إيران — المنافس البنيوي – حدود المنافسة وتناقضاتها

🖨️ طباعة المقال

ليس غريباً أن يظل الموقف من إيران من أكثر المسائل إنتاجاً للالتباس في الفكر السياسي العربي. فالبنية الظاهرة للمشهد تُغري بثنائيات مُريحة: إيران في مواجهة أمريكا وإسرائيل، إذن إيران في جانب المقاومة. أو إيران تتمدد في العراق ولبنان وسوريا، إذن إيران امبراطورية إقليمية خالصة. كلا الموقفين يحتوي على قدر من الصحة — وكلاهما يُخطئ المستوى.

ما يصعب التسليم به، لكنه لازم للفهم، أن إيران ليست واحدةً في كل السياقات. في مستوى علاقتها بالكارتيل الإمبريالي الكوني — الولايات المتحدة وحلفاؤها — هي منافس بنيوي حقيقي تدفع ثمن هذا التناقض غالياً. وفي مستوى علاقتها بالشعوب التي يمتد نفوذها فوق أراضيها — العراقية واللبنانية والسورية — هي منظومة هيمنة تُعيد إنتاج التبعية بأدوات مختلفة. التناقضان لا يُلغي أحدهما الآخر — وهذا بالضبط ما يجعل التحليل الجدلي ضرورياً حيث يعجز المنطق الصوري.

قبل 1979، كانت إيران الشاه وكيلاً كاملاً: طبقتها الحاكمة تراكم ثروتها عبر الاندماج في سلاسل القيمة الغربية، والولاء للمنظومة الكونية شرطٌ لاستمرار هذا التراكم لا خياراً يمكن نقضه. ما أحدثته ثورة 1979 ليس تحولاً في القيم السياسية وحسب — بل إزاحة الكتلة الطبقية الحاكمة بأكملها واستبدالها بكتلة مختلفة في بنية تراكمها: تحتاج الإغلاق لحماية احتكاراتها، وتُهددها المنافسة الأجنبية من حيث تُقويها لمنافسيها. من هنا نشأت المنافسة البنيوية مع الغرب — لا من قرار إرادي ولا من عقيدة دينية، بل من منطق التراكم الطبقي الجديد.

غير أن هذه المنافسة لا تُنتج تحرراً تلقائياً. فالمشروع التحرري لا يُعرَّف بعدوّه — يُعرَّف بعلاقته بالشعوب التي يُفترض أنه يناضل من أجلها. وحين واجه المشروع الإيراني لحظات الاختبار الحقيقية — من اغتيالات اليسار اللبناني في الثمانينيات إلى قمع انتفاضة تشرين 2019 — كانت الإجابة متسقة: من يتمرد على المنظومة التي يقوم عليها هذا التراكم يُعامَل عدواً، سواء أكان رفيقاً ماركسياً في جنوب بيروت أم شاباً عراقياً في ساحة التحرير.

إيران بين الوكالة والمنافسة — اللحظات التاريخية

لفهم ما جرى عام 1979 ولماذا كان تحولاً بنيوياً حقيقياً لا مجرد انقلاب سياسي، لا بد من البدء بما كانت عليه إيران قبل ذلك التاريخ — ليس وصفاً تاريخياً بل تحليلاً طبقياً يُحدد طبيعة العلاقة التي ربطت الدولة الإيرانية بالمنظومة الإمبريالية الكونية.

عقيدة نيكسون عام 1969 رفعت إيران رسمياً إلى مرتبة “شرطي الخليج”، وضخّ نيكسون وكيسنجر مبيعات أسلحة ضخمة إلى إيران بهدف جعلها القوة المهيمنة في منطقة الخليج[1]. لكن هذا الوصف الظاهري — إيران كشرطي للخليج — يصف الوظيفة ولا يُفسّر البنية. ما يُفسّر البنية هو السؤال الطبقي: لماذا قبلت الطبقة الحاكمة الإيرانية هذا الدور، ولماذا كان مصلحتها أن تُؤدّيه بلا إكراه حقيقي؟

