تختزل المقاربات السائدة الطائفية في المشرق العربي إلى مشكلة ثقافية أو إرث ديني أو صراع هوياتي، فتفصلها عن شروطها المادية والتاريخية. هذه المقاربات، سواء أكانت ثقافوية أم هوياتية أم أمنية، تتعامل مع الطائفية بوصفها معطىً أولياً أو انحرافاً عن مسار طبيعي مفترض نحو الدولة الوطنية الحديثة. غير أن التحليل المادي التاريخي يرفض هذا الاختزال. الطائفية ليست انعكاساً تلقائياً للمذهب، ولا نتيجة حتمية للإيمان، ولا مجرد بقايا ما قبل حداثية تقاوم الحداثة. هي شكل تاريخي محدد من إعادة إنتاج علاقات الإنتاج التابعة في مجتمعات ريعية أو شبه ريعية لم تُنجز بعد انتقالها إلى رأسمالية منتجة وطنية قادرة على دمج السكان في سوق عمل موحد ومواطنة متساوية.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية: الطائفية آلية بنيوية تُستخدم لتفتيت التوترات الطبقية وإعادة توجيهها نحو ساحات الهوية، فتمنع تشكل وعي طبقي مستقل وتُبقي الدولة أداة لتوزيع الريع والولاء بدلاً من أن تكون مؤسسة مواطنة. في المجتمعات التي يعتمد فيها الاقتصاد على الريع النفطي أو على التحويلات أو على الخدمات المالية والمضاربة، يصبح الولاء الطائفي أو العشائري العملة الأساسية التي تُوزَّع بها الموارد. الدولة لا تستمد شرعيتها من تمثيل إرادة عامة، بل من قدرتها على إعادة توزيع جزء من الريع عبر شبكات الزعامة والقرابة والطائفة.
تستند الدراسة إلى أدوات المادية التاريخية كما صاغها ماركس وإنجلز، وإلى مفهوم الهيمنة عند غرامشي، وإلى الإسهام النظري الذي قدمه مهدي عامل في تحليل الدولة الطائفية في السياق الاستعماري وما بعده.[1] الهدف ليس وصف المظاهر السطحية للطائفية، بل كشف وظيفتها البنيوية داخل علاقات الإنتاج والتوزيع، وفهم الآلية التي تُحوَّل بها التوترات الطبقية إلى صراعات هوياتية تُعيد إنتاج السيطرة. بهذا المعنى، فإن الدراسة لا تتعامل مع الطائفية كمشكلة أخلاقية أو ثقافية يمكن حلها بالحوار أو بالتربية، بل كعلاقة قوة مادية متجذرة في بنية الاقتصاد والسياسة.
تطرح الدراسة أربعة أسئلة مترابطة تشكل هيكلها التحليلي. الأول: ما الفرق الجوهري بين المذهبية والطائفية، ولماذا يُعدّ الخلط بينهما عائقاً أمام فهم الظاهرة؟ الثاني: كيف يختلف الشكل الدستوري للطائفية اللبنانية عن الشكل الزبائني-السلاحي للطائفية العراقية، رغم وحدة الوظيفة البنيوية التي يؤديانها؟ الثالث: لماذا يُصوَّر رفض النظام الطائفي في لبنان كتهديد للاستقرار المجتمعي الهش الذي أنتجته الحرب الأهلية، وكيف تستخدم القوى الطائفية معادلة «المقاومة» لتكريس هذه البنية؟ الرابع: ما الشروط المادية لتجاوز الطائفية في العراق، ولماذا يتطلب هذا التجاوز بناء قوى اجتماعية واسعة خارج البنية الطائفية ذاتها؟
التمييز بين المذهبية والطائفية
يبدأ التحليل العلمي لأي ظاهرة اجتماعية من تحديد موقعها داخل الكلية الاجتماعية. المذهب، من منظور المادية التاريخية، ينتمي إلى البنية الفوقية. هو منظومة فكرية-عقائدية أو فلسفية تعكس في لحظة تاريخية معينة مصالح ورؤى طبقات أو فئات اجتماعية محددة، حتى لو صيغت بلغة دينية مجردة. المذهب ليس مجرد آراء فردية معزولة، بل نسق تفسيري يمكن أن يتحول مع الزمن إلى مؤسسة فكرية لها قواعدها وتقاليدها وأدوات إنتاج المعرفة الخاصة بها. في هذه الحالة يدخل المذهب ضمن منظومة الهيمنة الرمزية في المجتمع، وقد يصبح أداة في يد السلطة لترسيخ نفوذها أو أداة بيد معارضيها لمواجهتها.
