سورن كيركجور يعد علامة فارقة في تاريخ الفلسفة الحديثة، إذ خرج عن المألوف في عصره ليؤسس لفلسفة تعاش وتختبر في صميم تجربة الوجود الإنساني الفردي، والسؤال عن ماهية الفكر الذاتوي عند كيركجور يحيلنا مباشرة إلى رفضه التام للمذاهب النسقية المغلقة التي تنظر إلى الإنسان كمجرد رقم في سردية تاريخية، فلقد رأى كيركجور أن الحقيقة ليست موضوعاً نظرياً يُكتشف بالبرهان العلمي الخالص، بل هي التزام وجودي حي يرتجف له قلب الإنسان، وهو ما يجعل من التفكير فعلاً متصلاً بالكيان البشري بكل تناقضاته وصراعاته العميقة مع الواقع والوجود والمجتمع، وتتضح معالم هذا الفكر الذاتوي بجلاء من خلال القراءة التي قدمها الكاتب والمترجم الكبير قحطان جاسم لترجمة كتاب «إما ـ أو» لكيركجور؛ حيث يوضح أن كيركجور كمفكر وفيلسوف ذاتوي يستخدم أنماطاً متعددة في الكتابة، ويرتبط هذا التعدد بتنوع الوجود ذاته، ويضيف جاسم نقلاً عن إدوارد ف. موني أن «المفكر الذاتوي ليس باحثاً علمياً، إنه فنان. فأن تُوجد هو فن. لذا يكون المفكر الذاتوي جمالياً على نحو كاف بالنسبة إلى حياته كي تحوز محتوى أخلاقياً، وأخلاقيا بما يكفي لتنظيمها، وديالكتيكيا كفاية في التفكير بإتقانها». وهذا التداخل البارع بين الأساليب التعبيرية والجمالي والأخلاقي والديالكتيكي هو ما يعكس بدقة طبيعة الحياة الإنسانية المعقدة والمراوغة، التي ترفض الاختزال في نسق معرفي واحد، وتستوجب مقاربتها بأدوات تتجاوز جفاف المفاهيم التقليدية لتلامس نبض التجربة الواقعية والملموسة.
لفهم جذور هذه الذاتوية العميقة، لابد من الغوص في سيرة كيركجور ذاتها وما طبعها من مآسٍ وظلال قاتمة أثرت بشكل حاسم في بناء فكره الفلسفي؛ فقد نشأ تحت تأثير أب متهجس بالخطيئة والشعور الدائم بالذنب، وهو ما قد غرس في نفسه إحساساً مبكراً بالقلق الوجودي والرهبة الدفينة أمام المطلق الإلهي، وهذه التربية الصارمة إلى جانب شعوره الدائم بالعزلة والاختلاف عن عصره، جعلت من حياته ميداناً للتأمل المستمر في معنى الحرية ومسؤولية الاختيار الفردي، ولم تكن فلسفة كيركجور تأملات مفارقة للواقع، بل كانت صرخات روحية وفلسفية تنبع من جروح حقيقية وتجربة معيشة قاسية، حاولت أن تفكك أزمة الفرد المعاصر وهو يواجه العدمية المتسربة إلى مفاصل الحياة الاجتماعية والثقافية في القرن التاسع عشر.
