عندما ينتهي فحص خياري العلمانية الفوقية والدولة الدينية إلى النتيجة ذاتها، وهي عجز كليهما عن تجاوز بنية الاستغلال القائمة واكتفاؤهما بتغيير غطائها الأيديولوجي، يصبح السؤال الملح هو: من يملك، ماديا لا أخلاقيا، المصلحة والقدرة على كسر هذه البنية؟ الجواب الماركسي على هذا السؤال يرفض منذ البداية فكرتين شائعتين: أن التغيير يبدأ من صياغة دستور مثالي، وأن حامله التاريخي طبقة واحدة نقية تنتظر لحظتها فحسب. المجتمعات الريعية العربية، بما فرضته من تفتيت طبقي وتشوه عميق في علاقات الإنتاج، لا تمنح أحدا هذه الرفاهية. وما اعرضه هنا هو الشكل الذي يمكن أن يتخذه الفاعل التاريخي البديل في ظل هذه الشروط بالذات: كتلة عريضة غير متجانسة طبقيا، تحتاج إلى برنامج يوحدها إجرائيا قبل أن يوحدها عقائديا، وإلى دال رمزي يحتضن تناقضاتها الداخلية بدل أن يفجرها.
“الكتلة التاريخية” كتحالف طبقي عريض ضد الريع
مفهوم “الكتلة التاريخية” عند غرامشي لا يعني تحالفا انتخابيا عابرا بين فصائل سياسية، بل وحدة عضوية بين البنية الاقتصادية وبنيتها الفوقية الأيديولوجية والسياسية، بحيث تتماسك مجموعة من القوى الاجتماعية المتباينة حول مشروع تاريخي واحد يمنحها كلها، ولو بدرجات متفاوتة، سببا ماديا للبقاء فيه[1]. هذا التعريف الدقيق يستبعد منذ البداية أي فهم للكتلة التاريخية بوصفها مجرد جبهة سياسية مؤقتة تُعقد بمنطق المصلحة الانتخابية ثم تنفض عند أول اختبار. إنه، في صياغته الأصلية، محاولة لتفسير كيف تصبح مصلحة طبقة أو تحالف طبقي معين “إرادة عامة” يتبناها المجتمع بأسره، لا عبر القسر وحده بل عبر بناء رضا فعلي، ولو جزئي، تشارك فيه فئات لا تنتمي أصلا إلى القوة القائدة.
نقل هذا المفهوم إلى السياق العربي الراهن يطرح مشكلة لم تكن مطروحة بالحدة نفسها في إيطاليا الثلاثينيات التي كتب فيها غرامشي: غياب طبقة عاملة صناعية ناضجة قادرة على أن تشكل، بمفردها، محور الكتلة البديلة. الاقتصاد الريعي، كما فصلنا سابقاً، لا ينتج علاقات إنتاج رأسمالية كلاسيكية بقدر ما ينتج طبقة عاملة مبعثرة بين قطاع عام متضخم ووظائف خدمية هامشية وعمالة غير منظمة، إلى جانب برجوازية طفيلية مرتبطة عضويا بالسلطة لا منافسة لها. هذا التشوه في البنية الطبقية يفسر جانبا مما لاحظه حمزة علوي في تحليله للدولة ما بعد الاستعمارية: جهاز الدولة نفسه، الموروث ضخما ومتضخما عن لحظة التكوين الاستعماري أو شبه الاستعماري، يسبق نضج الطبقات الاجتماعية ويهيمن عليها بدل أن يكون انعكاسا لتوازناتها[2]. في مثل هذا السياق، البحث عن “طبقة قائدة” جاهزة بالمعنى الكلاسيكي وهم نظري أكثر منه توصيف للواقع.