أما الطائفة فتنتمي إلى البنية التحتية للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية. هي شكل ملموس من التنظيم الاجتماعي يتفاعل مباشرة مع مؤسسات الدولة والسوق وموازين القوى المادية. الطائفة ليست كياناً فكرياً صرفاً، بل جماعة اجتماعية لها مصالح وآليات عمل داخل الواقع المادي. لها طقوسها وشعائرها وذاكرتها التاريخية وشبكات الولاء التي تنظم علاقات أفرادها ببعضهم وبالعالم الخارجي. هذه الطبيعة المزدوجة تجعل الطائفة كياناً قابلاً للتوظيف بطرق متناقضة: قد تكون ملاذاً يوفر الحماية والهوية والانتماء في فترات الاضطراب، وقد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج أنماط الهيمنة الطبقية عبر الولاءات ما قبل الوطنية.
المذهبية التزام عقلي أو وجداني بمسار تأويلي نحو الحقيقة. هي شعور بالإيمان بأن طريقاً محدداً في التفسير هو الطريق السليم للوصول إلى جوهر العقيدة داخل الدين الواحد. بهذا المعنى قد تكون المذهبية فردية في نزوعها، قائمة على قناعة عقلية أو وجدانية عميقة، دون أن تتطلب بالضرورة انتماءً إلى جماعة بشرية منظمة. أما الطائفية فليست انتماءً للفكرة ذاتها، بل للمجموعة البشرية التي تحمل تلك الفكرة. إنها انتماء إلى الحامل الاجتماعي للفكرة لا إلى مضمونها الفلسفي أو الروحي. وبذلك تكون الطائفية ضرباً من التضامن الاجتماعي قد لا يمر أصلاً عبر بوابة القناعة العقائدية، بل يستند إلى روابط الدم أو الجغرافيا أو الحماية أو الخوف أو المصلحة، أو حتى إلى الحاجة إلى هوية وانتماء ضمن واقع مأزوم أو مفكك.
الطائفية إذن ليست حراكاً فكرياً، ولا هي بالضرورة نتيجة مشاعر وجدانية دينية. هي حراك اجتماعي يشتغل داخل بنى الواقع، ويستمد فعاليته من موقعه ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية. لذلك فإن الطائفية لا تسعى إلى الاجتهاد أو الحجاج أو التأمل في جوهر العقيدة، بل تُفعَّل غالباً في إطار التحشيد، بوصفها أداة لتوليد الولاء وخلق الاصطفافات والانقسامات داخل المجتمع. إذا كانت المذهبية خطاباً يتأسس في العقل والوجدان، فإن الطائفية خطاب يُنتَج في المجتمع ويُستثمر فيه. وإذا كانت الأولى تقوم على الاقتناع، فإن الثانية تنبني على الانتماء. ومن هنا يتضح أن الطائفي قد لا يكون مذهبياً، والمذهبي قد لا يكون طائفياً. الفرق لا يتعلق بالمحتوى فقط، بل بنمط العلاقة مع ذلك المحتوى: علاقة تأمل ووعي في الحالة المذهبية، وعلاقة تضامن وتموضع اجتماعي في الحالة الطائفية.
على هذا الأساس يمكن فهم الطائفية كأحد أشكال الصراع الطبقي غير المباشر. فالتوترات الاجتماعية، بدلاً من أن تتجه نحو جذورها في علاقات الإنتاج والتوزيع، تُوجَّه نحو ساحات الهوية. تُستغل الهوية الطائفية لإعادة تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية بما يخدم مصالح فئات محددة، بدل أن تكون مصدراً للتنوع الثقافي والتكامل المجتمعي. الطائفية ليست نتيجة حتمية للإيمان المذهبي، بل انعكاس لشروط مادية محددة: ضعف الدولة الوطنية، انقسام السوق المحلي، عدم تكافؤ الفرص، وغياب العدالة في توزيع الموارد. هذه الشروط تخلق البيئة التي يتحول فيها الانتماء الطائفي من رابطة اجتماعية إلى مورد سياسي واقتصادي يُستثمر في الحشد والإقصاء وتحقيق المكاسب السلطوية.
