شهدت المؤسسات الأكاديمية تحولات هيكلية عميقة خلال العقود الأخيرة، بفعل توسع النيوليبرالية وسيطرة المنطق الرأسمالي على جميع جوانب الحياة. الجامعات، التي كانت يوماً فضاءات للإبداع المعرفي ومنصات للنقد الاجتماعي، تحولت تدريجياً إلى وحدات إنتاج تخضع لحسابات الربح والخسارة، وتنسجم مع منطق السوق في كل أبعادها. لم تعد المسألة تتعلق فقط بالتمويل أو الإدارة، بل شملت كل عناصر العملية الأكاديمية: من هيكل المؤسسة ووظائفها الأساسية، إلى دور الباحث ومعايير تقييم الإنتاج العلمي وطبيعة المعرفة نفسها. النظام الأكاديمي أصبح جزءاً لا يتجزأ من المنطق الرأسمالي، يعيد إنتاج العلاقات الاقتصادية والاجتماعية القائمة، بدل أن يكون فضاءً للتحرر أو التأمل النقدي.
في هذا الإطار، تتحول المعرفة من فعل إنساني حرّ يهدف إلى فهم العالم والتأمل فيه، إلى سلعة قابلة للتداول، مسعّرة وفق آليات السوق وقوانين الملكية الفكرية. الجامعة، التي كانت في السابق فضاءً للتنوير النقدي والفلسفي، تحولت تدريجياً إلى مقاولة معرفية تهدف إلى إنتاج “رأس المال المعرفي”، وتهيئة الباحثين والطلاب وفق احتياجات السوق. يشبه هذا الوضع مصنعاً حديثاً، حيث لا يُترك للعامل حرية الإبداع، بل يُطلب منه إنتاج منتج محدد وفق جداول زمنية صارمة ومعايير أداء محددة. وبنفس المنطق، أصبح الباحث والطالب أدوات لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم، دون أن يُنظر إليهما كمبدعين أو مفكرين أحرار، بل كمكوّنات ضمن سلسلة إنتاج معرفي يُقاس نجاحها بمؤشرات السوق: المقالات المنشورة، حجم التمويل، براءات الاختراع، وتصنيفات الجامعات الدولية.
تلك التحولات تحمل أيضاً أبعاداً رمزية بالغة الأهمية. الجامعات لم تعد تحتفظ باستقلالها المعرفي، بل صارت مرتبطة مباشرة بأجندات اقتصادية وسياسية محددة، ما يعيد إنتاج الهيمنة الرمزية ويهمّش المعرفة النقدية والفلسفية والإنسانية. المعرفة لم تعد منفعة عامة، بل ملكية خاصة تُقيد إمكانيات الوصول إليها، وتُوجَّه وفق أولويات الممولين وأهدافهم الربحية، وهو ما يحوّل الجامعة من فضاء تحرري إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة والهيمنة الفكرية والاجتماعية.
تأتي هذه الدراسة كمبحث مستقل من مشروع كتاب أوسع بعنوان “العلم كسلعة”. ورغم أنها جزء من مشروع أكبر، رأيت أن نشرها بشكل منفصل سيكون أكثر جدوى، نظراً لصعوبة نشر الكتب الأكاديمية الواسعة في السياقات الحالية، ولإتاحة الوصول إلى هذه الأفكار بشكل مباشر للباحثين والدارسين خارج نطاق النخب والمختصين. إذ أن الدراسات المنفصلة توفر مرونة أكبر في عرض النتائج التحليلية، وتمكّن من التركيز على قضايا محددة في الحقل الأكاديمي والسياسي والاجتماعي، مما يجعلها أداة أكثر فعالية لنقد وتحليل التحولات البنيوية داخل الجامعة، وفهم الآليات التي تحوّل العلم من فعل تحرري إلى سلعة قابلة للتداول.
الجامعة كمؤسسة ضمن البنية الرأسمالية العالمية
في ظل التحولات العميقة التي يعرفها النظام الرأسمالي العالمي، لم تعد الجامعات مجرد فضاءات تعليمية أو مراكز لإنتاج المعرفة المجردة، بل أصبحت مؤسسات مترابطة ضمن شبكة عالمية لإنتاج المعرفة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأسواق الدولية والمعايير العالمية لقياس الأداء. ببساطة، الجامعات لم تعد كيانات محلية مستقلة، بل أجهزة ضمن ماكينة رأسمالية واسعة النطاق، تتوزع فيها القوة بين النخب الاقتصادية والسياسية، والباحثين والمؤسسات الأكاديمية، بحيث تُحدد أولويات البحث والمعرفة وفق ما يخدم مصالح هذه النخب.
