لعبارة «الدولة الريعية» حياتان متعاكستان. الأولى عند لينين، في الفصل الثامن من «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية». يلاحظ هناك أن لفظ «الدولة الريعية» (Rentnerstaat)، أو الدولة المُرابية، صار شائعاً في أدبيات الإمبريالية، ويُطلق على بلد يعيش على تصدير رأس المال، فيعزل الريعيين عن الإنتاج ويطبع البلد كله بطابع الطفيلية. تقف هولندا نموذجاً عند سارتوريوس فون فالترسهاوزن، وتأتي ألمانيا عند لانسبورغ في مقال عام 1911 عنوانه «ألمانيا، دولة ريعية». ولينين نفسه يعود في هذا الفصل إلى هوبسن غير الماركسي، ويأخذ على هلفردنغ أنه تراجع عنه في فهم الطفيلية. وخلاصته قاطعة: الدولة الريعية دولة رأسمالية طفيلية آخذة في التحلل.[1]
والحياة الثانية بعد نحو نصف قرن. يستعمل الاقتصادي الإيراني حسين محدوي العبارة نفسها لبلد يتلقى بانتظام مبالغ كبيرة من الريع الخارجي، ويقصد النفط في إيران وسائر بلدان الشرق الأوسط.[2] هنا يتبدل الموقع: لا دائن ولا مصدّر لرأس المال، بل متلقٍّ لدخل مصدره الخارج ولا يقابله جهد إنتاجي محلي. وما يجمع الاستعمالين شيء واحد: دخل لم يخرج من عمل منتج داخل الحدود. وما يفرّقهما موقع الدولة في التقسيم الدولي للعمل، وهذا الفارق لا يظهر في الأدب الذي أشاع العبارة. بل إن بيبلاوي، حين يرسم سلالة المفهوم، يستدعي سميث وريكاردو ومارشال، ويستحضر شومبيتر وفيبر في المقابلة بين الريعي والمنظِّم، ولا يرد اسم لينين في نصه ولا في مراجعه.[3]
فما الذي نسمّيه ريعاً حين نقول دولة ريعية؟ وأين يقع هذا الريع من علاقات الإنتاج؟ سؤالان لا يطرحهما الأدب الشائع. ويقدّم ماركس أدوات الجواب عنهما، ويضع في الوقت نفسه حدّاً لإغراء معاكس: أن يُرفع الريع من ظاهرة بارزة إلى نمط إنتاج.
ما يصفه الأدب الريعي وما يعجز عنه: محدوي وبيبلاوي ولوتشاني
لنبدأ بما أصاب فيه هذا الأدب، وهو كثير. عرّف محدوي الدولة الريعية بمصدر إيرادها: ريع خارجي يصل بانتظام وبمقدار كبير. وجاء التعريف في فصل ضمن مجلد في التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط، لا في دراسة عن الطبقات، وكان همّه فرضية في أنماط التنمية ومشكلاتها تصلح لأكثر من بلد.[4] ثم ضبط بيبلاوي المفهوم بأربع سمات: أن تهيمن حالة الريع على الاقتصاد، وأن يكون الريع خارجي المنشأ، وأن تنشغل بتوليده قلة من السكان فيما ينشغل الباقون بتوزيعه واستعماله، وأن تكون الحكومة المتلقّي الرئيس له.[5] وأضاف لوتشاني ثنائية الدولة الموزِّعة والدولة المنتِجة، فصارت الدولة تُصنَّف بمصدر إيرادها وبالوظيفة التي ينتهي إليها هذا المصدر: توزيع أو إنتاج.[6]
كل هذا وصف سليم، وسيبقى في الكتاب. حصة الريع من الإيراد العام، ومصدره الخارجي، وموقع الدولة متلقيةً له: وقائع قابلة للقياس والتحقق. لكن الأدب لا يتوقف عند الوصف، وهنا يبدأ ما يعجز عنه.
