احلل الاقتصاد السياسي للدولة الريعية عبر أربعة مستويات: الأول يُثبت آلية الانفصام المادي بين الدولة والمجتمع عبر التدفقات الريعية الخارجية. والثاني يتتبّع الأثر المؤسسي لهذا الانفصام على الوظيفة الضريبية وما يتبعها من شلل المحاسبة. أما الثالث فيكشف عن الانقلاب الذي يُحدثه الريع في أعمق مبادئ النظرية الليبرالية الكلاسيكية — التلازم بين الضريبة والتمثيل. وينتهي القسم الرابع إلى التشخيص النظري الجامع: الدولة الريعية كصيغة أقصى للبونابرتية، لا بوصفها دولة تُعلّق فوق طبقات متصارعة، بل بوصفها دولة تمنع الطبقات من التشكّل أصلاً.

التدفقات الريعية واستقلال الدولة المادي عن المجتمع

ثمة فارق حاسم بين دولة غنية بالنفط ودولة ريعية — لا يكمن في الأرقام بل في طبيعة العلاقة التي تنشأ بين الدولة ومجتمعها نتيجةً لمصدر هذه الثروة. كل دولة في التاريخ عرفت درجات متفاوتة من الثروة، لكن ليس كل دولة ذات موارد طبيعية ضخمة تتحوّل إلى دولة ريعية بهذا المعنى. الشرط الجوهري هو أن تتلقى الدولة هذا الريع مباشرة من الخارج بمعزل عن الإنتاج الداخلي للمجتمع، فتُعفيها هذه الخاصية من الاضطرار إلى استخراج دخلها من الفعل البشري المحلي. وهذا الإعفاء هو نقطة التحوّل.

صاغ الاقتصادي حسين مهداوي أول تعريف منهجي لهذه الظاهرة عام 1970، حين وصف “الدول الريعية” بأنها تلك التي تتلقى بصورة منتظمة ريعاً خارجياً ضخماً تدفعه حكومات وشركات أجنبية، دون أن يكون لهذا الريع جذور حقيقية في الإنتاج الاجتماعي الداخلي.[1] التعريف يبدو بسيطاً لكنه يحمل ثقلاً تحليلياً هائلاً: كلمة “خارجي” لا تعني فقط أن المال يأتي من بلدان أخرى، بل تعني أنه يأتي من خارج دائرة علاقات الإنتاج الاجتماعية الداخلية. المجتمع لم يُنتجه، والدولة لم تستخرجه من عمل مواطنيها — ومن ثمّ لا ينشئ من الناحية الموضوعية أي التزام متبادل بين من يحوزه ومن يعيش في ظله.

لكن مهداوي نفسه لم يُطوّر مفهومه إلى تحليل سياسي كامل. هذا ما أنجزه جياكومو لوتشياني في مساهمته النظرية ضمن العمل الجماعي الذي حرّره مع حازم الببلاوي، حين قدّم التمييز البنيوي بين “دولة الإنتاج” التي تستمد إيراداتها من تضريب النشاط الاقتصادي المحلي وتربط وجودها المالي بفاعلية المجتمع الإنتاجية، و”دولة التوزيع” التي تتلقى الريع الخارجي وتُعيد توزيعه داخلياً وفق معايير سياسية تُقرّرها وحدها.[2] الفارق بين النمطين ليس تقنياً مالياً — بل هو فارق في طبيعة العقد السياسي التأسيسي للدولة ذاتها. الدولة المنتجة تحتاج أن تُبرر استخراجها للثروة أمام مجتمعها. دولة التوزيع لا تحتاج إلى هذا التبرير لأنها ببساطة لا تستخرج.

وتكتسب هذه الثنائية حدة أكبر حين يُقدَّر حجم الريع في الاقتصادات الخليجية تحديداً. في ذروة الطفرات النفطية، باتت عائدات النفط والغاز تُشكّل بين سبعين وتسعين بالمائة من إيرادات الدولة في الكويت والسعودية والإمارات وليبيا والجزائر.[3] لم يعد الأمر مصدراً إضافياً للدخل — بل أصبحت الدولة حرفياً تعيش على الريع وتوزّع منه ما تشاء. والمجتمع، من ناحيته، أُفرغ من دوره كمولّد للثروة التي تتغذى منها الدولة، ليتحوّل إلى متلقٍّ سلبي لما تقرره السلطة.

