في دراستنا السابقة “الإمبريالية: النظرية الكلاسيكية وحدودها“، وهي الجزء الأول من هذا المشروع البحثي المتواصل، انتهينا عند عتبة ثلاثة أسئلة ظلت مفتوحة تستدعي الإجابة: كيف يعمل التوسع الإقليمي اقتصادياً على مستوى الاستيلاء على الموارد والأراضي والبنى التحتية؟ وكيف تُبنى الشرعية التي تجعل الهيمنة مقبولةً أو على الأقل قابلةً للتحمّل لدى الخاضعين لها؟ وكيف تعمل السلطة الإمبريالية عبر الخطاب والمعرفة لا فقط عبر الجيوش وتدفّقات رأس المال؟ هذه الأسئلة الثلاثة هي ما تتصدى له هذه الدراسة[1].
حيث يمكن القول إن لينين وماريني ورواد نظرية التبعية قدّموا إجابات جزئية عن السؤال الأول، لكنهم، في المقابل، تركوا السؤالين الثاني والثالث دون أدوات تحليلية كافية. غير أن هذا النقص لا يُفهم بوصفه قصوراً نظرياً بقدر ما هو تعبير عن حدّ تاريخي موضوعي؛ فقد كتبوا في لحظة كانت فيها الهيمنة تُمارَس أساساً عبر الاحتلال العسكري المباشر والسيطرة الاستعمارية الصريحة. أما الإمبريالية المعاصرة، سواء في صيغتها الكونية أو الإقليمية، فقد طوّرت أشكالاً أكثر تعقيداً ونعومة، تعمل من خلال إنتاج الإجماع، وهندسة الوعي، وتشكيل أنماط الإدراك ذاتها.
في هذا السياق تحديداً، تبرز الحاجة إلى استدعاء ثلاث أدوات نظرية مكمّلة: يقدّم ديفيد هارفي تفسيراً لآليات الاستيلاء الاقتصادي في المرحلة الراهنة، بينما يفتح أنطونيو غرامشي أفقاً لفهم كيفية بناء الشرعية وإنتاج الإجماع، في حين يُتيح ميشيل فوكو تحليل الكيفية التي تعمل بها السلطة عبر الخطاب والمعرفة والتطبيع.
ما يعنينا هنا ليس عرض هذه المقاربات بشكل منفصل، كما لو كانت جزراً نظرية معزولة، بل محاولة تركيبها داخل إطار تحليلي واحد. إطار يُكمل ما بدأه الإرث الماركسي الكلاسيكي، ويمنحنا—بصورة أكثر دقة وعمق—الأدوات اللازمة لفهم الإمبريالية الإقليمية، خاصة في سياقها الشرق أوسطي الملموس.
هارفي والتراكم بالاستيلاء – الاقتصاد السياسي للنهب الإقليمي
حين نشر ديفيد هارفي كتابه “الإمبريالية الجديدة“ عام 2003[2]، لم يكن بصدد إعادة صياغة أطروحات مألوفة، بل كان يحاول معالجة سؤال أرقَ كثيراً من التحليلات الماركسية المعاصرة: كيف يستمر تراكم رأس المال في ظل إمبريالية لم تعد أدواتها الكلاسيكية—كالاحتلال المباشر—كافية لتفسير دينامياتها؟
الإجابة التي يقترحها هارفي تنطلق من إعادة قراءة مفهوم ماركسي أصيل. فقد تناول ماركس “التراكم البدائي” بوصفه لحظة تأسيسية للرأسمالية، حيث جرى نزع ملكية الفلاحين ودفعهم قسراً إلى سوق العمل. غير أن هارفي يُعيد صياغة هذه الفكرة بطريقة لافتة، إذ يرى—وبشكل بسيط لكن عميق—أن هذه العملية ليست مجرد مرحلة تاريخية منتهية، بل آلية مستمرة تتجدد كلما احتاج النظام الرأسمالي إلى توسيع نطاق تراكمه.
من هنا يصوغ مفهوم “التراكم بالاستيلاء” (accumulation by dispossession)، تمييزاً له عن التراكم “الاعتيادي” القائم على الإنتاج وفائض القيمة. وبعبارة أوضح، لم تعد الرأسمالية تكتفي باستخراج الفائض من العمل داخل دائرة الإنتاج، بل تتجه بشكل متزايد إلى انتزاع ما هو خارج هذه الدائرة وإدخاله قسراً فيها.
