إيران — المنافس البنيوي: البنية الاقتصادية-السياسية للنظام الإيراني

🖨️ طباعة المقال

هناك خطأ منهجي يتكرر في أغلب التحليلات التي تتناول إيران، ويتمثل في البدء بالدين بوصفه نقطة تفسير أساسية: ولاية الفقيه، خطاب آيات الله، والشعارات الثورية المعادية للغرب. ثم يُبنى على هذا الأساس تفسير الاقتصاد والسياسة الخارجية والدور الإقليمي للدولة.

هذه المقاربة، رغم شيوعها وتبنّيها من قبل كثير من أنصاف اليسار أو ما يمكن تسميتهم باليسارويين، تظلّ قاصرة لأنها تنطلق من مستوى الخطاب والرموز، وتتعامل معه كما لو كان هو المفتاح التفسيري العميق للواقع. في حين أن هذا النوع من التحليل يتجاهل البنية المادية التي تُنتج هذا الخطاب وتحدد وظيفته وحدود تأثيره.

المشكلة هنا تعود إلى تصور مثالي للتاريخ، يفترض أن الأفكار والوعي هما نقطة البداية في تفسير الواقع، بينما في الحقيقة تتشكل الأفكار داخل شروط اجتماعية واقتصادية محددة، وتكون في كثير من الأحيان انعكاساً لها أو أداة لتنظيمها، لا أصلاً مستقلاً عنها أو علة أولى لها.

المسألة ليست إنكار الدين أو تجاهل حضوره في الواقع الإيراني — هو موجود وفاعل في نسيج الحياة الاجتماعية والسياسية. لكن ثمة مسافة شاسعة بين الإقرار بوجوده والاستسلام له بوصفه تفسيراً كافياً. السؤال الصحيح ليس: هل الدين موجود في النظام الإيراني؟ السؤال الصحيح: كيف يعمل الدين، ولصالح من، وما الذي يُتيحه لمن يُشغّله؟ حين تُصاغ الأسئلة بهذه الطريقة، يتحول الدين فجأةً من تفسير إلى موضوع بحث — وهذا انقلاب منهجي جوهري.

ما يعنينا هنا مختلف تماماً. نبدأ من السؤال الذي تبدأ منه كل تحليل مادي جاد: من يتراكم في إيران؟ وكيف؟ وعلى حساب من؟ ومتى تصبح الحدود الجغرافية للدولة ضيقة على هذا التراكم فيبحث عن فضاء خارجي يستوعبه؟ من هذه الأسئلة المختلفة تنتج إجابات مختلفة — تُفكّك النظام الإيراني بشكل يعجز عنه التحليل اليساري-الليبرالي كلياً.

الكتلة التاريخية الحاكمة — حين تصبح البيروقراطية الدينية امبراطورية

حين طوّر غرامشي مفهوم الكتلة التاريخية في دفاتر السجن، كان يصف شيئاً أدق من مجرد التحالف السياسي العابر. الكتلة التاريخية — بحسب ما يُلخّصه المصدر الموثّق لدفاتر السجن — تُشكّل الأساس الذي يُنتج الموافقة على نظام اجتماعي بعينه ويُعيد إنتاج هيمنة الطبقة الحاكمة عبر منظومة من المؤسسات والعلاقات الاجتماعية والأفكار[1]. وغرامشي يوظّف مفهوم الهيمنة ليصف مسار “القيادة الفكرية والأخلاقية” الذي تُرسّخ من خلاله الطبقة الحاكمة نفسها في المجتمع[2]. ليست الكتلة التاريخية تسويةً بين أطراف ذات مصالح مختلفة تجتمع على برنامج مشترك — هي انسجام عضوي بين قوى اقتصادية وسياسية وأيديولوجية يغدو كل طرف فيها شرطاً لوجود الآخرين. ما يُلحم هذا الانسجام ليس القناعة الأيديولوجية المشتركة — ما يُلحمه توافق المصالح المادية المُعبَّر عنه بلغة أيديولوجية.