العلاقة بين المذهب والطائفة ليست علاقة فصل حاد، بل علاقة مركبة تتسم بالتشابك وتبادل الأدوار. المذهبية، بصفتها نسقاً فكرياً وعقائدياً، تحتاج في كثير من الأحيان إلى حامل اجتماعي يحافظ على استمراريتها وينقلها عبر الأجيال. أما الطائفية فتسعى دائماً إلى شرعنة وجودها واستدامة سلطتها عبر استدعاء الرموز والمضامين المذهبية. غير أن الطائفية توظف المذهب لا من أجل تعميقه أو الدفاع عنه، بل كمظهر رمزي يضفي الشرعية على وجودها كجماعة اجتماعية. تستخدم المذهب كوسيلة للتعبئة، دون الرجوع إلى جوهره أو الحرص على تمثيله تمثيلاً أميناً. وهكذا تصبح الطائفة واجهة اجتماعية للمذهب، لكنها لا تمثله فكرياً، بل تحتكره سياسياً.
النظام الطائفي الدستوري في لبنان والنظام الزبائني-المليشاتي في العراق
يؤدي النظامان الطائفيان في لبنان والعراق الوظيفة البنيوية ذاتها: تحويل الدولة إلى أداة لتوزيع الريع والولاء، وتفتيت أي إمكان لتشكل وعي طبقي مستقل. غير أن الشكل القانوني-السياسي يختلف، وهذا الاختلاف يكشف عن آليات متباينة لإعادة إنتاج السيطرة. فهم هذا التشابه في الجوهر والاختلاف في الشكل ضروري لتجنب التعميمات السطحية ولبناء استراتيجية سياسية واقعية لتجاوز الطائفية.
في لبنان أخذ النظام شكلاً دستورياً صريحاً بعد اتفاق الطائف عام 1989. الطائفة هي الوحدة السياسية الفعلية، والمواطن لا يوجد إلا عبر طائفته. الدولة نفسها مؤسسة طائفية، والمحاصصة ليست انحرافاً عن القانون بل القانون الناظم للعلاقة بين السلطة والمجتمع. هذا الشكل يمنح الطائفية شرعية قانونية ويحولها إلى جزء من العقد الاجتماعي الهش الذي أنتجه الحرب الأهلية. وقد حلل مهدي عامل بدقة كيف تؤدي الزعامات الطائفية (الزعماء) وظيفة مزدوجة: تمثيل طبقي للأوليغارشية المالية من جهة، وتمثيل طائفي للطبقات الدنيا من جهة أخرى. في الظاهر تبدو الزعامات مهيمنة، بينما الهيمنة الفعلية تبقى بيد رأس المال المالي والتجاري. الزعيم يحصل على حصته من الدولة ليبني بها شبكات زبائنية داخل طائفته، مقابل أن يحمي مصالح الأوليغارشية ويمنع تشكل أي تحالف طبقي عابر للطوائف.[2]
بعد الحرب، أدت السياسات المالية والنقدية الريعية إلى دمج قطاعات واسعة من المجتمع في شبكات الزبائنية الطائفية. الإنفاق الحكومي الضخم على خدمة الدين العام، والذي ذهب معظمه كفوائد للمصارف وكبار المودعين، خلق كتلة ريعية مرتبطة عضوياً بالنظام. في الوقت نفسه، تحولت مؤسسات الدولة إلى امتداد لشبكات الزعامة، وأصبحت الخدمات العامة (الكهرباء، الماء، الصحة، التعليم) تُقدَّم عبر قنوات طائفية-زبائنية. هذا ما أنتج ما يمكن وصفه بدولة تكاملية (integral state) تدمج المجتمع عبر الحوافز الطائفية-الزبائنية وتحاصر إمكان تشكل مجتمع مدني مستقل.[3]
