التناقض البنيوي لأطروحة الدولة الإسلامية

🖨️ طباعة المقال

إذا كانت العلمانية القيصرية سقطت لأنها فرضت حداثة فوقية على قاعدة اجتماعية لم تتغير، فإن البديل المقابل لها يفشل لسبب مختلف تماماً، وأخطر. مشروع “الدولة الإسلامية” لا يسقط لأن التطبيق كان ناقصاً أو الإرادة السياسية ضعيفة. يسقط لأن الجمع بين مكوّنيه، الدولة بمعناها الحديث والإسلامية بمعناها الفقهي الكلاسيكي، تناقض في التكوين لا خلل في التنفيذ. لهذا التناقض أربعة أوجه متلاحقة: من يملك حق التشريع النهائي، وماذا يفعل التقنين بتعدد الفقه، ومن يدير المؤسسة الدينية بعد الدمج، ولمن تخدم النتيجة حين يتحول هذا الدمج المستحيل إلى غطاء لاحتكار الفائض.

كينونة الدولة الحديثة الوستفالية[1] المانعة لإسلامها

أطروحة “الدولة الإسلامية” لا تصطدم بعقبة تطبيقية يمكن تذليلها بمزيد من الإرادة السياسية أو دقة التشريع. هي تصطدم بعائق في صلب تكوين الشكل الدولتي الحديث نفسه. هذا الشكل لم يُصَغ محايداً، قابلاً لاستقبال أي مضمون عقدي يُصب فيه؛ وُلد من رحم حروب أوروبية دموية استمرت عقوداً، انتهت بصلح وستفاليا عام 1648، وأنتجت مبدأً حاكماً واحداً: كل سلطة سياسية داخل إقليم معين يجب أن تكون واحدة، حصرية، لا تشارك أحداً في احتكار التشريع والقضاء والعنف المشروع. تشارلز تيلي لخّص هذا التكوين بعبارته المعروفة: الحرب صنعت الدولة، والدولة صنعت الحرب.[2] المركزية المطلقة لم تكن خياراً فلسفياً بل ضرورة عسكرية ومالية فرضتها منافسة الملوك على فرض الضرائب وتجنيد الجيوش.

حين تُستورَد هذه البنية إلى الفضاء الإسلامي بوصفها إناءً فارغاً يُملأ بمضمون “إسلامي”، يُرتكب خطأ تصنيفي فادح. في الواقع، الإناء نفسه ليس فارغاً. هو مشبع سلفاً بمنطق احتكاري لا يطابق الحقل الفقهي الذي يُراد صبّه فيه.

يوضح وائل حلاق هذا التناقض بحدة نادرة: الحوكمة الإسلامية الكلاسيكية لم تنشأ حول مركز سيادي واحد، بل حول الشريعة بوصفها مدونة أخلاقية يُعبّر عنها فقهاء مستقلون، متعددون، لا يستمدون شرعيتهم من تفويض الحاكم بل من كفاءتهم المعرفية النصية[3]. الحاكم في هذا النموذج ليس مصدر التشريع، بل خاضع له، مقيّد بجهاز فقهي يقف خارج جهازه الإداري بالكامل. الدولة الوستفالية تعكس هذا الترتيب عكساً تاماً: هي مصدر التشريع لا الخاضعة له، والقضاء فيها وظيفة من وظائفها لا سلطة موازية تراقبها من الخارج. فرض “الإسلامية” على هذا الجهاز لا يُنتج تركيباً جديداً بين تقليدين. يُنتج جهازاً وستفالياً يرتدي عباءة فقهية، مع بقاء بنيته الاحتكارية سليمة تماماً تحت العباءة.

