حين يُسأل عن إسرائيل، يميل الناس إلى إجابة واحدة من اثنتين. إما الدولة الديمقراطية المحاصرة التي تدافع عن وجودها في محيط معادٍ، أو المشروع استيطاني عنصري الذي تدعمه القوى الغربية لأهداف جيوسياسية. الإجابتان ليستا كاذبتين بالكامل — لكنهما تُغفلان معاً شيئاً جوهرياً: أن الأدق منهما هو السؤال الذي لا يطرحه أيٌّ من الطرفين. كيف تتراكم الطبقة الحاكمة الإسرائيلية؟ وما العلاقة بين هذا التراكم وبنية الهيمنة في المنطقة؟
الحالة الإيرانية التي التي سبق أن درسناها تقوم على منطق الإغلاق: رأس مال يعجز عن المنافسة في السوق الكونية فيحتمي بالاحتكار الداخلي، وجهاز أمني يتضخم ليتحول إلى فاعل اقتصادي يبحث عن فضاء إقليمي لفائض لا يجد استيعابه محلياً. الحالة الإسرائيلية نقيض بنيوي لهذا. هنا رأس مال يعيش على الاندماج لا على الإغلاق، ويحتاج السوق الكونية شرطاً لإعادة إنتاجه لا عقبةً يتحداها.
لكن هذا النقيض لا يعني انعدام التوسع أو غياب الهيمنة. يعني توسعاً من نوع مختلف، وهيمنة بأدوات مختلفة. دولة تُدمج قطاعها التكنولوجي في قمة سلاسل القيمة الغربية وتُصدّر أسلحتها إلى كل قارة، وفي الوقت ذاته تُواصل مشروع استيطاني مستمراً منذ سبعة وخمسين عاماً يستولي على الأرض والمياه ويُحوّل الفلسطينيين إلى عمالة رخيصة في الاقتصاد الذي صادر مواردهم — هذه الدولة لا تُفهم بالأدوات ذاتها التي تصلح لفهم إيران.
هنا علينا ان نُحيب عن سؤالين متشابكين: كيف تعمل الكتلة التاريخية الحاكمة في إسرائيل ولصالح من؟ وكيف يُعبّر التوسع الاستيطاني عن منطق التراكم لا عن الحماسة الدينية فحسب؟ والإجابة عن كليهما تستلزم فهم ما أسميناه في الباب الأول “هامش الوكيل”: المساحة التي يتحرك فيها الوكيل لمصلحته الخاصة داخل إطار الوكالة لا خارجه.
الكتلة التاريخية الإسرائيلية — حين يصبح الاندماج الكوني شرط الوجود
بعد أن انتهيت من تحليل إيران، رأينا كتلة تاريخية تُبنى على الإغلاق الاحتكاري: رأس مال يعجز عن المنافسة في السوق الكونية فيحتمي بالاحتكار الداخلي، وجهاز عسكري-أمني يتضخم ليتحول إلى فاعل اقتصادي مستقل، وفائض يبحث عن فضاء إقليمي لأنه لا يجد استيعابه داخلياً. هذه البنية تُنتج منافساً بنيوياً — دولة تتعارض مصالح طبقتها الحاكمة مع الاندماج في المنظومة الغربية.
النموذج الإسرائيلي نقيض جذري لهذا. هنا رأس مال مندمج عضوياً في قمة سلاسل القيمة الغربية منذ النشأة. قطاع التكنولوجيا الفائقة — العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي — يُشغّل ١١ بالمئة من القوى العاملة لكنهم يدفعون ٢٥ بالمئة من إجمالي ضرائب الدخل، وصادراتهم تُشكّل ٦٤ بالمئة من إجمالي الصادرات الإسرائيلية و٢٠ بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. الصناعات التكنولوجية الفائقة الإسرائيلية — والمجمع الصناعي-العسكري-الأمني المرتبط بها ارتباطاً وثيقاً — مدمجة بالكامل في دوائر رأس المال العالمية.[1]
الولايات المتحدة ليست مجرد حليف استراتيجي — هي الشريك الاقتصادي الأكبر الذي يستقبل ٢٦.٤ بالمئة من الصادرات الإسرائيلية، تليها أوروبا بـ٢٢.٧ بالمئة. القطاع التكنولوجي الإسرائيلي يُوظّف حوالي ٤٠٩,٠٠٠ شخص محلياً و٤٤٠,٠٠٠ آخرين خارج البلاد — رأسمال مُعولَم بالكامل.[2] صادرات التكنولوجيا الفائقة وحدها بلغت نحو ٥٢ مليار دولار عام ٢٠٢٣ واستمرت في التوسع خلال ٢٠٢٤، وتشمل برمجيات المؤسسات ومنصات الأمن السيبراني وأنظمة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية والبحث والتطوير التعاقدي المُنجَز لصالح الشركات متعددة الجنسيات.[3]
هذا الاندماج ليس سطحياً ولا طارئاً — هو شرط الوجود. حين فُرضت ضغوط أمريكية على إسرائيل للحد من صادراتها التقنية إلى الصين، تراجعت فوراً — لأن الخروج من شبكة الكارتيل الكوني انتحار اقتصادي
من يريد فهم الفارق بين المنافس والوكيل يكفيه أن يقارن: إيران تُفاوض الغرب وتُقاومه لأن الانفتاح الكامل يُهدد احتكارات الحرس الثوري، فيما إسرائيل تدافع عن اندماجها الكوني لأن الخروج منه يُدمّر قاعدتها الاقتصادية بأكملها.
