آليات التوسع الإسرائيلي — الاستيطان كآلية تراكم منهجية

🖨️ طباعة المقال

لا يكفي القول إن إسرائيل “وكيل” للإمبريالية الكونية. هذا الوصف صحيح لكنه يُغفل نصف الصورة — النصف الأهم تحليلياً. الوكيل الذي يُدير هامشه بهذا المستوى من البنية والتعقيد ليس مجرد حلقة في سلسلة الأوامر. هو طرف يُراكم لحسابه داخل علاقة الوكالة، ويُوسّع شروطها، ويُنتج أنماط هيمنة لها منطقها الاقتصادي المستقل. هنا لا بد من ان نسأل سؤالاً مزدوجاً: كيف تعمل الإمبريالية الإسرائيلية اقتصادياً داخل فضائها الإقليمي؟ وكيف تتقاطع آليات هذا التراكم مع حدوده البنيوية التي يرسمها الكارتيل الكوني؟ الإجابة تتكشّف عبر ثلاثة مستويات. على مستوى الأرض، الاستيطان في الضفة الغربية والقدس ليس مشروعاً أيديولوجياً تتمسك به نخبة دينية وتعجز الدولة عن كبحه — هو آلية تراكم منهجية تُنقل من خلالها الأرض والمياه والأسواق من دائرة الاقتصاد الفلسطيني إلى دائرة الرأسمال الإسرائيلي، مدعومةً بإطار قانوني بُني لهذه الغاية تحديداً. على مستوى الصراع، المجمع الصناعي-العسكري لا يتكيّف مع الحروب ولا يتحملها كضرورة — هو يحتاجها. الأراضي المحتلة وغزة مختبر حي يُتيح تطوير التقنيات العسكرية واختبارها وتسويقها بصفة “مُعتمَدة قتالياً” في أسواق عالمية متعطشة. على مستوى العلاقة مع الكارتيل الكوني، هامش الوكيل ينمو وينكمش وفق حسابات دقيقة — اتفاقيات إبراهيم فتحت أسواقاً جديدة بدعم أمريكي صريح، لكن صفقة تاور سيميكونداكتور المُسقَطة عام 2023 تُذكّر بأن هذا الهامش يصطدم بسقف حين تتعارض المصالح مع الحسابات الكونية للكارتيل.

عندما تناولنا إيران — المنافس البنيوي – حدود المنافسة وتناقضاتها— انتهى بسؤال: لماذا لا يجعل التناقض مع الغرب من المشروع الإيراني مشروعاً تحررياً؟ هنا سأحاول تقديم النقيض البنيوي: قوة بنت تراكمها على الاندماج في قمة سلاسل القيمة الغربية لا على الإغلاق أمامها — وهو ما يُغيّر طبيعة التوسع وأدواته وحدوده، دون أن يغيّر طبيعته الأساسية: إعادة إنتاج الهيمنة على حساب شعب يدفع ثمنها.

الأرض كرأسمال، لا كحلم

كثيراً ما يُقدَّم الاستيطان الإسرائيلي في قالبَين متنافسَين: إما مشروع أمني يُكرّس الوجود في مواجهة محيط معادٍ، وإما أيديولوجيا دينية-قومية تؤمن بأحقية الأرض. كلاهما يحتوي قدراً من الصحة. لكنهما يُخطئان المستوى. لا يسأل أيٌّ منهما: من يتراكم هنا؟ وكيف؟ وما الأجهزة الاقتصادية التي تُحوّل “الاستيطان” من مشروع أيديولوجي إلى ماكينة ثروة؟

الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة آلية تراكم منهجية — هذا هو المحدد الجوهري الذي يُفسّر استمراره وتسارعه واستحالة التخلي عنه عبر أي تسوية شكلية. والتراكم هنا لا يعمل بالمعنى الاستعاري، بل بمعنى هارفي الدقيق: استيلاء على ما هو خارج دائرة التراكم الرأسمالي — أرض، مياه، موارد طبيعية، أسواق — وإعادة إدماجه فيها.[1]

لا يعمل التراكم بالاستيلاء في الهواء. يحتاج إلى إطار مؤسسي يُضفي على الإزاحة طابع الشرعية، ويُحوّل الاستيلاء إلى إجراء إداري روتيني. هذا بالضبط ما أنجزه النظام القانوني الإسرائيلي في الضفة الغربية.