في العراق يقوم النظام على الولاءات الزبائنية والمال السياسي والسلاح خارج القانون، بلا سند دستوري مباشر مماثل للنموذج اللبناني. الوزارات حصص، والمناصب تُمنح وفق شبكات القرابة والطائفة، والدولة غنيمة تُوزَّع لا مؤسسة مواطنة. هذا الشكل أكثر مرونة وأقل شفافية، لكنه يؤدي الوظيفة نفسها: ربط إعادة توزيع الموارد بالولاء السياسي-الطائفي. وقد لاحظ الباحثون أن التجربة العراقية بعد 2003 أقرب إلى ما يُسمى «طائفنة» مفروضة، على خلاف الطائفية اللبنانية المؤسسة منذ نشأة الدولة الحديثة.[4] [5]
بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، أُعيد بناء الدولة العراقية على أساس محاصصة طائفية-إثنية صريحة، وإن لم تُكرَّس في نصوص دستورية بنفس الوضوح اللبناني. توسع القطاع العام بشكل هائل ليصبح الأداة الرئيسية لبناء الشبكات الزبائنية. ارتفع عدد موظفي الدولة من مئات الآلاف إلى الملايين، وتحولت الرواتب والتعاقدات والمناقصات إلى أدوات لتوزيع الولاء. في الوقت نفسه، بقي السلاح خارج سيطرة الدولة الفعلية، فتشكلت ميليشيات مرتبطة بالأحزاب الطائفية تؤدي وظائف أمنية واقتصادية وسياسية موازية. النتيجة دولة ضعيفة مؤسساتياً وقوية كشبكة توزيع ريعي.[6]
يمكن فهم وحدة الجوهر بين الحالتين من خلال تحليل ماركس في «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت». أظهر ماركس كيف تتحول البنى التقليدية (كالفلاحين المتفرقين في الريف الفرنسي) إلى قاعدة لسلطة فوقية حين تُستثمر سياسياً لتفتيت التنظيم الطبقي. النظام البونابرتي لم يُنتج هؤلاء الفلاحين، لكنه استخدم تشتتهم وعزلتهم ليحوّلهم إلى قاعدة لسلطة تستمد شرعيتها من ضعف التنظيم الطبقي.[7] الأمر نفسه يتكرر في لبنان والعراق: تُستخدم الطائفة والعشيرة لتفتيت الوعي الطبقي وتحويل الجماهير إلى كتلة طيعة في يد السلطة الريعية. الفرق بين الحالتين فرق في درجة مأسسة العملية وفي تاريخ تشكلها، لا في جوهر الوظيفة التي تؤديها داخل علاقات الإنتاج التابعة.
رفض الطائفية في لبنان ومعادلة «المقاومة»
أنتجت البنية الطائفية اللبنانية بعد الحرب الأهلية استقراراً هشاً قائماً على توازن الرعب والمحاصصة. هذا الاستقرار ليس استقراراً اجتماعياً حقيقياً يقوم على اندماج اقتصادي وسياسي للمواطنين، بل توازن قوى يحمي مصالح الزعامات الطائفية ويقطع الطريق على أي مشروع وطني عابر للطوائف. لذلك يُصوَّر أي رفض جدي للنظام الطائفي فوراً كتهديد بإعادة إنتاج الحرب الأهلية. الخطاب السائد يقول: إما المحاصصة الطائفية أو الفوضى والحرب. هذا الخطاب يحول النقد البنيوي إلى خطر وجودي، فيغلق أفق التفكير في بدائل.
تلجأ القوى الطائفية إلى ما يمكن تسميته بمعادلة المقاومة: تضخيم عدو خارجي (إسرائيل، الإمبريالية الغربية، الآخر المذهبي) ليُستخدم غطاءً أيديولوجياً يكرّس الحاجة إلى الزعامات والسلاح الطائفي. هذه المعادلة تحول النقد الداخلي للبنية إلى خيانة أو خدمة للعدو. من يطالب بتجاوز المحاصصة أو ببناء دولة مواطنة يُتهم بأنه يضعف «جبهة المقاومة» أو يخدم مشاريع خارجية. النتيجة إغلاق الفضاء السياسي أمام أي مشروع تحرري، وتحويل المجتمع المدني إلى امتداد للمجتمع الأهلي الطائفي.