البديل المنهجي المتاح إذن ليس البحث عن طبقة نقية بل عن تقاطع مصالح مادية فعلية بين فئات اجتماعية متعددة، لا تشترك بالضرورة في الموقع من علاقات الإنتاج، لكنها تشترك في التضرر المباشر من احتكار الريع وآليات توزيعه الزبائنية. العمال في القطاعات غير المشمولة بالرعاية الريعية، والموظفون الذين تآكلت رواتبهم الحقيقية دون أن يعوضهم توسع في الخدمة العامة، والمهنيون من أطباء ومهندسين ومحامين يصطدمون يوميا بفساد المؤسسات التي يفترض أن تحكم عملهم، وصغار التجار وأصحاب الورش الذين تسحقهم منافسة الاحتكارات المحمية سياسيا، وقطاع من المثقفين وجدوا أنفسهم، بعد عقود من الخذلان الأيديولوجي، بلا غطاء نظري يفسر أزمتهم: هذه الفئات لا تلتقي على أرضية طبقية واحدة، لكنها تلتقي على أرضية مادية مشتركة هي استحالة تحسين شرطها في ظل استمرار احتكار الفائض. وهذا بالضبط ما تعنيه “الكتلة التاريخية” هنا: ليست جمعا حسابيا لأصوات ساخطة، بل تقاطعا موضوعيا بين مصالح فئات متعددة حول مطلب واحد قابل للتحقق، هو تفكيك آلية احتكار الفائض ذاتها.
هذا لا يعني أن بناء هذه الكتلة مضمون أو تلقائي. الفجوة بين وجود مصلحة موضوعية مشتركة وتحولها إلى وعي جماعي فعال هي بالضبط ما يحتاج، عند غرامشي، إلى عمل سياسي وثقافي مقصود يقوم به ما أسماه “المثقفون العضويون”، أي القادرون على صياغة مصالح الفئات المفتتة في خطاب واحد مفهوم ومقنع. وبيري أندرسون، في نقده التأسيسي لمفهوم الهيمنة عند غرامشي، ينبه إلى غموض حقيقي في النص الأصلي حول ما إذا كانت الهيمنة تُمارَس في المجتمع المدني وحده أم في الدولة أيضا، وحول ما إذا كانت الكتلة التاريخية تفترض قيادة طبقة واحدة أم اندماجا حقيقيا بين طبقات متعددة[3]. هذا التوتر النظري ليس عيبا يجب إخفاؤه، بل هو بالضبط ما يجعل المفهوم صالحا للتطبيق على حالة عربية لا تملك ترف الانتظار حتى تنضج طبقة عاملة صناعية قد لا تنضج أصلا في ظل استمرار النمط الريعي. الكتلة التاريخية المطلوبة هنا كتلة انتقالية، تتشكل حول قضية الريع بالذات، لا حول موقع ثابت في علاقات الإنتاج، وهو ما يفرض عليها، لكي تصمد، أن تجد أرضية عملية توحدها قبل أن تجد عقيدة موحدة.
تحتاج هذه الملاحظة إلى تفصيل أعمق بخصوص الحركة الطلابية تحديدا، لأن الدولة الريعية تُنتج تناقضها الخاص في هذه النقطة بالذات: فهي تُوسّع التعليم كمّاً دون أن تربطه بحاجات إنتاجية حقيقية، وتُدمجه في جهازها البيروقراطي المتضخم بوصفه صمام أمان اجتماعي يستوعب طموحات الشباب في قنوات مفرغة من الفعل التحرري، لا بوصفه فعلا تحرريا ينمّي الوعي النقدي. تتحول الجامعة بذلك إلى ما يشبه مصنعا للموظفين، ويتحول الطالب إلى أداة تنتظر التوظيف لا ذاتا تسعى للتغيير. لكن هذه الوظيفة الاحتوائية تُنتج، بمفعول عكسي، وعيا مزدوجا ومأزوما: أزمة انتماء إلى مؤسسة لا تؤمّن مستقبلا، وانفصال في الوقت نفسه عن مجتمع لا يعترف بالطالب إلا بوصفه عاطلا محتملا.
