لم تعد الصراعات الدولية المعاصرة تُدار فقط عبر الأدوات العسكرية أو الاقتصادية، بل باتت “السرديات” تمثل ساحة مركزية في التنافس بين الدول. تشير حرب السرديات إلى الصراع على تشكيل الإدراك العام—محليًا ودوليًا—حول شرعية الفعل السياسي، وتفسير الأحداث، وتحديد من هو “الفاعل المشروع” ومن هو “التهديد”. في هذا السياق، تمثل العلاقة الثلاثية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران و”إسرائيل” نموذجًا مركبًا لصراع سردي متعدد المستويات، يتقاطع فيه الأمن القومي مع الأيديولوجيا، والإعلام مع الاستراتيجية.
تعتمد حرب السرديات على مفاهيم من نظريات القوة الناعمة (Soft Power) والقوة الذكية (Smart Power)، حيث تُستخدم اللغة والرموز والإعلام والدبلوماسية العامة لتشكيل الإدراك الجماعي. كما تتقاطع مع “البنائية” في العلاقات الدولية، التي ترى أن الواقع السياسي لا يُفهم فقط من خلال القوة المادية، بل عبر المعاني التي تُبنى اجتماعيًا.
السردية ليست مجرد رواية، بل هي بنية تفسيرية متكاملة تُحدد من هو العدو ومن هو الحليف، وما هو التهديد وما هو الدفاع، وما هو المشروع وما هو غير المشروع.
السردية الأمريكية – الأمن العالمي والهيمنة الليبرالية:
ترتكز السردية الأمريكية على فكرة “القيادة العالمية” وحماية النظام الدولي الليبرالي. تقدم الولايات المتحدة نفسها كضامن للاستقرار الدولي ومكافح للتهديدات العابرة للحدود، خصوصًا الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية.
فيما يتعلق بإيران، تُصوَّر واشنطن طهران كفاعل “مزعزع للاستقرار” يدعم الجماعات المسلحة ويهدد أمن الحلفاء في الشرق الأوسط. أما فيما يخص “إسرائيل”، فالسردية الأمريكية تُضفي عليها صفة “الديمقراطية الحليفة” التي تواجه تهديدات وجودية.
تُستخدم أدوات مثل الإعلام الدولي والتقارير الاستخباراتية والخطاب السياسي الرسمي لتكريس هذه السردية، مع التركيز على الشرعية القانونية (مثل العقوبات الدولية) لتبرير السياسات.
أما السردية الإيرانية – المقاومة والسيادة:
تبني إيران سرديتها على مفهوم “المقاومة” في مواجهة ما تصفه بـ”الهيمنة الأمريكية” و”العدوان الإسرائيلي”. تقدم نفسها كقوة إقليمية تدافع عن سيادة الدول وحقوق الشعوب، خصوصًا في فلسطين ولبنان.
تُؤطر إيران سياساتها الخارجية ضمن خطاب ثوري مستند إلى إرث الثورة الإسلامية، حيث يتم تصوير الصراع على أنه ليس فقط سياسيًا بل حضاري وأيديولوجي.
تستخدم طهران وسائل إعلام متعددة اللغات، وشبكات حلفاء إقليميين، وخطابًا دينيًا-سياسيًا لتعزيز سرديتها، مع التركيز على مظلومية تاريخية واستمرارية الصراع ضد “الاستكبار العالمي”.
أما السردية الإسرائيلية – الأمن الوجودي والتهديد المستمر:
ترتكز السردية الإسرائيلية على مفهوم “الأمن الوجودي”، حيث تُصور الدولة نفسها ككيان مهدد دائمًا من قوى إقليمية تسعى لتهديدها. تُستخدم هذه السردية لتبرير سياسات عسكرية واستباقية، بما في ذلك الضربات الوقائية ضد ما تعتبره تهديدات استراتيجية، مثل البرنامج النووي الإيراني.
في هذا الإطار، تُصوَّر إيران كخطر استراتيجي رئيسي، ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية، بل أيضًا بسبب خطابها السياسي المعادي لإسرائيل.
تعتمد إسرائيل على شبكة علاقات دولية، خاصة مع الولايات المتحدة، وعلى إعلام متطور لتسويق سرديتها عالميًا، مع التركيز على مفاهيم مثل “حق الدفاع عن النفس”.
لا تعمل هذه السرديات بمعزل عن بعضها، بل تتفاعل في فضاء إعلامي وسياسي مشترك، ما يؤدي إلى تضخيم التهديدات. كل طرف يعيد تفسير أفعال الآخر ضمن إطار عدائي، ويعيد إنتاج الصراع. السرديات تُغذي السياسات، والسياسات تعزز السرديات.
يظهر أثر ذلك على الرأي العام، سواء داخليًا لتعزيز الشرعية أو خارجيًا لكسب الدعم الدولي. فعلى سبيل المثال، أي تحرك عسكري قد يُقدَّم في السردية الأمريكية كـ”ردع”، وفي الإيرانية كـ”عدوان”، وفي الإسرائيلية كـ”دفاع استباقي”.
هناك أدوات لحرب السرديات لدى الدول الثلاث متعددة الاستخدام في هذا الصراع، منها: الإعلام التقليدي والرقمي، الخطاب الدبلوماسي، مراكز الأبحاث والتقارير الاستراتيجية، وسائل التواصل الاجتماعي (التي أصبحت ساحة رئيسية للتأثير السريع)، الثقافة والرمزية (الأفلام، الخطابات، المناسبات الوطنية).
تؤدي حرب السرديات بين هذه الأطراف إلى تعقيد بيئة الأمن الإقليمي، حيث يصبح من الصعب بناء ثقة متبادلة أو التوصل إلى تسويات مستدامة. كما تُسهم في إطالة أمد النزاعات بالوكالة، وتعزيز الاستقطاب الإقليمي، وإضعاف المؤسسات الدولية بسبب تضارب الروايات.
على المستوى العالمي، تعكس هذه الحرب تحوّلًا أوسع نحو “سياسات الإدراك”، حيث تصبح المعركة على تفسير الواقع لا تقل أهمية عن السيطرة عليه. حرب السرديات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران و”إسرائيل” ليست مجرد صراع إعلامي، بل هي امتداد عميق للتنافس الجيوسياسي والأيديولوجي. في ظل عالم متصل رقميًا، تزداد أهمية هذه الحرب، حيث يمكن لرواية معينة أن تُعيد تشكيل موازين القوى دون إطلاق رصاصة واحدة.
بالمحصلة: إن فهم هذه السرديات وتحليلها يُعد شرطًا أساسيًا لأي محاولة لفهم ديناميكيات الصراع في الشرق الأوسط، أو السعي نحو تسويات أكثر استدامة تقوم على إدراك متبادل بدلًا من صراع تفسيري دائم. كما أن السرديات ومضمونها بما فيه الحشوة الأيديولوجية ودوافعها وأهدافها السياسية القريبة والبعيدة الأمد، تشكل أحد أهم جوانب الحروب الإدراكية في عالم اليوم، الذي يشهد أجيالًا جديدة من الحروب تستهدف الوعي المجتمعي عبر الأدوات النفسية والإعلامية، بقصد التأثير على القناعات والسلوكيات، بما ينعكس على المجتمعات والصورة النمطية عن الدولة في أذهان الداخل والمجتمع الدولي وفق الشاكلة التي يخطط لها كل طرف من الأطراف المتحاربة. وهذه أداة متطورة من أدوات الحرب الإعلامية يبدو أنها ستتكرر في المستقبل.