الجواب في بنية التراكم. الرأسمالية التجارية الإيرانية الكبرى، والتكنوقراط المُدرَّبون في الجامعات الغربية، والبيروقراطية المرتبطة بجهاز الدولة — هذه الطبقات بنت ثرواتها وامتيازاتها على الاندماج الوثيق في سلاسل القيمة الغربية. النفط الإيراني يتدفق نحو الغرب عبر شركات نفط دولية، والعائدات تعود جزئياً في شكل أسلحة وسلع ومشاريع بنية تحتية تنفّذها شركات غربية[2]. الطبقة الوسطى الناشئة تستهلك في إطار هذا النظام وتُنتج من خلاله. والجهاز الأمني ساڤاك مُدرَّب ومُموَّل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي[3].

في هذا السياق، الوكالة لم تكن قراراً سياسياً قابلاً للنقض حين تتغير الظروف — كانت شرطاً بنيوياً لاستمرار التراكم. الطبقة الحاكمة الإيرانية في عهد الشاه لم تُوالِ الغرب لأنها أيديولوجياً مُقتنعة بتفوقه الحضاري — وإلتها لأن مصدر ثروتها يجف إن هي انفصلت عن منظومته. هذا هو المعيار البنيوي للوكيل: من تنمو ثروة طبقته الحاكمة بالاندماج في الكارتيل الكوني وتنهار بالخروج عنه.

الأخطر أن هذه البنية كانت تُنتج قدراً من الولاء الاجتماعي. الطبقة الوسطى المُستفيدة من الانفتاح الاقتصادي والتحديث الذي قاده الشاه، والمتعلمون في جامعات الغرب العائدون بمناصب في القطاعين العام والخاص، والتجار المُستفيدون من العلاقات مع الشركات الدولية — هؤلاء جميعاً كانوا يملكون مصلحة مادية في استمرار النظام، حتى حين كانوا يُعارضون سياساته القمعية.

ما يعنيه هذا التحليل: إيران لم تكن وكيلاً لأن الشاه قرر ذلك ذات يوم — كانت وكيلاً لأن بنية الطبقة الحاكمة جعلت الوكالة استمراراً طبيعياً لمصالحها. وهذا بالضبط ما يُفسّر لماذا أحدثت الثورة تحولاً بنيوياً حقيقياً لا مجرد استبدال في القمة.

1979 — حين تُغيّر ثورة طبقةً حاكمة بأكملها

ما جرى عام 1979 في إيران يستحق وقفةً تحليلية مُطوّلة لأنه يُختزل عادةً في صورة أحادية البُعد: ثورة إسلامية استبدلت الشاه بالخميني. هذه الصورة صحيحة في ظاهرها مُضلِّلة في جوهرها.

ما جرى بنيوياً كان أعمق: إعادة هيكلة شاملة للطبقة الحاكمة وإزاحة الكتلة الاجتماعية التي كانت تقود التراكم في إيران واستبدالها بكتلة مختلفة جذرياً في مصالحها وعلاقاتها بالاقتصاد الدولي. الطبقة البيروقراطية الليبرالية والرأسمالية التجارية الكبرى المندمجة في الغرب لم تُهزم سياسياً فحسب — أُزيحت طبقياً. أموالها صودرت أو هربت. شبكاتها التجارية الدولية انقطعت[4]. مناصبها في الجهاز الحكومي والمؤسسات الاقتصادية أُفرغت.

في مكان هذه الطبقة برزت كتلة تاريخية جديدة متماسكة: البيروقراطية الدينية التي تحتكر سلطة الإضفاء الشرعي عبر نظرية ولاية الفقيه، والحرس الثوري الذي وُلد ميليشيا ثورية وتحوّل خلال الحرب العراقية-الإيرانية إلى مؤسسة شاملة تجمع العسكري والاقتصادي في منظومة واحدة[5]، والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالمرجعيات الدينية والبنيادات ذات الامتيازات الخاصة.