إن هذه الشبكة العالمية للجامعات تعمل وفق منطق مزدوج: من جهة، الحفاظ على صورتها التقليدية كمؤسسات تعليمية وعلمية، ومن جهة أخرى، توجيه إنتاج المعرفة بما يتماشى مع أجندات السوق العالمية. هذا التوجيه يشمل، على سبيل المثال، ربط التمويل البحثي بالتصنيفات الدولية، عدد المقالات المنشورة في مجلات مصنفة عالمياً، حجم براءات الاختراع، وعدد الطلاب الدوليين الذين يجلبون إيرادات مالية كبيرة. في هذا السياق، الجامعة تتحول تدريجياً من فضاء للتفكير النقدي إلى وحدة إنتاجية معايير نجاحها قابلة للقياس المالي والاقتصادي.
ويمكن فهم هذه التحولات على أنها إعادة إنتاج للهيمنة الثقافية والمعرفية. الجامعات الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية غالباً ما توجه أبحاثها العلمية نحو مجالات مربحة اقتصادياً، مثل الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا الحيوية، والعلوم الطبية التجميلية، لأنها تحقق عوائد كبيرة وتخدم مصالح النخب الاقتصادية. في المقابل، تُهمّش الدراسات النظرية والفلسفية، والعلوم الإنسانية التي لا تحقق أرباحاً مباشرة، حتى لو كانت هذه الدراسات أساسية لفهم البنية الاجتماعية والسياسية. ببساطة، المعرفة التي كانت سابقاً تهدف إلى توسيع آفاق الفكر النقدي أصبحت سلعة قابلة للتداول الاقتصادي والسياسي، تخضع لمنطق السوق والربح، بدل أن تخضع لمنطق الفهم والتحليل النقدي.
يمكن تشبيه هذا التحول بمصنع صناعي كبير، حيث تصبح المعرفة “منتجاً” يخضع لمؤشرات الجودة والتسويق، بدلاً من كونه عملية كشف وتنوير. الطالب، الباحث، وحتى العملية التعليمية كلها تُعاد صياغتها لتتوافق مع هذا النموذج: الإنتاج يجب أن يكون قابلاً للقياس، قابل للتسويق، ويعكس حجم التمويل الذي يُجلب للجامعة، لا جودة التفكير النقدي أو عمق التحليل النظري.
تتضح آثار هذا التحول أيضاً في البنية المؤسسية للجامعة. التدويل الأكاديمي والاعتماد على التمويل الخارجي المشروط يجعل الجامعات غير مستقلة معرفياً. ببساطة، القرارات البحثية لم تعد تُتخذ وفق الحاجة المجتمعية أو الأهمية الإنسانية للموضوع، بل وفق ما يحدد الممول أو السوق. هذه العلاقة بين التمويل الخارجي ونتاج الجامعة تعيد إنتاج الهيمنة الاقتصادية والمعرفية على نطاق عالمي، حيث تحد من قدرة المؤسسات الأكاديمية في الجنوب على المساهمة في المعرفة العالمية بحرية، وتؤدي إلى تكريس فجوة معرفية واضحة بين الشمال والجنوب.
تحولت الجامعات تدريجياً إلى أجهزة إنتاجية ضمن البنية الرأسمالية العالمية، تفقد استقلالها الرمزي والمعرفي، وتصبح المعرفة سلعة قابلة للقياس والتسويق، تخضع لمعايير السوق. النتيجة المباشرة هي إعادة تعريف معنى الجامعة: من فضاء للتحرر الفكري، إلى وحدة إنتاجية تابعة لمنطق الربح والعوائد الاقتصادية. هذا التحول لا يؤثر فقط على البنية التنظيمية للجامعة، بل يمتد أيضاً ليشكل الفهم الاجتماعي للعلم والمعرفة، ويعيد رسم أفق البحث الأكاديمي وفق أولويات النخب الاقتصادية، بدل أولويات المجتمع أو الإنسانية.