هنا يكمن جوهر ما يسمّيه حلاق استحالة “الدولة الإسلامية”: ليست استحالة درجة، بل استحالة نوع[4]. لا يتعلق الأمر بنقص في التطبيق يمكن تصحيحه بمزيد من الحماس أو الصرامة، بل بتعارض في الطبيعة ذاتها. الأمر أشبه بمحاولة تشغيل برنامج صُمم لبنية معالج مختلفة تماماً: قد يعمل البرنامج ظاهرياً لبعض الوقت، لكنه يُنتج أخطاء متراكمة لا يمكن حلّها إلا بتغيير المعالج نفسه، أي الشكل الدولتي بأكمله.

هذا التمييز ليس اكتشافاً استشراقياً مسقطاً من خارج التراث الإسلامي. ابن خلدون رصده من الداخل قبل حلاق بستة قرون. في المقدمة، يفرّق ابن خلدون تفريقاً حاسماً بين “الخلافة”، وهي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، وبين “الملك”، وهو حمل الكافة على مقتضى الغرض والقهر الذي يستقل به صاحب السلطان بمعزل عن ضبط الشرع. ثم يذهب أبعد من مجرد التمييز المفهومي: يرصد كيف تحوّلت الخلافة تاريخياً، بعد صدر الإسلام الأول، إلى ملك بالفعل مع بقاء اسم الخلافة عليها لفظاً لا حقيقة، لأن العصبية والقهر هما ما يحكم الاجتماع البشري فعلياً، بينما يبقى الشرع أداة ضبط أخلاقي لا جهاز حكم قائماً بذاته. إذا كان أبرز مؤرخي هذا التراث نفسه قد شخّص هذا الانفصال البنيوي بين الحكم الفعلي والشريعة، فإن استعادته اليوم بوصفه “أصالة” مفقودة تستدعي حكماً واحداً لا غير: إما جهل بهذا التراث، أو تجاهل متعمد له.

محاولة “الحاكمية” التي طرحها المودودي وسيد قطب لم تكن غافلة عن هذا الإشكال، بل كانت محاولة جادة لتفاديه: نقل السيادة من الدولة إلى الله مباشرة، فلا يبقى للجهاز البشري إلا وظيفة التنفيذ. لكن هذه المحاولة تصطدم بمشكلة عملية لا مهرب منها. السيادة الإلهية المجردة لا تحكم من تلقاء نفسها؛ تحتاج جهة بشرية تُقرر ما الذي تعنيه “الحاكمية” في قضية بعينها، وهذه الجهة، أياً كانت تسميتها، مجلساً فقهياً أو محكمة دستورية دينية، تتحول فوراً إلى المرجع الأخير الفاصل، أي إلى نفس الموقع الذي كانت الدولة الوستفالية تحتله أصلاً. “الحاكمية” لا تُلغي احتكار التفسير النهائي، هي تُعيد تسميته فقط.

التجربة الإيرانية بعد 1979 قدّمت المحاولة الأكثر اتساقاً لاختبار هذا المنطق على أرض الواقع، عبر نظرية “ولاية الفقيه”: فقيه واحد يُنصَّب حارساً أعلى للحاكمية، ينقض عبر مجلس صيانة الدستور، الذي يُعيّن نصف أعضائه بنفسه، تشريعات البرلمان المنتخب إن تعارضت، في تقدير هذا المجلس، مع الشريعة. النتيجة الفعلية بعد أكثر من أربعة عقود ليست دولة تخضع للشريعة بدل الدستور الوضعي، بل دولة وستفالية مكتملة الأركان، بجيشها وحرسها الثوري وأجهزتها الأمنية وبرلمانها المنتخب، أُضيفت إليها طبقة تفسيرية عليا واحدة، هي مجلس صيانة الدستور والمرشد الأعلى، تحتكر القول الفصل النهائي. الاحتكار السيادي لم يُلغَ. أُضيف إليه طابق جديد فحسب.