يضاف إلى هذا التناقض شرط بنيوي آخر يخص الدولة الريعية تحديدا: فهي، لكونها لا ترتكز على إنتاج ثروتها داخليا، لا تُنتج طبقة عاملة واسعة ومتجذرة في دورة الإنتاج، بل تدفع بالعمال إلى الهوامش أو تستبدلهم بعمالة أجنبية مؤقتة أو تدمجهم في قطاعات خدمية عاجزة عن أي ضغط إنتاجي حقيقي. في هذا الفراغ الذي تُحدثه هشاشة البروليتاريا، يبرز الطلبة بديلا طليعيا مؤقتا وجزئيا: فهم لا يُنتجون القيمة لكنهم يُنتجون الوعي، ولا يملكون وسائل الإنتاج لكنهم يملكون أدوات المعرفة، ولا يشكلون كتلة اقتصادية مؤثرة لكنهم يشكلون قوة رمزية وتنظيمية متقدمة. هذا لا يجعل منهم طبقة بالمعنى الماركسي الكلاسيكي، لكنه يجعلهم، في السياق الريعي بالذات، أقرب إلى طليعة طبقية ثورية: موقع تاريخي يُنتَج بحسب موازين القوى القائمة لا معطى ثابتا، والطلبة هم الأقدر على احتلاله، ولو مؤقتا، بحكم تقاطعهم مع هامشية البروليتاريا من جهة ومع الوعي النقدي للمثقفين من جهة أخرى[4].
من هذا الموقع بالذات، لا موقع غرامشي وحده، تصبح الحركة الطلابية شرطا يصعب الاستغناء عنه في بناء الكتلة التاريخية: فالحركات الثورية التي لا تملك امتداداً داخل الجامعات، ولا تُنتج خطاباً قادراً على استقطاب الطلبة، تبقى معزولة، عاجزة عن تجميع القوى المتناثرة في كتلة قادرة فعلا على قلب ميزان القوى. الطلبة هنا ليسوا مجرد جمهور احتجاجي يُضاف إلى قائمة الحلفاء المحتملين، بل الحلقة التي تربط الوعي النظري بالفعل التنظيمي[5].
غياب الاتحاد الطلابي بمعناه الجماهيري الحقيقي، أي التنظيم القادر على استيعاب وتنظيم مئات الآلاف من الطلبة وتحويل جزء منهم، عبر ممارسة العمل التنظيمي اليومي نفسه، إلى كوادر وقيادات قادرة على الفعل الجماعي، ليس عرضاً عابراً بقدر ما هو عرض لأزمة أعمق تعتري اليسار والحركة الثورية العربية نفسها في فهمها لوظيفة المنظمات الجماهيرية ودورها. فالتصور السائد للعمل الجماهيري ما زال يتأرجح بين نموذجين قاصرين: اختزاله إلى واجهة احتجاجية موسمية تُستدعى عند الحاجة ثم تُهمل بين موجة وأخرى، أو تحويله إلى ملحق تنظيمي تابع لحزب أو تيار بعينه يستنسخ خلافاته الداخلية بدل أن يفتح مساحة أوسع للتفاعل والتكوين المستقل. هذا القصور الفكري يقترن بعجز تنظيمي موازٍ: فأغلب القوى المعنية ببناء هذه الأطر تفتقر إلى كوادر مدربة على عمل جماهيري طويل النفس، قادر على الصبر على بطء التراكم العددي والتفاوض مع تنوع مشارب الطلبة السياسية والدينية والمناطقية بدل استبعادها بحثا عن نقاء تنظيمي وهمي. ويُضاف إلى هذين العجزين غياب مشروع سياسي جامع تلتقي حوله هذه الجهود المتناثرة، بحيث يظل كل تنظيم طلابي محاولة معزولة تكرر أخطاء سابقتها بدل أن تراكم عليها.