الآلية المركزية التي ابتكرها المخططون الإسرائيليون منذ 1979 تستند إلى تأويل انتهازي لقانون الأراضي العثماني لعام 1858. القانون العثماني كان يُصنّف الأرض الزراعية البور التي لا يُزرعها مالكها لثلاث سنوات متواصلة أرضاً “موات” تعود إلى الدولة. أُعيد توظيف هذا النص في سياق مختلف جذرياً: إعلان أراضٍ لم تُسجَّل رسمياً في سجلات الأراضي الأردنية “أراضي دولة”، ومنحها لمؤسسات الاستيطان. وبموجب هذه اللعبة القانونية، ابتلع النظام ما يقارب 40% من مساحة الضفة الغربية وفق تقديرات منظمة بتسيلم الإسرائيلية.[2]

إلى جانب هذه الآلية المركزية، تُشغّل إسرائيل أدوات قانونية متوازية: مصادرة الأراضي بذريعة “الاحتياجات الأمنية”، وإعلان مناطق واسعة محميات طبيعية تُغلَق أمام البناء الفلسطيني مع السماح بتوسيع المستوطنات المجاورة، وإصدار أوامر مصادرة عسكرية بلغت أكثر من 1,150 أمراً بين 1969 و2019.  الغموض المتعمد في هذا النظام ليس قصوراً تشريعياً — هو ركيزة بنيوية تُبقي الطعون الفلسطينية تائهة في متاهات بيروقراطية تنتهي في الغالب بعد فوات الأوان.

من الأرض المُصادَرة إلى دائرة التراكم

مصادرة الأرض ليست نهاية القصة — هي بدايتها الاقتصادية. الأرض المُصادَرة تُحوَّل إلى “أراضي دولة” تُوزَّع بأسعار مدعومة أو بلا ثمن على شركات البناء، والمستوطنون أنفسهم يحصلون على وحدات سكنية بقيمة سوقية أقل بكثير مما يدفعونه داخل الخط الأخضر. الفارق بين القيمة الحقيقية للأرض وسعرها المدعوم هو في جوهره نقل للقيمة من الخزينة العامة الإسرائيلية — المُموَّلة جزئياً بمساعدات أمريكية — إلى جيوب شركات البناء والمطورين العقاريين.

الأرقام تُجسّد الحجم. في 2023، بلغت النفقات الحكومية الإسرائيلية على البنية التحتية والتطوير الخاص بالمستوطنات ذروة غير مسبوقة تتجاوز ملياري شيكل وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الإسرائيلي التي رصدتها منظمة “السلام الآن”، مع ارتفاع في نفقات وزارة الإسكان بنسبة 150% مقارنةً بعام 2022.[3] وفي مطلع 2024، أقرّت الحكومة ميزانية إضافية بلغت 3.6 مليار شيكل لخمس سنوات لبناء شبكة طرق معزولة تربط المستوطنات بالخط الأخضر — دون أن يشمل هذا الإنفاق تكاليف الحماية الأمنية.

وتوازياً مع الإنفاق الحكومي، تعمل شبكة من البنوك ووكالات العقارات وشركات البناء والموردين تُدير “اقتصاد المستوطنات” — منظومة تعتمد في استمرارها على مصادرة الأراضي ودعم الدولة وحماية جيشها.[4] منظمة هيومن رايتس ووتش وصفت هذه المنظومة بدقة في دراسة مفصّلة: الشركات المتورطة في الاستيطان تستفيد مباشرة من الوصول التفضيلي للأراضي والحوافز المالية، وهي حوافز مبنية في جوهرها على استيلاء غير قانوني وفق القانون الدولي.[5]

الاقتصاد الفلسطيني كسوق مُسيطَر عليه

ما يُكمّل الصورة ليس التراكم الإسرائيلي وحده، بل التشويه الممنهج للاقتصاد الفلسطيني المصاحب له. منع الفلسطينيين من تطوير أي صناعة قد تنافس الصناعة الإسرائيلية. حرمهم من إنشاء مؤسسات مالية مستقلة. فانكمشت حصة الصناعة من الناتج المحلي الفلسطيني من 9% عام 1968 إلى 7% عام 1987 — في الوقت الذي كان يُفترض فيه تحديث اقتصادي فعلي.[6]