بهذه الطريقة، يظهر أن التحول البنيوي للجامعات ليس مجرد تغيير إداري أو تنظيمي، بل تحول جذري في وظيفة الجامعة نفسها وفي طبيعة المعرفة المنتجة داخلها. المعرفة لم تعد غاية، بل أصبحت أداة لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية، بينما الباحث والطالب أصبحا عناصر ضمن سلسلة إنتاج معرفي تسيطر عليه القوى الرأسمالية. هذه البنية تؤسس لجامعة لا تعمل على توسيع الحرية الفكرية أو إنتاج نقد اجتماعي، بل على إعادة إنتاج الهيمنة الرمزية والمعرفية على نطاق عالمي.
خصخصة المعرفة والتحكم بالوصول
أحد أبرز مظاهر التحول البنيوي في الجامعات الحديثة هو خصخصة المعرفة، وما يترتب عليها من تحكم بالوصول إلى المعلومات والأبحاث. ببساطة، المعرفة التي كانت يوماً ما تُنتج كمنفعة عامة، لتكون متاحة للجميع كحق جماعي، أصبحت اليوم سلعة تُقاس قيمتها وفق معيار السوق والربح، وتخضع لقوانين الملكية الفكرية وبراءات الاختراع وحقوق النشر. هذا التحول يعيد تشكيل دور الباحث نفسه، الذي لم يعد مجرد فاعل يسعى للفهم والتحليل، بل أصبح موظفاً يُنتظر منه إنتاج معرفة قابلة للتسويق، تلتزم بمؤشرات الأداء المادية، وتتماشى مع أجندات الممولين، ما يحوّل الجامعة تدريجياً إلى مصنع معرفي يخضع للمنطق الرأسمالي.
فالجامعة لم تعد فضاءً للتحرر الفكري أو للتفكير النقدي، بل صارت وحدة إنتاجية للمعرفة الموجهة والمسيطر عليها. المعرفة لم تعد تُنتج لتطوير المجتمع أو الإجابة عن الأسئلة الإنسانية الجوهرية، بل لتلبية مصالح المستثمرين، الشركات، أو حتى الدول التي تمول البحث العلمي. على سبيل المثال، أبحاث الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا الحيوية غالباً ما تكون محمية ببراءات اختراع صارمة، ما يمنع أي باحث أو مؤسسة غير ممولة من الوصول إليها بحرية. في المقابل، تُهمّش الدراسات النظرية والفلسفية التي لا تدر أرباحاً مباشرة، حتى لو كانت هذه الدراسات أساسية لفهم الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
يمكن تشبيه هذا الوضع بمكتبة عامة تتحول تدريجياً إلى متجر خاص، حيث كل كتاب أو دراسة تصبح سلعة مُسعّرة، لا يمكن الوصول إليها إلا بمقابل مادي أو تراخيص محددة. هذا المثال يوضح ببساطة كيف أن خصخصة المعرفة تعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي والمعرفي، وتُكرّس الهيمنة الرمزية للنخب التي تتحكم في رأس المال المادي والمعرفي.
هذه العملية ليست مجرد تحول إداري، بل جزء من آلية النظام الرأسمالي لتوسيع مجاله على المعرفة نفسها. إن تحويل المعرفة إلى سلعة قابلة للبيع والشراء يعزز من قدرة النخب الاقتصادية والسياسية على السيطرة ليس فقط على الإنتاج المادي، بل أيضاً على إنتاج الفهم، والتفسير، والتوجهات الفكرية داخل المجتمع. فالجامعة، التي كانت سابقاً منصة لتطوير النقد الاجتماعي والفلسفي، صارت آلة لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية والمعرفية.
تجدر الإشارة إلى أن خصخصة المعرفة لا تتوقف عند حدود حماية الملكية الفكرية، بل تشمل أيضاً التأثير على شكل وأهداف البحث العلمي. المؤسسات الأكاديمية التي تعتمد على التمويل الخارجي المشروط، تُجبر الباحثين على تكييف مشاريعهم مع أولويات الممول، ما يؤدي إلى تغييب الموضوعات الإنسانية والسياسية أو حتى النقدية. في هذا السياق، التمويل يصبح أداة لضبط البحث وتوجيهه نحو ما يخدم السوق والمصالح الاقتصادية، بدلاً من خدمة البحث العلمي كأداة للفهم والتحليل النقدي.