هذا بالضبط ما أنتجته ثورة 1979 في إيران — لا نظاماً دينياً خالصاً ولا مجرد حكومة ثورية، بل كتلة تاريخية متماسكة تجمع البيروقراطية الدينية بالحرس الثوري بالجهاز الأمني، ما يربطها ليس العقيدة وحدها بل توافق المصالح المادية المُعبَّر عنه بلغة أيديولوجية.

الكتلة التاريخية الإيرانية تتشكل من ثلاث طبقات لا تنفصل في الممارسة وإن بدت مستقلة في الخطاب: رجال الدين الذين يمتلكون سلطة الإضفاء الشرعي ويحتكرون مفاتيح العلاقة بالمقدّس، والحرس الثوري الذي يمسك بالإكراه العسكري والاقتصاد السياسي في آنٍ واحد وبصورة تجعلهما وجهاً لعملة واحدة، والبيروقراطية الدينية التي تُدير الدولة يوماً بيوم وتُوفر الغراء التنظيمي الذي يُبقي الكتلة متماسكة. هذه الطبقات الثلاث لا تتحد بالعقيدة الدينية وحدها — تتحد بمصالح تراكمية تجعل نجاح أيٍّ منها مشروطاً بنجاح الأخريين وبقاء البنية التي تُتيح هذا النجاح قائمةً.

الدين في هذه البنية أداة وظيفية لا جوهر. ليس هذا نفياً للقناعات الدينية الشخصية لدى أفراد داخل المنظومة — ذلك شأن شخصي لا أهمية تحليلية له هنا. الأهمية في الوظيفة البنيوية التي يؤديها الدين كنظام: يُوفر شرعيةً لا تستطيع الانتخابات توفيرها بمفردها — شرعيةً مُلزِمة تستند إلى مرجعية تعلو على الإرادة البشرية. يُحوّل كل قرار تراكمي طبقي إلى فريضة أو مصلحة إسلامية. ويُجرّم المعارضة الداخلية بوصفها ردةً أو تواطؤاً مع العدو الخارجي. الخميني لم يكن يختلق شعاراته الثورية من لا شيء — لكن هذه الشعارات أدّت وظيفة طبقية موضوعية بمعزل تام عن النوايا الشخصية لأصحابها. هذا ما يعنيه غرامشي حين يتحدث عن الهيمنة الثقافية — ليس كذباً مُحكماً، بل إنتاج وعي يخدم مصالح الطبقة الحاكمة ويبدو في الوقت ذاته طبيعياً ومشروعاً.

ما يُميّز الكتلة الإيرانية هو حدة التناقض الداخلي في صميمها. ثلاثة أجنحة في تنافس دائم يتجلى في كل انتخابات وفي كل أزمة: الجناح التقليدي لرجال الدين المرتبط بالحوزة وشبكات التجارة الكلاسيكية القديمة، وجناح الحرس الثوري المسلح بامبراطوريته الاقتصادية المتمددة التي لا تعرف حدوداً بين المدني والعسكري والديني، وجناح التكنوقراط الإصلاحي الذي يسعى إلى شكل من الاندماج المشروط مع الاقتصاد الكوني يُخفف العقوبات دون أن يُدمر الاحتكارات. هذا التنافس الداخلي هو الذي يُفسّر التذبذب الظاهر في السياسة الإيرانية — ليس تناقضاً في منطق النظام بل تعبير أمين عن صراع مستمر على من يُحدد شروط التراكم ويُديرها.