يفتتح بيبلاوي فصله بإعلان صريح: ليس غرضه مناقشة المفهوم الاقتصادي للريع وأشكاله، فالريع في التحليل الاقتصادي ثمن عنصر إنتاج كسائر الأثمان، ولا حكم قيمة فيه.[7] في هذه الجملة المنهج كله. إذا كان الريع سعراً فهو يُقاس ويُوزَّع، ولا يُسأل بأي علاقة ملكية صار مصدره في يد من يتلقاه، ولا من أُقصي عن الإنتاج بسببه. حتى حين يرى بيبلاوي فئات اجتماعية فهو يراها فئات منتفعين: هرم من الريعيين تتربع الدولة على رأسه، وتحتها الموظفون والتجار والوكلاء والسماسرة، ثم ريعيون من الدرجة الثانية ينشأون حول كل مصدر للريع.[8] تُرتَّب الفئات بقربها من الصنبور لا بموقعها من علاقة إنتاج. وحين يلتفت إلى الوافدين الذين يؤدون جانباً كبيراً من العمل المنتج ويبقى دخلهم مرتبطاً بعملهم، يسجّل الانقسام السياسي بينهم وبين المواطنين ويردّه إلى حق المشاركة في الريع.[9] يرى الأدب من أُقصي عن التوزيع، ولا يرى من أُقصي عن الإنتاج.
وحين يفسّر هذا الأدب يسلك أحد طريقين، وكلاهما ينقل السؤال من الإنتاج إلى مكان آخر. الأول طريق الجباية: لا تمثيل بلا ضريبة. يذكّر بيبلاوي بأن تاريخ الديمقراطية بدأ بعلاقة مالية بين الحاكم والمحكومين، وبأن المواطن الذي لا يدفع ضرائب أقل مطالبة بالمشاركة.[10] واختبر روس الفكرة على 113 دولة بين 1971 و1997، فوجد أن صادرات النفط ترتبط بالحكم السلطوي ارتباطاً قوياً، وأن المعادن الأخرى تفعل فعله، وفكّك التفسير إلى ثلاثة آثار: أثر ريعي، حيث تُخمد الضرائب المنخفضة والمحسوبية الضغط الديمقراطي؛ وأثر قمعي، حيث يموّل المال أجهزة الأمن؛ وأثر تحديثي، حيث يعجز النمو القائم على تصدير الخام عن إنتاج التحول الاجتماعي والثقافي المصاحب للديمقراطية. ووجد دعماً محدوداً على الأقل للثلاثة.[11] ثم جاء هيرب فاختبر العلاقة بين الريعية والديمقراطية على بيانات عابرة للأقاليم، وأولى عناية خاصة لاحتمال أن يكون للريع أثران، سلبي وإيجابي، وانتهى إلى نتيجة أقل حسماً: درجات الديمقراطية في الإقليم المحيط ترتبط ارتباطاً قوياً بدرجة البلد نفسه.[12] جدل جدّي، لكن موضوعه الجباية وقنوات الإيراد، لا علاقة الإنتاج.
والطريق الثاني طريق الباطن: «لعنة الموارد». البلدان الغنية بالمواد الخام تنمو أبطأ وتُحكم بأنظمة أقل ديمقراطية. وروس نفسه، في مراجعته لهذا الأدب في الاقتصاد والعلوم السياسية، يسجّل أن ما عُرف عن المشكلات الاقتصادية لمصدّري الموارد يفوق كثيراً ما عُرف عن مشكلاتهم السياسية، وأن علماء السياسة لم يختبروا نظرياتهم بعناية كافية.[13] لكن اللافت هنا شيء آخر: وحدة التفسير. في دراسته الأشهر يفرّق روس بين النفط والمعادن من جهة وسائر السلع المصدَّرة من جهة أخرى، فالأولى تضرّ بالديمقراطية والثانية لا.[14] المتغير المستقل إذن نوع السلعة، أي ما في باطن الأرض، لا علاقة الإنتاج التي تُستخرج بها السلعة وتُملَك وتُباع. وفي الطريقين، الجباية والباطن، يتغير ما يفسّر وتبقى القاعدة: يفسّر الأدب بنوع الإيراد أو نوع الخام، ولا يفسّر بعلاقة اجتماعية.
