أغلقت الدراسة السابقة قوسها على استنتاج يستحق التوقف عنده قبل الشروع في أي مقارنة: لا كنيسة تُصادر أرضها في التاريخ الإسلامي، ولا إقطاعاً دينياً بالمعنى الأوروبي الدقيق قابلاً للمصادرة أصلاً. لكن غياب هذا الطرف بالذات لا يعني غياب الاحتكار على الفائض، بل يعني أن شكله مختلف جذرياً، وهذا بالضبط ما يفرض علينا أن نبدأ من نقض التشابه قبل البحث عن القياس، لا أن يستنسخ ثالوث “لحظة الصراع” الأوروبي ويُسقطه على تربة لم تُنتجه.
المهمة هنا إذن ليست تطبيق القالب الأوروبي بتعديلات طفيفة، بل إعادة بناء عناصر الأداة الثلاثة من الصفر انطلاقاً من الشروط المادية الفعلية للتاريخ الإسلامي: من يحتكر الفائض إن لم تكن هناك كنيسة تحتكره؟ وبأي آلية يُصان هذا الاحتكار إن لم يكن ثمة جهاز جبائي وقضائي كنسي مواز للدولة؟ وما الغطاء الأيديولوجي الذي يحميه إن لم يكن لاهوتاً مؤسسياً منفصلاً عن السلطة الزمنية؟
نتتبع هنا الإجابة عبر أربع مسارات متتالية: يبدأ بإثبات الغياب البنيوي لمؤسسة كهنوتية مستقلة في القسم الأول، لينتقل في القسم الثاني إلى تفكيك العلاقة بين الفقيه والوقف كبديل عن العلاقة بين الكاهن والكنيسة، قبل أن يطرح في القسم الثالث السؤال الأعمق حول مركزية الدولة نفسها في الشرق مستعيناً بأطروحة نمط الإنتاج الآسيوي وحذرها المنهجي الضروري، لينتهي في القسم الرابع عند الوظيفة التي لعبها الخطاب الديني بديلاً عن الخصم الغائب: أداة دمج قومي وضبط سلطوي بيد الدولة المركزية ذاتها.
غياب البنية المؤسسية المستقلة للكهنوت
من يفتش في التاريخ الإسلامي الكلاسيكي عن كنيسة يمكن مصادرة أراضيها، عن بابا يُخلع من كرسيه، عن مجمع مسكوني يُصدر حرماناً كنسياً يُخرج المؤمن من رحمة الجماعة، فإنه يبحث عن كائن لم يولد قط. هذا ليس نقصاً تاريخياً ينتظر من يسدّه، ولا تخلفاً حضارياً يستدعي اعتذاراً أو تبريراً. إنه فارق بنيوي يعيد صياغة السؤال المركزي لهذا الكتاب من جذوره. فإذا كانت علمنة أوروبا، كما فُصّل سابقاً، عملية مصادرة مادية لخصم طبقي محدد الملامح، كنيسة تملك الأرض وتحتكر القضاء وتجبي العشور، فبأي معنى يُمكن الحديث عن مسار مماثل في فضاء لم يعرف هذا الخصم من الأساس؟ السؤال نفسه، حين يُطرح هكذا، يكشف عن مغالطة كامنة في كل محاولة لاستنساخ السردية الأوروبية على التربة العربية الإسلامية دون تعديل.