بيانات الأونكتاد لعام 2025 تُعطي هذا التشويه رقماً صافياً: اقتصاد المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية والمنطقة C من الضفة الغربية أنتج قيمة اقتصادية تُقدَّر بـ832.7 مليار دولار بين عامَي 2000 و2024، ما يعادل أكثر من تريليون دولار بأسعار 2024.[7] في 2024 وحده، بلغت قيمة اقتصاد المستوطنات 53 مليار دولار — خمسة أضعاف حجم الاقتصاد الفلسطيني بأسره. في المقابل، تُقدّر الأونكتاد أن قيود الاحتلال تُكلّف الاقتصاد الفلسطيني 25.3% من ناتجه المحلي سنوياً. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات — هي قياس للتراكم بالاستيلاء. القيمة التي تُنتجها المستوطنات لا تنشأ من لا شيء.

الاستيطان كمشروع طبقي

من يستفيد؟ المستوطنون الأيديولوجيون جزء من الإجابة لكنهم ليسوا كلها. الرابحون الأكبر هم شبكة مصالح متشابكة: شركات البناء الكبرى والمطورون العقاريون وشركات البنية التحتية والمصارف التي تموّل المشاريع. يُضاف إليهم المجمع الصناعي-الأمني الذي يدير مناطق الاحتلال ويحصل على عقود الأمن والمراقبة وإدارة نقاط التفتيش.

وهذا ما يُفسّر ظاهرة لافتة: الحكومات الإسرائيلية المختلفة، يمينية كانت أم يمينية متشددة، تُوسّع الاستيطان باستمرار رغم الضغوط الدولية والكلفة الدبلوماسية. ليس لأن جميعها متشددة دينياً — بل لأن الاستيطان يُغذّي مصالح طبقية محددة داخل التحالف الحاكم. آدم حنية يُلاحظ في تحليله للتكوين الطبقي الفلسطيني والإقليمي أن فهم الواقع الفلسطيني يستلزم تحليل بنى الرأسمالية لا الاكتفاء بالفحص القانوني أو الأخلاقي للاحتلال.[8]

الاستيطان إذن ليس استثناءً يمكن إلغاؤه بقرار حكومي لو توافرت “الإرادة السياسية”. هو إعادة إنتاج لبنية مصالح راسخة تُشغّل قطاعات اقتصادية كاملة وتحمي حوافز ضريبية وعقارية لشرائح اجتماعية واسعة. التفكيك الحقيقي للاستيطان يتطلب تفكيك هذه المنظومة الاقتصادية — وهو ما يُفسّر لماذا لم يحدث ولن يحدث بالتفاوض وحده.

 المجمع الصناعي-العسكري — الحرب كشرط للتراكم لا حدثٌ للتدمير

ثمة فرضية شائعة تقول إن الحرب والاحتلال عبء على الاقتصاد الإسرائيلي. الأرقام تُكذّب هذه الفرضية بشكل صارم. في 2024، سجّلت إسرائيل رقماً قياسياً في صادرات الأسلحة بلغ 14.8 مليار دولار — للسنة الثالثة على التوالي التي تُكسر فيها الأرقام القياسية السابقة.[9] في السنة ذاتها التي شهدت المجازر في غزة. ليست مصادفة. الصلة هيكلية.

ثلاث شركات تهيمن على الصناعة الأمنية الإسرائيلية: إلبيت سيستمز، وصناعات الفضاء الإسرائيلية، ورافاييل. مجتمعةً، تجاوزت إيراداتها في 2023 ثمانية عشر مليار دولار — إلبيت وحدها 5.97 مليار، وصناعات الفضاء 5.32 مليار، ورافاييل مع ارتفاع في أوامر الشراء بنسبة 85% عن العام السابق.[10] هذه الشركات الثلاث توظّف نحو 43,000 شخص وتُشكّل ما يعادل 25% من إجمالي الصادرات الصناعية الإسرائيلية.[11]

لكن ما يُميّز هذه الصناعة عن نظيراتها الأمريكية أو الأوروبية ليس الحجم — بل طبيعة ميزتها التنافسية المركزية. تلك الميزة مكتوبة في كتالوجات الشركات بصراحة غير معتادة: “battle-tested” — المُختبَر ميدانياً. وميادين الاختبار هذه ليست مناورات. هي الأراضي المحتلة وغزة تحديداً.