التمييز الجوهري: هذه الكتلة الجديدة لم تبنِ تراكمها على الاندماج في سلاسل القيمة الغربية — بنته على الاحتكار الداخلي المحمي بالإغلاق. الحرس الثوري يكسب من العقود الحكومية الممنوحة بلا مناقصة. البنيادات الدينية تُراكم من الممتلكات المُصادَرة والامتيازات الضريبية. شبكات رجال الدين تعيش من الريع الديني والعقارات والتبرعات التي تُدارها بلا رقابة[6]. كل هذا التراكم لا يحتاج الغرب — بل يُهدده الاندماج فيه لأن المنافسة الأجنبية تُدمّر الاحتكارات التي يقوم عليها.

هنا تكمن جذور التحول: إيران أصبحت منافساً بنيوياً لا لأن قيادتها قررت مُعاداة الغرب إرادياً، بل لأن الطبقة الحاكمة الجديدة يُهددها الاندماج الكامل بينما كانت الطبقة القديمة يحتاجه. البنية الطبقية هي التي أنتجت التوجه الجيوسياسي، لا العكس.

غير أن هذا التحليل يستلزم تحفظاً مهماً: الثورة الإيرانية لم تكن مشروعاً للحرس الثوري أو للبنيادات الدينية وحدها — كانت لها أجنحة متعددة ذات مشاريع متباينة. اليسار والقوى الليبرالية والتيارات القومية جميعها شاركت في إسقاط الشاه. ما جرى بعد ذلك هو احتكار الحرس الثوري والبيروقراطية الدينية لنتائج الثورة وإقصاء بقية الأطراف — وهذا الإقصاء ذو أهمية تحليلية بالغة سنتناولها في القسم الثالث.

ثمة لحظات في تاريخ إيران بعد 1979 تبدو مُحيّرة لمن يُريد قراءة المواقف في خانات ثنائية صارمة. وهذه اللحظات ليست شواهد ضد تحليلنا — هي شواهد تُعمّقه وتُدقّق في تعريف المنافسة البنيوية.

في أفغانستان بعد 2001، تعاونت إيران مع الولايات المتحدة في الإطاحة بنظام طالبان. التعاون كان صامتاً وغير مُعلَن لكنه كان موثقاً. مسؤولون أمريكيون كبار أكدوا لاحقاً أن إيران قدّمت معلومات استخباراتية وسمحت بعمليات لوجستية[7]، وأن محادثات أجرتها وفود الطرفين في جنيف آنذاك بلغت مستوىً من التنسيق لم يُعلَن عنه. طالبان كانت عدواً مشتركاً — سنياً مُتطرفاً يُهدد الحدود الإيرانية ويُوالي السعودية وباكستان.

في العراق بعد 2003، صبّ الغزو الأمريكي لصدام حسين في مصلحة إيران الاستراتيجية بصورة لم تكن تستطيع هي نفسها تحقيقها[8]. عدوها الوجودي الذي خاضت معه حرباً ثماني سنوات أُطيح به على يد منافسها الكوني. الفراغ الذي خلّفه الانهيار العراقي ملأته إيران بسرعة وذكاء. وكان ثمة نقاط تقاطع موضوعية — تكتيكية لا استراتيجية — بين المشروعين في مرحلة الفوضى الأولى.

هذه اللحظات لا تُربك التحليل البنيوي — تُكمله. المنافس البنيوي لا يُعادي الكارتيل الكوني عداءً وجودياً مطلقاً لا يعرف التفاوض والتقاطع. يتعاون حين يخدم التعاون مصلحته الطبقية الآنية، ويتصادم حين يُهدد هذه المصلحة. إيران تُفاوض الغرب وتُعاديه في آنٍ واحد لأن الاثنين ضروريان لاستمرار التراكم: العداء يحمي الاحتكارات الداخلية ويُبرر الإغلاق أمام المنافسة الأجنبية، والتفاوض يُتيح قدراً من الوصول إلى الاقتصاد الدولي ضرورياً لتصريف النفط وتجنب العزلة التامة.

التوتر الدائم بين المفاوضة والعداء ليس تناقضاً في السياسة الإيرانية ولا دليلاً على خداع دبلوماسي — هو التعبير الأدق عن الموقع البنيوي للمنافس الذي لا يستطيع الخروج الكامل من النظام الذي يتحداه.