الجواب يبدأ من نقطة سلبية، لكنها نقطة سلبية شديدة الدلالة: انتفاء المؤسسة. لم يعرف التاريخ الإسلامي السني جهازاً كهنوتياً مركزياً يحتكر الوساطة بين المؤمن والمقدّس. لا سرّ اعتراف يمرّ حصراً عبر كاهن مرسوم، لا سلطة غفران مرتبطة بمنصب كنسي، لا تراتبية بابوية أسقفية قسّية تتوّجها إرادة إلهية معصومة عن الخطأ. الكنيسة الكاثوليكية بنت شرعيتها المؤسسية على عقيدة “الخلافة الرسولية”، أي أن كل أسقف يرث سلطته عبر سلسلة يد وضعتها يد أخرى وصولاً إلى بطرس نفسه، وهذا الإرث المؤسسي هو ما جعل من الحرمان الكنسي عقوبة سياسية بقدر ما هي عقوبة روحية: من يُطرد من هذه السلسلة يفقد الخلاص، ويفقد معه شرعيته الاجتماعية بأكملها. لا يوجد نظير لهذا في الفقه الإسلامي. الفقيه، أو المفتي، يستمد شرعيته من سلسلة إسناد معرفي، أي من أستاذه ومن أستاذ أستاذه وصولاً إلى النص المؤسس، لا من طقس ترسيم يمنحه سلطة روحية حصرية لا يملكها غيره. الإجازة العلمية التي يمنحها الشيخ لتلميذه ليست تنصيباً في منصب، بل شهادة كفاءة يمكن لطالب آخر أن ينالها من شيخ آخر، وأن ينازع بها الأول في أي مسألة. بعبارة أدق: الكنيسة تحتكر الوصول إلى المقدّس بوصفها مؤسسة، بينما يحتكر الفقيه تفسير النص بوصفه فرداً كفوءاً يمكن لفرد آخر أكفأ منه أن ينازعه الموقع في أي لحظة.
ولعل أوضح دليل مادي على هذا الفارق هو ما جرى في محنة خلق القرآن، حين حاول الخليفة العباسي المأمون، عام 833م، أن يفرض عقيدة رسمية للدولة (القول باعتزالي بخلق القرآن) عبر اختبار ولاء إجباري يُطبَّق على القضاة والمحدّثين. هنا بالذات تتضح المفارقة: الدولة هي من حاول أن يفرض عقيدة، لا مؤسسة دينية منافسة هي من فرضتها على الدولة. ومن قاوم هذا الإكراه، وأشهرهم أحمد بن حنبل الذي تحمّل السجن والجلد رفضاً للإقرار بالقول المفروض عليه، لم يكن يدافع عن امتيازات مؤسسة يملكها، بل عن موقف معرفي فردي متجذر في نص. لم يكن يدافع عن أرض ولا عن جيش ولا عن كرسي أسقفي، بل عن قراءة. هذه هي بالضبط طبيعة السلطة الفقهية في الإسلام السني: سلطة يمكن أن تصمد أمام الدولة أخلاقياً ومعرفياً، لكنها لا تملك قط القاعدة المادية المستقلة التي تحوّل هذا الصمود إلى منازعة سياسية فعلية على الأرض والفائض.
هذا الفارق ليس تفصيلاً عقدياً هامشياً. إنه يحدد، ماديّاً لا رمزياً، ما إذا كان ثمة خصم كنسي يستحق أن تُخاض ضده معركة العلمنة على الطريقة الأوروبية. بريان ترنر يذهب إلى أن قراءة ماركس نفسه للمجتمعات الإسلامية ظلّت أسيرة قالب استشراقي جاهز، افترض مسبقاً وجود بنية إقطاعية شرقية تكرر النموذج الأوروبي بأشكال متأخرة أو ناقصة، بدل أن تُقرأ خصوصية هذه المجتمعات من داخل علاقات إنتاجها الفعلية.[1] والمفارقة أن هذا القالب لا يزال يتكرر في الخطاب السياسي العربي المعاصر نفسه: يتصور بعض دعاة العلمانية أن ثمة كنيسة إسلامية خفية ينبغي إسقاطها كي يتحرر المجتمع، متجاهلين أن غياب هذا الخصم بالذات هو ما يفرض إعادة تعريف المعركة برمّتها، لا استيراد سيناريو أوروبي جاهز وفرضه على تربة لا تحتمله.