لكن هذا الاندماج لم ينشأ في فراغ. نشأ كجزء عضوي من مشروع استيطاني-استعماري مدعوم غربياً منذ اللحظة الأولى.
الصهيونية كحركة سياسية تأسست في أواخر القرن التاسع عشر ضمن السياق الأوروبي الاستعماري، وسعت إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين التاريخية — أرض كانت مأهولة بالسكان الفلسطينيين الأصليين. البريطانيون رأوا في المشروع الصهيوني فرصة لترسيخ نفوذهم في منطقة الشرق الأوسط المتزايدة الأهمية، فأضفوا الطابع الرسمي على دعمهم للصهيونية في إعلان بلفور عام ١٩١٧، ثم طبّقوه عملياً حين أُنشئ الانتداب البريطاني على فلسطين عام ١٩٢٠[4].
الانتداب البريطاني اعترف مؤقتاً بالحقوق الوطنية للسكان اليهود فقط في الأرض (الذين شكّلوا في ذلك الوقت نحو ٦ بالمئة من إجمالي السكان) وتجاهل الحقوق الوطنية لبقية السكان. كما اعترف الانتداب بالشعب اليهودي (واليهود فقط) بوصفه يمتلك ارتباطاً تاريخياً بفلسطين.[5] القاعدة القانونية للمشروع الصهيوني لم تُؤسَّس على موافقة السكان الأصليين بل على دعم القوة الاستعمارية البريطانية التي وفّرت الغطاء السياسي والعسكري اللازم للمستوطنين الصهاينة بين ١٩٢١ و١٩٤٨، مما مكّنهم من تنمية وتعزيز بنيتهم التحتية العسكرية.[6]
الاستعمار الاستيطاني اليهودي، الذي توّج بقيام دولة إسرائيل، كان نسخة مضغوطة من المستعمرات الاستيطانية الأنجلو-ساكسونية السابقة، شجّعها البريطانيون في ظل الانتداب على فلسطين.[7] ليس مصادفة أن القوى الإمبريالية ذات التاريخ الطويل في معاداة السامية العنيفة أصبحت الداعم الأقوى لدولة يهودية في قلب المنطقة العربية — دولة مسلحة بكثافة وموالية للغرب كانت بالضبط ما تحتاجه هذه القوى لحماية مصالحها ضد المد المتصاعد للقومية العربية والمشاعر المعادية للإمبريالية.
الاستيطان الصهيوني في فلسطين التاريخية لا يقتصر على السياسات الإسرائيلية بعد ١٩٦٧، بل يشمل أيضاً الأفعال الصهيونية خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين وبعد ١٩٤٨. الاستعمار الاستيطاني ليس حدثاً بل بنية — ممارسة مؤسسية، وغالباً مُقنَّنة، لإزالة السكان الأصليين (بطريقة مباشرة أو بنيوية أو ثقافية).[8]
هذا الأساس الاستعماري-الاستيطاني هو ما يُفسّر طبيعة الاندماج الإسرائيلي في المنظومة الغربية: لا اندماج دولة محيطية تبحث عن مكان في السوق الكوني، بل اندماج موقع أمامي للكارتيل الإمبريالي الكوني في منطقة استراتيجية. الولايات المتحدة اليوم ترى في إسرائيل منفّذاً إقليمياً ضد الدول التي تُشكّل تحدياً للمصالح الأمريكية، تماماً كما كانت ضد الدول القومية العربية خلال الحرب الباردة.
الكتلة الحاكمة — الأشكناز، التكنولوجيا، ورأس المال المُعولَم
إذا كانت الكتلة التاريخية الإيرانية تتشكل من رجال الدين والحرس الثوري والبيروقراطية الدينية، فالكتلة التاريخية الإسرائيلية تتشكل من النخبة الأشكنازية العلمانية والقطاع التكنولوجي ورأس المال المالي والمجمع الصناعي-العسكري. هذه الكتلة هي من صاغت الهوية الجماعية الإسرائيلية على صورتها (أوروبية، علمانية، حديثة)، وأسست حزب ماباي الذي حكم إسرائيل لفترة طويلة، وسيطرت على الاقتصاد، وهيمنت على الثقافة الإسرائيلية.
النخبة الأشكنازية العلمانية — المؤسسون للمؤسسات الصهيونية قبل قيام الدولة ثم لدولة إسرائيل — عُرّفوا بأنهم علمانيون، قدامى، أشكناز، اشتراكيون، وقوميون. هذه الفئة شكّلت الهوية الجماعية الإسرائيلية على صورتها. جميع الفئات الأخرى التي شكّلت المجتمع الإسرائيلي كانت خاضعة لهذه النخبة، بما في ذلك المواطنون العرب واليهود المتدينون المتشددون. المهاجرون اليهود من الدول العربية أُجبروا على الدخول في “بوتقة انصهار” إسرائيلية أرغمتهم على التخلي عن ثقافتهم العربية من أجل الاندماج في المجتمع، بينما أُرسلوا إلى مناطق نائية غير متطورة في الدولة الجديدة ليحلوا محل الفلسطينيين المُهجَّرين.