تذهب تيري لن كارل أبعد من هذا التوصيف الوظيفي في دراستها المرجعية عن “الدول النفطية”، حين تُبيّن أن الفورة الريعية لا تُعيد تشكيل الطبقات وأنماط الحكم فحسب — بل تُعيد صياغة مؤسسات الدولة ذاتها وأطر اتخاذ القرار وحسابات صانع السياسة من جذورها.[4] المسألة إذن ليست أن الدولة الريعية “تختار” سياسات بعينها بمحض إرادتها السياسية، بل أن القطاع الريعي القائد يُعيد تشكيل بنية الدولة نفسها — ما تسمّيه كارل “الطابع الدولتي” — قبل أن يُطرح أي خيار سياسي على الطاولة أصلاً. من هنا تُصبح النتائج التنموية، كما تخلص كارل، مرهونة بطبيعة مؤسسات الدولة الموروثة عن لحظة الطفرة لا بنوايا حكامها الآنيين. هذا فارق جوهري بين قراءة تُحمّل الأفراد مسؤولية الفشل، وقراءة مادية تُحمّل البنية ذاتها.

الضريبة، بكل ثقل تاريخها القاسي، لم تكن أداةً مالية فحسب. كانت اللحظة المادية التي يصير فيها المجتمع شريكاً قسرياً في تمويل الدولة، وهذه الشراكة القسرية حملت في طيّها ضرورة التفاوض. الدولة التي تنزع أموال مجتمعها مضطرة — عاجلاً أو آجلاً — أن تُسوّغ هذا النزع وأن تقدّم في مقابله ما يجعله مقبولاً أو ممكن الاحتمال. الريع يُلغي هذه الضرورة من جذرها. الدولة الريعية لا تنزع — بل تُعطي. وفي الإعطاء يختفي الاضطرار للتسويغ.

هذا الاستقلال المادي ليس وصفاً لسياسة حكومية قابلة للتعديل — بل بنية موضوعية تفرض منطقها على طبيعة العلاقات بأسرها. الحكومة التي لا تحتاج ضرائب مجتمعها لا تبني الأجهزة الاستخراجية التي تُراقب الإنتاج وتُضبط الحسابات، ومن ثمّ لا تبني المؤسسات الرقابية التي قد تنقلب لاحقاً لمراقبة إنفاقها. والمجتمع الذي لا تُستخرج منه الضرائب لا يُطوّر التنظيم الجماعي الذي ينشأ تاريخياً من معركة الإنتاج والاستخراج. الدولة والمجتمع يتباعدان، لا بقرار سياسي مقصود، بل بمنطق التراكم المادي نفسه.

اضمحلال الوظيفة الضريبية وتجميد آليات المحاسبة

أثبت تشارلز تيلي في دراسته المرجعية حول التشكّل التاريخي للدولة الأوروبية أن الفيصل في فهم نشوء الأجهزة الرقابية لا يكمن في الأفكار السياسية ولا في التنوير الفكري، بل في الجبر المادي لتمويل الحرب.[5] الدول التي خاضت حروباً باهظة التكاليف واضطرت لتمويلها من ضرائب مجتمعاتها، انتهت — بعد صراعات مريرة — إلى منح هذه المجتمعات حقاً في المشاركة بقرار الإنفاق. الديمقراطية التمثيلية في جذرها التاريخي الفعلي لم تكن منحة إلهية ولا فيضاً من الفلسفة — كانت ثمناً ماديًا دفعته السلطة لتمويل بقائها. وحيث انعدم هذا الجبر الضريبي، انعدمت الحاجة إلى الثمن.