مركزية التشريع الوستفالي في مواجهة التعددية التأويلية للفقه

إذا كانت الدولة الوستفالية تحتكر التشريع، فإن أول ما تفعله بأي منظومة معيارية تُقحَم فيها هو إخضاعها لعملية تقنين. والتقنين هنا ليس إجراءً تقنياً بريئاً بل عملية اختزال قسري. الفقه الإسلامي الكلاسيكي، كما يوثّق سامي زبيدة، لم يكن مدونة واحدة صلبة، بل حقلاً من الاجتهادات المتنافسة تعيش فيه مذاهب متعددة جنباً إلى جنب، وتتقاطع فيه أحكام الفقهاء مع قضاء السلطان في “المظالم” دون أن يُلغي أحدهما الآخر بالضرورة[5]. هذا التعدد لم يكن فوضى. كان آلية مرونة تسمح للشريعة بالتكيف مع تباين الزمان والمكان والحال.

حين تنقل الدولة الحديثة هذا الحقل المتعدد إلى صيغة قانون وضعي واحد، ملزم، صادر عن جهة تشريعية مركزية، فإنها تضطر إلى اختيار قول فقهي واحد من بين عشرات الأقوال المتاحة، وإلغاء البقية بقوة القانون لا بقوة الحجة. هذا بالضبط ما جرى في التجربة العثمانية مع “مجلة الأحكام العدلية” في القرن التاسع عشر، أول قانون مدني مقنّن مستمد من الفقه الحنفي وحده، وتكرر لاحقاً في أغلب الدول الوارثة للسلطنة[6]. النتيجة ليست شريعة أكثر التزاماً بأصلها، بل شريعة أقل مرونة منه؛ إذ يفقد القاضي سلطته الاجتهادية ويتحول من فقيه يُوازن بين الأدلة والسياق إلى موظف يطبّق نصاً جامداً.

ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها طويلاً. القاعدة الفقهية الكلاسيكية القائلة بدرء الحدود بالشبهات، أي تعليق العقوبة الجسدية عند أدنى احتمال للشك، كانت صماماً داخلياً يحدّ من صرامة التطبيق العقابي. حين يُقنَّن هذا الفقه في نصوص جزائية صارمة، يختفي هامش الشك الذي كان يحمي المتهم، ويحل محله نص لا يعرف إلا التطبيق الحرفي. زبيدة يرصد هذه المفارقة بدقة: التحديث القانوني للشريعة، بدل أن يُخفّف من صرامتها كما توقع بعض دعاة الإصلاح في القرن التاسع عشر، أنتج تطبيقاً أكثر قسوة للحدود مما كان سائداً تاريخياً، لأن التقنين ألغى بالضبط ما كان يمنح الفقه مرونته: القاضي المستقل، والاجتهاد المتعدد، وثقافة الشك الوقائي. هذه ليست عودة إلى “أصالة” الشريعة. هي اختراع لنسخة منها لم توجد قط بهذه الصلابة.

الآلية نفسها تتكرر في تجربة أخرى أقل عنفاً ظاهرياً لكنها لا تقل دلالة: “التلفيق”، أي انتقاء أحكام من مذاهب مختلفة ودمجها في نص تشريعي واحد لخدمة حاجة الدولة الحديثة، كما جرى في أغلب قوانين الأحوال الشخصية العربية طوال القرن العشرين. يُسوَّق هذا التلفيق باعتباره عودة أمينة للتراث الفقهي، بينما هو في جوهره ابتكار تشريعي حديث بالكامل، لم يكن ليخطر على بال أي فقيه كلاسيكي أن يجمع بين آراء متعارضة أصلاً في نص واحد ملزم. فهل هذا فقه أصيل حقاً؟ أم اختراع تشريعي يرتدي لغة الفقه ليكتسب شرعية لا يملكها بذاته؟