الجيش لم يُسهّل فقط دخول القادة العسكريين إلى الساحة السياسية — موشيه ديان، وإسحاق رابين، وإيهود باراك، وغابي أشكنازي، وغادي إيزنكوت، وبيني غانتس — بل انتقل هؤلاء وضباط آخرون كبار إلى إدارة الصناعات المملوكة للدولة وأقسام الوكالة اليهودية ومناصب في المنظمة الصهيونية العالمية. هذه العلاقات المتشابكة خلقت ما يُسمّى الطبقة الامتيازية، وفي جوهرها النخبة السياسية والثقافية البيضاء العلمانية ذات الميول الاشتراكية. منذ أوائل الثلاثينيات وما بعد، ظلّت هذه النخبة بأغلبية ساحقة في أيدي نسل الجيل المؤسس — الأحفاد والآن أحفاد الأحفاد.[9]
الدراسات وتواريخ الصناعة تُنسب أدواراً رئيسية في قطاع التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلي إلى مؤسسين ومهندسين أشكناز (مع ذكر أمثلة رواد الأمن السيبراني وأشباه الموصلات في المراحل المبكرة)، حيث ارتبطت السياسات التاريخية (مثل حوافز يوزما) والتوجه نحو البحث والتطوير بالحكومات والنخب المنبثقة من الأوساط الأشكنازية؛ هذا التمركز يساعد على تفسير سبب استشهاد بالتكنولوجيا المتقدمة والبحث والتطوير كمجالات يقوى فيها النفوذ الأشكنازي.
لكن ما يُميّز الكتلة الحاكمة الإسرائيلية ليس هويتها العرقية-الثقافية وحدها — بل موقعها البنيوي في الاقتصاد الكوني. هذه الكتلة لا تحكم عبر احتكارات محلية مغلقة كما في إيران، بل عبر الاندماج في قمة سلاسل القيمة الغربية. الشركات التكنولوجية الإسرائيلية ليست معزولة عن السوق الكونية — هي جزء عضوي منه.
“الرأسمال الإسرائيلي بدأ يسعى إلى شراكات مع المراكز المهيمنة لرأس المال العالمي في محاولة لتوسيع حصته في السوق الدولية.”[10] حين تحولت إسرائيل من اقتصاد محمي تقوده الزراعة والصناعة منخفضة المستوى إلى اقتصاد متنوع ومفتوح تقوده صناعة تكنولوجية فائقة متطورة، لم يكن هذا التحول نتيجة تطور داخلي معزول — بل كان مشروعاً مشتركاً مع الكارتيل الكوني، تكرّس رسمياً منذ توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل عام ١٩٨٥.
منذ توقيع تلك الاتفاقية، تضاعفت التجارة الثنائية بين البلدين ستّ مرات، وأُلغيت معظم التعريفات الجمركية غير الزراعية، مما جعل إسرائيل سوقاً سهل الدخول لتوسيع الصادرات. الولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، والشركات الإسرائيلية تتقبّل التعامل مع الشركات الأمريكية. التجارة بين إسرائيل والولايات المتحدة تظل واحدة من أكثر العلاقات الثنائية كثافة تكنولوجياً، تميّزها نمو مطّرد وتنويع عبر القطاعات الصناعية المتقدمة. من ٢٠١٧ إلى ٢٠٢٤، توسّعت واردات إسرائيل من الولايات المتحدة من ٧.٩٤ مليار دولار إلى ٩.٣٩ مليار دولار، بمعدل نمو سنوي مركّب قدره ٣.٤ بالمئة.[11]
إسرائيل اليوم ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبنت سمعة عالمية في الابتكار والشركات الناشئة الناجحة. في الواقع، إسرائيل هي الرائدة في الشركات الناشئة خارج وادي السيليكون ولُقّبت بـ”وادي السيليكون الواصل” (Silicon Wadi). حسب موقع Trade.gov: “إسرائيل تمتلك اقتصاداً قوياً، يقوده قطاع تكنولوجي فائق موجّه نحو التصدير وروح ابتكار تستمر في جذب اهتمام الشركات الأمريكية الباحثة عن فرص استثمار واستحواذ وشراكة.”[12]
الخصخصة كتحول طبقي
التحول من الاقتصاد الموجّه إلى الاقتصاد المُعولَم لم يكن تطوراً تقنياً محايداً — كان تحولاً طبقياً أعاد هيكلة علاقات السلطة داخل الكتلة الحاكمة ذاتها.
حتى الثمانينيات، كان الاقتصاد الإسرائيلي تهيمن عليه القطاعات العامة والحكومية. مع الخصخصة، بِيع القطاع العام من الاقتصاد إلى شركات قابضة خاصة ومجموعات أجنبية، مما أحدث انقلاباً هائلاً في السلطة. الخصخصة تعني نقل ما كان مملوكاً جماعياً إلى أيدي قلة مختارة، بشكل رئيسي عبر التجريد والتفويض والإزاحة. وقد تحقق هذا الاتجاه العالمي في إسرائيل عبر بيع المؤسسات الكبيرة المملوكة للدولة.
عبر شبكة معقدة من الاحتكارات والمحسوبية، ترسّخت طبقة حاكمة أشكنازية بشكل أساسي (يهود من أصل أوروبي شرقي).[13] لكن هذه الطبقة الحاكمة الجديدة لم تعد اشتراكية بالمعنى القديم — هي رأسمالية مُعولَمة تربطها بالكارتيل الكوني مصالح مباشرة لا أيديولوجية مشتركة فحسب.
الخصخصة لم تُلغِ هيمنة النخبة الأشكنازية — غيّرت شكل هيمنتها. من السيطرة عبر الدولة والنقابات والمؤسسات الحزبية، إلى السيطرة عبر الشركات القابضة والاندماج في سلاسل القيمة الكونية. الثروة التي كانت موزّعة بين مؤسسات الدولة أصبحت متمركزة في أيدي القلة، لكن هذه القلة ليست معزولة — هي مُدمجة في شبكات رأس المال العالمي.