الدولة الريعية العربية لم تخض هذا الجبر. ثروتها الوفيرة أتاحت لها تمويل أجهزتها الأمنية والبيروقراطية من الريع مباشرة، دون الحاجة إلى إقناع مجتمعها ودون منح هذا المجتمع صوتاً في كيفية الإنفاق. والنتيجة الموضوعية كانت بناء دولة ضخمة بيروقراطياً لكن هشّة رقابياً: ملايين موظفين حكوميين في أجهزة موسّعة، ومع ذلك قدرة محدودة على تحصيل ضريبة حقيقية، وإنفاق حكومي هائل دون شفافية في توزيعه، وميزانيات وطنية لا تُناقَش بعمق لأن المجتمع لا يُموّلها. ضخامة الجهاز لا تعكس قوة الدولة — بل تعكس حاجتها إلى توظيف الاستيعاب بديلاً عن التعاقد.

البرلمانات في هذا السياق أُفرغت من وظيفتها التاريخية الأصيلة. البرلمان الحديث نشأ كجهاز للتفاوض على الضرائب: هيئة تُراقب كيف تُستخرج أموال المواطنين وكيف تُصرف. حين تُلغي الدولة الريعية الحاجة إلى هذا الاستخراج، لا تُلغي البرلمانات بالضرورة — بل تُبقيها هياكل طقسية بلا سلطة رقابية فعلية. والطقس، حين يفقد مضمونه المادي، يصبح أكثر خطورة من الغياب الصريح، لأنه يُوهم بوجود ما لم يوجد.

الريعية لا تتوقف عند الحدود الخارجية للدولة — تتكرر بنيتها داخل الجهاز نفسه. كل وزارة، كل هيئة عامة، كل مؤسسة قطاع عام تتنافس على حصتها من الموازنة السنوية لا بوصفها جهة تُقدّم حساباً عن أداء إنتاجي قابل للقياس، بل بوصفها طرفاً في مساومة سياسية داخلية على توزيع الريع نفسه. هذه الريعية الثانوية — إن جاز التعبير — تُعيد إنتاج المنطق ذاته الذي حكم علاقة الدولة بالمجتمع، لكن هذه المرة بين أجزاء الدولة وبعضها: من يقترب من مصدر القرار السياسي يحصل على حصته من الفائض، لا من يُنتج أكثر أو يُدير أكفأ. النتيجة مفارقة ظاهرها تناقض وباطنها اتساق تام: دولة ريعية ضخمة الحجم، مترهلة الجهاز، لكنها في الوقت نفسه هشّة القدرة التنظيمية على مستوى وظائفها الأساسية — لأن التنافس الداخلي على الريع يستهلك من طاقتها التنظيمية أكثر مما يُنتج.

هذا الاضمحلال لا يحدث دفعةً واحدة ولا بقرار معلن — ينبثق عبر تراكم آليات متشابكة. الدولة التي لا تستخرج ضرائب لا تُطوّر إدارة ضريبية فعّالة ولا ترسّخ هيئات تدقيق مستقلة، ومن ثمّ لا تبني الأجهزة التي قد تنقلب عليها لاحقاً. ما تبنيه بدلاً من ذلك هو أجهزة التوزيع والضبط والاحتواء — أجهزة تخدم إعادة إنتاج السلطة لا مساءلتها. هذا ليس اختياراً أيديولوجياً بل ضرورة هيكلية. توسيع القطاع العام بما يتجاوز الحاجات الوظيفية الفعلية يتحوّل إلى آلية لربط الأفراد والعائلات والقبائل بالجهاز القائم بحكم مصلحتهم المادية لا بحكم ولائهم الأيديولوجي. وتُكمل الإعانات الاستهلاكية الشاملة — الوقود والكهرباء والغذاء والإسكان — هذه المنظومة بإرساء علاقة تبعية موضوعية تجعل كل احتجاج سياسي مغامرةً تمسّ المعيشة اليومية مباشرة.

الأثر التراكمي لهذه الآليات تحوّل عميق في مفهوم المواطنة ذاتها. دافع الضريبة يعلم أن جزءاً من ماله انتقل إلى الخزينة العامة، وهذه المعرفة تُولّد مشروعية للمطالبة بمعرفة أين صُرف — التفويض مشروط بالتسويغ. المواطن الريعي في المقابل يتلقى؛ وتلقّيه مزدوج الدلالة: نعمة مادية وقيد بنيوي. الرواتب الحكومية والإعانات السلعية وشبكات الامتياز حين تصبح العمود الفقري للمعيشة، يتحوّل أي نزاع مع السلطة من حق طبيعي إلى مخاطرة محسوبة لا يُقدم عليها إلا من يستطيع تحمّل خسارة ما يُتلقّى.