وهذا يعني عملياً أن الإمبريالية—سواء كانت عالمية أو إقليمية—لا تقتصر على فتح أسواق جديدة أو تصدير رأس المال الفائض، بل تنخرط في عملية أعمق: تحويل مجالات لم تكن خاضعة لمنطق السوق إلى مصادر مباشرة للتراكم. الأرض الزراعية، الموارد الطبيعية، الخدمات العامة، البنى التحتية، بل حتى المعرفة والملكية الفكرية—كلها تتحول، في هذا السياق، إلى موضوعات للاستيلاء وإعادة الإدماج في منطق التراكم الرأسمالي.
عند تطبيق هذه الأداة التحليلية على الواقع الشرق أوسطي، تبدأ ملامح كانت غائبة عن الرؤية الكلاسيكية بالظهور تدريجياً. فالمسألة لم تعد مجرد توسع جيوسياسي، بل عملية مركّبة لإعادة توزيع الموارد ضمن منطق التراكم.
النمط الأول يتمثل في الاستيلاء على الأرض، وهو الشكل الأكثر وضوحاً وربما الأكثر مباشرة. يتجلى ذلك، على سبيل المثال، في الحالة الإسرائيلية، حيث يعمل الاستيطان بشكل مستمر على إعادة تشكيل الخريطة العقارية عبر توسيع الملكية على حساب الأراضي الفلسطينية. لكن هذا النمط لا يقتصر على هذه الحالة، بل يظهر أيضاً—بصيغ مختلفة—في الوجود العسكري التركي في شمال سوريا، حيث تتيح السيطرة العسكرية إعادة توزيع الأراضي والممرات التجارية بما يخدم اندماجها في الاقتصاد التركي.
أما النمط الثاني، فيتعلق بالاستيلاء على البنى التحتية والموارد. هنا لا يكون الحضور العسكري هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لفتح المجال أمام السيطرة الاقتصادية. يمكن ملاحظة ذلك في الحضور الإيراني في العراق وسوريا، حيث يتجاوز البعد الأمني ليشمل التحكم في طرق التجارة والمعابر الحدودية، إضافة إلى مشاريع إعادة الإعمار. هذه المشاريع، في ظاهرها، عملية ترميم، لكنها في جوهرها تمثل—ببساطة—آلية لامتصاص الفائض الاقتصادي لمجتمعات منهكة عبر شبكات اقتصادية مرتبطة بالقوى المهيمنة.
النمط الثالث هو الأكثر خفاءً، لكنه ربما الأعمق أثراً: الاستيلاء على السوق والقرار الاقتصادي. حين تتمكن قوة إقليمية من التأثير في السياسات الاقتصادية لدولة مجاورة عبر الديون أو شبكات النفوذ السياسي، فإنها لا تحتاج إلى احتلال مباشر. تتحول الدولة، تدريجياً، إلى فضاء مُسخّر لتراكم خارجي: سوق لتصريف السلع، ومصدر لليد العاملة الرخيصة، ومجال لاستيعاب فوائض رأس المال.
تكمن أهمية مفهوم هارفي في أنه يُعيد صياغة فهمنا للحرب بشكل جذري. فالفهم التقليدي يرى في الحرب تدميراً للثروة، وبالتالي عائقاً أمام التراكم. لكن، إذا نظرنا من زاوية التراكم بالاستيلاء، يتبدل المشهد بالكامل.
الحرب، في هذا المنظور، لا تُدمّر فقط، بل تُعيد ترتيب شروط التراكم. التدمير يفتح الباب لإعادة البناء، وإعادة البناء تعني—بشكل مباشر—عقوداً واستثمارات وفرصاً للهيمنة الاقتصادية. بل أكثر من ذلك، تؤدي الفوضى إلى تفكيك البنى المؤسسية التي كانت تحمي الموارد العامة، مما يجعلها أكثر عرضة للخصخصة والاستيلاء.
بعبارة أقرب إلى الواقع: المناطق المدمّرة تتحول إلى ما يشبه “أراضي جديدة” قابلة لإعادة الإدماج في السوق، تماماً كما حدث تاريخياً في مراحل التوسع الرأسمالي الأولى. وهذا ما يفسر، في كثير من الحالات، لماذا لا تسعى القوى الإقليمية دائماً إلى إنهاء الصراعات بسرعة، بل تُبقيها—أحياناً—في حالة توازن هش، أو ما يمكن تسميته بـ”الغليان المُدار”، حيث تستمر فرص الاستيلاء دون الوصول إلى حسم نهائي يُغلق هذه الإمكانيات.