ولا يصحّ أن يُقال إن الأدب كله على هذا النحو، فبين أصحابه من التفت إلى المؤسسات وإلى الإنتاج. كارل تنطلق من أن بلداناً متباعدة كفنزويلا وإيران ونيجيريا والجزائر وإندونيسيا سلكت مسارات تنموية متشابهة حين هبّت عليها طفرة النفط، وتجعل المؤسسات التي يبنيها الازدهار النفطي حلقة وسيطة بين الريع ونتائجه.[15] وهي تعرّف الدولة الريعية بأنها دولة تعيش على ريع يُولَّد خارجياً لا على الفائض الذي ينتجه سكانها، لكنها تقيس الريعية بحصة الريع في إيراد الحكومة،[16] فيظهر الفائض في التعريف ويغيب في القياس. وتشودري تفسّر اختلاف المؤسسات في السعودية واليمن، وهما مصدّر للنفط ومصدّر للعمالة، بالتدفقات المالية التي دخلت كلاً منهما، أي مرة أخرى بقناة الدخل.[17] أما ميتشل فأقرب هؤلاء إلى ما يطرحه الكتاب: يلاحظ أن أكثر من كتبوا عن «لعنة النفط» تحدثوا عن مال النفط، أي الإيراد بعد تحويله إلى مال حكومي وثروة خاصة، لا عن النفط وكيف يُنتَج ويُنقَل ويُستعمل.[18] وجوابه العودة إلى إنتاج الطاقة وعمّالها وشبكاتها. وفي هذا ما يبيّن أن الغياب الذي ينتقده الكتاب لا يخترعه قارئ متحامل؛ إنه مرصود في الحقل نفسه.
وهذا الحياد ليس نقصاً عارضاً يُصلَح بإضافة الطبقة إلى قائمة المتغيرات. إنه نتيجة اختيار منهجي: حين تكون وحدة التحليل الإيراد، وأداة الاختبار نموذجاً يقيس أثر نسبة الريع في الإيراد على نوع النظام، لا يبقى مكان للفائض ولا لعلاقة الملكية ولا للطبقة. وحين يريد بيبلاوي أن يتجاوز الحساب إلى ما وراءه يجد نفسه عند «العقلية الريعية»: انقطاع الصلة بين العمل والمكافأة، وصدمة لأخلاقيات العمل، ولا يحيل في ذلك إلا إلى فيبر، في هامشه الوحيد.[19] هذا استبدال علاقة اجتماعية بحالة نفسية، وهو ما يحدث عادة لمن لا يملك مفهوماً للفائض: يجد في الأخلاق ما فقده في الاقتصاد السياسي.
فنُبقي من هذا الأدب الوصف، ونُسقط الإطار الذي يدّعي تفسيره. وهذه إزاحة لا هدم: لا ننقض ما قيس، بل نغيّر السؤال الذي يُطرح عليه، من «أين يذهب الإيراد؟» إلى «من يملك مصدره، ومن يُنتجه، ومن يُقصى عنه؟».
الريع عند ماركس: اقتطاع لا خلق، وضبط الاستعمال
يلاحظ بيبلاوي أن الاقتصاديين الكلاسيك، مالثوس مستثنى، ثم ماركس من بعدهم، لم يجدوا كلمة طيبة للريع والريعيين.[20] الملاحظة صحيحة وناقصة. فما يفرّق ماركس عن العداء الأخلاقي القديم أنه يقدّم تحليلاً: للريع عنده موضع محدد في بنية الفائض، وهو ليس موضوع استنكار.