إيران تتعارض مع الغرب لأن اندماجها في السوق الكونية يُهدد بنية تراكمها الداخلية. الحرس الثوري يعيش على الاحتكار المحلي، والانفتاح يُدمره. لذا فإن التعارض مع الغرب ضرورة اقتصادية قبل أن يكون موقفاً أيديولوجياً.
إسرائيل على النقيض — الاندماج في المنظومة الغربية هو شرط وجودها الاقتصادي. القطاع التكنولوجي الذي يُشكّل ٢٠ بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي و٦٤ بالمئة من الصادرات لا يستطيع أن يعمل خارج السوق الكونية — الانفصال عنه انتحار اقتصادي. شركات التكنولوجيا الفائقة توظّف نحو ٤٠٩,٠٠٠ شخص محلياً و٤٤٠,٠٠٠ خارج البلاد — القاعدة الإنتاجية ذاتها معولَمة.[14]
اقتصاد قادر على تحمّل حرب طويلة متعددة الجبهات بينما لا يزال ينمو ويحافظ على احتياطياته من النقد الأجنبي يمتلك قيمة استراتيجية تتجاوز كونه شريكاً مالياً. قطاعا التكنولوجيا والدفاع الإسرائيليان استمرا في العمل في ظل ظروف حربية مستمرة. هذا الأداء يعكس مرونة مؤسسية. الإنتاج والصادرات والبرامج المشتركة صمدت رغم الهجمات الصاروخية وتعبئة الاحتياطي والضغط السيبراني المستمر. هذه المرونة تتماشى مع Pax Silica، المبادرة الرائدة لوزارة الخارجية الأمريكية لبناء توافق جديد بين الحلفاء والشركاء الموثوقين حول الذكاء الاصطناعي وسلاسل توريد التكنولوجيا والأمن الاقتصادي. أدمجت واشنطن إسرائيل في هذا الإطار لأن السيادة التكنولوجية تعتمد على عقد موثوقة ومُختبرة في المعركة داخل الشبكة.
من يقارن المنافس بالوكيل يجد الفارق واضحاً: إيران تتوسع لأنها مُغلَقة، وإسرائيل تتوسع لأنها مُدمَجة. الأولى تبحث عن سوق بديلة لأن السوق الكونية مُغلقة أمامها، والثانية تُعزّز موقعها كعقدة أساسية في السوق الكونية ذاتها. التوسع الإيراني يتعارض مع المصالح الغربية لأنه يُنافسها على الهيمنة الإقليمية، بينما التوسع الإسرائيلي يخدم المصالح الغربية لأنه يُرسّخ الهيمنة الكونية في المنطقة.
الخلاصة: الكتلة التاريخية الإسرائيلية — النخبة الأشكنازية العلمانية والقطاع التكنولوجي ورأس المال المُعولَم والمجمع الصناعي-العسكري — لا تستطيع البقاء خارج المنظومة الغربية. الوكالة ليست خياراً أيديولوجياً بل ضرورة بنيوية. وهذا ما يجعل إسرائيل وكيلاً لا منافساً — حتى حين تمتلك القدرة على التمدد الإقليمي.
هامش الوكيل — حين يصبح الاستيطان آلية للتراكم والهيمنة
الفكرة المركزية أن الوكيل لا يعني العبودية. يعني علاقة بنيوية تقيّد السقف وتفتح مساحة للحركة في الداخل. إسرائيل تحتاج المنظومة الغربية حاجةً وجودية — لكنها تتحرك داخل هذه الحاجة بأكثر مما يُعترف به عادةً. وأوضح تعبير عن هذا الهامش ليس البيانات الدبلوماسية ولا الخطاب الأمني — بل المشروع الاستيطاني المستمر في الضفة الغربية والقدس الشرقية منذ سبعة وخمسين عاماً دون توقف حقيقي.
ما يُميّز هذا المشروع أنه لا ينتمي فقط إلى منطق الأيديولوجيا الدينية أو القومية — وإن استخدمها واجهةً وعبأهما أداةً. ينتمي في جوهره إلى منطق التراكم بالاستيلاء الذي حدّده هارفي: الاستيلاء على الأرض والمياه والموارد وإدماجها في دائرة الإنتاج الرأسمالي بعد إخراجها من يد أصحابها عبر منظومة قانونية وعسكرية معقدة.[15]
استخدمت إسرائيل ذريعة “أراضي الدولة” أداةً رئيسية منذ ١٩٧٩، مستندةً إلى قراءة تلاعبية لقانون الأراضي العثماني لعام ١٨٥٨ كي تستولي على ما يزيد على خمسين بالمئة من مساحة الضفة الغربية، ووُظِّف معظمها لإقامة المستوطنات وبناء احتياطيات أراضٍ للتوسع المستقبلي.[16] الآلية القانونية لا تُخفي ما تصنعه — تقنّنه. وتقنين الاستيلاء أشد خطراً من الاستيلاء العاري لأنه يُنتج “حقوقاً” قابلة للدفاع عنها أمام المحاكم ذاتها التي ضمنت الاستيلاء.
