تمثل المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005 نموذجاً بارزاً لكيفية تداخل النص القانوني الجامد مع الواقع الاجتماعي والسياسي المتغير في المجتمعات الانقسامية. فمن منظور علم الاجتماع القانوني، لا يمكن فهم تعثر تطبيق هذه المادة بمعزل عن صراع الإرادات والمقاربات الدستورية المتباينة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، فضلاً عن الهواجس البنيوية للمكونات المحلية المتعايشة في المناطق المختلطة إدارياً وجغرافياً. وتكمن الأهمية السوسيولوجية لهذا النص الدستوري في كونه يقع ضمن ما يعرف علمياً بـ “النصوص المؤججة للصراع والموكل إليها تأجيل الحسم”وهي النصوص التي تصاغ في المراحل الانتقالية بمرونة فائقة لتمرير التوافقات العريضة، مع ترك آليات الحسم الفعلي لظروف سياسية لاحقة قد لا تتوفر دائماً على أرض الواقع. ويتضح هذا التعارض البنيوي عند تفكيك منطلقات الأطراف المعنية بنطاق المادة الجغرافي والإداري حيث تتنازع تفسير النص مقاربتان رئيسيتان. تنطلق المقاربة الأولى من مفهوم العدالة الانتقالية والتصحيح التاريخي، معتبرة أن بنود المادة (المتمثلة في التطبيع، الإحصاء، ثم الاستفتاء) هي التزام قانوني وأخلاقي واجب النفاذ لمعالجة آثار السياسات الديموغرافية السابقة كالتهجير والتعريب القسريين في المقابل ترتكز المقاربة المقابلة في بغداد على اعتبارات السيادة الوطنية والحفاظ على التوازنات السياسية والاقتصادية، إذ تتعامل السلطة الاتحادية بحذر وتوجس مع آليات الاستفتاء خشية الإخلال بالتوازن القومي وتوسيع الحدود الإدارية للإقليم على حساب سيادة المركز على الثروات الطبيعية، مستندة في الوقت ذاته إلى انتفاء الظروف الديموغرافية والأمنية الملائمة لتطبيق استحقاق بهذا الحجم بعد فوات السقف الزمني الأصلي المحدد عام 2007. هذا النزاع على مستوى هرم السلطة ينعكس بشكل مباشر على الوجود الاجتماعي اليومي للمواطنين في المناطق المختلطة مثل كركوك وسنجار وسهل نينوى. وبدلاً من أن يكون الدستور مظلة لبناء هوية وطنية جامعة ومواطنة متساوية، يؤدي استمرار الفراغ والتردد القانوني إلى ارتداد الأفراد طوعاً أو كرهاً نحو هوياتهم الفرعية لحماية وجودهم ومصالحهم اليومية. ففي كركوك على سبيل المثال، يثير احتمال الاستفتاء مخاوف بنيوية
لدى المكونين العربي والتركماني من تهميش تمثيلهم التاريخي والإداري، مما يدفعهم للمطالبة بصيغ بديلة قائمة على الإدارة المشتركة المتساوية لتجنب الهيمنة الأحادية. وفي سنجار وسهل نينوى، يقع الإيزيديون والأقليات الأخرى ضحية “الشرعية المزدوجة” والتداخل الإداري والأمني بين أربيل وبغداد، وهو ما يخلق فراغاً مؤسساتياً يعوق إعادة الإعمار وعودة النازحين، ويجعل من حماية هذه المكونات رهناً بالتوافقات الأمنية المؤقتة بدلاً من الضمانات القانونية المستدامة. إن بقاء المادة 140 معلقة بين الإصرار القضائي للمحكمة الاتحادية العليا على نفاذها القانوني، وبين العجز السياسي والاجتماعي عن تطبيقها على الأرض، يدخل هذه المناطق الحيوية في “حالة استثناء دائم” حيث يتراجع دور القانون المؤسساتي المكتوب لصالح سلطات الأمر الواقع والمصالح الأمنية المؤقتة. ويؤكد هذا المشهد أن صياغة التشريعات الدستورية في فترات الانتقال السياسي لا تكفي وحدها لحل النزاعات التاريخية العميقة ما لم تكن مسنودة بعقد اجتماعي حقيقي يعزز الثقة المشتركة بين الجماعات. وبناء عليه، فإن أي تسوية حقيقية للملف تتطلب الانتقال من عقلية “المعادلة الصفرية” الساعية لفرض تفسير قانوني أحادي، نحو مقاربة تشاركية مرنة تأخذ بالحسبان الهواجس الأمنية والمعيشية والتمثيلية لكافة الأطراف المتعايشة في تلك الجغرافيا.