على سبيل المثال، برامج التمويل المشترك بين الجامعات الكبرى والشركات متعددة الجنسيات غالباً ما تحدد موضوع البحث، منهجه، وحتى النتائج المتوقعة، بما يضمن عائداً مالياً للمستثمرين. الباحث هنا لا ينتج المعرفة بحرية، بل ينفذ مشروعاً اقتصادياً، كما لو كان عاملاً في مصنع إنتاج معرفي. في المقابل، الدراسات النقدية أو الفلسفية التي تبحث في أسئلة مثل العدالة الاجتماعية أو الهيمنة الاقتصادية غالباً ما تُهمّش، لأنها لا تخدم المنطق الربحي مباشرة.
إن هذا التحكم بالوصول إلى المعرفة أيضاً يُسهم في تفاقم اللامساواة المعرفية عالمياً. فالدول الغنية ومؤسساتها البحثية الكبرى لديها القدرة على الوصول إلى المعرفة المحمية والممولة، بينما الباحثون في الدول النامية أو المؤسسات غير القادرة على جذب التمويل يجدون أنفسهم مستبعدين من دائرة المعرفة المتقدمة. هنا يظهر بوضوح البعد الطبقي والسياسي للمعرفة في ظل الرأسمالية المعاصرة، حيث يصبح الوصول إلى المعرفة مسألة سلطة، وليس حقاً إنسانياً أو علمياً.
كما إن خصخصة المعرفة والتحكم بالوصول إليها ليست فقط قضية تنظيمية أو قانونية، بل تحول جوهري في طبيعة الجامعة نفسها، ودورها الاجتماعي والفكري. المعرفة لم تعد منفعة عامة، بل أصبحت سلعة، والجامعة لم تعد فضاءً للتحرر والفكر النقدي، بل أداة لإنتاج رأسمال معرفي، يخضع لآليات السوق وسيطرة النخب الاقتصادية والسياسية. هذه العملية تعيد تعريف دور الباحث، الطالب، والمؤسسات الأكاديمية كلها، من كونها فاعلين مستقلين في إنتاج الفهم، إلى وحدات إنتاجية ضمن منظومة رأسمالية عابرة للحدود.
الباحث والطالب كعوامل إنتاج معرفي
حول دور الباحث والطالب داخل الجامعة في ظل منطق السوق النيوليبرالي يجعل كلاهما جزءاً من سلسلة إنتاج معرفي يخضع لمعايير الربح والأداء. ببساطة، لم يعد الباحث فاعلاً مستقلاً يسعى إلى الحقيقة أو الفهم النقدي، بل أصبح موظف أداء يُقاس نجاحه بعدد المقالات المنشورة، حجم التمويل الذي يجلبه، براءات الاختراع، وتصنيفات الجامعة على الساحة الدولية. الطالب أيضاً يُنظر إليه كـ”رأس مال بشري” يُشكّل وفق احتياجات السوق، لا لتكوين وعي نقدي مستقل.
المعرفة لم تعد غاية في ذاتها، بل أداة لتوليد قيمة اقتصادية قابلة للقياس والتسويق. تتحول مؤشرات الأداء الأكاديمي—عدد المقالات، حجم التمويل، التصنيفات الدولية—إلى معايير لإعادة إنتاج المعرفة وفق آليات السوق. الدراسات النظرية والفلسفية والنقدية تُهمش لصالح الأبحاث القابلة للتطبيق التجاري أو الربحي، ما يعكس الهيمنة المتزايدة للمنطق النيوليبرالي على الحقل الأكاديمي، ويحوّل الجامعات إلى وحدات إنتاجية تخدم أهداف السوق أكثر من خدمة المجتمع أو الفكر الحر.
فهذا التحول يمثل تحويل الباحث من مفكر حر إلى منتج معرفي، كما لو كان عاملاً في مصنع رأسمالي. على سبيل المثال، الباحث الذي كان يهتم سابقاً بالأسئلة الفلسفية أو النظرية الكبرى حول العدالة أو الحرية، أصبح اليوم مطالباً بمواءمة مشروعه البحثي مع أولويات الممولين، سواء كانوا شركات تكنولوجية، مؤسسات مالية، أو حكومات. النتيجة هي أن الاهتمام بالبحث النقدي أو الدراسات الإنسانية يتراجع لصالح المشاريع التي تحقق أرباحاً أو تتيح تطبيقات عملية قابلة للتسويق.