الجزء السادس من المجلد الثالث لـ«رأس المال» عنوانه «تحويل الربح الفائض إلى ريع أرضي». العنوان وحده يضع الريع بعد الفائض لا قبله. وفي الفصل 37 يعلن ماركس أن تحليل الملكية العقارية في أشكالها التاريخية كلها خارج مجال عمله، ويقصر اهتمامه على شكل بعينه: الملكية العقارية بعد أن حوّلها رأس المال ونمط الإنتاج الرأسمالي إلى ما يلائمهما، عن إقطاع أو عن زراعة فلاحية صغيرة.[21] فنحن أمام مالك لا يقف خارج النظام، بل أمام ملكية صاغها رأس المال على قدّه. ولا يقتصر ذلك على فصل واحد: حين يعرض ماركس في تصدير 1859 ترتيب بحثه في «نظام الاقتصاد البرجوازي» يضع الملكية العقارية بين رأس المال والعمل المأجور، ويتحدث عن «الطبقات الكبرى الثلاث» للمجتمع الحديث.[22] ثلاث طبقات كبرى، والمالك ثانيها.
والريع الأرضي الذي يحلّله ماركس شريحة من فائض القيمة. ففي الفصل 38، وبمثال الشلال المائي، يتحول الربح الفائض إلى ريع حين يقع في يد مالك القوة الطبيعية التي يمكن احتكارها.[23] فالمالك لا ينتج القيمة، إنه يقتطع من قيمة أنتجها غيره، وحقه القانوني في الأرض هو الصورة التي يتحقق بها هذا الاقتطاع اقتصادياً. وهذا ينطبق على المنجم انطباقه على الحقل، فالفصل 46 يعالج ريع المناجم إلى جانب ريع مواقع البناء وثمن الأرض.[24] وماركس لا يعزو الريع إلى القوة الطبيعية نفسها: الشلال عنده ليس مصدر الربح الفائض بل أساسه الطبيعي، وما يحوّل هذا الربح إلى ريع كون القوة مما يمكن احتكاره وربطه بالأرض.[25] وكان الاقتصاد الكلاسيكي قد أصاب نصف الفكرة: الريع عند سميث وريكاردو نتيجة لارتفاع السعر لا سبب له، وبيبلاوي نفسه يستحضر ذلك في مطلع فصله.[26] أما ما أضافه ماركس فهو أن السعر ذاته قسمة لفائض قيمة.
ويذهب الفصل 47 إلى ما هو أدق، لأنه يفصل الريع قبل الرأسمالية عن الريع فيها. حين كان الريع، عملاً أو عيناً أو نقداً، الشكل الطبيعي لفائض العمل المنتزع من المنتج المباشر، كان هو نفسه علاقة الاستغلال. أما في ظل الرأسمالية فالشكل الطبيعي للفائض هو الربح، وانحدر الريع إلى زيادة على ما يطالب به رأس المال بوصفه أمراً عادياً، فصار شكلاً مستقلاً في ظروف خاصة وحدها: ليس صورة لفائض القيمة عموماً، بل فرعاً من الربح الفائض.[27] ويضيف الفصل 51 القاعدة الأعم: علاقات التوزيع هي الوجه الآخر لعلاقات الإنتاج، وتشاركها الطابع التاريخي العابر نفسه، وهي أساس وظائف اجتماعية خاصة يؤديها داخل علاقات الإنتاج وكلاء معينون في مواجهة المنتجين المباشرين.[28] المالك إذن وكيل توزيع داخل علاقة إنتاج رأسمالية، لا حامل علاقة إنتاج أخرى. وهذا أقوى سند نصّي لما يلتزم به الكتاب: الريع شكل توزيعي داخلي في علاقات الإنتاج الرأسمالية.