هارفي يلاحظ أن التسليع يفترض وجود حقوق ملكية على العمليات والأشياء بحيث يمكن تحديد ثمن لها والاتجار بها[17]. ما تصنعه المنظومة القانونية الإسرائيلية في الضفة بالضبط هذا: تُحوّل الأرض الفلسطينية إلى ملكية “دولة”، ثم تُوزّع هذه الملكية على مؤسسات استيطانية بعقود تجارية واستثمارية. الاحتلال آلية لإنتاج الملكية الرأسمالية لا مجرد تعبير عن القوة.
ثمة رقم يكشف هذا أكثر من كثير من التحليلات: واحد وعشرون بالمئة من المساحة المبنية في المستوطنات هي أراضٍ تعترف إسرائيل نفسها بأنها ملكية خاصة فلسطينية.[18] ليست أرضاً متنازعاً عليها، ولا أرضاً “مهجورة” بأي تفسير — بل ملكية خاصة واضحة في السجلات الرسمية. هذا الاعتراف لا يُوقف الاستيطان. يُوثّقه فحسب.
في مدن القدس الشرقية، هُدمت مئتان وأربعة عشر منشأة فلسطينية في الأشهر الاثني عشر بين نوفمبر ٢٠٢٣ وأكتوبر ٢٠٢٤ وحدها، بينما تُعدّ السلطات لبناء أكثر من عشرين ألف وحدة سكنية جديدة في مستوطنات شرق المدينة.[19] هذا ليس توسعاً عشوائياً — هو إعادة هندسة جغرافية ممنهجة تُقسّم القدس وتقطع الضفة عن نفسها قبل أن تفعل ذلك بأي دولة فلسطينية محتملة.
لكن ثمة بُعد آخر للاستيلاء يُهمل في الغالب حين يتحدث الناس عن “أزمة المياه” — وكأنها ظاهرة طبيعية في منطقة شحيحة الأمطار. الطبقة الجوفية الجبلية التي يتشارك عليها الفلسطينيون والإسرائيليون ليست حالة شح طبيعي — هي موزّعة بقرار سياسي. الإسرائيليون، بمن فيهم المستوطنون، يستهلكون مئتين وسبعة وأربعين لتراً للفرد يومياً. الفلسطينيون في الضفة اثنان وثمانون فاصل أربعة لترات. في المجتمعات غير المتصلة بالشبكة: ستة وعشرون لتراً — على مستوى مناطق الكوارث في تقديرات منظمة الصحة العالمية.[20] واثنان وتسعون بالمئة من الفلسطينيين في الضفة يُخزّنون المياه في خزانات على أسطح منازلهم للتعويض عن هذا النقص المُهيكَل.
المستوطنون في غور الأردن يروون مزارعهم التصديرية. المجتمعات الفلسطينية المجاورة تشرب من الخزانات. هذا ليس تفاوتاً في مستوى التنمية — هو توزيع مُصمَّم بعناية يجعل الزراعة الفلسطينية المربحة شبه مستحيلة. كانت الزراعة تُشغّل أربعين بالمئة من العمالة الفلسطينية في الضفة — انخفضت إلى نحو خمسة وعشرين.[21] الآلاف الذين تركوا لم يتركوا لأن الزراعة أصبحت غير جذابة، بل لأن أصحابهم فقدوا الأرض أو لأن نقص المياه جعل التوسع مستحيلاً أو لأنهم لم يستطيعوا منافسة الواردات المدعومة من إسرائيل. نتيجتهم واحدة: أن يتحولوا إلى عمالة رخيصة داخل الاقتصاد الإسرائيلي — وهذا بالضبط ما يُنتجه التراكم بالاستيلاء من بنى طبقية.
يعمل الاستيطان هكذا: يصادر الموارد، ويُشلّ قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الإنتاج المستقل، ويُفرز سكاناً عن أراضيهم، ثم يُعيدهم عمالةً غير ماهرة تحتاج الاقتصاد ذاته الذي استولى على مواردها. الدائرة مغلقة وليست حادثة.
الحوافز الاقتصادية التي تدفع المستوطنين الأفراد — وليس الأيديولوجيين المتدينين وحدهم — تُكمل هذه الصورة. الغالبية العظمى من المستوطنات في الضفة تحمل وضع “منطقة أولوية وطنية أ” الذي يمنح ساكنيها شققاً بأسعار أقل مع رهون مدعومة، وتعليماً مجانياً من سن الثالثة، وإعانات صناعية وزراعية، وخصومات ضريبية تصل إلى مئتي ألف شيكل للفرد في بعض المستوطنات.[22] ارتفاع أسعار الإسكان في تل أبيب وحيفا يدفع عائلات بلا صلة أيديولوجية بالاستيطان نحو مستوطنات الضفة بحثاً عن منزل يستطيعون تحمّل تكلفته.[23] النتيجة: الاستيطان يُجنّد دافعه الاقتصادي الخاص بمعزل عن أي قناعة دينية أو قومية.
المآل الديموغرافي واضح. كان المستوطنون بضعة آلاف عند الاحتلال عام ١٩٦٧. اليوم يبلغون سبعمائة ألف موزعين على الضفة والقدس الشرقية. في السنة الواحدة بين نوفمبر ٢٠٢٤ وأكتوبر ٢٠٢٥، وافقت السلطات الإسرائيلية على ستة وثلاثين ألفاً وتسعمائة وثلاثة وسبعين وحدة سكنية في القدس الشرقية المحتلة وحوالي سبعة وعشرين ألفاً في بقية الضفة، وأُسّست أربعة وثمانون بؤرة جديدة.[24] هذه ليست إحصائيات — هي جيولوجيا سياسية تُصعّب بشكل متصاعد أي ترتيب مستقبلي يقوم على الانسحاب.