لكن ثمة خط أحمر لا يتجاوزه أيٌّ من الأجنحة مهما اشتدت خلافاتها: أي اندماج مالي كامل مع الغرب يُهدد بنية السلطة بأكملها لأنه يُسقط الاحتكارات التي تقوم عليها ثروة الكتلة الحاكمة جميعها. لذا فإن الجناح الإصلاحي — رغم خطابه المختلف وانفتاحه النسبي — لا يُمثّل بديلاً بنيوياً بل مساومة داخل الإطار ذاته. يُريد رفع العقوبات لإنعاش الاقتصاد لكنه لا يُريد انفتاحاً يُنهي الاحتكارات. يُريد علاقة أفضل مع الغرب لكن لا يُريد اندماجاً يُدمج رأس المال الإيراني في سلاسل قيمة غربية يعجز عن المنافسة فيها. هذا تناقض حقيقي — لا نفاق سياسي.

خاتم الأنبياء — من بوتقة الحرب إلى الامبراطورية

لم يُخطط أحد لما أصبح عليه الحرس الثوري. أسّسه الخميني في أعقاب ثورة 1979 قوةً أمنية موازية للجيش النظامي المُصمم لخدمة شاه بعينه ومُدرَّب على يد أجهزة أمريكية الذي لم يثق به الثوريون. لكن الحرب مع العراق (1980-1988) غيّرت كل شيء. ثماني سنوات من الحرب الضروس لا تُنتج فقط قادة عسكريين متمرسين — تُنتج خبرات تنظيمية وهندسية واسعة.[3]

حين توقفت المدافع وجد الحرس نفسه أمام سؤال وجودي: ماذا تفعل بهذه المؤسسة الضخمة في بلد خزائنه مستنزفة وبنيته التحتية مدمرة؟ الجواب جاء بمرسوم رسمي. في ديسمبر 1989، أصدر خامنئي مرسوماً أسّس بموجبه مقر خاتم الأنبياء بالهدف المُعلن “توظيف الطاقة المدنية للقوات المسلحة في تنمية البناء والتشييد في البلاد.

خلف هذا الهدف المُعلن تحرّكت دوافع سياسية متشابكة. فبحسب ما وثّقه مركز الشرق الأوسط، كان الأمر مكسباً للطرفين: الحكومة تحتاج العون في المشاريع الكبرى، والحرس يحتاج هدفاً ومشاريع تُشغّل قدامى المحاربين العائدين إلى بلد يعاني البطالة. [4]

ثم جاء عهد رفسنجاني بالدفعة الكبرى. فمشروع “الخصخصة” الذي أطلقه كان في جوهره نقلاً جماعياً للملكية العامة إلى المقربين من النظام، وكان ضباط الحرس الثوري وموظفوه في طليعة المستفيدين[5]. ثم كانت الطفرة الكبرى مع تصاعد العقوبات الدولية بسبب الملف النووي، حين اضطرت الشركات متعددة الجنسيات إلى الرحيل واستولى خاتم الأنبياء على حصة الأسد في مشاريع النفط والغاز والبتروكيماويات[6]. مفارقة صارخة: العقوبات التي فُرضت لإضعاف النظام أسهمت في توطيد هيمنة الحرس الثوري على الاقتصاد الإيراني.

خاتم الأنبياء اليوم شركة قابضة عملاقة تسيطر على أكثر من 812 شركة مسجلة داخل إيران وخارجها، وهي المستفيد من 1,700 عقد حكومي، وتضم في صفوفها 25,000 مهندس وموظف — عشرة بالمئة منهم أعضاء في الحرس الثوري وسائرهم متعاقدون. [7]

لكن الرقم الأكثر دلالة ليس حجم الشركات — بل طبيعة العقود. خلال عهد أحمدي نجاد كانت خاتم الأنبياء المقاول الحصري لعدد كبير من المشاريع الحكومية تُمنح لها دون مناقصات رسمية، من بينها عقد بقيمة 1.3 مليار دولار لإنشاء أنبوب غاز من عسلويه إلى سيستان وبلوشستان، وعقد بقيمة 2.5 مليار دولار لإنجاز المرحلتين 15 و16 من حقل بارس الجنوبي للغاز.[8]