هذا الوضع يشمل أيضاً الطلاب، الذين لم يعودوا يُنظر إليهم كذوات متعلمة تسعى للفهم والتحليل النقدي، بل أصبحوا رأس مال بشري يُشكل وفق متطلبات السوق. ببساطة، العملية التعليمية تتحول إلى سيرورة إنتاجية تعد الطالب لشغل وظيفة محددة داخل النظام الرأسمالي، بدلاً من تطوير وعي نقدي أو شخصية متحررة. على سبيل المثال، البرامج الدراسية في العلوم التطبيقية أو الإدارة غالباً ما تُصمَّم لتلبية احتياجات الشركات، بينما البرامج النظرية أو النقدية تُهمش، لأنها لا تعكس عائداً مالياً مباشراً.
هذه التحولات تعكس تجسيد البنية الطبقية داخل الحقل الأكاديمي. الباحث والطالب يصبحان فاعلين ضمن ماكينة إنتاج معرفي خاضعة للرقابة البيروقراطية والمعايير السوقية، تماماً كما أشار بيير بورديو في كتابه La Misère du monde، حيث أُعيد تشكيل الحقل الأكاديمي ليخضع لمؤشرات الأداء، مؤشرات التمويل، والترتيب العالمي، بدلاً من الأسئلة الوجودية أو النقدية. هذه العملية تؤدي إلى إعادة إنتاج الهيمنة الرمزية والثقافية، حيث تُوجَّه المعرفة لتدعيم مصالح النخب الاقتصادية والسياسية، بينما تُهمل الموضوعات النقدية أو الإنسانية.
كما أن ضغط الأداء المستمر على الباحثين يخلق بيئة تنافسية شديدة، يشبه فيها الباحثون موظفي مصانع يُقاس إنتاجهم بشكل يومي أو دوري. يُطلب منهم نشر عدد معين من المقالات، الفوز بالتمويل الخارجي، أو تسجيل براءات اختراع. هذه المقاييس السوقية تحول البحث العلمي إلى نشاط وظيفي بحت، حيث الأفق الفكري والتحرري يتضاءل لصالح تحقيق الأرقام والإحصاءات التي تقيم القيمة السوقية للباحث والمؤسسة.
في سياق مشابه، يمكن تشبيه الطالب بالمكوّن الأولي لرأس المال البشري في النظام الرأسمالي، حيث يتم تشكيله وفق متطلبات السوق: المعرفة المكتسبة يجب أن تكون قابلة للتطبيق، والمهارات يجب أن تلبي احتياجات الشركات أو مؤسسات الدولة، بينما التفكير النقدي أو الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والسياسية يُعتبر “فاقداً للإنتاجية”.
هذه العلاقة بين الباحث والطالب والسوق تعكس إعادة إنتاج علاقات القوة داخل الجامعة. الجامعات لم تعد فضاءات للتحرر الفكري، بل أصبحت مؤسسات انضباط معرفي، حيث كل فرد مرتبط بمؤشرات الأداء، التمويل، والقدرة على تسويق إنتاجه العلمي. هذا الانضباط يفرض على الباحث والطالب الخضوع للمعايير السوقية، حتى في مجال الإنتاج المعرفي، ويحوّلهم من فاعلين حرين يسعون إلى الفهم، إلى موظفين في مصنع معرفي عالمي.
وبالتالي فإن هذا التحول الهيكلي ليس مجرد تغيير إداري، بل إعادة تعريف للجامعة نفسها: المعرفة لم تعد غاية، بل وسيلة لإنتاج رأس مال معرفي، والباحث والطالب أصبحا أدوات ضمن هذه السلسلة. الجامعات بهذا الشكل تعيد إنتاج الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بدل أن تُسهم في تطوير وعي نقدي أو في توسيع الحرية الفكرية.