ما يصفه منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بـ”تصعيد غير مسبوق — في الحجم والسرعة” منذ ديسمبر ٢٠٢٥ ليس مجرد حكومة يمينية تنفّذ أجندتها.[25] هو استثمار في استحالة الحل — استراتيجية لإنتاج وقائع بقدر ما يتيحه الهامش الذي تمنحه الوكالة قبل أن تتضيّق المساحة السياسية الكونية. الفارق بين الوكيل الذي يُراكم داخل الإطار والوكيل الذي يُراهن على تجاوزه ليس أخلاقياً — هو حسابٌ في تقدير تحمّل الكارتيل الكوني لما يصنعه.
التناقضات البنيوية للوكيل — حين يعيش الاندماج والاستيطان في جسد واحد
ثمة مفارقة تستحق الوقوف عندها. الدولة التي تُمثّل أعمق اندماج رأسمالي في المنظومة الغربية، والأكثر اعتماداً على استمرار هذا الاندماج شرطاً لوجودها، هي في الوقت ذاته الدولة التي تُعقّد هذا الاندماج باستمرار بسياسات تُحرج الكارتيل الكوني أمام حلفائه وخصومه على حدٍّ سواء. هذا ليس تناقضاً عابراً — هو التناقض البنيوي الجوهري للوكيل الذي يمتلك هامشاً.
في إطار الوكيل-المنافس-البيني الذي أرسيناه في الباب الأول، الوكيل يتميز بسمة بنيوية واحدة حاسمة: تراكمه يعتمد على الاندماج في سلاسل القيمة الكونية. لكن هذا الاندماج لا يُلغي مصالحه الذاتية — يُقيّدها في مسار محدد لكنه لا يُعدمها.
إسرائيل تحتاج الكارتيل الكوني لاستمرارية تراكمها — هذه الحقيقة الأولى. لكنها تحتاج أيضاً إلى إدامة الصراع لضمان تدفق الدعم العسكري الأمريكي بمعدلاته القياسية. المذكرة العشرية الموقّعة عام ٢٠١٦ بين واشنطن وتل أبيب تُعطي إسرائيل ثمانية وثلاثين مليار دولار من المساعدات العسكرية بمعدل ثلاثة فاصل ثمانية مليارات سنوياً — وهو “أضخم تعهد بمساعدة عسكرية ثنائية في تاريخ الولايات المتحدة” بتعبير مستشارة الأمن القومي سوزان رايس حين وقّعته. هذا الرقم لا يتدفق بغض النظر عن الأوضاع — يتدفق طالما بقي الخطر الإقليمي الذي يُبرر وجوده، وطالما بقيت إسرائيل الرأس المرئي لهذه المنظومة في المنطقة.
المفارقة: الاستيطان الذي يُحرج الكارتيل هو في الوقت ذاته العامل الذي يُبقي على التوتر الإقليمي الذي يُغذّي الدعم العسكري. الوكيل يحتاج الصراع كما يحتاج السلام — لكن بجرعات مختلفة ولأسباب مختلفة.
في التاسع عشر من يوليو ٢٠٢٤، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشارياً التاريخي: الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة وشرقي القدس غير مشروع بموجب القانون الدولي، وعلى إسرائيل إنهاء وجودها في الأراضي المحتلة فوراً وإخلاء جميع المستوطنات وتقديم تعويضات كاملة للضحايا الفلسطينيين.[26] صوّتت مئة وأربع وعشرون دولة في الجمعية العامة لتطبيق هذا الرأي. الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا من بين الأربعة عشر التي رفضت.
هنا يتجلى الكارتيل الكوني في أوضح صوره: محكمة الدولية التي أنشأها هذا النظام ذاته تُصدر حكماً ضد أحد أهم وكلائه، فيُصوّت النظام الأمريكي ضد تطبيق قراره القضائي الخاص. ليس هذا تناقضاً في القيم — هو اتساق تام في المصالح. القانون الدولي أداة تُستخدم انتقائياً لخدمة الهيمنة، لا معياراً موضوعياً تلتزم به أصحابه.
لكن ما يكشفه القرار أيضاً هو حجم الحرج الذي يُنتجه هامش الوكيل. الاستيطان المتصاعد — الذي رأينا في القسم الثاني حجمه وتسارعه غير المسبوق — يضع الكارتيل أمام اختيار بين قيمه المُعلنة ومصالحه البنيوية. وهو يختار المصالح دائماً، لكن بكلفة متصاعدة على مستوى الشرعية الدولية.
الهامش الذي تمتلكه إسرائيل ليس بلا حدود. حدوده تُرسمها المصالح الأمريكية لا الأخلاق الدولية، وهذا الفارق جوهري.
ثمة ثلاثة خطوط حمراء حقيقية تُحدد سقف الهامش:
الأول، لا تمرير تكنولوجيا عسكرية استراتيجية لخصوم الكارتيل. حين حاولت إسرائيل بيع بعض تقنياتها العسكرية للصين في أواخر التسعينيات ومطلع الألفين، أوقف الأمريكيون الصفقة بضغط مباشر. الحدود التكنولوجية ليست مفاوضة.
الثاني، لا خروج من البنية الأمنية الكونية. إسرائيل لا تنتمي للناتو رسمياً، لكن تكاملها مع المنظومة العسكرية الأمريكية أعمق من كثير من الأعضاء الرسميين. نظام Arrow 3 المضاد للصواريخ تطوير مشترك مع Boeing الأمريكية، وكذلك David’s Sling مع Raytheonالاعتماد التقني المتبادل يجعل الانسحاب انتحاراً عسكرياً.