وعلينا هنا التمييز بين ما هو “ذاتي” وما هو “ذاتوي”، فالذاتي يشير ببساطة إلى كل ما يتعلق بالفرد وعالمه الداخلي ومشاعره وانطباعاته الخاصة التي يختبرها بمعزل عن الآخرين، كأن يشعر شخص بالبرد أو الفرح أو الحزن. أما الذاتوية عند كيركجور فتمثل موقفاً فلسفياً ووجودياً متكاملاً يتخذ من التجربة الباطنية للفرد نقطة الانطلاق الوحيدة لفهم الحقيقة والوجود؛ فالذاتوي لا يكتفي بمجرد اختبار الشعور، بل يجعل من وعي الفرد بحريته ومسؤوليته وقلقه المطلق المعيار الأساسي للوجود الحق. وإنها صياغة واعية لمركزية الإنسان الفرداني في مواجهة العالم؛ حين تتحول الذات إلى ساحة المعركة الكبرى التي تقرر فيها مصائر القيم والمعاني بعيداً عن الوصاية الجماعية العمياء، وهذا الموقف مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم “تنوع الوجود” الذي يمثل ركيزة أساسية في بناء كيركجور الفلسفي والأدبي، وهو ما تفسره “تعدد أنماط الكتابة” التي اعتمدها طوال مسيرته الفكرية. فالوجود الإنساني ليس كتلة صلبة أو مساراً خطياً بسيطاً، بل هو سيرورة ديناميكية متدفقة تتسم بالتناقض والصراع والتحول المستمر. ومن هنا لجأ كيركجور إلى استخدام الأسماء المستعارة في مؤلفاته مثل «إما ـ أو»، ليعبر عن هذا التعدد الخصب، مانحاً كل شخصية صوتاً مستقلاً يمثل نمطاً وجودياً خاصاً. وذلك لأن تنوع أساليب الكتابة وتعدد الأقنعة لم يكونا مجرد نزوة أدبية أو محاولة لإخفاء الهوية، بقدر كانا ضرورة فينومينولوجية تفرضها طبيعة الوجود ذاته؛ فالحياة المعقدة والمحفوفة بالاحتمالات والمتناقضات لا يمكن الإحاطة بها من منظور أحادي صارم، بل تقتضي تعددية تعكس ثراء التجربة البشرية وعمقها الخفي.
تتجلى هذه الديناميكية الوجودية بوضوح في نظرية “مراحل الحياة” عند كيركجور، والتي صاغها لتبين مسار الارتقاء الروحي والأخلاقي للإنسان الفرد. وتبدأ المسيرة بالمرحلة الجمالية، حيث ينغمس الإنسان في ملذات اللحظة الحاضرة والبحث عن الإثارة والجمال الحسي، هرباً من الضجر والملل، لكنه ينتهي حتماً إلى اليأس عندما يكتشف زوال هذه المتع وسطحية الوجود العابر. ومن قلب هذا اليأس يندفع الفرد نحو المرحلة الأخلاقية؛ حيث يكتشف واجبه الإنساني والتزامه بالقواعد والمسؤولية تجاه المجتمع، محاولاً تنظيم حياته وشؤونها وفق معايير ثابتة وصارمة. غير أن الاكتمال الحق لا يتحقق إلا بالقفز نحو المرحلة الدينية، وهي مرحلة التسامي التي يتجاوز فيها الفرد حدود الأخلاق النسبية ليدخل في علاقة فردية ومباشرة مع المطلق الإلهي، قائمة على التسليم المطلق والإيمان الحي الذي وحده يحرر النفس من خطيئتها وشقائها الوجودي.