المحور الرابع: أدوات السوق في تقييم المعرفة وتمويل البحث
تحويل أدوات السوق إلى معايير لتقييم المعرفة وتمويل البحث العلمي أصبح أحد أكثر الظواهر تأثيراً على الجامعات اليوم. ببساطة، لم تعد جودة البحث أو عمق المعرفة تُقاس وفق أهميتها الفكرية أو الإنسانية، بل وفق مؤشرات كمية يمكن تداولها وتسعيرها، مثل عدد المقالات المنشورة في مجلات مصنفة، براءات الاختراع، حجم التمويل الخارجي، وتصنيفات الجامعات الدولية.
هذا التحول يُعيد تعريف معنى “العلم الجيد”، حيث لم يعد المشروع البحثي يُقيّم من خلال أسئلته النقدية أو عمقه التأملي، بل وفق مدى توافقه مع أهداف السوق ومصالح الممولين. الجهات المانحة—سواء دول، شركات، أو مؤسسات مالية—تفرض شروطاً دقيقة على نوعية البحث وأهدافه وحتى نتائجه، ما يُجبر الباحث على تكييف مشروعه مع أولويات السوق، ويؤدي إلى إقصاء الموضوعات النقدية والإنسانية والسياسية التي لا تدر ربحاً مباشراً.
ويتحول التمويل من أداة دعم للعلم إلى أداة للضبط والسيطرة، فتغيب الاستقلالية المعرفية، وتصبح الجامعات أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية والمعرفية، بدلاً من أن تكون فضاءً للتحرر الفكري والنقد الاجتماعي. المعرفة، بدلاً من أن تكون منفعة عامة، تتحول إلى سلعة، ويتم توجيه كل عمليات البحث والتعليم نحو ما يخدم السوق ويؤمن عائداً ملموساً.
إن هذه المؤشرات تحوّل الباحث من مفكر حر إلى عامل أداء. على سبيل المثال، نجاحه لم يعد مرتبطاً بقدرته على طرح أسئلة جذرية أو تطوير أطر نظرية جديدة، بل بقدرته على إنتاج معرفي سريع، قابل للتسويق، ومُقاس بالأرقام. هذه البيئة تشبه مصنعاً تنتج فيه المعرفة وفق مخطط إنتاج محدد، حيث كل مشروع بحثي يُقيَّم وفق معايير الربحية أو جدوى التسويق، بغض النظر عن قيمته الفكرية أو النقدية.
يعد هذا التحول ليس عارضاً إدارياً، بل تجسيد لهيمنة المنطق الرأسمالي على الحقل الأكاديمي. الجامعة، التي كانت يوماً منصة لإنتاج النقد والفهم، صارت جزءاً من آلة إعادة إنتاج الهيمنة الاقتصادية والثقافية. التمويل المشروط، على سبيل المثال، يفرض على الباحث تكييف مشروعه البحثي وفق أهداف الممولين، سواء كانوا شركات تكنولوجية، مؤسسات مالية، أو حتى دول. هذا لا يضمن فقط تحقيق عائد مالي، بل يحدد أجندة البحث والموضوعات التي تعتبر مقبولة أو مرغوبة.
كما يمكن النظر إلى التمويل المشروط كأداة ضبط معرفي وسيطرة على البنية الفكرية. الباحث يصبح مجبراً على توجيه اهتماماته نحو ما يخدم مصالح السوق والممولين، بينما تُهمّش القضايا النقدية، الاجتماعية، والسياسية، والتي قد تكون ضرورية لفهم الظواهر المجتمعية أو التحديات الإنسانية. على سبيل المثال، مشاريع الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا الحيوية غالباً ما تجذب التمويل بسهولة لأنها واعدة بالربح، بينما الدراسات حول العدالة الاجتماعية أو الفلسفة النقدية تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على الدعم، حتى لو كانت أبحاثاً أساسية للفهم العميق للمجتمع.
من جهة أخرى، أدوات تقييم الأداء الأكاديمي مثل التصنيفات العالمية أو عدد المنشورات في مجلات ذات تأثير، تعمل كآليات لسوق داخلي داخل الجامعة. هذه المعايير تعيد تعريف النجاح الأكاديمي ليس بناءً على قيمة المعرفة أو مساهمتها في المجتمع، بل وفق قابليتها للتداول والتسويق. الباحث هنا يشبه موظف مصنع ينتج سلعة، مع فارق أن السلعة في هذه الحالة هي المعرفة نفسها، وتقييمه يخضع للرقابة والإحصاءات، لا للأسئلة النقدية أو الفلسفية.