لماذا التناقض مع الغرب لا يعني التحرر؟

السؤال مشروع ويستحق الجواب المُباشر: إذا كانت إيران في تناقض حقيقي وبنيوي مع الإمبريالية الغربية، ألا يجعل هذا منها حليفاً موضوعياً لقوى التحرر؟ هذا السؤال لا يطرحه البسطاء فحسب — طرحه مفكرون جادون وتيارات يسارية جوهرية في تاريخ الفكر العربي والعالمي.

الإجابة تستدعي تشريح الخطأ المنطقي الجذري الذي يُنتج هذا الالتباس. حين يقول كثيرون “إيران تُعادي الإمبريالية الغربية، إذن إيران تحمل مشروعاً تحررياً”، يُطبّقون منطقاً صورياً أرسطياً: إذا كان (أ) ضد (ب) فـ(أ) هو ضد ما يُمثّله (ب). وإذا كان (ب) يُمثّل الاستغلال والهيمنة، فـ(أ) يُمثّل بالضرورة التحرر. هذا الاستدلال يبدو صحيحاً في عالم الثنائيات الجامدة — لكنه ينهار حين يُواجَه بالواقع الاجتماعي المركّب.

المشكلة في مبدأ عدم التناقض الأرسطي: الشيء إما (أ) أو لا (أ). لكن الواقع السياسي والاجتماعي لا يُطيع هذا المبدأ — وهذا ما اكتشفه هيغل ثم بنى عليه ماركس منهجه الجدلي[9]. الظاهرة الاجتماعية تحمل في داخلها تناقضاتها الذاتية، وتكون في آنٍ واحد شيئاً وضده في مستويات تحليل مختلفة. إيران تُعادي الإمبريالية الغربية في مستوى التنافس بين القوى الكبرى — حقيقة موضوعية. وإيران تُعيد إنتاج الهيمنة والاستغلال في محيطها الإقليمي — حقيقة موضوعية أيضاً. التناقضان متزامنان ولا يُلغي أحدهما الآخر.

من يرى الحقيقة الأولى وحدها يُقدّم إيران مشروعاً تحررياً. من يرى الثانية وحدها يُقدّمها امبراطورية إقليمية خالصة لا يُعتدّ بتناقضاتها مع الغرب. من يرى الاثنتين معاً في التزامن والتوتر المتبادل يُقترب من الحقيقة الجدلية: منافس بنيوي للكارتيل الكوني يُعيد إنتاج منطق الهيمنة في محيطه.

التناقض البنيوي بين إيران والكارتيل الإمبريالي الكوني موجود وحقيقي وموثّق. إيران لا تستطيع الاندماج الكامل في النظام الكوني لأن هذا الاندماج يُدمّر الأساس الاحتكاري الذي يقوم عليه تراكم طبقتها الحاكمة. هذا التناقض ليس مصطنعاً وليس خطاباً فارغاً — له جذور مادية حقيقية تعكسها بنية الاقتصاد الإيراني وتكوين الطبقة الحاكمة وعلاقتها بالأسواق الدولية.

لكن التناقض مع قوة مُهيمنة لا يعني تلقائياً التضامن مع الشعوب التي تُعاني من تلك الهيمنة. قد يعني ببساطة التنافس على موقع أفضل في توزيع الهيمنة — أي التنافس على من يتولى استغلال الموارد والشعوب، لا على إلغاء منطق الاستغلال ذاته.

المشروع التحرري له معيار واحد لا يقبل التفاوض: هل يسعى إلى تفكيك علاقات الهيمنة والتبعية في كل أشكالها — بما فيها تلك التي يمارسها الفاعل الذي يرفع شعار المقاومة؟[10] إيران التي تُديم الفوضى في العراق لتُبقيه سوقاً مفتوحة وممراً استراتيجياً لتراكمها الإقليمي، والتي تُهيمن على القرار السياسي اللبناني عبر شبكة حزب الله، والتي تُنهب الموارد السورية تحت لافتة إعادة الإعمار — هذه إيران لا تُفكّك الهيمنة بل تُعيد توزيعها[11]. والتوزيع ليس تحريراً.