الثالث، لا تحدٍّ مباشر للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. إسرائيل تستطيع أن تُعارض علناً بعض القرارات الأمريكية — كما فعل نتنياهو مراراً — لكنها لا تستطيع أن تبني تحالفاً بديلاً يتحدى البنية الأمنية الكونية.
داخل هذه الحدود الثلاثة، الهامش واسع. الاستيطان ينمو رغم الاعتراضات الأمريكية. الحروب تُشنّ وتتوسع. المستوطنون المسلحون يُهاجمون دون محاسبة. هذا هو الهامش الفعلي — محدود في السقف، واسع في مساحة الحركة اليومية.
الاستيطان كاستثمار في الثبات لا في المستقبل
من زاوية التحليل البنيوي الماركسي، الاستيطان المتسارع منذ أكتوبر ٢٠٢٣ ليس مجرد استجابة انتهازية للفرصة. هو استراتيجية وقائية من نوع مختلف: إنتاج وقائع لا رجعة فيها في لحظة يُشعر فيها بعض أطراف الكارتيل الكوني بضغط شعبي متصاعد لإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل.
رشيد خليلي[27] يُلاحظ في تحليله التاريخي أن الحروب الستة الكبرى على الفلسطينيين منذ ١٩١٧ لم تكن أحداثاً عشوائية — كانت تعبيراً عن مشروع استعماري يسعى في كل مرحلة إلى “تغيير الواقع بشكل دائم” يجعل أي تراجع مستحيلاً أو مُكلفاً بما يكفي لإثناء أي طرف عن المطالبة به. الثمانية والأربعون بؤرة استيطانية الجديدة التي أُسّست بين نوفمبر ٢٠٢٣ وأكتوبر ٢٠٢٤، والأربعة وثمانون في العام التالي، بهذا المعنى ليست فائضاً عن الحاجة — هي استثمار في استحالة الحل.
الحالة الإسرائيلية، كما الحالة الإيرانية، تُعيد تأكيد ما انتهى إليه المحور الرابع من الباب الأول: لا أيٌّ من أقطاب هذا الثلاثي يُمثّل مشروعاً تحررياً للشعوب التي تعيش في نطاق نفوذه.
المنافس الإيراني يُقمع شعوبه ويُقمع الشعوب المجاورة حين تتمرد على وكلائه. والوكيل الإسرائيلي يُعيد إنتاج الاستيلاء والهيمنة في كل يوم يمر، ويُوظّف الكارتيل الكوني نفسه حاجزاً دون أي مساءلة حقيقية. المسافة بين المنافس والوكيل بنيوية وحقيقية — لكنها لا تُنتج أياً من الطرفين مشروعاً تحررياً. تُنتج فقط أشكالاً مختلفة للهيمنة تدفع ثمنها شعوب ليس لها يد فيها.
الفارق بين إيران وإسرائيل ليس أن إحداهما تمارس الإمبريالية وأخرى لا تفعل. الفارق هو من تُمثّل طبقتهما الحاكمة ومن تمتص. إيران تمتص محيطها لحساب احتكارات الحرس الثوري. إسرائيل تمتص محيطها لحساب طبقة حاكمة مُدمجة في الكارتيل الكوني تعمل بوصفها جزءاً منه لا مجرد تابع له. الأولى تتوسع لأن سوقها الداخلية مغلقة. والثانية تتوسع لأن منطقها التراكمي يستلزم الصراع المستمر شرطاً لإعادة إنتاج ذاته.
خاتمة
خاصة به تدفع نحو توسع لا يأتي بالضرورة بأمر كوني، بل يُعبّر عن ضرورة طبقية داخلية — تتجلى في الكتلة الاستيطانية التي تُعيد تشكيل الجغرافيا بوتيرة لا تنتظر موافقة واشنطن، وكذلك في المجمع الصناعي-العسكري الذي يحمل منطقه التراكمي الخاص في إنتاج الصراع واستثماره — وهو ما يستحق تحليلاً مستقلاً.
لكن ثمة ما لا يُقال بوضوح كافٍ في معظم التحليلات اليسارية التي تتناول الحالة الإسرائيلية: التناقض البنيوي مع الكارتيل الكوني — حين يظهر — لا يُحوّل المشروع الاستعماري الاستيطاني إلى مشروع تحرري. الوكيل الذي يتجاوز حدود التعليمات لا يُصبح منافساً بمجرد تجاوزه. يُصبح وكيلاً يتوسع لحسابه داخل إطار لا يزال يخدمه بنيوياً.
الشعب الفلسطيني والشعوب والعربية التي تعيش تحت ظل هذا التوسع — سواء بالاستيطان أو بالحصار أو بالحرب — ليست في الحسبان البنيوي لأيٍّ من المستويين. لا للكارتيل الكوني الذي يُوفّر الغطاء ويُصادق على الاستيلاء، ولا للوكيل الذي يبني هيمنته فوق وقائع تُنتجها آليات التراكم بالاستيلاء يوماً بعد يوم.
البنية الاقتصادية الداخلية للكتلة الحاكمة الإسرائيلية — اندماجها التكنولوجي واحتياجها البنيوي للصراع وآليات الاستيطان — لا تتغير بتغيير الحكومات. نتنياهو أو بديله، يمين أو وسط، المحرك الطبقي نحو الحرب والاستيطان نحو التوسع لا يختفي بانتخابات. يتراجع في بعض الأشكال ويتقدم في أخرى، لكنه يظل شرطاً بنيوياً لإعادة إنتاج النظام.