لا بل إن غياب الكنيسة، حين يُقرأ ماديّاً لا عقدياً، يكشف عن غياب أعمق منه: لم تنشأ في التاريخ الإسلامي طبقة رجال دين تملك مصلحة اقتصادية مستقلة عن الدولة تدفعها إلى منازعتها السيادة. وهذا وحده كافٍ لتفسير لماذا لم تنتج المجتمعات الإسلامية معادلاً لحروب الإصلاح الديني الأوروبية، ولا لثورات مصادرة الأملاك الكنسية التي غيّرت خريطة الملكية في أوروبا بأكملها. المعركة التي خيضت في أوروبا ضد خصم مادي محدد الملامح، يملك الأرض ويحتكر القضاء ويجبي الفائض، لم يكن لها في الفضاء الإسلامي خصم مكافئ تُخاض ضده. هذا لا يعني أن الفضاء الإسلامي كان خالياً من الصراع، بل يعني أن الصراع فيه اتخذ شكلاً آخر تماماً، سنتتبعه في الأقسام التالية.
نظام الأوقاف والإلحاق المالي والوظيفي للفقهاء
هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا لم يكن الفقيه كاهناً في جهاز لاهوتي، فمن موّله؟ وكيف عاش، وكيف مارس نفوذه دون أرض إقطاعية يملكها بصفته الشخصية أو بصفة مؤسسته؟ الإجابة تقع في مؤسسة الوقف، وهي أعقد من أن تُختزل في جملة واحدة.
الوقف منح الجماعة العلمية الفقهية استقلالاً مالياً نسبياً عن بلاط الخلفاء والسلاطين. حين أسس نظام الملك، وزير السلاجقة، المدارس النظامية في بغداد ونيسابور خلال ستينيات القرن الحادي عشر، أوقف عليها أراضي زراعية وعقارات تجارية تُصرف غلتها على المدرّسين وطلبة العلم بمعزل، ولو جزئياً، عن العطاء المباشر من خزينة الحاكم. القرن السادس عشر يقدّم مثالاً أضخم: مجمع السليمانية الذي بناه السلطان سليمان القانوني في إسطنبول لم يكن مسجداً فحسب، بل منظومة وقفية متكاملة ضمّت مدرسة، ومستشفى، وحماماً، ومطبخاً عاماً يطعم الفقراء، تُموَّل جميعها من ريع أوقاف موزعة على ولايات الإمبراطورية. من زاوية اقتصادية بحتة، هذا الترتيب يشبه ما بنته الكنيسة الأوروبية من ثروة عقارية هائلة. لكن الشبه يتوقف عند هذا الحد بالضبط.
فالوقف لم يتحول قط إلى إقطاع ذاتي السيادة يملك جيشاً أو قضاءً مستقلاً أو حق تتويج ملوك وخلعهم. ظلّ خاضعاً لرقابة الدولة عبر منصب الناظر، الذي كان غالباً موظفاً معيّناً أو مقرّباً من السلطة، وظل القاضي الذي يُشرف على منازعات الوقف معيّناً من السلطان لا منتخباً من جماعة دينية مستقلة عن الحاكم. الفارق هنا فارق سيادة لا فارق ثروة: الكنيسة كانت دولة داخل الدولة، تفرض عشورها وتقيم محاكمها وتُصدر قرارات تُلزم الملوك أنفسهم، بينما كان الوقف مؤسسة مالية داخل الدولة، مهما اتسعت أملاكه.
مكسيم رودنسون، في نقده لأطروحة ماكس فيبر التي تفترض عداءً بنيوياً بين الفقه الإسلامي وتراكم رأس المال، يبيّن أن النصوص الاقتصادية الإسلامية الكلاسيكية لم تجد صعوبة في تسويغ التجارة والربح، بل طوّرت أدوات تعاقدية كالمضاربة والقراض تخدم حركة رأس المال التجاري بكفاءة لا تقل عن نظيراتها الأوروبية.[2] وما أعاق نشوء طبقة دينية مستقلة سياسياً، بحسب هذه القراءة، لم يكن عداءً عقدياً للمال أو الربح، بل غياب قاعدة سلطة مستقلة تحوّل هذا المال المتراكم في الأوقاف إلى نفوذ سياسي منازع للدولة. بعبارة أخرى: لم يكن الفقيه فقيراً بالضرورة، وربما كان بعضهم أثرى من كثير من الأمراء، لكنه كان دوماً موظفاً محتملاً أكثر منه إقطاعياً فعلياً.