هذا الفراغ الفكري والتنظيمي والسياسي معا هو ما يجعل الحركة الطلابية، حتى حين تنشط، هدفا سهلا لعملية تدجين كومبرادوري حديث: فاتحادات الطلبة، مثلها مثل النقابات العمالية، عريقة وذات جذور نضالية حقيقية، لكنها تحولت في كثير من الحالات إلى واجهات نخبوية يديرها طلاب مرتبطون بالتمويل والمنظمات الأجنبية، يُستبعد بفعلهم الأغلبية من العمل السياسي والتعبوي الفعلي لصالح منطق التقييم والمخرجات الذي تفرضه الجهات المانحة[6]. إدماج الحركة الطلابية في الكتلة التاريخية، إذن، ليس مجرد ضمها إلى قائمة الحلفاء المحتملين على الورق، بل يفترض أولا معركة داخلية مزدوجة: استعادة هذه الأطر من التفريغ الذي أصابها، وإعادة بناء تصور اليسار نفسه لما تعنيه المنظمة الجماهيرية وكيف تُبنى.
مفهوم البرنامج الأدنى المشترك لتجاوز الانقسام الأيديولوجي
التمييز بين “برنامج أدنى” و”برنامج أقصى” ليس اختراعا حديثا، بل يعود إلى تقليد الأممية الثانية، حين ميز برنامج إرفورت، الذي وضع كاوتسكي إطاره النظري، بين الأهداف النهائية للاشتراكية والمطالب الآنية القابلة للتحقيق ضمن الشروط القائمة، بوصف الثانية أداة تعبئة عملية لا تراجعا عن الأولى[7]. لكن نقل هذا التمييز إلى سياق بناء الدولة المدنية العربية يقتضي تعديلا جوهريا في وظيفته: البرنامج الأدنى هنا لا يفصل بين إصلاح فوري وثورة مؤجلة داخل حركة واحدة متجانسة أيديولوجيا، بل يفصل، وهذا هو الأهم، بين ما تختلف حوله الكتلة التاريخية اختلافا حقيقيا وما تتفق عليه رغم اختلافها.
فالتيار الديني والتيار الحداثي داخل هذه الكتلة المفترضة لن يتفقا، على الأرجح، على موقع الشريعة من التشريع، ولا على طبيعة العلاقة بين الدين والدولة في المدى البعيد، ولا على نموذج اجتماعي واحد للأسرة أو الحريات الفردية. محاولة إجبارهما على توحيد الرؤية حول هذه المسائل قبل أي عمل مشترك هي بالضبط ما أنتج، تاريخيا، الاستقطاب الذي استثمرته السلطة الريعية لضرب أي معارضة عريضة. البرنامج الأدنى يقترح مسارا مختلفا: تعليق هذه الخلافات، لا حلها، والتركيز حصرا على مطالب إجرائية يمكن التحقق من تنفيذها بمعايير موضوعية لا تأويلية، كاستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، وتفكيك الاحتكارات الاقتصادية المرتبطة بدوائر النفوذ، وحرية تكوين النقابات والجمعيات المهنية، وضمان تداول سلمي للسلطة عبر انتخابات ذات مصداقية.
الأهمية الاستراتيجية لهذا التضييق المتعمد لمجال الاتفاق لا تكمن في تواضعه بل في وظيفته التفكيكية: فالسلطة الاستبدادية الريعية لا تحكم فقط عبر القمع المباشر، بل عبر زرع ألغام أيديولوجية داخل أي تحالف محتمل ضدها، بحيث يكفي إثارة سؤال هوياتي واحد، هل أنت مع الشريعة أم ضدها، هل أنت علماني متطرف أم أصولي متزمت، لتنفجر الكتلة من الداخل قبل أن تصل إلى ميدان المواجهة الفعلي مع احتكار الفائض. البرنامج الأدنى، بحصره النقاش في مطالب مادية قابلة للقياس، يسحب فتيل هذه الألغام مسبقا، لأنه يحول معيار الحكم على أي فاعل سياسي من درجة تدينه أو علمانيته إلى مدى التزامه الفعلي بهذه المطالب الإجرائية المشتركة.