ومن هنا يتضح ما يريده الكتاب بلفظ «الريع»، ويُعلَن ذلك مرة واحدة لئلا يتسرب الخلط إلى بقية الفصول. للّفظ معنيان. الأول مقولة تقنية في نظرية التوزيع عند ماركس: جزء من فائض القيمة، أو من الربح الفائض، يقع في يد مالك شرط طبيعي من شروط الإنتاج. والثاني وصف لدخل خارجي المصدر لا يقابله جهد إنتاجي محلي، وهو معنى محدوي ومن تبعه، ويتسع به اللفظ عند بيبلاوي إلى ما لا تعرفه مقولة ماركس: تحويلات العاملين في الخارج، والمعونات، وريع الموقع الجيوسياسي.[29] يستعمل الكتاب المعنى الثاني مظلة وصفية، ويُبقي الأول مرجعاً نقدياً يضبط الاستعمال: حيث ينطبق الريع بالمعنى الماركسي فهو قناة المورد وحدها. فلا يُقال عن تحويلات المهاجرين ولا عن معونة جيوسياسية إنها ريع عقاري. وأي صنف من أصناف الريع التي فصّلها ماركس يصح على النفط مسألة مفتوحة لا تتوقف عليها الحجة هنا؛ يكفي أن الريع، في كل أصنافه، اقتطاع من فائض لا خلق له.
لماذا ليس الريع نمط إنتاج مستقلاً؟
ظاهرة بهذا الحضور تغري بتسميتها نمطاً. الإيراد الريعي يموّل الدولة، والدولة تموّل الاستهلاك والوظيفة والولاء، ويدور المجتمع حول هذه الدورة. فلا غرابة أن تظهر عبارة «نمط الإنتاج الريعي» في وثائق التنمية، كما في الفصل السادس من تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004، الذي يصف بها النمط السائد في الدول العربية.[30] ولا غرابة أن أقع أنا نفسي في إغراء التسمية: ففي دراسة نشرها المركز عام 2025 قارنتُ الاقتصاد الريعي بنمط الإنتاج الآسيوي، واستعملتُ عبارة «نمط الإنتاج الريعي» في وصف أثره السياسي.[31] ويصحّح هذا القسم ذلك الإطلاق، فالموقف تطوّر ولا يُعدَّل بصمت. ويُستند أحياناً إلى نقاش ألتوسير وبولانتزاس حول تمفصل أنماط الإنتاج داخل تشكيلة واحدة لتسويغ العبارة. والإسناد خاطئ، وخطؤه يستحق التفصيل لأن أطروحة الكتاب تقوم على نفيه.
يتألف نمط الإنتاج عند ماركس من علاقات إنتاج تقابل مرحلة بعينها من نمو القوى المنتجة، ومجموع هذه العلاقات هو البنية الاقتصادية للمجتمع، وعليها تقوم سائر عمليات الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية.[32] وليس مصدر إيراد الدولة عنواناً له. وأضاف ألتوسير وباليبار أن نمط الإنتاج مفهوم نظري، وأن المجتمع الواقعي تشكيلة تتمفصل فيها المستويات على أساس نمط محدد، وقد تحمل أكثر من نمط؛ وقال بولانتزاس الأمر بلغة التداخل: تشكيلة اجتماعية تتداخل فيها أنماط عدة يهيمن أحدها.[33] ومن هذا تفرّع الجدل حول تمفصل الرأسمالية وما قبلها من أنماط، وهو جدل دخل أدبيات التبعية بعد نقد لاكلاو لفرانك.[34]
ومعيار لاكلاو في ذلك النقد يفيد هنا. رأى أن فرانك عرّف الرأسمالية بما يجري في دائرة التبادل التجاري لا في دائرة الإنتاج، وأن الرأسمالية والإقطاعية قبل كل شيء نمطا إنتاج، أي علاقات قائمة على نوع محدد من ملكية وسائل الإنتاج وشكل محدد من انتزاع الفائض.[35] وسار برينر في الخط نفسه حين نقد ما سمّاه الماركسية السميثية الجديدة.[36] طبّق المعيار على «نمط الإنتاج الريعي» تجد الخطأ ذاته في مكان آخر: النمط يُعرَّف بمصدر إيراد الدولة، أي بما يجري في دائرة التوزيع، لا بعلاقة المنتج المباشر بمالك شروط الإنتاج. وقد يُعترض بأن الكتاب نفسه يقوم على نظرية التبعية التي استهدفها هذا النقد. والجواب في تعريف التبعية لا في الدفاع عنها: ليست عند ماريني علاقة تبادل وحسب، بل علاقة إنتاج أيضاً، إذ يعوّض رأس المال التابع ما يخسره في التبادل غير المتكافئ بدفع أجر دون قيمة قوة العمل.[37] التبعية هنا تُعرَّف بعلاقة بين العامل ورأس المال، وهذا ما يجيز للكتاب أن يستعمل المعيار نفسه.