تندرج هذه العملية ضمن ما وصفه غرامشي بمفهوم الهيمنة. الهيمنة لا تتم بالقمع المباشر فحسب، بل عبر إنتاج إجماع أيديولوجي يجعل الانقسام الطائفي يبدو ضرورة تاريخية لا يمكن تجاوزها.[8] في الحالة اللبنانية بعد الحرب، أدت السياسات الريعية إلى دمج قطاعات واسعة من المجتمع في شبكات الزبائنية الطائفية، فأنتجت إجماعاً مادياً وأيديولوجياً حول النظام. العدو الخارجي المضخَّم يصبح أداة لشرعنة هذه البنية الداخلية. كلما ازدادت حدة الخطاب المقاوم، ازدادت صعوبة طرح السؤال عن التوزيع الداخلي للثروة والسلطة. هكذا تُستخدم المقاومة كآلية لإعادة إنتاج ما يُفترض أنها تقاومه على المستوى الداخلي: الانقسام والتبعية والزبائنية.
هذا لا يعني إنكار وجود عدوان خارجي حقيقي أو احتلال أو تهديدات. يعني أن توظيف هذه التهديدات يتم بطريقة تخدم إعادة إنتاج البنية الطائفية داخلياً. التحرر الحقيقي من السيطرة الخارجية لا ينفصل عن التحرر من البنية التي تجعل المجتمع عاجزاً عن بناء قوة ذاتية مستقلة. الدولة الطائفية الضعيفة مؤسساتياً والمرتبطة بشبكات ريعية وزبائنية لا يمكن أن تكون قاعدة لتحرر وطني حقيقي. هي في أفضل الأحوال وسيط بين الخارج وبين قواعدها الزبائنية.
شروط تجاوز الطائفية في العراق
يرفض الطائفية في العراق يواجه عقبة أعمق من عقبة الاستقرار الهش اللبنانية: غياب قوى اجتماعية واسعة ومنظمة خارج البنية الطائفية ذاتها. المجتمع الأهلي (العشيرة، الطائفة، المرجعية) ليس بقايا تاريخية من زمن ما قبل الدولة الحديثة، بل جهاز فعّال داخل منظومة السيطرة الطبقية والزبائنية، يعمل على إعادة إنتاجها بأشكال معاصرة. في الظاهر يبدو شبكة تضامن اجتماعي تحافظ على قيم الانتماء والعائلة والعشيرة. في جوهره، ضمن التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية التابعة، يتحول إلى بنية وظيفية للهيمنة، أي إلى شكل من أشكال السلطة الموازية التي تضمن استمرار النظام السياسي دون الحاجة إلى مؤسسات ديمقراطية حقيقية.
الهيمنة ليست فقط في يد الدولة كجهاز قمع. هي تُمارَس أيضاً من خلال المجتمع، أي من خلال البنى الثقافية والدينية والعائلية التي تُنتج الطاعة. ما يميز مجتمعات مثل العراق ولبنان واليمن هو أن هذا المجتمع لم يتطور بعد إلى فضاء للمواطنة، بل بقي أسيراً لشكل من أشكال المجتمع الأهلي الذي يتماهى فيه الولاء الاجتماعي مع الولاء السياسي. وبذلك تصبح العشيرة والطائفة والحزب وجهاً واحداً لعملة السلطة. المجتمع الأهلي يوفر القواعد الشعبية والولاءات التي تستند إليها الأحزاب الطائفية في توزيع الغنائم والمناصب. حين تتحول الدولة إلى غنيمة، يصبح الولاء العملة الوحيدة المتداولة، وتتحول مؤسسات الدولة إلى امتداد لشبكات القرابة والزعامة.
في المجتمعات الريعية أو شبه الريعية تُوزَّع الموارد على أساس الولاء لا على أساس الحاجة أو الكفاءة، فيتشكل ما يمكن تسميته باقتصاد الولاء. تتحول الوزارات إلى حصص، والمناصب إلى أدوات زبائنية، وتذوب الحدود بين الخاص والعام. الفساد هنا ليس انحرافاً عرضياً عن القانون، بل القانون الفعلي الذي ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع. وقد أظهرت دراسات الرفاه الطائفي كيف تُستخدم شبكات الخدمات لترسيخ الولاءات وإعادة إنتاج الانقسام. الأحزاب الطائفية لا تقدم الخدمات بوصفها حقوقاً مواطنية، بل بوصفها منحاً ترتبط بالولاء والانتماء.[9]
هذا الاقتصاد يخلق تبعية مادية مباشرة. الفرد الذي يعتمد على الزعيم أو الحزب للحصول على وظيفة أو علاج أو عقد أو حماية أمنية يصبح مرتبطاً عضوياً بالنظام الطائفي. الوعي الطبقي، الذي يفترض أن ينطلق من إدراك الموقع المشترك في عملية الإنتاج، يُستبدل بوعي طائفي يرى في «الطائفة» الحامية والموظفة والموزعة للخيرات. النتيجة أن أي محاولة لبناء تنظيم طبقي مستقل تواجه ليس فقط القمع السياسي، بل أيضاً المقاومة المادية لمن يستفيدون من الشبكات الزبائنية على المستوى المحلي.