الحالة المصرية تقدّم نموذجاً أدق لصناعة هذا التلفيق. عبد الرزاق السنهوري، واضع القانون المدني المصري لعام 1949 والعراقي الذي بناه على غراره بعد ذلك بعامين، لم يُخفِ سعيه لتأصيل مواد القانون الوضعي الأوروبي بأصول فقهية إسلامية كلما أمكن ذلك، فجاء القانون مزيجاً هجيناً: بنية إجرائية وتصنيفية مستعارة بالكامل من التقليد الفرنسي، ومضمون بعض الأحكام مستمد انتقائياً من الفقه الحنفي والمالكي معاً حين يتوافق ذلك مع حاجات دولة حديثة تنظّم عقود التجارة والملكية العقارية. هذا ليس “تمصيراً” للقانون الأوروبي، ولا “تحديثاً” للفقه الإسلامي بالمعنى الدقيق. هو صناعة نص ثالث لم يكن له وجود تاريخي من قبل، يُقدَّم بلغة الأصالة بينما بنيته التصنيفية بأكملها حديثة استعمارية المنشأ.

تأميم الدين وتحويل الشريعة إلى جهاز بيروقراطي عقابي

سبق أن رصدنا كيف امتصت الدولة الحديثة استقلال الفقهاء المالي عبر تأميم الأوقاف وتحويلهم إلى موظفين يتقاضون رواتبهم من خزينة الحاكم. ما تفعله تجربة “الدولة الإسلامية” المعاصرة ليس سوى الحلقة الأخيرة من هذا المسار نفسه. لم يعد الفقيه موظفاً مالياً فحسب، بل صار فرعاً وظيفياً كاملاً من فروع الجهاز الأمني والبيروقراطي. المؤسسة الدينية الرسمية، بدواوين الفتوى ومجالس الإفتاء ووزارات الأوقاف، لا تراقب الدولة من الخارج. تُدار من داخلها. تُعيَّن هيئاتها بقرار إداري، وتُقال حين تخرج عن الخط الرسمي.

طلال أسد يقدّم هنا مفتاحاً تحليلياً حاسماً: فكرة “الدين” بوصفه مجالاً منفصلاً، قابلاً للتصنيف والتنظيم والترخيص، ليست معطى فقهياً تراثياً بل منتجاً حديثاً لسلطة الدولة ذاتها[7]. الدولة لا تكتفي بضبط الدين القائم. هي تُنتج الفئة نفسها التي تضبطها؛ تحدد من هو “رجل الدين المرخّص”، وما هو “الخطاب الديني المعتمد”، وأين تنتهي حدود “الفتوى الشرعية” لتبدأ حدود “التحريض”.

النتيجة العملية لهذا التأميم واضحة في كل تجربة حكم زعمت الاستناد إلى الشريعة: تُختزل الشريعة الحية، بمضمونها الأخلاقي الواسع في العدل ومنع الاستغلال وتوزيع الثروة عبر الزكاة، إلى بُعدها العقابي الأضيق وحده: الحدود الجسدية، ورقابة المظهر، وضبط السلوك العلني. هذا الاختزال لا يُفرغ الدين من فائض معناه الأخلاقي فحسب، لا بل يحوّله إلى وثيقة قابلة للترخيص كأي نشاط اقتصادي آخر. البُعد العقابي وحده هو القابل للتحويل الفوري إلى أداة ضبط سياسي، بينما البُعد التوزيعي للشريعة، الذي كان يمكن أن يُفعَّل نقداً لتركز الثروة واحتكار الفائض، يبقى معلّقاً بلا تفعيل حقيقي. الشريعة هنا لا تحكم الدولة. الدولة هي من تقرر أي جزء من الشريعة يُفعَّل وأي جزء يُجمَّد.

مثال الزكاة يوضح هذا الاختزال بأدق تفاصيله. الزكاة في مضمونها الفقهي الأصلي التزام اجتماعي متعدد المصارف، يشمل الفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل، وكانت تُدار تاريخياً بآليات محلية أهلية قريبة من موزَّع الفائض ومحكومة بمعرفة مباشرة بحال المستحقين. حين تحوّلها الدولة الحديثة إلى هيئة مركزية للجباية، كما جرى في أكثر من تجربة خليجية أعلنت التزامها بالشريعة، فإنها تُخضعها لمنطق الضريبة المعتاد: تحصيل مركزي، وإنفاق تقرره بيروقراطية الدولة لا الجماعة المحلية، ومصارف تُختزل عملياً إلى بند إحصائي ضمن الموازنة العامة. الوظيفة التوزيعية للزكاة لم تُلغَ رسمياً، لكنها فقدت استقلاليتها التي كانت تسمح لها تاريخياً بأن تعمل كصمام ضد تركز الثروة بمعزل نسبي عن إرادة الحاكم.