أنتوني لوينشتاين رصد هذه البنية في كتابه “مختبر فلسطين” بوثائق واسعة: الأراضي المحتلة وغزة مختبر حي لتطوير أنظمة المراقبة والأسلحة وتقنيات الذكاء الاصطناعي القتالي، وبمجرد اختبار هذه الأنظمة على الفلسطينيين تُعبَّأ وتُسوَّق في المعارض الدولية بصفة “مُعتمَد قتالياً” بوصفها نقطة بيع أساسية.[12] في عملية الجرف الصامد 2014، سجّل طائرة الهيرمس-900 التابعة لإلبيت “أول ظهور عملياتي” لها في ميدان الحرب.[13] وفي الأشهر التالية، كانت الشركة تُسوّق بالصور والفيديوهات من غزة. إسرائيل اليوم تُسيطر على ما يزيد على 60% من صادرات الطائرات المسيّرة العسكرية عالمياً.[14]

ما يجعل هذا الترتيب مختلفاً عن مجرد “استثمار الأزمات” هو طبيعته التراكمية الذاتية. الصناعة الأمنية تحتاج صراعاً مستمراً لإنتاج تقنيات قابلة للاختبار الميداني. والتقنيات المُختبَرة ميدانياً تُدرّ عائداً يُموّل تطوير الجيل التالي. والجيل التالي يحتاج ميداناً جديداً. دوامة ذاتية التغذية — ليس الاحتلال عبئاً عليها بل شرطها الأساسي.

هارفي يرصد هذا البعد بدقة: الحرب لا تُعيق التراكم دائماً — في أحيان كثيرة هي الشرط الذي يجعل أشكالاً معيّنة من التراكم ممكنة.[15] إسرائيل ليست مجرد تطبيق لهذه الفكرة — هي نموذجها الأكثر نضجاً وبنيوية في العصر الراهن.

وحدة 8200 — من الاستخبارات إلى الرأسمالية التقنية

الصلة بين الآلة العسكرية والاقتصاد المدني لا تتوقف عند تصدير الأسلحة. وحدة 8200 للاستخبارات الإشارية تعمل بوصفها حاضنة فعلية لشركات التكنولوجيا الإسرائيلية. كثير من الشركات التي استقطبت استثمارات عالمية ضخمة في المراقبة والأمن المعلوماتي والذكاء الاصطناعي أسّسها ضباط سابقون في الوحدة يُطبّقون في القطاع المدني ما طوّروه في مراقبة الفلسطينيين. شركة NSO Group، مصنِّعة بيغاسوس، مثال صارخ — لكنها مجرد واجهة لنمط ممتد في هيكل الاقتصاد الإسرائيلي برمته.[16]

هذا ما يجعل الاحتلال قيمة اقتصادية مزدوجة: سوقاً لاختبار التقنيات أولاً، وخزاناً بشرياً لتكوين رأس المال المتخصص في تقنيات الهيمنة والمراقبة ثانياً. الأراضي المحتلة ليست ورقة سياسية فائضة — هي رصيد اقتصادي مُدرَج ضمنياً في كل تقييم لأسهم إلبيت سيستمز في ناسداك.

لكن هذا المجمع يحمل في بنيته تناقضاً لا يُحلّ بسهولة. اعتماده على علاقة التبعية العضوية مع الكارتيل الكوني — المُجسَّدة بالتمويل العسكري الأمريكي السنوي الذي ناهز 3.8 مليار دولار وفق مذكرة التفاهم السارية — يجعله وكيلاً متمدّداً لا منافساً مستقلاً. حين حاولت إسرائيل الانفتاح على الصين بصفقات تقنية استراتيجية، جاء الضغط الأمريكي سريعاً وتراجعت. الهامش واسع — لكنه هامش، لا استقلالية.