ويفيد في تحديد الخلل أن نعود إلى المقارنة التي تغري بها فكرة النمط، المقارنة بنمط الإنتاج الآسيوي. يتحدث ماركس عن حالة لا يواجه فيها المنتجون المباشرون مالكاً خاصاً للأرض، بل دولة تقف فوقهم مالكةً وسيّدةً في آن، فيتطابق الريع والضريبة، وتقوم السيادة على ملكية الأرض مركّزة على نطاق قومي.[38] وهو يضيف في الفصل نفسه أن الشكل الاقتصادي المحدد الذي يُنتزع به فائض العمل غير المدفوع من المنتجين المباشرين هو الذي يحدد علاقة الحاكم بالمحكوم، ومنه الشكل السياسي، فالعلاقة المباشرة بين مالكي شروط الإنتاج والمنتجين المباشرين هي السر الأعمق للبناء الاجتماعي كله.[39] في تلك الحالة الريع هو علاقة الإنتاج نفسها، لأنه الشكل الطبيعي لفائض العمل المنتزع مباشرة من المنتج. وفي الرأسمالية فصل رأس المال الملكية العقارية عن علاقات السيادة والتبعية، وصار الربح الشكل الطبيعي للفائض والريع فرعاً منه.[40]
والدولة النفطية تشبه الآسيوية في وجه واحد صحيح: هي مالكة المورد وصاحبة السيادة معاً. لكنها لا تقف أمام المنتجين المباشرين برباط ريع. من يستخرج النفط عامل مأجور في علاقة رأسمالية، سواء كانت الشركة خاصة أو مملوكة للدولة، وهو عامل منتج لأن عمله ينتج سلعة تُباع في السوق العالمية بفائض. وما يتجمع من ذلك في خزينة الدولة، حصةً لها بوصفها مالكة للباطن وربحاً إن كانت هي صاحبة شركة الاستخراج، هو ما ينشئ العلاقات الريعية: وظائف وإعانات وعقود ووساطات، وهي كلها علاقات توزيع تقوم على نتيجة هذا الريع، لا علاقات إنتاج تقابل علاقة الأجر. الشبه إذن في شكل السلطة لا في بنية الإنتاج، والريع يطفو فوق علاقة رأسمالية قائمة ولا يؤسس علاقة تقف في مواجهتها.
ومنطق التمفصل يفترض ما يغيب هنا. التمفصل يُستعمل أصلاً بين علاقات إنتاج متمايزة تتجاور داخل تشكيلة واحدة: رأسمالية من جهة، وعلاقات قرابة أو نسب أو إقطاع من جهة أخرى، كما في أعمال ريه وميّاسو التي يعرضها فوستر-كارتر.[41] والتشكيلة قد تحمل بقايا أنماط سابقة تتعايش مع النمط المهيمن دون أن تلغيه، وتحديدها شأن بحث ملموس في كل حالة. لكن الريع ليس واحداً من هذه البقايا، لأنه لا يأتي بعلاقة إنتاج خاصة به: ليس له منتجه المباشر، ولا طبقة تنتزع منه فائضه بعلاقة مباشرة معه. فحيث لا علاقات متمايزة لا تمفصل، وما يُسمّى تمفصلاً هنا لفظ يغطي غياب المفهوم.