المنظمات الجماهيرية كساحة لحرب المواقع
التجاوز الحقيقي للطائفية يتطلب بناء منظمات جماهيرية حقيقية قادرة على تنظيم عشرات ومئات الآلاف من المواطنين. النقابات والاتحادات الطلابية والمنظمات النسوية والجمعيات المهنية يجب أن تكون أدوات تعبئة وتأطير جماهيري واسعة، لا كيانات محدودة العضوية تُدار بمنطق النخبة أو الأنشطة الرمزية. المنظمة الجماهيرية تستمد قوتها من قاعدتها الاجتماعية وقدرتها على خوض الصراع اليومي والمباشر.
لا يكفي تحديد البنية الطبقية للسلطة الطائفية وتحليل آلياتها في إعادة إنتاج السيطرة. فالمطلوب أبعد من ذلك: تحديد القوى الطبقية والفئوية المناهضة لهذه السلطة، والتي تمتلك مصلحة موضوعية وقدرة كامنة على كسر احتكارها. هذه القوى تشمل العمال والفلاحين والطلبة والموظفين الصغار والمهنيين والشباب المتعلمين الذين لا يجدون أفقاً داخل الشبكات الزبائنية والطائفية. المطلوب هو العمل المنظم على بلورة وعيها الطبقي والديمقراطي والوطني المناهض للطائفية، وتحويل هذا الوعي إلى قوة مادية قادرة على تغيير موازين القوى.
إنها ليست مهمة نظرية تُنجز عبر الوثائق أو المقالات الإنشائية أو الندوات المغلقة. بل هي مهمة نضالية تنظيمية تستهدف تنظيم وحشد مئات الآلاف من المواطنين حول مطالب ملموسة ترتبط بحياتهم اليومية: الأجور، الخدمات، السكن، التعليم، والحق في تمثيل سياسي خارج منطق المحاصصة والولاء. بدون هذا الحشد الجماهيري المنظم تبقى التحليلات الطبقية، مهما بلغت دقتها النظرية، عاجزة عن تحويل ميزان القوى الفعلي على الأرض.
لا يكفي لرفض الطائفية ومكافحتها أن نرفع شعاراً أو لافتة ترفضها، أو أن ندرج فقرة عنها في برنامج سياسي. فكما أننا لا نستطيع تغيير علاقات الإنتاج الرأسمالية بمجرد قولنا إننا ضد الرأسمالية وكأنها ستستجيب ببراءة لنداءاتنا، فإننا لا نستطيع تفكيك البنية الطائفية بمجرد إعلان رفضنا لها. الطائفية علاقة قوة مادية متجذرة في توزيع الريع والسلطة والولاء، ولا تتراجع أمام الخطاب أو الشعارات، بل أمام قوة اجتماعية منظمة تنازعها السيطرة على الموارد والتمثيل. الرفض اللفظي، مهما ارتفع صوته، يبقى عاجزاً ما لم يتحول إلى تنظيم جماهيري واسع يغير موازين القوى على الأرض.
المنظمات الجماهيرية ليست محايدة في هذا الصراع. فهي إما أن تُستوعب داخل المجتمع الأهلي والطائفي فتصبح امتداداً لشبكات الزعامة والميليشيا، أو أن تتحول إلى أدوات لتشكل وعي طبقي جديد يعيد تعريف الانتماء على أساس المصلحة المشتركة والمواطنة. في الحالة الثانية تصبح هذه المنظمات مختبرات لإنتاج فاعلين تاريخيين واعين بدورهم في الصراع، لا مجرد أتباع في شبكات الولاء التقليدية. المهمة هنا تتجاوز التمثيل السياسي الشكلي إلى إعادة بناء الوعي الجمعي ذاته وربط كل مطلب يومي بمسألة السلطة والتوزيع.