غرامشي والهيمنة الثقافية – كيف تُصنع الموافقة على الخضوع؟
حين نتأمل حالات مثل التوسع الإيراني في العراق ولبنان، أو الهيمنة الإسرائيلية على محيطها الإقليمي، يبرز سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه بالغ التعقيد في عمقه: كيف تستمر هذه الهيمنة رغم ما تولّده من رفض شعبي واسع؟ ولماذا لا تتحول هذه الرفضات المتكررة إلى قوى قادرة على تفكيكها؟
بالتأكيد، القوة العسكرية والاقتصادية تقدّم جزءاً من الإجابة، لكنها—ببساطة—لا تكفي وحدها. فالهيمنة التي تعتمد حصرياً على العنف المباشر تكون، في العادة، مكلفة وهشة في آن واحد. أما الهيمنة التي تنجح في إنتاج حد أدنى من القبول، أو حتى الاستسلام غير المُقاوَم، فهي أكثر رسوخاً واستقراراً.
هذا التمييز الدقيق هو ما التقطه أنطونيو غرامشي حين طوّر مفهوم “الهيمنة الثقافية” داخل سجونه. فالهيمنة، في تصوره، لا تعني السيطرة بالقوة فحسب، بل تشير إلى عملية أكثر تعقيداً: جعل رؤية الطبقة الحاكمة للعالم تبدو وكأنها الرؤية الطبيعية أو البديهية التي يتبناها الجميع.
بمعنى آخر، لا تُفرض السيطرة من الخارج فقط، بل تُعاد صياغتها من الداخل. الأفراد أنفسهم—بمن فيهم الخاضعون—يبدؤون في إدراك الواقع من خلال مفاهيم وقيم صاغتها القوى المهيمنة. وهنا تكمن المفارقة: حين تُصبح السيطرة جزءاً من الوعي، فإن مقاومتها تصبح أكثر صعوبة من مقاومة القهر المباشر.
يفتح مفهوم “الكتلة التاريخية” عند غرامشي أفقاً تحليلياً بالغ الأهمية لفهم آليات تثبيت الهيمنة. فالقوة الحاكمة، في هذا الإطار، لا تعتمد فقط على أدواتها المباشرة، بل تبني شبكة معقدة من التحالفات تمتد عبر طبقات وفئات اجتماعية متعددة.
هذه الكتلة ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل هي—بشكل أدق—تركيب عضوي يجمع بين مصالح مادية ورمزية، يجعل فئات مختلفة ترى في استمرار الهيمنة مصلحة لها، أو على الأقل خياراً أقل كلفة من مواجهتها.
في سياق الإمبريالية الإقليمية، يتخذ هذا المفهوم بعداً عملياً واضحاً. فالقوى المتوسعة لا تعمل فقط عبر أدواتها المباشرة، بل تسعى إلى إنتاج حوامل محلية لمشروعها: نخب دينية، وسياسية، واقتصادية، وثقافية، ترتبط بها عبر شبكات من التمويل والحماية والامتيازات. هذه الشبكات لا تكتفي بنقل النفوذ، بل تُعيد إنتاجه داخل البنية الاجتماعية ذاتها.
على سبيل المثال، لا يمكن اختزال حزب الله في لبنان إلى مجرد “أداة” خارجية بالمعنى التبسيطي. فالحزب، في واقعه المركّب، يشكّل كتلة تاريخية محلية: يقدم خدمات اجتماعية ملموسة، ويستند إلى شرعية أيديولوجية دينية، ويرتبط بمصالح اقتصادية لفئات اجتماعية محددة. هذا التداخل بين المادي والرمزي هو ما يمنحه قدرة أكبر على الاستمرار، ويجعل تفكيكه أكثر تعقيداً مما توحي به التحليلات الاختزالية.
يتيح لنا الإطار الغرامشي مقاربة أكثر دقة لمسألة الدين في سياق الإمبريالية الإقليمية. فالتفسير الشائع يميل إلى قراءة الظواهر السياسية من خلال بعدها الديني المباشر، كما لو أن العقيدة هي المحرك الأساسي للسلوك السياسي.
غير أن هذا التصور، رغم شيوعه، يبقى محدوداً. ما يقدمه غرامشي هو إمكانية قلب زاوية النظر: بدل أن نرى الدين كسبب، يمكن فهمه بوصفه أداة—أو إن شئنا الدقة، بنية ثقافية—تُستخدم في بناء الهيمنة.