تلك نتيجة نظرية، لكن لها وجهاً سياسياً قبل أن تكون نظرية. لو كان الريع نمطاً لوجب أن تكون له طبقة تنتجه وأخرى تقتطع منها مباشرة، ولوجب البحث عن حامل ثوري لهذا النمط. لا شيء من هذا قائم. الصراع يجري داخل رأسمالية تابعة، بين طبقاتها، ومن يبحث عن طبقة «ريعية» ثورية يبحث عمّا لا وجود له. ولا ينقص هذا من وزن الريع في الدولة والسياسة والفكر؛ إنه يحدد موضعه فحسب: ظاهرة اقتصادية بارزة لا تصير نمط إنتاج لمجرد بروزها.
تثبيت المصطلح: «الشكل التابع الريعي»
ما الذي يحدّد بنية الإنتاج في البلدان التي يدرسها الكتاب؟ التبعية البنيوية للرأسمالية العالمية، وهي الفاعل الأول. والريع محدِّد ثانوي: يحدّد كيف تُعاد إنتاج التبعية في حالات بعينها، ولا ينشئ بنية إنتاج بديلة. من هذا الترتيب يخرج المصطلح الذي يحمله عنوان الكتاب: «الشكل التابع الريعي» هو الصورة التي تتخذها الرأسمالية التابعة حين يصل إلى الدولة دخل ريعي خارجي المصدر يعيد تشكيل التوزيع والبنية الطبقية. فالمُشوَّه في عبارة «التشوّه الريعي لنمط الإنتاج» هو النمط الرأسمالي التابع، والريع هو الذي يشوّهه لا الذي يحلّ محله.
ومن هنا فصاعداً يحمل كل استعمال لعبارة «التشوّه الريعي» هذا القيد، دون أن يُكرَّر في كل مرة. وللقيد وجهان عمليان. الأول أن يُقرأ الريع دائماً من داخل التبعية لا العكس: لا تُفسَّر التبعية بالريع، يُفسَّر الريع بما يفعله داخل التبعية. والثاني أن يُمنع في الكتاب كل لفظ يُضمر أن الريع بنية إنتاج قائمة بذاتها: لا «نمط ريعي»، ولا «طبقة ريعية» بمعنى طبقة تقابل أخرى داخل نمط، ولا «اقتصاد ريعي» إلا وصفاً لاقتصاد تابع يدخل الريع دورته. وهذا التثبيت أكبر من دقة لفظية: إنه ما يمنع الكتاب لاحقاً من الانزلاق إلى لغة تُضمر استقلالية الريع، فتعود من الباب الخلفي أطروحة أُغلق بابها الأمامي.
[1] V. I. Lenin, Imperialism, the Highest Stage of Capitalism (1916), ch. VIII, “Parasitism and Decay of Capitalism,” Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1916/imp-hsc/ch08.htm.
[2] Hossein Mahdavy, “The Patterns and Problems of Economic Development in Rentier States: The Case of Iran,” in Studies in the Economic History of the Middle East, ed. M. A. Cook (London: Oxford University Press, 1970), 428.
[3] Hazem Beblawi, “The Rentier State in the Arab World,” in The Rentier State, ed. Hazem Beblawi and Giacomo Luciani (London: Croom Helm, 1987), 49–62.
[4] Mahdavy, “Patterns and Problems,” 428.
[5] Beblawi, “The Rentier State in the Arab World,” 384–85.
[6] Giacomo Luciani, “Allocation vs. Production States: A Theoretical Framework,” in Beblawi and Luciani, The Rentier State, 63–82.
[7] Beblawi, “The Rentier State in the Arab World,” 383.
[8] Ibid., 386–89.
[9] Ibid., 390–91.
[10] Ibid., 387.
[11] Michael L. Ross, “Does Oil Hinder Democracy?,” World Politics [Scopus: Q1] 53, no. 3 (2001): 325–61.
[12] Michael C. Herb, “No Representation without Taxation? Rents, Development, and Democracy,” Comparative Politics [Scopus: Q1] 37, no. 3 (2005): 297–316.
[13] Michael L. Ross, “The Political Economy of the Resource Curse,” World Politics [Scopus: Q1] 51, no. 2 (1999): 297–322.