ثمة من قد يعترض بأن هذا التأجيل للخلاف الأيديولوجي مجرد تسوية مؤقتة ستنفجر حتما بعد سقوط الخصم المشترك. الاعتراض له وجاهته، ولا فائدة من إنكاره. لكن الوظيفة التاريخية للبرنامج الأدنى ليست حل التناقض بين التيارين إلى الأبد، بل خلق مؤسسات وقواعد لعبة، دولة القانون، واستقلال القضاء، وحرية التنظيم، تتيح لهذا التناقض أن يُدار سلميا ومؤسسيا بدل أن يُدار بالقمع أو بالاحتراب الأهلي كما حدث في تجارب إقليمية عديدة. بعبارة أخرى: البرنامج الأدنى لا يلغي الصراع الأيديولوجي، بل ينقله من ساحة تفجير التحالف المعارض إلى ساحة أخرى، مؤسسية ولاحقة، يفترض أن تكون الدولة المدنية نفسها هي إطارها الضامن. وهذا يفسر لماذا يحتاج هذا البرنامج، لكي يكتسب قابلية التعبئة الجماهيرية، إلى غطاء رمزي جامع يمنحه اسما لا يخيف أحدا من أطراف الكتلة.
الدولة المدنية كـ”دال رمزي جامع”
الأداة النظرية الأدق لفهم كيفية عمل مصطلح “الدولة المدنية” سياسيا ليست معجمية بل تنتمي إلى نظرية الخطاب السياسي كما طورها إرنستو لاكلاو تحت مفهوم “الدال الفارغ” أو “الدال الرمزي الجامع”[8]. فكرة لاكلاو المركزية هي أن أي مطلب اجتماعي منعزل، مهما بلغت حدته، يظل عاجزا عن التحول إلى قوة سياسية فاعلة ما لم يندمج مع مطالب أخرى مختلفة عنه ضمن “سلسلة تكافؤ” يجمعها عدو مشترك أكثر مما يجمعها مضمون إيجابي مشترك. وحين تتسع هذه السلسلة بما يكفي، يحتاج مجموع المطالب المتباينة إلى دال واحد يمثلها جميعا في الفضاء العام، وكلما كان هذا الدال أفقر في مضمونه المحدد وأكثر انفتاحا على تأويلات متعددة، ازدادت قدرته على تمثيل هذا التنوع دون أن يفرض على أي طرف فيه التنازل عن هويته.
مصطلح “الدولة المدنية” يؤدي هذه الوظيفة بكفاءة نادرا ما توفرت لمصطلحات منافسة له في السياق العربي. فمصطلح “العلمانية”، كما اثبتت، تلوث تاريخيا بارتباطه بتجارب استبدادية عسكرية استخدمته غطاء لقمع الحريات، ما جعله يستدعي عند شريحة واسعة من الجمهور المتدين ذاكرة القمع لا ذاكرة التحرر. ومصطلح “الديمقراطية”، رغم حياده الظاهري، يظل فقيرا إجرائيا، يسهل اختزاله إلى مجرد صناديق اقتراع دورية تفرغه أنظمة الاستبداد التنافسي من أي مضمون فعلي. أما مصطلح “الدولة الإسلامية”. “الدولة المدنية” وحدها تمتلك تلك الميزة الفارقة: أنها لا تنفي صراحة أي طرف من أطراف الكتلة التاريخية المفترضة، بل تسمح لكل طرف أن يملأ فراغها الدلالي بمضمونه الخاص. يمنح المصطلح التيار الديني ضمانة ضمنية بألا تُفرض عليه علمانية إقصائية تستهدف حضوره في الفضاء العام، ويمنح التيار الحداثي ضمانة مقابلة بألا تتحول الدولة إلى مؤسسة دينية تشرع باسم الوحي لا باسم الشعب.