هذا ما يُميّز الفصل الرابع عن الفصل الثالث في هذا الكتاب: المنافس الإيراني يتوسع هرباً من أزمة تراكمه الداخلي. الوكيل الإسرائيلي يتوسع تعبيراً عن نجاح تراكمه الداخلي وشروط إعادة إنتاجه. الأول يحتاج الفوضى لأنه يعيش خارج النظام الكوني. والثاني يحتاج الصراع لأنه يعيش داخله.
[1] Joel Beinin, “Israel’s Economy Has Problems, but It’s Not Collapsing Yet,” Jacobin, February 21, 2026.
https://jacobin.com/2026/02/israel-economy-tech-weapons-trade
[2] المصدر السابق
[3] Israel Economic Mission to the West Coast, “What Does Israel Export—Really? A 2024–2025 Breakdown by Vertical,” iTrade, December 22, 2025. https://itrade.gov.il/usa/what-does-israel-export-really/
[4] Makan, Mehdi Beyad, and Heedayah Lockman, “What is Settler Colonialism?” Shado Magazine, March 11, 2025. https://shado-mag.com/education/know/settler-colonialism-israel-palestine-imperialism-resistance/
[5] Sarayu Pani, “It’s More Than TikTok: From Historical Homelands to Settler Colonialism,” Tattva (Substack), December 2, 2023. https://tattva.substack.com/p/its-more-than-tiktok-from-historical
[6] Charles Glass, “The Mandate Years: Colonialism and the Creation of Israel,” Britain Palestine Project, March 20, 2026
[7] Roxanne Dunbar-Ortiz, “We Must Understand Israel as a Settler-Colonial State,” In These Times, June 24, 2024.
https://inthesetimes.com/article/roxanne-dubar-ortiz-zionism–israel-palestine-israel-settler-colonialism
[8] Patrick Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native,” Journal of Genocide Research 8, no. 4 (2006): 387–409.
[9] Yisrael Medad, “Israel’s ‘Privileged Class’: Its Roots and Its Rot,” JNS (Opinion), April 21, 2025.
https://www.jns.org/israels-privileged-class-its-roots-and-its-rot-2/
[10] Ian Sternthal, “From Socialism to Capitalism: Privatization in Israel,” Sternthal Books, April 24, 2018.https://sternthalbooks.com/article/privatization-israel/
[11] GTAIC Team, “Israel–U.S. Trade (2017–2025): Aerospace, Semiconductors & Life Sciences Drive Growth,” GTAIC, October 30, 2025 (updated January 5, 2026). https://gtaic.ai/trends/israel-united-states-trade-corridor-2017-2025
[12] U.S. International Trade Administration, “Israel — Market Opportunities,” Trade.gov, March 9, 2026.
https://www.trade.gov/country-commercial-guides/israel-market-opportunities
[13] Sternthal, “From Socialism to Capitalism: Privatization in Israel,”
[14] Beinin, “Israel’s Economy Has Problems
[15] David Harvey, The New Imperialism (Oxford: Oxford University Press, 2003), 137–182.
[16] B’Tselem, “Land Grab: Israel’s Settlement Policy in the West Bank,” May 2002. https://www.btselem.org/publications/summaries/200205_land_grab
[17] Harvey, The New Imperialism, 145
[18] B’Tselem, “By Hook and by Crook: Israeli Settlement Policy in the West Bank,” July 2010. https://www.btselem.org/publications/summaries/201007_by_hook_and_by_crook
[19] UN Human Rights Office (OHCHR), “Israel Ramps Up Settlement and Annexation in West Bank with Dire Human Rights Consequences,” March 18, 2025. https://www.ohchr.org/en/press-releases/2025/03/israel-ramps-settlement-and-annexation-west-bank-dire-human-rights
[20] B’Tselem, “Parched: Israel’s Policy of Water Deprivation in the West Bank,” May 2023. https://www.btselem.org/publications/202305_parched
[21] United Nations, Economic and Social Consequences of the Establishment of Settlements by Israel in the Palestinian Territory, Report of the Secretary-General, A/47/294–E/1992/84 (New York: United Nations, 1992). https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-183659/
[22] B’Tselem, “By Hook and by Crook
[23] Danielle N. Sepúlveda Carmona, “Pragmatic Settlements in the West Bank,” Harvard International Review, July 4, 2022. https://hir.harvard.edu/pragmatic-settlements-in-the-west-bank-and-implications-for-israel-and-palestine/
[24] UN Human Rights Office (OHCHR), “Israel’s Settlement Expansion Drives Mass Displacement in West Bank,” March 17, 2026. https://www.ohchr.org/en/press-releases/2026/03/israels-settlement-expansion-drives-mass-displacement-west-bank-un-report
[25] Amnesty International, “Israel/OPT: Global Impunity Fueling Israel’s Unlawful Annexation Measures in the West Bank,” February 26, 2026. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2026/02/israel-opt-global-impunity-fueling-israels-unlawful-annexation-measures-in-the-west-bank/
[26] International Court of Justice, Legal Consequences Arising from the Policies and Practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, Including East Jerusalem, Advisory Opinion, July 19, 2024. https://www.icj-cij.org/node/204176
[27] Rashid Khalidi, The Hundred Years’ War on Palestine, Metropolitan Books, 2020