غرامشي يمنحنا هنا المفهوم الأدق لما يجري، لا فكرة الهيمنة وحدها بل ما يُسميه “الدولة المتكاملة”[8]: اندماج المجتمع السياسي القائم على القسر بالمجتمع المدني القائم على الإقناع في جهاز واحد لا يفصل بينهما فيه فاصل مؤسسي حقيقي. المؤسسة الدينية، بعد تأميمها، لم تعد فضاء من فضاءات المجتمع المدني المستقل القادر على منافسة الدولة على الهيمنة أو موازنتها من الخارج، بل ابتُلعت داخل الجهاز السياسي نفسه. المسجد الرسمي والمنبر المرخّص والفتوى المعتمدة تؤدي وظيفة الجيش والشرطة بأدوات مختلفة: إنتاج الخضوع لا بالقوة المباشرة بل بالإقناع المؤسسي المهيكل. حين يبتلع الجهاز السياسي الفضاء المدني بأكمله، يضيق هامش أي معارضة إلى درجة الاختناق.

التوتاليتارية الدينية البديلة لتبرير احتكار الفائض

حين يجتمع احتكار وستفالي للعنف المشروع مع ادعاء لاهوتي باحتكار الحقيقة المطلقة، لا نحصل على مجموع الاثنين. نحصل على شيء أخطر من كل واحد منهما منفرداً. الدولة الوستفالية العلمانية تبقى، رغم كل استبدادها، عرضة لنقد سياسي من نوع واحد على الأقل: يمكن اتهامها بالفشل، بسوء الإدارة، بخيانة العقد الاجتماعي. أما حين تُدمَج هذه الدولة بادعاء التمثيل الإلهي، فإن هذا الخط الأخير من النقد يُغلَق أيضاً. معارضة السياسات الاقتصادية الفاشلة لم تعد معارضة سياسية قابلة للنقاش، بل تصبح “خروجاً عن الملة” يستدعي القمع باسم الدين لا باسم القانون فقط.

هذا الدمج هو، في جوهره، الصيغة الأكثر اكتمالاً لما وصفه غرامشي بالهيمنة: لحظة يندمج فيها القسر المادي مع الإقناع الأيديولوجي إلى درجة يصعب معها التمييز بين الخضوع خوفاً والخضوع اقتناعاً. لكن ما يضيفه النموذج التوتاليتاري الديني على هذا التنظير هو غياب حتى الهامش النظري للمعارضة. في الهيمنة الغرامشية العادية يبقى صراع الأفكار ممكناً نظرياً ولو مقموعاً عملياً؛ أما حين تُلبَس السلطة عباءة التفويض الإلهي، فإن الاعتراض نفسه يُصنَّف مسبقاً كخطيئة لا كموقف سياسي قابل للنقاش أصلاً.

الوظيفة المادية لهذا البناء الأيديولوجي تتضح حين نعود إلى من يستفيد منه فعلياً. الطبقة الحاكمة التي جمعت احتكار الجيش والأمن باحتكار التأويل الديني الرسمي لم تعد بحاجة لتبرير اقتصادي لسياساتها، ببساطة لأنها لم تعد تُسأل عن جدواها الاقتصادية أصلاً. الفشل التنموي، وتركز الثروة في يد المقربين، واتساع الفجوة الطبقية: كل هذا يُعاد تأطيره خارج حقل النقاش الممكن، ويُستبدل بمعركة على “الهوية الدينية” لا معركة على توزيع الفائض. هذه هي الوظيفة نفسها التي رصدناها سابقاً في الدولة الريعية حين وظّفت الاستقطاب الهوياتي كصمام أمان. لكن التوتاليتارية الدينية تذهب أبعد من ذلك: لا تكتفي بتشتيت الانتباه عن الصراع الطبقي، بل تُجرّم أصل طرح السؤال.