هذا لا يعني أن “الدولة المدنية”، بوصفها دالا فارغا، خالية من أي محتوى موضوعي قابل للتحديد. فراغها ليس فراغا مطلقا بل فراغ وظيفي: هي فارغة تماما من أي إحالة إلى مذهب ديني أو أيديولوجيا حزبية بعينها، لكنها ممتلئة، في الوقت نفسه، بمضمون حقوقي ومؤسسي محدد تماما يتمثل في سيادة القانون على الجميع ومساواة المواطنين أمامه بصرف النظر عن انتماءاتهم الأولية. هذا التمييز بين الفراغ العقائدي والامتلاء الحقوقي هو ما يمنع تحول المصطلح إلى مجرد شعار خالٍ من أي التزام عملي، ويربطه مباشرة بالبرنامج الأدنى المشترك الذي ناقشناه سابقا: فالضمانات المتبادلة التي يوفرها الدال الرمزي لا تتحقق فعليا إلا عبر المؤسسات التي يفرضها البرنامج الأدنى نفسه.
هذه الوظيفة التوحيدية للدال الفارغ تحمل مع ذلك توترا بنيويا حقيقيا لا فائدة من إخفائه: فحين يزول العدو المشترك، أي حين تُفكك بنية الاستبداد الريعي التي وحدت الكتلة أصلا، يصبح كل طرف من أطرافها مطالبا بالكشف عن المحتوى الذي كان يخفيه خلف الدال المشترك، واللحظة التي تنكشف فيها هذه المحتويات المتناقضة قد تتحول هي نفسها إلى لحظة انقسام جديد. المثال السوداني بعد عام 2019 يوضح هذا الخطر بجلاء: فتحالف “قوى الحرية والتغيير”، الذي وحد الأحزاب السياسية والمهنيين وحركات مسلحة سابقة في مواجهة نظام البشير، بدأ يتصدع بمجرد الانتقال من مهمة إسقاط الخصم المشترك إلى مهمة توزيع السلطة الفعلية وإدارة وتيرة الإصلاح، حتى انتهى الأمر بانقلاب البرهان في تشرين الأول 2021 على ما تبقى من هذا التحالف[9]. هذا ليس عيبا يبطل صلاحية الأداة، بل هو الثمن النظري لأي تحالف واسع يتجاوز حدود طبقة أو أيديولوجيا واحدة، وما يخفف منه، كما أشرنا، هو أن البرنامج الأدنى نفسه يحول جزءا من هذا الخلاف المؤجل إلى نزاع مؤسسي يُدار عبر القانون لا عبر الاقتتال. الوظيفة الآنية والأكثر إلحاحا لهذا الدال، على أي حال، تتمثل في نزع سلاح محدد تملكه السلطة القائمة، لا في ضمان وحدة أبدية.
نزع السلاح الأيديولوجي الحاكم وتوحيد الفضاء النقدي
السلاح الذي تشير إليه الفقرة السابقة آلية حكم فعلية موثقة في أدبيات دراسة الاستقطاب الطائفي والهوياتي، لا مجرد مجاز بلاغي. ولا بد هنا من تمييز دقيق يمنع الخلط، فصّلته مساهمة سابقة على هذه المنصة: المذهب منظومة عقائدية تنتمي إلى البنية الفوقية، أما الطائفة فتنظيم اجتماعي ملموس ينتمي إلى البنية التحتية للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية ويتفاعل مع الدولة والسوق وموازين القوى. الانشقاق المذهبي بين السنة والشيعة قديم قِدَم الانقسام الإسلامي الأول، كما سبق ان فصلانه؛ أما الطائفية، أي انتقال هذا الانتماء من تضامن اجتماعي إلى أيديولوجيا سياسية تُنظّم الولاء والوظيفة العامة وتوزيع الفائض، فشأن آخر تماما: نتاج مباشر لشروط الواقع المادي والسياسي لا لاحتياجات إيمانية أو معرفية، صاغته وأعادت إنتاجه في كثير من الحالات عمليات سياسية وإدارية محددة التاريخ أكثر مما هو امتداد عفوي لخلاف عقدي قديم. هذا ما أظهرته دراسات تاريخية دقيقة لتشكل الهوية الطائفية بوصفها فئة سياسية شاملة في السياق العثماني المتأخر، حيث لم تكن الطائفية استجابة إسلامية للتحديث الغربي كما يُشاع، بل نتاجا معقدا لتفاعل الإصلاح الإداري مع التدخل الأجنبي والتنافس المحلي على الموارد[10]. نقل هذا الاستنتاج إلى الحالة الريعية المعاصرة يعني أن الاستقطاب الهوياتي الذي تغذيه السلطة اليوم ليس قدرا ثقافيا لا فكاك منه، بل أداة حكم قابلة، من حيث المبدأ، للتفكيك بقدر ما هي قابلة للتصنيع.