انتفاضة تشرين 2019 — حين كشف الشارع العراقي ما أخفاه الخطاب

في أكتوبر 2019، أشعلت انتفاضة تشرين شرارة أكبر احتجاجات شعبية يشهدها العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003، حيث خرج شباب عراقي يُطالب بإنهاء الفساد والاستقطاب الطائفي ورفض الطاعة للقوى الأجنبية كإيران والولايات المتحدة على حد سواء.[12]

في اجتماع سري عُقد في بغداد، تدخّل قاسم سليماني قائد فيلق القدس وطلب من هادي العامري وقيادات الميليشيات المدعومة من إيران الاستمرار في دعم رئيس الوزراء عبد المهدي، وفق ما أكده خمسة مصادر مطّلعة على الاجتماع. وأكد مسؤول أمني إيراني لرويترز حضور سليماني قائلاً إنه كان هناك ليُقدم “نصائح”.[13]

اليوم التالي لهذه الزيارة، تصاعدت المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن تصاعداً حاداً، وارتفع عدد القتلى إلى ما يزيد على مئة بعد أن أطلق قناصة مجهولو الهوية النار على المحتجين في رؤوسهم وصدورهم.[14]

في الأشهر الستة الأولى من الانتفاضة قُتل نحو ستمئة محتج وأُصيب أكثر من عشرين ألفاً.[15] المجموعات المدعومة من إيران داخل منظومة الحشد الشعبي وخارجها هاجمت المحتجين الذين رفعوا مطالب بتقليص التدخل الإيراني وإنهاء الإفلات من العقاب ونزع سلاح الجماعات شبه العسكرية وتغيير نظام المحاصصة.[16]

هذا المشهد يُظهر بجلاء أن المشروع الإيراني حين يواجه الاختيار بين الشعوب التي تتمرد على التبعية والنظام الذي يحمي مصالحه — يختار النظام. وهذا الاختيار ليس خطأً في التقدير — هو المنطق الطبقي الضروري للمنافس البنيوي.

وحين اندلعت احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” في إيران وامتدت لتشمل أكثر من مئة مدينة إيرانية، رصدت تقارير موثّقة ظهور عناصر ناطقة بالعربية بلهجة لبنانية وعراقية تُساعد قوات الباسيج في قمع المحتجين الإيرانيين في عدة مدن بما فيها طهران. ويُعزى ذلك إلى مخاوف من أن الشرطة الإيرانية والباسيج قد لا تمتثل لأوامر القمع ضد مواطنين إيرانيين، أو لكونها غير كافية لإخماد احتجاجات في أكثر من مئة مدينة في آن واحد.

الدائرة هنا مكتملة: الوكلاء الذين بناهم الحرس الثوري باسم مقاومة الإمبريالية خارج الحدود يُعادون توظيفهم داخل الحدود لقمع إيرانيين يطالبون بحقوقهم. المقاومة في الخارج والقمع في الداخل وجهان لمنظومة سلطة واحدة.

تصفية اليسار — الوجه الأكثر كشفاً

في السابع عشر من فبراير 1987، اغتيل حسين مروة في منزله في رملة البيدا ببيروت الغربية وهو في فراشه، وعمره سبعة وسبعون عاماً.[17] كان مروة فيلسوفاً ماركسياً بارزاً وعضواً قيادياً في الحزب الشيوعي اللبناني، وُلد في جنوب لبنان وتلقى تعليمه في حوزة النجف قبل أن تُحوّله رحلة فكرية طويلة نحو الماركسية.