على سبيل المثال، الباحث الذي يركز على الدراسات النظرية أو التحليل النقدي غالباً ما يجد نفسه متأخراً في ترتيب الجامعة أو في جذب التمويل، بينما أولئك الذين يعملون على مشاريع قابلة للتسويق، مثل التطبيقات الطبية أو التقنية، يتم تكريمهم ومكافأتهم بالتمويل والمنح. هذا يعكس إعادة إنتاج التفاوت داخل الحقل الأكاديمي نفسه، حيث المعرفة المربحة تحظى بالاهتمام، والمعرفة النقدية تُهمّش.
يمكن القول أيضاً إن هذا التحول يعكس التحكم بالجامعة كجهاز انضباط رأسمالي. الجامعة لم تعد فضاءً للتحرر الفكري أو النقد الاجتماعي، بل أصبحت مؤسسة تفرض على الباحث والطالب الانضباط وفق معايير السوق، مع مراقبة مستمرة وقياس دقيق للإنتاج. التمويل، التقييم، وبراءات الاختراع كلها أدوات لضبط الإنتاج المعرفي، بحيث يصبح الباحث جزءاً من سلسلة إنتاج رأس المال المعرفي، ويخضع لقواعد السوق أكثر من خضوعه للفكر النقدي أو البحث الإنساني.
في هذا السياق، تتضح العلاقة الجدلية بين التمويل، التقييم، وإعادة إنتاج الهيمنة. التمويل المشروط يحدد الموضوعات المقبولة، التقييم الكمي يحوّل النجاح الأكاديمي إلى أرقام قابلة للتداول، والجامعة نفسها تتحول إلى آلة لإنتاج رأسمال معرفي، يخدم المنطق الرأسمالي بدلاً من خدمة البحث عن الفهم والتحليل النقدي.
الجامعة كمؤسسة انضباط معرفي
الجامعة تحولت من فضاء تحرري ومعرفي إلى مؤسسة انضباط معرفي، حيث لم يعد الهدف الأساسي إنتاج الفهم النقدي أو توسيع آفاق التفكير، بل السيطرة على المعرفة وتوجيهها وفق آليات السوق والسيطرة البيروقراطية. ببساطة، الجامعة اليوم تعمل كآلة منظمة لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية والمعرفية، تماماً كما صوّر بيير بورديو في تحليله للحقل الأكاديمي في La Misère du monde.
هذا التحول يشمل جميع عناصر العملية الأكاديمية؛ الباحث والطالب والبحث نفسه أصبحوا أدوات ضمن منظومة تخضع لمؤشرات الأداء وقياسات السوق. الإنتاج المعرفي صار هدفه تحقيق أرقام قابلة للقياس—عدد المنشورات، براءات الاختراع، حجم التمويل، ترتيب الجامعة—بدل أن يكون وسيلة لتطوير الفهم النقدي أو التأمل الفلسفي.
وبذلك تتراجع الفلسفة والعلوم الإنسانية لصالح التكنولوجيات المربحة والمشاريع البحثية التي تخدم السوق مباشرة، فتتحول المعرفة إلى سلعة خاضعة للتحكم، ويُعاد إنتاج الهيمنة الرمزية والثقافية بشكل منهجي. الجامعة، بهذا الشكل، لم تعد مؤسسة للتحرر الفكري، بل جهاز لإعادة إنتاج القوى الاجتماعية المهيمنة، حيث يُدار كل نشاط أكاديمي وفق منطق الاقتصاد النيوليبرالي، وتُحدد الأولويات بناءً على ما يحقق الربح والقيمة السوقية، لا على ما يخدم الفكر الحر أو المجتمع بشكل أعمق.
أصبحت البنية التنظيمية للجامعة اليوم نسخة مصغرة من الماكينة الرأسمالية. الباحث، الذي كان يُنظر إليه يوماً كمفكر حر يسعى لطرح الأسئلة الجذرية، أصبح موظف أداء، مطالباً بالالتزام بجداول زمنية صارمة، معايير نشر محددة، وبرامج تمويل مشروطة. بمعنى آخر، الإنتاج المعرفي أصبح مقيَّداً ومُقاساً وفق مؤشرات كمية، مثل عدد المقالات المنشورة، براءات الاختراع المسجلة، أو حجم التمويل الذي يجذبه الباحث. هذه المعايير لا تعكس عمق المعرفة أو أصالتها، بل مدى توافقها مع منطق السوق والقدرة على إنتاج “رأسمال معرفي” قابل للتداول.