والأكثر إثارةً كانت صفقة الاستيلاء على شركة الاتصالات الإيرانية عام 2009، المُقدَّرة قيمتها بأكثر من 8 مليارات دولار. بِيعت حصة السيطرة البالغة 50.1% إلى كونسورتيوم مرتبط مباشرة بمجموعة “اعتماد موبين” التابعة للحرس الثوري — أُجريت عملية البيع خلف أبواب موصدة في يوم واحد فقط دون أي إجراء تنافسي.[9] في يوم واحد، بلا منافسة، استولى الحرس الثوري على البنية التحتية للاتصالات في دولة يبلغ عدد سكانها ثمانية وثمانين مليون نسمة — بنية تُتيح السيطرة على المراقبة والرقابة والاتصالات الاستراتيجية في آنٍ واحد.

الامبراطورية الاقتصادية للحرس الثوري توسعت لتشمل تهريب المخدرات والكحول والأسلحة والتبغ عبر الحدود، فضلاً عن شبكات تزوير العملات وتمويل وكلائه الإقليميين. ويكاد يكون من المستحيل تقدير الحجم الفعلي لهذه الأنشطة، إذ تستخدم هذه المؤسسات شركات واجهة وتنقل باستمرار أصول الشركات القائمة لإنشاء شركات جديدة. الغموض المتعمد ليس قصوراً في الشفافية — هو جزء من نظام الهيمنة ذاته

الكيان الوحيد المُخوَّل بمراقبة أنشطة المقر هو وحدة الحماية الاستخباراتية في الحرس الثوري — لا رقابة حكومية، ولا مساءلة برلمانية، ولا تدقيق مالي مستقل.[10] الغموض المتعمد ليس قصوراً في الشفافية — هو جزء بنيوي من نظام الهيمنة ذاته.

وخاتم الأنبياء لا تقتصر على السوق الإيرانية. فالشركات الإيرانية المنخرطة في مشاريع الطاقة الكهرومائية في أمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى والشرق الأوسط تندرج دون استثناء تحت مظلتها.[11] التوسع الاقتصادي الخارجي يُمهّد للتوسع السياسي أو يُرافقه ويُعمّقه — وهذا ما يجعل خاتم الأنبياء ذراعاً للإمبريالية الإقليمية الإيرانية لا مجرد شركة إنشاءات.

لماذا كل هذا يُنتج منافساً بنيوياً للغرب؟ سؤال واحد يكشف الأمر: ماذا يحدث لهذه الامبراطورية لو فُتحت السوق الإيرانية أمام المنافسة الدولية الحرة؟ الجواب بديهي — تنهار. لأن ثروتها مبنية على الاحتكار والعقود الممنوحة بلا منافسة لا على كفاءة إنتاجية حقيقية. هذا ما يجعل العداء مع الغرب حاجةً اقتصادية طبقية قبل أن يكون موقفاً أيديولوجياً.

الريع الذي يأكل نفسه — بنية التراكم وأزمة السوق الداخلية

المفارقة الحادة في تاريخ نظرية الدولة الريعية أن صاحبها كان إيرانياً يكتب عن إيران. الاقتصادي الإيراني حسين مهدوي هو أول من صاغ مفهوم “الدولة الريعية” عام 1970 تحديداً لتحليل إيران الشاه، وعرّفها بأنها تلك الدول التي تحصل بصورة منتظمة على ريوع خارجية كبيرة من مصادر خارجية كالنفط.[12] ولو عاد مهدوي اليوم لوجد أن نظريته تنطبق على إيران ما بعد الثورة بالقدر ذاته وربما أعمق.