في هذا السياق، يتحول الخطاب الديني إلى وسيلة لإعادة صياغة المصالح المادية بلغة رمزية عالية الكثافة. الأرض تصبح “مقدسة”، النفوذ يتحول إلى “واجب ديني”، والمعارضة تُعاد صياغتها كخيانة أو انحراف. وبهذا المعنى، لا يُلغى البعد المادي للصراع، بل يُعاد تغليفه داخل إطار رمزي يمنحه قوة إضافية.
ببساطة، يمكن القول إن الدين هنا يعمل كرأسمال رمزي يُخفض كلفة السيطرة. فهو لا يُجبر الخاضعين على الامتثال فقط، بل يجعلهم—في بعض الحالات—يُبررون هذا الامتثال انطلاقاً من منظومتهم القيمية الخاصة. وهذا تحديداً ما يجعل الهيمنة أكثر رسوخاً وأصعب تفكيكاً.
فوكو واقتصاد السلطة – حين تعمل الهيمنة عبر الخطاب والمعرفة
قد يبدو إدخال ميشيل فوكو في تحليل ماركسي للإمبريالية خطوة غير مألوفة، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار التباينات المعروفة بينه وبين التقليد الماركسي. لكن، إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية أدوات التحليل، فإن الأمر يصبح أكثر وضوحاً.
ما يقدمه فوكو ليس بديلاً عن التحليل المادي، بل إضافة نوعية له. فهو يلفت الانتباه إلى أن السلطة لا تعمل فقط من خلال البنى الكبرى—كالدولة أو رأس المال—بل تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتعمل عبر اللغة والتصنيفات وأنماط التفكير.
من يملك القدرة على تعريف مفاهيم مثل “الإرهاب” و”المقاومة”، أو “الأمن” و”التهديد”، لا يمارس مجرد وصف للواقع، بل يعيد إنتاجه. هذه السلطة، التي تعمل في مستوى الإدراك، قد تكون—في كثير من الأحيان—أكثر عمقاً من السلطة المباشرة، لأنها تُعيد تشكيل طريقة فهم العالم نفسه.
في السياق الشرق أوسطي، لا يمكن التعامل مع الخطاب بوصفه عنصراً ثانوياً أو تزيينياً. على العكس، هو جزء عضوي من الصراع على النفوذ. فكل قوة إقليمية تسعى إلى الهيمنة تدرك، بشكل أو بآخر، أن السيطرة لا تكتمل دون السيطرة على المعنى.
إيران، على سبيل المثال، تبني خطاب “المقاومة والممانعة”، الذي يُعيد تأطير تدخلها الإقليمي كفعل دفاعي لصالح “المستضعفين”. هذا الخطاب لا يعمل فقط على التبرير، بل يعيد رسم خريطة العلاقات: من هو العدو؟ من هو الحليف؟ من هي الضحية؟ ومن هو المعتدي؟
وبالمثل، تنتج إسرائيل خطاب “الدفاع عن النفس” و”الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” و”التهديد الوجودي”. هذا الخطاب لا يكتفي بشرعنة الفعل العسكري، بل يُعيد تقديم المشروع الاستيطاني كحالة دفاعية، لا كحالة استعمارية.
وحين ينتشر هذا الخطاب ويتحوّل إلى مرجعية في وسائل الإعلام الدولية، فإنه يكون قد أنجز وظيفة استراتيجية: جعل الهيمنة تبدو معقولة، بل وأحياناً ضرورية.
يُضيف فوكو بعداً حاسماً يتعلق بالعلاقة بين المعرفة والسلطة. فإنتاج المعرفة—سواء عبر الجامعات، أو مراكز الأبحاث، أو وسائل الإعلام—ليس نشاطاً محايداً كما يُفترض أحياناً، بل هو جزء من ممارسة السلطة ذاتها.
حين تُحدَّد كيفية فهم الصراع، وتُصاغ مفاهيمه الأساسية، وتُرسم حدوده الأخلاقية والسياسية، فإن ذلك يؤثر بشكل مباشر في الاستجابات الممكنة له. من يُعرّف المشكلة، يقترب كثيراً من التحكم في حلولها.
بهذا المعنى، يُكمل فوكو ما بدأه غرامشي. فإذا كانت الهيمنة الثقافية تعمل على إنتاج الإجماع، فإن السلطة المعرفية تعمل على مستوى أعمق: تشكيل الإطار الذي يُنتج داخله هذا الإجماع. إنها، ببساطة، ليست فقط مسألة “ماذا نفكر”، بل “كيف نفكر”.