حدود الوكيل وتناقضاته — بين هامش التوسع وسقف الكارتيل

ثمة خطأ شائع في تصوير موقع إسرائيل من الكارتيل الإمبريالي الكوني: إما الخضوع المطلق (“إسرائيل أداة أمريكية”)، وإما الاستقلالية الكاملة (“إسرائيل تتلاعب بواشنطن”). كلاهما يُغفل منطق العلاقة الفعلية. ما يجمعهما تبادل موضوعي منظّم بين طرفين يتحركان وفق مصالح بنيوية — لا ولاءً أيديولوجياً ولا قهراً من طرف واحد.

الولايات المتحدة تُقدّم مساعدات عسكرية سنوية تبلغ 3.8 مليار دولار في إطار مذكرة التفاهم المُبرمة عام 2016 الملزمة حتى 2028، تشمل التمويل العسكري وبناء صناعة الأسلحة الإسرائيلية ودعم منظومات الدفاع الصاروخي.[17] هذا ليس إحساناً سياسياً. إسرائيل تُوفّر للكارتيل الكوني مختبراً تقنياً وغطاءً أيديولوجياً ومنصة أمنية إقليمية وشبكة استخبارات في منطقة استراتيجية حيوية. المدفوعات الأمريكية ثمن حقيقي لخدمات حقيقية.

أبرز توسيع إسرائيلي للهامش منذ عقود تمثّل في اتفاقيات إبراهيم عام 2020. الصحافة السياسية تُعالج هذه الاتفاقيات عادةً بوصفها إنجازاً دبلوماسياً أو إعادة رسم للتحالفات. هذا صحيح — لكنه يُغفل الطبقة الأعمق. اتفاقيات إبراهيم انفتاح منظومة الوكيل على مناطق تراكم جديدة لم تكن متاحة من قبل.

التجارة بين إسرائيل والإمارات قفزت من 200 مليون دولار عام 2020 إلى أكثر من 3 مليارات دولار في 2024، واتفاقية التجارة الحرة المُبرمة في مارس 2023 تستهدف بلوغ 10 مليارات سنوياً بحلول 2027.[18] في مجال صادرات الأسلحة، ارتفعت حصة دول اتفاقيات إبراهيم من 3% إلى 12% في غضون اثني عشر شهراً فحسب.[19]

والملاحَظ في هذا التوسع أنه جرى بتشجيع أمريكي صريح وتنسيق مباشر. ليس هامشاً يُنتزع من الكارتيل — هو هامش يمنحه الكارتيل لوكيله في إطار استراتيجية إقليمية أشمل تُريد دمج إسرائيل في منظومة خليجية-غربية متكاملة. الوكيل يتوسع — لكن توسعه يخدم الكارتيل في الوقت ذاته.

في أغسطس 2023، سقطت أكبر صفقة استحواذ في تاريخ التكنولوجيا الإسرائيلية. إنتل كانت على وشك إتمام استحواذ بقيمة 5.4 مليار دولار على شركة تاور سيميكونداكتور — المصنّع الإسرائيلي الوحيد للرقائق. أحجمت الهيئة التنظيمية الصينية عن الموافقة، ولم تُفلح زيارة الرئيس التنفيذي لإنتل شخصياً إلى بكين في تغيير الموقف.[20] انتهت الصفقة بإلغاء متبادل وتعويض بلغ 353 مليون دولار، وانهارت أسهم تاور بأكثر من 10%.

ما أسقط الصفقة لم يكن الرفيق الإسرائيلي — بل الخصم الأمريكي-الصيني. الرأسمال الإسرائيلي يعيش في مفترق طرق جيوسياسي: إسرائيل “دولة لينكبين” تربط التقنية الأمريكية بشبكات الحوسبة الإقليمية.[21] لكن حين تشتدّ حرب الرقائق الأمريكية-الصينية، يُمسي الرأسمال الإسرائيلي رهينة التوتر بين قطبَين يتحكمان في حجمه ومساره.

التناقض الطبقي الداخلي — ما كشفته أزمة 2023

ثمة تناقض أعمق يقبع في بنية الاقتصاد السياسي الإسرائيلي، فجّرته أزمة إصلاح القضاء عام 2023 بشكل غير مسبوق. حين قدّم نتنياهو وحلفاؤه مشروع “الإصلاح القضائي”، اصطدم بموجة مقاومة لم تأتِ أساساً من الشارع السياسي — بل من قطاع التكنولوجيا العالي.