إعلان تنظيم “الدولة الإسلامية” الخلافةَ عام 2014 قدّم النسخة الأكثر تعرية لهذا المنطق، ليس لأنه استثناء شاذ بل لأنه التطبيق الأكثر اتساقاً لفرضية الحاكمية حين تتحرر من أي قيد سياقي: احتكار عنف مطلق بلا حتى واجهة برلمانية شكلية، مقروناً بادعاء تمثيل إلهي مباشر لا وساطة فيه. النتيجة لم تكن دولة أكثر التزاماً بالشريعة، بل الصيغة الأعرى للتوتاليتارية التي وصفناها للتو: معارضة القرار الاقتصادي أو العسكري لم تكن ممكنة أصلاً لأنها لم تكن تصنَّف معارضة، بل كانت تُصنَّف مباشرة ردة تستوجب القتل. هذا ليس انحرافاً عن أطروحة “الدولة الإسلامية”. هو أطروحتها ذاتها بأقصى درجات صدقها مع نفسها، حين تُزال عنها كل الحواجز التلطيفية التي تحيط بها التجارب الأخرى الأقل تطرفاً.

بلغة الأداة التحليلية التي اعتمدها هذا الكتاب منذ فصله الأول: المحتكر هنا واضح، تحالف عسكري أمني يحتكر أدوات العنف والفائض معاً. الغطاء الأيديولوجي واضح أيضاً، توتاليتارية دينية تستثمر التأويل الديني الرسمي لتُحرّم مساءلة الفشل الاقتصادي بتصنيفه خروجاً عن الدين. أما الطرف الثالث في هذا الثالوث التحليلي، القوة الاجتماعية الصاعدة القادرة على كسر هذا الاحتكار، فغائب حتى الآن من هذا هذه المساهمه. هذا الغياب ليس سهواً، بل هو بالضبط ما يستدعي فحص الأداء الاقتصادي الفعلي لهذا النموذج حين يستلم الحكم: هل يُنتج هذا الاستلام قوة اجتماعية جديدة تتناقض معه من الداخل؟ أم يُعيد إنتاج الاحتكار نفسه بلغة أكثر تديناً في المظهر، وأشد التصاقاً بالجوهر القديم؟

[1] الدولة الوستفالية هي نموذج الدولة الحديثة القائم على أساس السيادة المطلقة داخل حدود جغرافية معينة، وعدم تدخل الدول الأخرى في الشؤون الداخلية

[2]Charles Tilly, “Reflections on the History of European State-Making,” in The Formation of National States in Western Europe, ed. Charles Tilly (Princeton: Princeton University Press, 1975), 42.

[3]Wael B. Hallaq, The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament (New York: Columbia University Press, 2012), 47–53.

[4]Hallaq, The Impossible State, 47–53.

[5]Sami Zubaida, Law and Power in the Islamic World (London: I.B. Tauris, 2003), chap. “Institutions: Courts, Qadis and Muftis.” [رقم الصفحة الدقيق يتطلب تحققاً يدوياً من النسخة المطبوعة]

[6]Zubaida, Law and Power in the Islamic World, chap. “The Age of Reform: The Etatization of Law.” [رقم الصفحة الدقيق يتطلب تحققاً يدوياً من النسخة المطبوعة]

[7]Talal Asad, Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity (Stanford: Stanford University Press, 2003), 201–205.

[8]Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, ed. and trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York: International Publishers, 1971), 263.

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 0 من 5 (0 صوت)
📂 التصنيفات: دراسات, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.