في اليوم ذاته، وقف زميله حسن حمدان — الذي نشر تحت اسم مهدي عامل — أمام جموع المُشيّعين في دمشق ليُلقي كلمة الرثاء. وصف قتلة رفيقه بأنهم “أعداء الحرية والفكر، أعداء اليقظة العلمية والثورة، أعداء الإنسان”، وطالب بـ”محكمة عربية ودولية” للتحقيق في سلسلة الاغتيالات التي تستهدف الكتّاب والمفكرين اليساريين.[18]

لم يمض شهران حتى نشرت صحيفة “العهد” الأسبوعية الناطقة بلسان حزب الله تحذيراً صريحاً: إن المتكلم في جنازة حسين مروة سيتعلم قريباً أن وقته قد جاء. وفي الأسابيع التالية، أخذ عامل يُشير لزوجته وأصدقائه إلى تلك العبارة المُشؤومة.[19]

نُفِّذ التهديد في الثامن عشر من مايو 1987. اغتيل مهدي عامل قرب منزله في منطقة الملّا في بيروت وهو في طريقه إلى معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية حيث كان يُدرّس الفلسفة والسياسة والمنهجيات.[20] وعمره خمسة وخمسون عاماً.

في العام ذاته طالت الاغتيالات أيضاً سهيل طويلة رئيس تحرير مجلة “النداء” الأسبوعية للحزب الشيوعي اللبناني، وخليل نعوس أحد أبرز قيادات الحزب. في موجة واحدة أُزيح أبرز قيادات الفكر الماركسي وأهم الكوادر التنظيمية اليسارية في لبنان معاً.

أما المسؤول فثمة رواية تُشير إلى حزب الله، إذ أن تحريضه المكشوف في صحيفة العهد يجعل المسؤولية في غاية الوضوح. وتوجد رواية أخرى تُشير إلى تورط الاستخبارات السورية؛ فقد حضر غازي كنعان رئيس الاستخبارات السورية جنازة عامل وقال ساخراً لقائد الحزب الشيوعي: “هل كان ضرورياً أن تدفعوا هذا الثمن؟”الروايتان لا تتناقضان بالضرورة — ثمة تقاطع واضح بين مصالح طرفين على الأقل في إزاحة هذا المشروع اليساري.

مهدي عامل — حسن عبدالله حمدان — كان من جنوب لبنان تحديداً، من منطقة جبل عامل ذات الغالبية الشيعية. عضو في الحزب الشيوعي اللبناني منذ 1960، حاصل على دكتوراه في الفلسفة من جامعة ليون الفرنسية، وأستاذ في الجامعة اللبنانية، ومثقف شعبي يُسافر إلى المدن والقرى لإلقاء محاضرات على الفلاحين والعمال بلغة بسيطة مُباشرة.

الحزب الشيوعي اللبناني أسّس أولى مكاتبه في الجنوب عام ميلاد عامل تقريباً. وتُشير التقديرات إلى أن الشيعة كانوا يُشكّلون نصف عضويته حين اندلعت الحرب الأهلية.

ما كان يُمثّله عامل ومروة ليس مجرد أفراد بارزين — كانا تجسيداً حياً لمشروع سياسي بديل: اليساري الشيعي الجنوبي الذي يُناضل ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد الاستغلال الطبقي انطلاقاً من هوية طبقية عابرة للطائفة لا من هوية دينية مُغلقة. وجودهما وتنظيمهما كان يُثبت للمجتمع الشيعي الجنوبي أن المقاومة ممكنة بلا ولاية الفقيه وبلا القيادة الإيرانية.

كان لحزب الله منافسان رئيسيان: حركة أمل الشيعية التي توصّل الطرفان إلى مودّة بوساطة النظام السوري، والحزب الشيوعي اللبناني الذي كان يتمتع بحضور واسع وحقيقي في أوساط شيعة الجنوب الذين شكّلوا نسبة مهمة من عضويته.[21]

مع أمل يمكن تسوية الخلاف على أساس تقاسم النفوذ داخل الطائفة الشيعية. لكن مع الحزب الشيوعي لا يمكن تسوية الخلاف بالتقاسم — الخلاف جوهري ووجودي: الحزب يُقدّم نموذجاً مختلفاً تماماً لتنظيم الشيعة الجنوبيين: طبقياً لا طائفياً، مدنياً لا دينياً، مستقلاً عن إيران لا تابعاً لها.