في هذا السياق، يمكن تشبيه الجامعة بمصنع إنتاج علمي، حيث كل عنصر—باحث أو طالب—يخضع لرقابة مستمرة، وكل مشروع بحثي يُقيَّم وفق جدواه الاقتصادية أو قابليته للتسويق. على سبيل المثال، البحث في الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا الحيوية غالباً ما يحظى بالأولوية، بينما الدراسات النقدية والفلسفية أو البحث الاجتماعي العميق تُهمش، لأنها لا تحقق أرباحاً مباشرة. وهكذا، تتحوّل المعرفة إلى سلعة مقيّدة، وليست منفعة عامة، تخضع لقوانين الملكية الفكرية، براءات الاختراع، والترخيص التجاري.
هذه العملية تُظهر كيف أن الجامعة أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية والمعرفية. بمعنى آخر، المؤسسة الأكاديمية لم تعد فضاءً للتحرر الفكري أو النقد الاجتماعي، بل أصبحت جزءاً من البنية الاقتصادية والثقافية للرأسمالية العالمية. التمويل المشروط، تقييم الأداء، وبراءات الاختراع ليست مجرد أدوات تنظيمية، بل أدوات ضبط، تقيّد قدرة الباحث على التفكير النقدي أو الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والسياسية.
على سبيل المثال، طالب الدراسات العليا الذي يسعى لتطوير بحث فلسفي حول العدالة الاجتماعية قد يجد نفسه عاجزاً عن الحصول على تمويل أو نشر نتائجه، بينما مشاريع تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تخدم السوق يتم تمويلها بسرعة وتحظى بتقدير واسع. هذه الاختيارات لا تعكس قيمة البحث، بل أجندة السيطرة الاقتصادية والمعرفية.
بالإضافة إلى ذلك، الجامعة كمؤسسة انضباط معرفي تفرض ثقافة الأداء المستمر، حيث يُقاس الباحث والطالب وفق معايير قابلة للقياس والإحصاء، تماماً كما في المصنع. هذه الثقافة تؤدي إلى فقدان البعد التأملي والتحرري للجامعة، ويصبح الإنتاج المعرفي هدفه تحقيق مؤشرات سوقية، لا طرح أسئلة جوهرية حول المجتمع، السلطة، أو العدالة.
فإن الجامعة المعاصرة تعمل كجهاز مزدوج: من جهة، هي منتج معرفي تابع للسوق، ومن جهة أخرى، آلة ضبط ثقافي وفكري، تحافظ على الهيمنة الرمزية للنظام القائم. الباحث والطالب كلاهما خاضعان لهذه المنظومة، حيث يفرض عليهم السوق والبيروقراطية معا، قيوداً صارمة على إنتاجهم المعرفي، ويحدد ما يُعتبر علماً “جيداً” وفق مصالح الممولين والقيم السوقية.


ان جعل الجامعة خاضعه لسوق العمل يقودنا الى موضوع المناهج التعليمية الموضوعة والتي ستكون جزاء. مهم لاعادة انتاج النظام الرسمالي من هلال نشر ثقافته التي تحافظ على ديمومته كذلك عملية الخصخص وسيطرة راس المال على الجامعات سيخلق طبقة اجتماعية جديدة تتشكل حسب مصلحه اصحاب راس المال وحاجة السوق وتكون تابعه له كمصد اتجاه الطبقات المسحوقه الاخري.. واعتقد هناك توجه عالمي يدعو لحرية الحصول علي المعلومة
كما هناك جانب اخلاقي مهم فالعلم سلاح ذو حدين يمكن استغلاله واستخدامه بشكل سلبي او ايجابي على سبيل المثال لا الحسر صناعة الاسلحة او المواد الكيميائية والباليوجية فاستغلال الجامعات لصالح الرأسمالية الذي يبحث عن الربح ولا يكترث بغيره سيجعل من العالم يعيش صراع غير متكافئ