بناء هذه القوى عملية مادية تتطلب شروطاً واضحة: وجود شرائح اجتماعية لها مصلحة حقيقية في تجاوز النظام الطائفي، وقدرة على تشخيصها وتنظيمها، وخطاب سياسي يربط المطالب المباشرة بمسألة السيطرة على موارد الدولة وإعادة توزيع الثروة. المنظمات التي تنجح في تنظيم عشرات لا بل مئات الآلاف على قاعدة المصلحة المشتركة هي وحدها القادرة على خوض حرب المواقع ضد الهيمنة الطائفية وكسر احتكارها للتمثيل والموارد. أما النخب والجالسون في المكاتب والأشكال التنظيمية المحدودة أو المعزولة عن القاعدة الجماهيرية فتبقى عاجزة عن إحداث تحول حقيقي، حتى لو كانت مواقفك صائبة أو رفعت أكثر الشعارات جذرية.
بهذا المعنى، فإن معركة تجاوز الطائفية هي في جوهرها معركة تنظيم جماهيري. لا يكفي فضح البنية الطائفية أو نقد خطابها، بل يجب بناء القوة الاجتماعية القادرة على مواجهتها ميدانياً وسياسياً. هذه القوة لا تُولد تلقائياً من تفاقم الأزمات، ولا من كثرة التحليلات، بل من عمل تنظيمي دؤوب يستهدف تحويل الغضب المتفرق إلى كتلة واعية ومنظمة. فقط عندما يلتف مئات الآلاف حول مشروع طبقي وديمقراطي ووطني مناهض للطائفية، يمكن الحديث عن إمكانية حقيقية لكسر الاحتكار الطائفي للسلطة.
خاتمة
الطائفية شكل تاريخي محدد من إعادة إنتاج علاقات الإنتاج التابعة في مجتمعات ريعية. في لبنان تأخذ شكلاً دستورياً، وفي العراق شكلاً زبائنياً- مليشاتي، وفي كلا الحالتين تمنع تشكل وعي طبقي مستقل. التناقض الأساسي ليس بين الطوائف، بل بين من يملكون توزيع الريع ومن يُستبعدون منه. تجاوزها ليس مهمة نظرية أو أخلاقية، بل مهمة نضالية تنظيمية تستهدف بناء قوى جماهيرية قادرة على حشد مئات الآلاف وبلورة وعي طبقي وديمقراطي ووطني مناهض للطائفية. التاريخ لا يمنح التحرر، بل يتيحه لمن ينظم نفسه من أجل انتزاعه.
[1]Mahdi Amel, Fi al-Dawla al-Ta’ifiyya [On the Sectarian State] (Beirut: Dar al-Farabi, 1986); Hicham Safieddine, “Mahdi Amel: On Colonialism, Sectarianism and Hegemony,” Middle East Critique 30, no. 1 (2021): 57–75.
[3]See the political-economy analyses of postwar Lebanon that draw on Gramsci’s notion of the integral state, particularly the role of rentier fiscal and monetary policies in producing sectarian clientelist consent.
[4]Adham Saouli, “Sectarianism and Political Order in Iraq and Lebanon,” Studies in Ethnicity and Nationalism 19, no. 1 (2019): 67–87.
[5]Nader Hashemi and Danny Postel, eds., Sectarianization: Mapping the New Politics of the Middle East (New York: Oxford University Press, 2017).
[6]On the expansion of public-sector employment as a clientelist tool in Iraq after 2003, see the comparative analyses of elite capture in Lebanon and Iraq.
[7]Karl Marx, The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte (1852), in Marx/Engels Selected Works, vol. 1 (Moscow: Progress Publishers, 1979).
[8]Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, ed. and trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (London: Lawrence & Wishart, 1971).
[9]Melani Cammett, Compassionate Communalism: Welfare and Sectarianism in Lebanon (Ithaca: Cornell University Press, 2014); Melani Cammett and Sukriti Issar, “Bricks and Mortar Clientelism: Sectarianism and the Logics of Welfare Allocation in Lebanon,” World Politics 62, no. 3 (2010): 381–421.