في ثمانينيات القرن الماضي، سعى حزب الله إلى تصفية حركات المقاومة العلمانية والوطنية، فاغتال كثيراً من قيادات اليسار ومقاتليه ومثقفيه. وكان ذلك جزءاً من استراتيجية للإبقاء على المقاومة العسكرية تحت السيطرة.[22]

الاستراتيجية واضحة المنطق: احتكار تمثيل المقاومة ضد إسرائيل يعني احتكار الشرعية الإقليمية الأعمق والموارد المادية والرمزية التي تتدفق نحوها. من يملك تعريف المقاومة يملك القدرة على تعريف من هو حليف ومن هو خائن. إزاحة اليسار من هذه الساحة لم تكن عداوةً أيديولوجية خالصة — كانت حساباً سياسياً طبقياً.

الأثر المتراكم — ساحة يتيمة وهوية مُثبَّتة

وفاة عامل ومروة قالت الكثير عن الثقل المتنامي للقوى السياسية الدينية المحافظة في العالم العربي. كان عامل ومروة يسعيان إلى الفصل بين الدين والدولة والنهوض بقضايا تقدمية وتنظيمات الطبقة العاملة، فيما كان خصومهم يسعون إلى العكس. أدّى الانخراط الشيعي الديني المنظّم في الحرب الأهلية اللبنانية إلى تحديد الهويات الطائفية والمذهبية وترسيخها بدلاً من تذويبها.

الشيعة الجنوبيون الذين كانوا يُشكّلون نصف عضوية الحزب الشيوعي اللبناني في مطلع الثمانينيات، أصبحوا بعد عقد قاعدة اجتماعية راسخة لحزب الله. التحول لم يكن تلقائياً — جزء منه كان مدفوعاً بإزالة البديل الذي كان يُنافس حزب الله على هذا الجمهور. على المستوى الخطابي، أصبح تعريف المقاومة ملكاً لحزب الله، وتعريف الحليف والخائن ملكاً له، والمرجعية التي تُضفي الشرعية على الكفاح ضد إسرائيل مرتبطة بالولاية الدينية الإيرانية.

الخاتمة

المنافسة مع الكارتيل الإمبريالي الكوني حقيقية ولها أثمانها الباهظة — عقوبات واغتيالات وحصار وحروب بالوكالة. لكن هذه المنافسة تخدم تراكم الكتلة الحاكمة الإيرانية قبل أن تخدم أي مشروع تحرري. والفارق ليس أخلاقياً — هو بنيوي: منظومة تبني هيمنتها على الاحتكار الداخلي والنفوذ الإقليمي لا تملك منطقاً يدفعها نحو تفكيك علاقات الاستغلال، لأن هذه العلاقات هي التي تُديم تراكمها.

اغتيال مهدي عامل وحسين مروة في بيروت 1987 لم يكن عداوةً أيديولوجية خالصة — كان حساباً سياسياً طبقياً. اليساري الشيعي الجنوبي الذي يُنظّم المقاومة ضد الاحتلال بلغة الطبقة لا بلغة الولاية الدينية يُقدّم دليلاً حياً على أن المقاومة ممكنة بلا قيادة إيرانية. إزاحة هذا الدليل شرط لاحتكار تعريف المقاومة ذاتها. وحين وقف الشباب العراقي في ساحات تشرين 2019 يرفعون المطالب نفسها بلغة أخرى — الكرامة والسيادة ورفض التبعية — كان الجواب الإيراني جاهزاً: قناصة على الأسطح وسليماني في المنطقة الخضراء يُعطي “النصائح”.

المقاومة التي تُصفّي منافسيها على تعريف المقاومة، وتقمع الشعوب التي تتمرد على شروطها، ليست نقيض الهيمنة — هي شكل منها. والشعوب التي تعيش بين إمبرياليتين لا تحتاج أن تختار أيهما تخضع لها — تحتاج مشروعاً يرفض منطق الهيمنة من جذوره، أياً كانت لغته وعلمه وجهة قبلته.