هذا القطاع يُمثّل نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي ويُشكّل أكثر من 50% من إجمالي الصادرات، ويعتمد على رأس مال مغامر أجنبي يموّل ما يقارب 90% من استثماراته.[22] حين شعر القطاع بأن الإصلاحات المقترحة ستُزعزع استقلالية القضاء وتُخيف المستثمرين الأجانب، تحرّك بطريقة مقلقة للحكومة: قاطعت شركات كبرى استثمارات جديدة، وأعلن بعض رجال الأعمال نقل مكاتبهم الرسمية خارج البلاد، ونزل آلاف من موظفي التكنولوجيا إلى الشوارع في احتجاجات بدت للمراقبين سابقة في تاريخ حركة الاحتجاج الإسرائيلية.

هذا ليس صراعاً بين قيم ديمقراطية وسلطوية. هو على المستوى البنيوي صراع بين رأسماليتين: الرأسمالية التقنية-الليبرالية التي تعيش بالاندماج في الأسواق الغربية وتحتاج مؤسسات قانونية موثوقة للحفاظ على هذا الاندماج، والرأسمالية الاستيطانية-الدينية التي تبني تراكمها على مصادرة الأراضي والعقود الحكومية والامتيازات السياسية. توتر داخل موقع الوكيل ذاته — بين جناح مندمج في قمة سلاسل القيمة الغربية وجناح يُدير اقتصاد استيلاء محلي.

الأزمة تجمّدت بعد السابع من أكتوبر، حين التهمت الحرب على غزة كل مساحة الجدل الداخلي. لكنها لم تُحلّ. التحالف الحاكم الإسرائيلي يحمل في بنيته الطبقية توتراً مزمناً لا تُسكّته إلا الحرب — وربما لا تُسكّته الحرب على المدى البعيد.

إسرائيل وكيل يُدير هامشه بذكاء — لكنها تعرف ثمن تجاوز الحدود. في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، منعت الولايات المتحدة صفقة بيع طائرات مسيّرة متقدمة إلى إسرائيل كي لا تصل إلى الصين. وفي 2023، أُسقطت صفقة تاور. المعادلة ثابتة: الكارتيل يمنح الوكيل هامشاً واسعاً في منطقته الإقليمية وفي علاقاته مع الحلفاء المعتمدين — لكنه يُغلق بحزم الباب أمام أي توسع تكنولوجي أو استراتيجي يمسّ التوازنات الكونية.

ما يبقى ثابتاً بعد هذه الأقسام الثلاثة: إسرائيل تُراكم عبر الاستيلاء وتُصدّر الاستيلاء كتقنية. لكن نموذجها — على الرغم من براعته — محاط بأسقف لا تستطيع اختراقها ما دامت علاقتها البنيوية مع الكارتيل الكوني تُحدد شروط بقائها.

الخاتمة

ثلاثة مستويات تحليلية تبقى مترابطة في نتيجة واحدة: الإمبريالية الإسرائيلية ليست حادثة سياسية قابلة للتفاوض — هي بنية اقتصادية تُعيد إنتاج نفسها.

الاستيطان لا يستمر لأن الأيديولوجيا الدينية تفرضه على حكومات مترددة. يستمر لأنه يُغذّي مصالح طبقية محددة داخل التحالف الحاكم: شركات البناء والمطورون العقاريون والمجمع الأمني الذي يُدير الاحتلال ويعتاش عليه. والمجمع الصناعي-العسكري لا يستفيد من الحروب استفادة عارضة — الأراضي المحتلة مختبره الدائم ورصيده التسويقي المُدرَج ضمنياً في كل معرض دفاعي دولي. هذان المستويان لا يعملان بمعزل عن بعضهما: الاستيطان يحتاج الجيش الذي يحميه، والمجمع العسكري يحتاج الاحتلال الذي يُبرر ميزانياته.