رصد ميكائيل روس هذا الديناميكي عبر ما سمّاه “الأثر الريعي” بثلاثة مستويات تعمل معاً: أثر الإنفاق، حين تشتري الدولة الرضا الاجتماعي بالخدمات فتُسكت الطلب على التمثيل؛ وأثر الضريبة، حين يُفضي غيابها إلى ضعف الدافع الشعبي للمطالبة بالمساءلة؛ وأثر تشكيل الجماعات، حين تحول الثروة النفطية دون نشوء تنظيمات مستقلة قادرة على تحدي السلطة.[6] الثلاثة معاً يُنتجون مجتمعاً مشلول الإرادة السياسية — لا عبر القمع المباشر وحده، بل عبر تحييد الحافز المادي للمطالبة في مصدره.

قلب التلازم التاريخي بين التمثيل والضرائب

في عام 1215 أجبر البارونات الإنجليز الملك جون على التوقيع على الماغنا كارتا، وكان من بنودها الجوهرية أن أي ضريبة جديدة تستلزم موافقة المجلس. في عام 1689 رسّخ برلمان إنجلترا في وثيقة الحقوق أن السلطة التنفيذية لا تملك تحصيل الضرائب دون موافقة تشريعية. وفي عام 1776 أعلنت المستعمرات الأمريكية ثورتها تحت شعار “لا تمثيل بلا ضرائب” — احتجاجاً على ضرائب فرضها برلمان بريطاني لا تُمثَّل فيه. هذه الأحداث المتباعدة زمنياً وجغرافياً تجمعها خيط مادي واحد: التلازم بين استخراج الثروة من المجتمع والاعتراف بحق هذا المجتمع في رقابة إنفاقها. الديمقراطية التمثيلية في جذرها الفعلي لم تُمنح بدافع الكرم السياسي — انتُزعت بالجبر المادي للتمويل.

الدولة الريعية تُلغي هذا المنطق لكنها لا تُصرّح بذلك. فبدلاً من أن تقول صراحةً “لا أحتاج مالكم ومن ثمّ لا أدين لكم بحق المساءلة”، تُعيد صياغة المعادلة كسخاء مؤسّس: “لن نأخذ منكم بل سنُعطيكم ابتداءً.” هذه الصياغة تُحوّل الإعفاء الضريبي من اعتراف موضوعي بعدم الحاجة إلى المجتمع كمصدر للإيرادات، إلى إيماءة كرم تستدعي الامتنان لا المطالبة. وحيث يحلّ الامتنان محل العقد، تتراجع مشروعية المحاسبة.

ثمة اعتراض يُثار عادةً: بعض الدول الإسكندنافية تُقدّم خدمات سخية وتُنفق حكومياً على نطاق واسع — فلماذا لم تُنتج هي نفس المآل؟ الجواب في المصدر لا في حجم الإنفاق. الدولة الإسكندنافية تُموّل خدماتها من ضرائب شاملة ومرتفعة تُستخرج من إنتاج مواطنيها، مما يُبقي العقد الضريبي فعّالاً. الشفافية مرتفعة بالضبط لأن دافعي الضريبة يعلمون أن أموالهم في الخزينة ويطالبون برقابة إنفاقها. الريع بخلاف ذلك يأتي من خارج المجتمع، فيُلغي هذا الضغط في مصدره — ولا يُعوّضه أي كرم في الإنفاق.

النتيجة البنيوية تتجاوز ضيق الحقوق السياسية الرسمية. الحقل السياسي يُفرَّغ من محركاته المادية الأعمق. الطبقات التي طالبت تاريخياً بالتمثيل كانت الطبقات التي أنتجت ودفعت وتوقعت مقابلاً محدداً. الفئات المعاشة على الريع الموزَّع لا تفتقر إلى حق التصويت فحسب — بل تفتقر إلى الحافز المادي الذي يجعل المطالبة بهذا الحق ضرورة حياتية لا خياراً أيديولوجياً. الفارق بين فئة تُنتج وتدفع وتطالب، وفئة تتلقى وتصمت، ليس فارقاً في مستوى الوعي أو درجة الثقافة السياسية — بل هو فارق في الموقع الموضوعي من علاقات الإنتاج وإعادة توزيع الفائض.