[1] Roham Alvandi, “Nixon, Kissinger, and the Shah: The Origins of Iranian Primacy in the Persian Gulf,” Diplomatic History 36, no. 2 (April 2012): 338. Wiley-Blackwell / Society for Historians of American Foreign Relations. : https://ciaotest.cc.columbia.edu/wps/lse/0028795/f_0028795_23386.pdf

[2] Ahmad Ashraf, “Bazaar and Mosque in Iran’s Revolution,” MERIP Reports, no. 113 (March–April 1983): 16–18.

Middle East Research and Information Project, Washington D.C. https://www.merip.org/1983/03/bazaar-and-mosque-in-irans-revolution/

[3] Ervand Abrahamian, Iran Between Two Revolutions (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1982), 436. https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691101347/iran-between-two-revolutions

[4] Ervand Abrahamian, Iran Between Two Revolutions (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1982), 496–529. https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691101347/iran-between-two-revolutions

[5] Ahmad Ashraf, “Bazaar and Mosque in Iran’s Revolution,” MERIP Reports, no. 113 (March–April 1983): 16–18.

https://www.merip.org/1983/03/bazaar-and-mosque-in-irans-revolution/

[6] Trita Parsi, Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States (New Haven, CT: Yale University Press, 2007), 220–240. https://yalebooks.yale.edu/book/9780300120578/treacherous-alliance/

[7] Trita Parsi, Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States (New Haven, CT: Yale University Press, 2007), 220–240. https://yalebooks.yale.edu/book/9780300120578/treacherous-alliance/

[8] Trita Parsi, Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States (New Haven, CT: Yale University Press, 2007), 241–260.

[9] Karl Marx, Capital: A Critique of Political Economy, vol. 1, trans. Ben Fowkes (London: Penguin Books, 1990), 102–103

[10] Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York: International Publishers, 1971), 12, 57–58.

[11] David Harvey, The New Imperialism (Oxford: Oxford University Press, 2003), 137–182.

[12] Renad Mansour, “Patterns of Mobilization and Repression in Iraq’s Tishreen Uprising,” POMEPS Studies, November 2020. https://pomeps.org/patterns-of-mobilization-and-repression-in-iraqs-tishreen-uprising

[13] Reuters / Gulf News, “Iran Intervenes to Prevent Ousting of Iraqi Prime Minister,” October 31, 2019. الرابط: https://gulfnews.com/amp/story/world/mena/iran-intervenes-to-prevent-ousting-of-iraqi-prime-minister-1.67537162

[14] المصدر السابق

[15] International Crisis Group, “Iraq’s Tishreen Uprising: From Barricades to Ballot Box,” Middle East Report, No. 223, July 2021. https://www.crisisgroup.org/rpt/middle-east-north-africa/iraq/223-iraqs-tishreen-uprising-barricades-ballot-box

[16] Hamzeh Hadad, “Iraq’s Tishreen Protest Movement: The Exceptional Domestic Pressure Tool,” Arab Center Washington DC, April 2022. الرابط: https://arabcenterdc.org/resource/iraqs-tishreen-protest-movement-the-exceptional-domestic-pressure-tool/

[17] Jadaliyya, “Husayn Muruwwah: A Red Mujtahid,” February 2020. الرابط: https://www.jadaliyya.com/Details/34028

[18] Basyma Saad, “As Long As You Continue to Resist,” n+1 Magazine, Issue 49, October 2025. الرابط: https://www.nplusonemag.com/issue-49/reviews/as-long-as-you-continue-to-resist-2/

[19] المصدر السابق

[20] Jadaliyya, “Hassan Hamdan ‘Mahdi Amel’: A Profile from the Archives,” July 2017. الرابط: https://www.jadaliyya.com/Details/27151

[21] Gilbert Achcar, foreword to Arab Marxism and National Liberation: Selected Writings of Mahdi Amel (Chicago: Haymarket Books, 2021). https://next.haymarketbooks.org/blogs/396-gilbert-achcar-mahdi-amel-and-arab-marxism

[22] Lebanese Forces Website, “Hezbollah Goes Left,” April 2008. https://www.lebanese-forces.com/2008/04/30/9243/

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 4 من 5 (4 صوت)

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.