الخاصية الجوهرية للدولة الريعية، كما طوّرها بعده بيبلاوي ولوتشياني، أن أقلية صغيرة من السكان تشارك في توليد الثروة بينما الغالبية منخرطة في توزيعها أو استهلاكها، وغالباً ما تكون الحكومة هي المستفيد الرئيسي من الريع الخارجي. هذا بالضبط ما يُولّد العقلية الريعية: القطيعة مع منطق العمل المنتج والمكافأة. حين تأتي الثروة من باطن الأرض لا من العمل الإنساني المنظّم، تنقلب العلاقة بين الدولة والمجتمع رأساً على عقب

لأن الحكومات الريعية لا تحتاج إلى فرض ضرائب على مواطنيها، تنقلب آلية المساءلة التقليدية رأساً على عقب: بدلاً من أن تكسب الحكومة شرعيتها عبر الاستجابة للمطالب مقابل الإيرادات، تشتري الامتثال السياسي عبر التوزيع.[13] الدعم الحكومي للوقود والخبز والكهرباء في إيران ليس سياسة رفاهية — هو آلية سيطرة يصعب رفعها لأن رفعها يُهدد عقد الرضا الاجتماعي الضمني الذي يعتمد عليه النظام.

لكن ما تُضيفه الحالة الإيرانية طبقة إضافية لم تستوعبها النظرية الكلاسيكية: حين يستولي جهاز عسكري-أمني على قطاع كبير من اقتصاد ريعي، يتحول الريع من أداة سيطرة في يد الدولة إلى مصدر ثروة طبقية في يد النخبة العسكرية-الدينية. هذا ما يجعل الحالة الإيرانية أشد تعقيداً وأعمق تناقضاً مما تصفه النظرية الكلاسيكية للدولة الريعية.

الريع النفطي يتدفق إلى قمة الهرم دون أن يمر بعملية إنتاج حقيقية. لا مصانع تصنعه بالمعنى الذي يخلق علاقات إنتاج منظّمة وطبقةً عاملة تُفاوض على شروط إنتاجه — يُستخرج من باطن الأرض، يُباع في أسواق دولية، يعود ثروةً تُوزّعها الدولة بحسب أولويات سياسية: على المؤسسات الدينية لضمان شرعيتها، وعلى الجهاز العسكري لضمان ولائه، وعلى الدعم الشعبي لشراء رضا اجتماعي في غياب حقوق اقتصادية حقيقية.

احتكارات الحرس الثوري لا تُنتج قيمة — تنقل القيمة الموجودة من يد إلى يد أخرى، وتُفقر ما تبقى من قطاع خاص فعلي. تمركز هذا الحجم من القوة الاقتصادية في يد مؤسسة عسكرية أفضى إلى إزاحة القطاع الخاص وتثبيط الاستثمار وتشويه إشارات السوق وجعل الفساد منهجياً لا عَرَضياً.[14]

العقوبات الغربية — وهذا استنتاج يستحق الوقوف عنده — لم تخلق أزمة التراكم الإيرانية بل فاقمتها فحسب. جوهر الأزمة سابق للعقوبات ومستمر حتى مع تخفيفها الجزئي. في لحظات انفراج العلاقة مع الغرب لم تتحول إيران إلى اقتصاد منفتح لأن الانفتاح الكامل كان سيُهدد الاحتكارات التي يعيش عليها الحرس الثوري.

هنا يظهر الدافع البنيوي للتوسع الإقليمي بوضوح لا يحتاج عناءً للاستنتاج. الفائض الذي يتراكم في قمة النظام — ريعٌ نفطي وأرباح احتكارات الحرس الثوري — يحتاج مكاناً يذهب إليه. السوق الداخلية لا تستوعبه لأن بنيتها الاحتكارية المغلقة ذاتها هي التي خلقت هذا الضيق. الأسواق الغربية مغلقة بالعقوبات وبعجز رأس المال الإيراني عن المنافسة فيها. الفضاء المتاح هو المحيط الإقليمي: العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان. التوسع الإيراني إذن ليس مشروعاً دينياً يسعى إلى إحياء إمبراطورية فارسية ولا تصديراً للثورة بمعناها الأيديولوجي الخالص. هو في جوهره ضرورة تراكم تجد لها تعبيراً دينياً وسياسياً لأن هذا التعبير يُخفض كلفتها ويمنحها شرعية محلية لا تستطيع توفيرها القوة العسكرية وحدها.