ما يُثبته روس بالأدلة الإحصائية على 113 دولة بين 1971 و1997 هو أن ارتباط الريع النفطي بالاستبداد يمتد إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط — نمط يُعاد إنتاجه في كل سياق يتوفر فيه الريع الخارجي الكافي، بصرف النظر عن المتغيرات الثقافية والدينية.[7]

هذا الاستنتاج لم يمرّ دون تحدٍّ منهجي جاد. مايكل هيرب يُعيد اختبار العلاقة بين الريع والديمقراطية على قاعدة بيانات عابرة للأقاليم، فلا يجد دعماً ثابتاً لفكرة أن للريعية أثراً سلبياً صافياً على احتمال أن تكون الدولة ديمقراطية؛ بل يجد أن درجة الديمقراطية في الإقليم المحيط بالدولة تُفسّر تبايناتها أكثر مما يُفسّرها الريع بذاته.[8] هذا اعتراض حقيقي لا يجوز تجاوزه بصياغة دفاعية. لكنه يُصيب هدفاً غير الهدف الذي تستهدفه هذه القراءة أصلاً. مقاييس “الديمقراطية” التي يعتمدها الاقتصاد القياسي السياسي — دورية الانتخابات، تعدد الأحزاب الشكلي، حرية الصحافة على الورق — تقيس شكل النظام لا آلية محاسبته الفعلية. دولتان قد تبدوان، بمعيار هذه المؤشرات، حالتين مختلفتين جذرياً، بينما تتقاسمان ما تستهدفه هذه القراءة تحديداً: غياب العقد الضريبي الذي يُجبر السلطة على تسويغ استمرارها أمام من يُموّلها. والأثر الإقليمي الذي يرصده هيرب لا ينقض هذه القراءة بقدر ما يُرجّحها من زاوية أخرى: الأنظمة السياسية تتأثر ببيئتها الإقليمية لأسباب بنيوية مشتركة، من بينها لا حصراً عليها، شيوع نمط الريع ذاته بين أكثر من دولة داخل الإقليم الواحد.

الاستبداد الريعي، بعد هذا التمحيص، ليس مأساة ثقافية ولا استثناء تاريخياً — بل هو حل وظيفي عقلاني من منظور السلطة لإدارة علاقة مع مجتمع تُعيشه لا تستمد إيراداتها منه.

الدولة الريعية كمنظومة بونابرتية فوق-طبقية

حتى الآن تتبّعنا آلية الريع في تجريف علاقة الدولة بالمجتمع — ماليًا في القسم الأول، ومؤسسياً في الثاني، ودستورياً في الثالث. لكن هذه المستويات الثلاثة لا تُجيب على سؤال نظري أعمق: ما الإطار المفاهيمي الذي يصف الدولة التي لا تُمثّل الطبقات بل تصنعها، ولا تُدير الصراع الطبقي بل تمنعه؟ هنا يُصبح مفهوم البونابرتية ضرورةً تحليلية لا ترفاً نظرياً.

في الثامن عشر من برومير لويس بونابرت، يصف ماركس كيف يرتفع الجهاز الدولتي فوق الطبقات المتصارعة ليتمتع باستقلالية ذاتية واسعة، حين يتعادل الصراع الطبقي ويعجز كل طرف عن الهيمنة المنفردة؛ فتتحوّل الدولة — ممثَّلةً بلويس بونابرت — إلى قوة قائمة بذاتها تُعلن نفسها ممثلةً لجميع الطبقات في آنٍ واحد، بينما تخدم في الواقع استمرار البنية الطبقية القائمة.[9] البونابرتية في قراءة ماركس ليست دكتاتورية ساذجة — بل شكل محدد من الاستقلالية الذاتية للدولة ينشأ حين تتحقق شروط موضوعية معينة.