في صلب هذه المرحلة الدينية يتربع مفهوم “قلق إبراهيم”، الذي يحيلنا إلى ذروة التوتر الوجودي بين القلق الفردي والأمر الإلهي المتعالي، وكما يوضح جان بول سارتر في تحليله لهذه المعضلة في محاضرته الشهيرة ”الوجودية نزعة إنسانية “، فإن قلق إبراهيم ينشأ من استحالة اليقين الموضوعي البسيط في عالم تخترقه الشكوك والهلوسات؛ فلو جاء ملاك حقاً وطلب من إبراهيم التضحية بابنه، لكان الأمر واضحاً، لكن الإنسان يظل دائماً متسائلاً وعالقاً في شباك التأويل البشري المحدود: «ما الذي يثبت لي بالفعل أنه من الله؟» وكيف يتيقن الإنسان من هويته ومصدر النداء الذي يتلقاه؟ إن إبراهيم يتحمل المسؤولية المخيفة للقرار الفردي بمعزل عن أي سند اجتماعي أو عقلاني عام، وهو ما يجعل هذا القلق الإبراهيمي نموذجاً للحرية القصوى التي يجد فيها الإنسان نفسه وجهاً لوجه أمام المطلق، بلا ضمانات خارجية تحميه من هول الاختيار وحتمية تحمله لنتائجه المدوية، وتتقاطع هذه المعالجة الوجودية لقلق إبراهيم عند كيركجور بشكل مثير مع فلسفة جان بول سارتر، فرغم الفروق العقدية العميقة بينهما. إلا أن سارتر في نزعته الوجودية الإلحادية، يرى أن الإنسان محكوم عليه بالحرية، وأنه الكائن الذي يخلق ماهيته بنفسه من خلال أفعاله واختياراته في عالم خالٍ من أي معايير مسبقة أو عناية إلهية موجهة. فعندما يتحدث سارتر عن القلق وسوء النية، فإنه يلتقي مع كيركجور في رفض محاولات الهروب البشري من المسؤولية المطلقة؛ لأن الشخص الذي يكذب ويعتذر معلناً أن كل الناس يفعلون ذلك إنما هو «شخص ذو ضمير متعب»، يحاول عبثاً تبرير أفعاله عبر إضفاء قيمة كونية مزيفة على الكذب للهروب من عبء الاختيار الفردي، وهكذا يظهر القلق عند سارتر وكيركجور معاً بوصفه الشعور الكاشف لحقيقة الوضع البشري، حينما يتساءل الفرد بقلق عميق «ماذا يمكن أن يحدث لو فعل جميع الناس هكذا؟»، ليكشف بذلك عن هشاشة التبريرات الزائفة وعمق المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتق الذات.
ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن فلسفة كيركجور وسارتر تقدمان نقداً جذرياً للاغتراب الذي يعاني منه الإنسان في الأنظمة الحديثة؛ فالماركسية ترى أن الإنتاج الاجتماعي وشروط العيش المادي هما اللذان يحددان وعي البشر، غير أن النظام الرأسمالي يحيل الإنسان إلى مجرد سلعة مستلبة، مسلوبة الإرادة وخاضعة لقوانين السوق العمياء وتشييء علاقات الإنتاج، وهنا يأتي القلق الوجودي وسوء النية ليعبرا عن حالة التمزق العميق التي يعيشها العامل الفرد وهو مغترب عن ذاته وعن منتج عمله وعن بني جنسه؛ حيث إن الهروب إلى سوء النية وتبني الأعراف الجاهزة ليس سوى انعكاس نفسي لهيمنة البنية التحتية الاستغلالية على الوعي الفردي، مما يجعل من استعادة الذات وحريتها معركة سياسية واقتصادية وثقافية في آن واحد.
بهذا المعنى، تصبح الوجودية (المادية) قادرة على استيعاب عمق الصراع الكيركجوري من منظور يربط بين وعي الفرد المأزوم وبنيات المجتمع الطبقي المنتج للاغتراب. فالإنسان لا يعيش في فراغ تجريدي، بل هو نتاج علاقات اجتماعية وتاريخية محددة تشكل وعيه وتفرض عليه شروط وجوده المادي، وعندما يتحدث كيركجور عن قلق الفرد وبحثه المستمر عن الكينونة عبر مراتب الوجود ومراحله، فإنه يلامس، بطريقته الخاصة، أزمة الإنسان المعاصر وهو يحاول التحرر من قيود الاستلاب الاقتصادي والاجتماعي الذي تفرضه آليات الإنتاج الرأسمالي، وإن الالتزام الأخلاقي والديني عند كيركجور – رغم طابعه الميتافيزيقي – يمكن قراءته أو رؤيته بوصفه شكلاً من أشكال الرفض الراديكالي للتدجين الاجتماعي، ومحاولة جريئة لاستعادة الكرامة الإنسانية المسلوبة في عالم تحكمه لغة المنفعة والمادة.