والوكالة مع الكارتيل الكوني ليست قيداً خارجياً يُفرض على هذه البنية من الخارج — هي شرط بقائها من الداخل. الرأسمال التقني الإسرائيلي يعتمد على المستثمرين الأجانب وأسواق التصدير الغربية بنسبة تجعل أي قطيعة مع الكارتيل انتحاراً اقتصادياً. لهذا السبب تحديداً، حين تصطدم مصالح الرأسمال التقني مع الرأسمال الاستيطاني — كما كشفت أزمة إصلاح القضاء عام 2023 — لا يُحسم التناقض بانتصار أحد الطرفين بل بتعليقه عبر الحرب التي تُوحّد التحالف بتجديد الأزمة الخارجية.

تبعة هذا التحليل واضحة وصارمة: التسويات السياسية لن تُفكّك الاستيطان ما دامت البنية الطبقية التي تستفيد منه قائمة. والضغوط الدولية ستظل منقوصة ما دامت تستهدف السياسة دون الاقتصاد السياسي الذي تنبع منه.

[1] David Harvey, The New Imperialism (Oxford: Oxford University Press, 2003), p. 137.

[2] B’Tselem — The Israeli Information Center for Human Rights in the Occupied Territories, Land Grab: Israel’s Settlement Policy in the West Bank (Jerusalem: B’Tselem, 2002), pp. 37–63

[3] Peace Now, “Over NIS 2 Billion a Year for Settlements” (2024).

[4] Human Rights Watch, Occupation, Inc.: How Settlement Businesses Contribute to Israel’s Violations of Palestinian Rights (New York: HRW, 2016

[5] المصدر نفسه

[6] Shir Hever, The Political Economy of Israel’s Occupation: Repression Beyond Exploitation (London: Pluto Press, 2010), pp. 8–12

[7] UNCTAD, The Cumulative Economic Cost of Occupation for the Palestinian People (2000–2024) and the Long Road to Recovery (Geneva: United Nations, 2025).

[8] Adam Hanieh, “Development as Struggle: Confronting the Reality of Power in Palestine,” Journal of Palestine Studies 45, no. 4 (2016): 32–47.

[9] Defense News, “Israel Announces Defense Export Record: $15 Billion in 2024,” June 5, 2025

[10] Breaking Defense, “Israel’s Defense Sales Top $13B as 2023 Becomes Another Record Year,” June 24, 2024: https://breakingdefense.com/2024/06/israels-defense-sales-top-13b-as-2023-becomes-another-record-year/

[11] Institute for Palestine Studies, “Gaza’s Genocide and Israel’s Military-Industrial Complex” (2024). https://www.palestine-studies.org/en/node/1655307

[12] Antony Loewenstein, The Palestine Laboratory: How Israel Exports the Technology of Occupation Around the World (London: Verso, 2023)

[13] Pulitzer Center / Electronic Intifada, “The Cruel Experiments of Israel’s Arms Industry,” June 2017. https://electronicintifada.net/content/cruel-experiments-israels-arms-industry/19011

[14] Institute for Palestine Studies

[15] David Harvey, The New Imperialism (Oxford: Oxford University Press, 2003), p. 137

[16] Antony Loewenstein, The Palestine Laboratory (London: Verso, 2023). https://www.versobooks.com/products/2684-the-palestine-laboratory

[17] Quincy Institute for Responsible Statecraft, U.S. Military Aid and Arms Transfers to Israel, October 2023–September 2025 (Washington: Quincy Institute, 2025).

[18] INSS, “Five Years On: Are the Abraham Accords Here to Stay?” (Tel Aviv: INSS, September 2025). https://www.inss.org.il/publication/abraham-accords-5-years/

[19] المصدر نفسه

[20] > CNN Business / AP, “Intel Calls Off $5.4 Billion Tower Deal After Failing to Obtain Regulatory Approvals,” August 16, 2023. https://edition.cnn.com/2023/08/17/business/intel-tower-semiconductor-deal-china-block-intl-hnk/

[21] Chip Capitals, “Chipmaking Amid War in Israel,” December 2023. https://chipcapitols.substack.com/p/chipmaking-amid-war-in-israel

[22] Jerusalem Post, “Why Is the Hi-Tech Sector Protesting Against the Judicial Reform?” February 21, 2023. الرابط: https://www.jpost.com/business-and-innovation/article-732280

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 0 من 5 (0 صوت)

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.