نيكوس بولانتزاس سيُطوّر لاحقاً هذا المفهوم عند ماركس إلى ما سمّاه “الاستقلال النسبي للدولة” — فكرة أن جهاز الدولة، حتى في خدمته النهائية لمصالح الطبقة المسيطرة، يحتفظ بهامش حركة يمنعه من أن يكون أداة طيّعة بيد فصيل طبقي بعينه، لأن وظيفته الأعمق هي تنظيم التوازن العام بين الفصائل المتنافسة داخل الكتلة المسيطرة نفسها. لكن بولانتزاس، مثل ماركس قبله، افترض دوماً وجود تشكيلة طبقية قائمة بالفعل يُنظّم الاستقلال النسبي علاقتها بالدولة. الحالة الريعية تُسائل هذا الافتراض من جذوره: هنا لا توجد كتلة مسيطرة سابقة على الدولة تُنظّم الدولة توازناتها الداخلية — الدولة هي من يصنع الكتلة أصلاً، لا من يتوسط بين فصائلها.

الدولة الريعية تتجاوز هذا النمط لا تُكرّره. الدولة البونابرتية عند ماركس كانت تنشأ من تعادل طبقات قائمة ومتشكّلة سبقت وجودها — طبقات أنجبها التاريخ ثم عجزت عن تقرير أيّها تسود، فأتاحت هامش الحرية الذي استغلّه لويس بونابرت. الدولة الريعية لا تنتظر هذا التعادل: إنها تسبق تشكّل الطبقات المستقلة وتمنع نضجها بشكل منهجي. لا تقف فوق صراع ناضج — بل تقف فوق مجتمع أبقت بنيته الطبقية في طور تكوّن غير مكتمل ومُتحكَّم فيه. البونابرتية الكلاسيكية تستجيب لصراع طبقي. البونابرتية الريعية تمنع هذا الصراع من الولادة.

في هذه النقطة بالذات يلتقي هذا التشخيص مع ما قدّمه حمزة علوي في دراسته الكلاسيكية حول الدولة في المجتمعات ما بعد الاستعمارية. علوي يرصد دولاً لا تنشأ كتعبير عن سيطرة طبقة بعينها، بل تسبق تكوّن الطبقات المستقلة، فتبدو مستقلة عن جميعها بينما تخدم في الواقع استمرار التبعية البنيوية.[10] الفكرة لا تنطبق حرفياً على الحالة الريعية — لكنها تُسلط الضوء على ظاهرة مشتركة: الدولة التي تملك موارد القوة قبل أن تنضج الطبقات التي ينبغي نظرياً أن تنبثق منها، تتمتع بهامش استقلالية لا توفّره الدولة الأوروبية الكلاسيكية.

هذا الخيط نفسه امتد من خلال المساهمات السابقة، حين تتبعنا كيف نشأت الدولة في السياق الإسلامي فاعلاً اقتصادياً أول يحتكر توزيع الفائض قبل أن تتشكل الطبقات المستقلة القادرة على منازعته — نمط بنيوي متكرر لا جوهر حضاري ثابت، كما تأكّد هناك. الطفرة النفطية لم تُحدث قطيعة مع هذا النمط بقدر ما ضاعفت شروطه المادية إلى أقصاها. الدولة التي كانت تتحكم في فائض زراعي محدود عبر مركزية الري وحماية طرق التجارة، باتت تتحكم في فائض أضخم وأكثر تركزاً وأقل احتياجاً لأي وساطة اجتماعية من أي وقت مضى. البونابرتية الريعية إذن ليست طفرة معزولة في تاريخ الدولة العربية — إنها الذروة المادية لنمط قديم وجد أخيراً مصدر الثروة الذي يُطابق منطقه الداخلي تمام المطابقة.

في الحالة الريعية العربية تحديداً، تمتلك الدولة أدوات تشكيل طبقي لا تملكها البونابرتية الكلاسيكية. العقود الحكومية الكبرى ورخص الاستيراد والوكالات التجارية والتعيينات القيادية في شركات النفط والبنوك الوطنية ليست هباتٍ عشوائية — بل أدوات تشكيل طبقي ممنهج تُقرّرها السلطة وتسحبها متى شاءت. من ينال عقد الدولة يتراكم رأسماله؛ من يُحرم منه يبقى على الهامش؛ من يُعيَّن في الجهاز البيروقراطي يصبح مرتبطاً ببقاء هذا الجهاز بحكم مصلحته الموضوعية لا بحكم قناعاته الأيديولوجية. التشكيل الطبقي هنا لا يصدر عن ديناميكية السوق التنافسية — بل يصدر عن قرار سياسي ريعي يتخذه من يمتلك المنبع ويُقرّر من يصل إليه.