حين تتبنى الكتلة التاريخية دالها الرمزي الجامع وتلتزم ببرنامجها الأدنى، فإنها تسحب من يد السلطة تحديدا هذه الأداة: سلاح الفرز الهوياتي الذي يتيح لها، عند كل أزمة، أن تعيد توجيه الغضب الشعبي بعيدا عن سؤال توزيع الفائض نحو سؤال الهوية، بحيث يصبح الخصم السياسي، بمجرد اتهامه بالعلمانية المتطرفة أو الأصولية المتشددة، خصما يسهل عزله وتجريده من أي تعاطف عابر للطوائف. حين يرفض طرفا الكتلة، الديني والحداثي معا، الدخول في هذه اللعبة، ويصران على أن معيار الحكم هو الأداء الاقتصادي والمؤسسي لا درجة التدين، تفقد السلطة قدرتها على إعادة إنتاج هذا الانقسام بالفعالية نفسها. لا يعني هذا اختفاء الاستقطاب الهوياتي بين ليلة وضحاها، فالأدوات الأيديولوجية لا تُنزع بقرار إرادي وحده، لكنه يعني أن كلفة توظيفها سترتفع تدريجيا كلما ترسخت في الوعي الجماهيري معايير بديلة للمحاسبة السياسية.
النتيجة العملية لهذا التحول هي إعادة تشكيل الفضاء النقدي العام نفسه: فبدل جمهور مقسوم عموديا بحسب درجة القرب من الدين أو البعد عنه، يبدأ التشكل التدريجي لفضاء عام أفقي يحاكم فيه المواطنون البرامج والأداء لا الهويات، وهو الشرط الأولي، وإن لم يكن الكافي وحده، لأي تراكم سياسي جاد باتجاه دولة القانون. هذا التحول في معايير المحاسبة العامة هو الحلقة التي تربط البناء النظري والسياسي الذي ناقشناه بالسؤال الذي سيطرح مباشرة: أي مضمون مادي واقتصادي ملموس يفترض أن تحمله هذه الدولة المدنية بعد أن توفر لها إطارها التنظيمي والرمزي، وكيف تُترجم الشعارات الدستورية إلى إعادة توزيع فعلية للفائض الاقتصادي ذاته الذي انطلق منه الصراع كله.
[1]Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, ed. and trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York: International Publishers, 1971), 365–377.
[2]Hamza Alavi, “The State in Post-Colonial Societies: Pakistan and Bangladesh,” New Left Review I/74 (July–August 1972): 59–81.
[3]Perry Anderson, “The Antinomies of Antonio Gramsci,” New Left Review I/100 (November 1976–January 1977): 5–78.
[4]ستار جبار رحمن، “الحركة الطلابية من التهميش الوظيفي إلى الطليعة الثورية”، رؤى شرق أوسطية، 2025، https://mevp.ecmes.academy/sattar/5443/.
[5]المصدر نفسه.
[6]ستار جبار رحمن، “الكمبرادور الجديد: قراءة في تحوّل وظائف اليسار”، رؤى شرق أوسطية، 16 مايو 2025.
[7]كارل كاوتسكي, الصراع الطبقي: برنامج إرفورت (1892).
[8]Ernesto Laclau, On Populist Reason (London: Verso, 2005).
[9]Sharan Grewal, “How Democracy Can Win Out in Sudan,” Journal of Democracy, Online Exclusive, November 22, 2021.
[10]Ussama Makdisi, The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon (Berkeley: University of California Press, 2000).