[14] Ross, “Does Oil Hinder Democracy?”
[15] Terry Lynn Karl, The Paradox of Plenty: Oil Booms and Petro-States (Berkeley: University of California Press, 1997), 7.
[16] Terry Lynn Karl, “Oil-Led Development: Social, Political, and Economic Consequences,” in Encyclopedia of Energy, vol. 4 (Amsterdam: Elsevier, 2004), 661–72.
[17] Kiren Aziz Chaudhry, The Price of Wealth: Economies and Institutions in the Middle East (Ithaca: Cornell University Press, 1997).
[18] Timothy Mitchell, Carbon Democracy: Political Power in the Age of Oil (London: Verso, 2011), 1.
[19] Beblawi, “The Rentier State in the Arab World,” 385–86, 393–94, 394n1.
[20] Ibid., 384.
[21] Karl Marx, Capital, vol. 3, ch. 37, “Introduction,” https://www.marxists.org/archive/marx/works/1894-c3/ch37.htm.
[22] Karl Marx, Preface to A Contribution to the Critique of Political Economy (1859), https://www.marxists.org/archive/marx/works/1859/critique-pol-economy/preface.htm.
[23] Marx, Capital, vol. 3, ch. 38, “Differential Rent: General Remarks,” https://www.marxists.org/archive/marx/works/1894-c3/ch38.htm.
[24] Marx, Capital, vol. 3, ch. 46, “Building Site Rent. Rent in Mining. Price of Land,” https://www.marxists.org/archive/marx/works/1894-c3.
[25] Marx, Capital, vol. 3, ch. 38.
[26] Beblawi, “The Rentier State in the Arab World,” 383.
[27] Marx, Capital, vol. 3, ch. 47, “Genesis of Capitalist Ground-Rent,” https://www.marxists.org/archive/marx/works/1894-c3/ch47.htm.
[28] Marx, Capital, vol. 3, ch. 51, “Distribution Relations and Production Relations,” https://www.marxists.org/archive/marx/works/1894-c3/ch51.htm.
[29] Beblawi, “The Rentier State in the Arab World,” 391–93.
[30] United Nations Development Programme, Arab Human Development Report 2004: Towards Freedom in the Arab World (New York: UNDP, 2005), ch. 6, “A Mode of Production that Reinforces Authoritarianism,” 151.
[31] Sattar Jabbar Rahman, “The Rentier Economy as a Modern Capitalist Model of the Asiatic Mode of Production: A Comparative Study,” European Center for Middle East Studies, 2025, https://ecmes.academy/?p=5730&lang=en.
[32] Marx, Preface.
[33] Louis Althusser and Étienne Balibar, Reading Capital (London: NLB, 1970); Nicos Poulantzas, Political Power and Social Classes (London: NLB, 1973).
[34] Ernesto Laclau, “Feudalism and Capitalism in Latin America,” New Left Review [Scopus: Q1] I/67 (1971): 19–38, https://newleftreview.org/I/67/ernesto-laclau-feudalism-and-capitalism-in-latin-america; Aidan Foster-Carter, “The Modes of Production Controversy,” New Left Review [Scopus: Q1] I/107 (1978): 47–77, https://newleftreview.org/I/107/aidan-foster-carter-the-modes-of-production-controversy.
[35] Laclau, “Feudalism and Capitalism in Latin America.”
[36] Robert Brenner, “The Origins of Capitalist Development: A Critique of Neo-Smithian Marxism,” New Left Review [Scopus: Q1] I/104 (1977): 25–92.
[37] Ruy Mauro Marini, The Dialectics of Dependency, ed. Amanda Latimer and Jaime Osorio, trans. Amanda Latimer (New York: Monthly Review Press, 2022).
[38] Marx, Capital, vol. 3, ch. 47, sec. II.
[39] Ibid.
[40] Marx, Capital, vol. 3, chs. 37, 47.
[41] Foster-Carter, “The Modes of Production Controversy,” 47–77.