ينشأ من هذه البنية ما يمكن تسميته الفخ البنيوي الريعي: كل كتلة اجتماعية تشكّلت في رحم التوزيع الريعي تحمل في بنيتها مصلحة موضوعية في استمرار هذا الريع وفي بقاء الدولة الموزِّعة له، حتى حين تشكو من ظلم توزيعه. البرجوازية الكومبرادورية التي نشأت على الوكالات والاستيراد لا تُطالب بتفكيك المنظومة الريعية بل بحصة أوفر فيها؛ والطبقة المتوسطة المُعاشة على الوظيفة الحكومية تشتكي من الفساد البيروقراطي دون المساس بالبيروقراطية ذاتها؛ والفئات الدنيا ترفض رفع الإعانات حين تُهدَّد بها. شبكة التبعية هذه هي ما يُعيد إنتاج الدولة الريعية من الداخل — لا بالقمع المجرد، بل بإنتاج مجتمع تكون مصالحه الطبقية الحيّة مرتبطة باستمراره.

في هذا السياق بالضبط تتقاطع ملاحظة سمير أمين حول التراكم على الصعيد العالمي: إعادة إنتاج التبعية البنيوية في أطراف المنظومة الرأسمالية لا تتمّ بالإكراه الخارجي المباشر فحسب، بل بإعادة تشكيل الكتل الاجتماعية الداخلية على نحو يجعل مصالحها الطبقية الذاتية محاصَرة في استمرار النظام التابع.[11] الدولة الريعية، في إسقاط هذه الملاحظة، لا تحكم مجتمعاً — بل تُفرز المجتمع الذي تحكمه. وهذا هو المعنى الجوهري للبونابرتية في طورها الريعي الأقصى: دولة تُشكّل مجتمعها لا دولة تعبّر عنه، وجهاز يُنتج طبقاته لا جهاز ينبثق منها.

[1]Hussein Mahdavy, “The Patterns and Problems of Economic Development in Rentier States: The Case of Iran,” in M.A. Cook, ed., Studies in the Economic History of the Middle East (London: Oxford University Press, 1970), 428

[2]Giacomo Luciani, “Allocation vs. Production States: A Theoretical Framework,” in Hazem Beblawi and Giacomo Luciani, eds., The Rentier State (London: Croom Helm, 1987), 63–84.

[3]Hazem Beblawi, “The Rentier State in the Arab World,” in Beblawi and Luciani, eds., The Rentier State, 54–57

[4]Terry Lynn Karl, The Paradox of Plenty: Oil Booms and Petro-States (Berkeley: University of California Press, 1997), 239–242

[5]Charles Tilly, Coercion, Capital, and European States, AD 990–1992 (Oxford: Blackwell, 1992)..

[6]Michael L. Ross, “Does Oil Hinder Democracy?” World Politics [Scopus: Q1] 53, no. 3 (April 2001): 328–336.

[7]Ross, “Does Oil Hinder Democracy?” 355–358.

[8]Michael Herb, “No Representation without Taxation? Rents, Development, and Democracy,” Comparative Politics [Scopus: Q1] 37, no. 3 (April 2005): 297–316.

[9]Karl Marx, The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte (1852), Section VII. Available at: https://www.marxists.org/archive/marx/works/1852/18th-brumaire/

[10]Hamza Alavi, “The State in Post-Colonial Societies: Pakistan and Bangladesh,” New Left Review 74 (July–August 1972): 59–81.

[11]Samir Amin, Unequal Development: An Essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism, trans. Brian Pearce (New York: Monthly Review Press, 1976), 142–145. ⚠ الصفحات من المخطط الأصلي — تحتاج تحقق نهائي قبل الطبع. سمير أمين، التطور اللامتكافئ (نيويورك: مطبعة المراجعة الشهرية، 1976)، ص. 142–145.

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 5 من 5 (3 صوت)

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.