غير أن الشرط البنيوي لا يُفسّر وحده الشكل الذي اتخذه هذا التوسع ولا أدواته ولا توقيته. أن إيران تحتاج فضاءً خارجياً حقيقة بنيوية. لكن أن الحرس الثوري تحوّل من وجود عسكري في العراق وسوريا إلى امبراطورية اقتصادية تُدير المنافذ الحدودية وعقود إعادة الإعمار وشبكات التجارة المنظّمة — هذا ما يُفسّره الاختيار السياسي للنخبة داخل الشرط البنيوي. البنية وفّرت الدافع. الحرس الثوري وفّر الآلية والرؤية والتنفيذ.

الخاتمة

النظام الإيراني حين يُحلَّل بمنطق اقتصادي سياسي يكشف عن بنية طبقية محددة: كتلة تاريخية تجمع البيروقراطية الدينية والحرس الثوري، تقوم على احتكار السوق الداخلية وتراكم ريعي يعجز عن الاستيعاب الكافي، فيدفعها نحو التوسع الإقليمي كضرورة لا كخيار.

الدين في هذه الصورة رأسمال رمزي يُغطي المحرك الاقتصادي ويُضفي عليه شرعية. والحرس الثوري ليس مؤسسة عسكرية — هو تكتل اقتصادي مسلح تُشكّل امبراطوريته الاقتصادية الشرط المادي لاستمرار هيمنته السياسية. وأزمة التراكم الداخلي ليست نتاج العقوبات الغربية وحدها — هي نتاج البنية الاحتكارية التي جعلت الانفتاح الكامل انتحاراً اقتصادياً للطبقة الحاكمة قبل أن يكون قراراً سياسياً.

تبعة هذا الفهم سياسية جوهرية: لا تغيير القيادة الدينية ولا حتى تخفيف العقوبات سيُغيّر منطق التوسع ما دامت البنية الطبقية التي تدفع نحوه قائمةً. ما يتغير في هذه الحالات هو أسلوب إدارة التوسع لا ضرورته البنيوية.

 

[1] https://en.wikipedia.org/wiki/Prison_Notebooks

[2] James Martin, Antonio Gramsci, https://plato.stanford.edu/entries/gramsci/

[3] https://www.unitedagainstnucleariran.com/ideological-expansion/khatam-al-anbyia

[4] Nik Kowsar, The IRGC and Iran’s “Water Mafia” https://mei.edu/publication/irgc-and-irans-water-mafia/

[5] https://www.jns.org/the-khatam-al-anbiya-company-and-the-future-of-the-irgc-empire/

[6] https://www.jns.org/the-khatam-al-anbiya-company-and-the-future-of-the-irgc-empire/

[7] https://en.wikipedia.org/wiki/Khatam-al_Anbiya_Construction_Headquarters

[8] https://iranwire.com/en/features/65741-the-irgc-commercial-and-financial-institutions-khatam-al-anbiya-construction-headquarters/

[9] Team Led by Dr. Hossein Jahansouz, FISN Research, https://freeiransn.com/how-the-irgcs-corruption-and-monopolies-have-destroyed-iranian-industry/

[10] https://iranwire.com/en/features/65741-the-irgc-commercial-and-financial-institutions-khatam-al-anbiya-construction-headquarters/

[11] https://www.unitedagainstnucleariran.com/ideological-expansion/khatam-al-anbyia

[12] “The Patterns and Problems of Economic Development in Rentier States: The Case of Iran.” M. A. Cook (ed.)، Studies in the Economic History of the Middle East. Oxford University Press . pp295- 315

[13] Amaya Lilles, Iran’s Exchange Rate System and the Political Economy of Collapse, https://www.thinktanklsesu.com/post/iran-s-exchange-rate-system-and-the-political-economy-of-collapse

[14] Team Led by Dr. Hossein Jahansouz, FISN Research, https://freeiransn.com/how-the-irgcs-corruption-and-monopolies-have-destroyed-iranian-industry/

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 0 من 5 (0 صوت)

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.