خاتمة
ما بنيناه هنا لا يقتصر على إضافة أسماء نظرية إلى قائمة المراجع، بل يمثل بناء منظومة تحليلية متعددة المستويات تتكامل فيها الأبعاد الاقتصادية والثقافية والمعرفية. وهذا التكامل ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة الظاهرة ذاتها: الإمبريالية الإقليمية لا تعمل في مستوى واحد، ولا تُفهم بأداة واحدة، ومن يُحاول اختزالها في بُعد اقتصادي أو ثقافي أو خطابي وحده يُمسك بجزء من الحقيقة ويُفلت منه جوهرها.
على المستوى الاقتصادي، يُقدّم هارفي ما لم يستطع لينين ولا رواد التبعية تقديمه بالكمال ذاته: فهماً للتوسع الإقليمي لا بوصفه بحثاً عن أسواق لتصريف الفائض فحسب، بل بوصفه آلية مستمرة لانتزاع ما هو خارج دائرة التراكم الرأسمالي وإعادة إدماجه فيها. من هذا المنظور تتكشّف الحرب بوجهها الحقيقي: ليست تدميراً للثروة بل إعادة توزيع لها، وليست انقطاعاً عن منطق التراكم بل أحد أدواته الأكثر فاعلية حين تُعجز الأدوات الأخرى. المناطق المُدمَّرة ليست خسارة في حسابات رأس المال الإقليمي، بل فرصة استيلاء جديدة تنتظر من يمتلك القدرة على استثمارها.
وعلى المستوى الثقافي، يكشف غرامشي عن الوجه الآخر للهيمنة الذي تُخفيه تحليلات القوة الصريحة: أن السيطرة التي تعتمد على القوة وحدها هشّة وباهظة الكلفة، وأن الهيمنة المستقرة هي تلك التي تستطيع بناء قدر من الإجماع داخل المجتمعات المستهدفة. هذا الإجماع لا يُصنَع في الهواء بل يُبنى عبر كتل تاريخية محلية، نخب دينية وسياسية وثقافية تربطها بالقوى الخارجية مصالح مادية ورمزية حقيقية تجعلها تُعيد إنتاج الهيمنة وتُضفي عليها طابعاً محلياً يُصعّب مقاومتها. والدين في هذا السياق ليس جوهر المشروع التوسعي بل رأسماله الرمزي الأثمن، لأنه يُحوّل المطالب المادية إلى قضايا مقدسة ويُغلق الباب أمام المعارضة بتصويرها خروجاً عن الجماعة.
أما على المستوى الخطابي، فيُضيف فوكو البُعد الأعمق والأكثر خفاءً: السلطة لا تعمل فقط عبر ما تفعله بالأجساد والأموال والمؤسسات، بل عبر ما تفعله بالعقول والمفاهيم وطرق الرؤية. من يمتلك القدرة على تعريف “المقاومة” و”الإرهاب”، و”الأمن” و”التهديد”، و”المشروع” و”غير المشروع”، يمارس سلطة أعمق من سلطة المدفع لأنها تعمل قبل أن يُطلق المدفع وتستمر بعد أن يصمت. وحين يتشرّب هذا الخطاب اجتماعياً ويُصبح الإطار الذي يرى من خلاله الناس صراعاتهم وهزائمهم وانتصاراتهم، تكون الهيمنة قد بلغت أعلى درجاتها: حين يُبرّر المهيمَن عليهم خضوعهم بلغتهم الخاصة.
الأسئلة الثلاثة التي تُنتجها هذه المستويات مجتمعةً هي بالضبط ما يُميّز التحليل البنيوي للإمبريالية الإقليمية عن التحليل الوصفي لها: لا يكفي أن نسأل ماذا تفعل هذه القوى، بل علينا أن نسأل كيف تُراكم اقتصادياً وعلى حساب من، وكيف تبني إجماعها الاجتماعي وعبر أي وسطاء، وكيف تُنتج خطابها المُشرِّع لهيمنتها وفي أي مؤسسات. من يملك إجابات هذه الأسئلة الثلاثة في آنٍ واحد لا يصف الظاهرة من خارجها بل يُفكّك منطقها من الداخل، وهذا هو الفرق بين النقد الذي يكشف وبين الوصف الذي يُعيد إنتاج ما يصفه دون أن يُدرك.
.
[1] https://mevp.ecmes.academy/sattar/5945/
[2] https://www.vsa-verlag.de/uploads/media/VSA_Harvey_Imperialismus.pdf