ولا تتعارض هذه القراءة الماركسية للوجود مع طبيعة الفكر الكيركجوري، بل تمنحه أبعاداً تحليلية جديدة تكشف عن جذرية السؤال الوجودي في ارتباطه بالواقع المعيش؛ وذلك لأن الإنسان الذاتوي الذي يرفض الذوبان في القطيع الاجتماعي هو في الحقيقة كائن اجتماعي يناضل من أجل الحفاظ على فرادته، وإن رفض كيركجور للنساقية المطلقة يتسق تماماً مع النقد الماركسي للأيديولوجيا السائدة التي تسعى إلى تجميد التاريخ وتقديم النظام القائم بوصفه حقيقة أبدية نهائية، ومن هنا يتبين أن القلق الوجودي ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل هو المحرك الخفي لعملية التجاوز التاريخي، والشرط الضروري لكل محاولة إنسانية حقيقية لكسر قيود الاغتراب وإعادة بناء العالم على أسس عادلة وحرة، والتداخل المعقد بين الفلسفة الوجودية بأبعادها الذاتوية والسردية وبين التحليل المادي لتناقضات الواقع الاجتماعي ينير لنا درب القراءة المعاصرة لنصوص كيركجور وسارتر. فلم تكن كتابات كيركجور يوما ما كتابات فارغة بلا هدف، بل كانت دعوة صريحة لليقظة العقلية والأخلاقية، يحث فيها القارئ على مواجهة ذاته بلا رتوش أو أقنعة مزيفة. أما عن استخدام الأسماء المستعارة وتعدد الأساليب الأدبية والديالكتيكية فلم تكن سوى استراتيجيات تحريرية تهدف إلى إخراج القارئ من حالة التلقي السلبي والاجترار الببليوغرافي الجاف ومحاولة ربط الموضوع بتاريخ الكاتب، ليدخل إلى قلب التجربة الحية ويتحمل مسؤولية بناء معناه الخاص. وهذه فلسفة تعلمنا أن الوجود الحق لا يُمنح جاهزاً، بل يُنتج ويُبدع عبر المخاض العسير للاختيار الحر والمسؤولية الواعية.
وقراءة كيركجور اليوم، في عصر العولمة الرقمية واستهلاك الهويات تكتسب أهمية مضاعفة؛ فهي تذكرنا بأن جوهر الإنساني يكمن في القدرة على التوقف، والقلق، والتساءل المزعج: «ماذا لو فعل الجميع هكذا؟» وهو سؤال يضعنا وجهاً لوجه أمام مسؤوليتنا الأخلاقية والتاريخية. لأن الفن الحقيقي للوجود يكمن في شجاعة العيش بوعي كامل، وتحمل أعباء الاختيار الحر، ورفض كل أشكال سوء النية المريحة التي تسلب الإنسان إنسانيته وتجعله مجرد ترس في ماشينة الإنتاج والاستهلاك العمياء، ويظل كتاب «إما ـ أو» وسائر أعمال كيركجور منارة فكرية تتحدى القارئ وتستنفر طاقاته التأملية لاستكشاف دروب الوجود الوعرة، والتنوع الخصب في كتاباته، وارتباطه العضوي بتجربة الحياة المعيشة، يثبتان أن الفلسفة الحقيقية هي تلك التي تستمد قوتها من عمق الوجدان الإنساني وتناقضاته الواقعية، وكما علّمنا كيركجور وسارتر، فإن الحياة ليست حل لغز يجب حفظه، بل هي دراما موقفية حية يجب أن تُعاش بمسؤولية كاملة وقلق خلاق.
مصادر تم الرجوع إليها:
– سورن كيركجور، إما ـ أو: شذرة حياة (الجزء الأول)، ترجمة وتقديم قحطان جاسم (بغداد: دار الرافدين، د.ت.)، صـ ١١-١٢.
– جان بول سارتر، الوجودية منزع إنساني، تعريب محمد نجيب عبد المولى وزهير المدنيني (تونس: دار محمد علي للنشر؛ بيروت والقاهرة وتونس: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2012)، صـ ٣٦-٣٧.