هذا الاحتواء تعمّق تاريخياً بدل أن يخفّ. الدولة العثمانية، حين مأسست جهازها العلمي تحت مشيخة الإسلام في القرن السادس عشر، حوّلت الفقهاء إلى سلك وظيفي هرمي كامل الملامح: طالب علم يترقى إلى مدرّس، فقاضٍ عسكر، فشيخ إسلام، برتب ورواتب ونقل وترقية تُقرَّر من الباب العالي لا من جماعة علمية مستقلة. شيخ الإسلام نفسه، رغم مكانته الرمزية العليا وسلطته في إصدار الفتاوى التي تُشرعن أو تُبطل قرارات السلطان، كان يُعزل بإرادة سلطانية، تماماً كما يُعزل أي وزير، وقد عُزل أكثر من شيخ إسلام عثماني بجرة قلم واحدة. وحين وصلت الدولة الحديثة إلى تمام نضجها البيروقراطي في القرن العشرين، لم تكن بحاجة إلى مصادرة عنيفة على الطريقة الفرنسية أو الإنجليزية، لأن الوقف كان أصلاً خاضعاً لإشرافها منذ قرون طويلة. ما جرى في مصر عام 1952، حين ألغى قانون رقم 180 الصادر عن الدولة الثورية آخر ما تبقى من استقلالية الوقف الأهلي، أي الوقف الذي كان يُستخدم أداة لتوريث الثروة داخل العائلة بمعزل عن قوانين الميراث العامة، لم يكن معركة ضد خصم مستقل يقاوم بجيش أو بقضاء موازٍ. كان تصفية إدارية لبقايا استقلال مالي جزئي كانت الدولة تراقبه أصلاً منذ قرون، ولم يكن يحتاج أكثر من توقيع لإنهائه. لم تُصادَر كنيسة. أُمِّم ما تبقى من هامش.
نمط الإنتاج الآسيوي ومركزية الدولة في الشرق
يبقى سؤال أعمق معلّقاً بعد كل ما سبق: لماذا كانت الدولة، لا أي فاعل اجتماعي آخر، هي المتحكم الأول في الفائض منذ البداية؟ لماذا لم تنشأ في الشرق طبقة أرستقراطية مستقلة تنازع الحاكم على الأرض، كما نازعت الأرستقراطية الإقطاعية الأوروبية ملوكها قروناً طويلة؟
الطريف أن ماركس نفسه بدأ يتلمس إجابة عن سؤال مشابه في يونيو 1853، وهو يقرأ كتاب الرحالة الفرنسي فرانسوا برنييه عن الهند المغولية. كتب لإنجلز في رسالته المؤرخة الثاني من يونيو من تلك السنة أن برنييه يرى بحق أن كل مظاهر الشرق، من تركيا إلى فارس إلى الهند، تشترك في أساس واحد هو غياب الملكية الخاصة للأرض، وأن هذا هو “المفتاح الحقيقي حتى للسماء الشرقية” كما وصفه بلغته الساخرة المعتادة.[3] أجابه إنجلز بعد أيام محاولاً تفسير السبب بعوامل مناخية وبيئية، امتداد الصحاري من الصحراء الكبرى عبر الجزيرة العربية وفارس والهند حتى أواسط آسيا، وهي محاولة تفسيرية سرعان ما ستكشف حدودها لاحقاً. لكن الفكرة المركزية بقيت: حيث تتوقف الزراعة على شبكات ري كبرى يستحيل على قرية أو إقطاعية منفردة أن تديرها، تفرض الشروط المادية نفسها مركزية إدارية مبكرة. من يتحكم بمفاتيح الماء يتحكم بمفاتيح الفائض، والدولة، لا أي طبقة وسيطة، هي من يحتكر هذا التحكم منذ اللحظة الأولى.
كارل فيتفوغل طوّر هذه الفكرة لاحقاً، وبتفصيل مثير، في دراسته الضخمة “الاستبداد الشرقي” الصادرة عام 1957، حين وصف ما أسماه “المجتمعات الهيدروليكية” التي تتحول فيها الدولة إلى مالك أول للأرض والفائض معاً، بلا وسيط طبقي يحجب سلطتها المباشرة عن المنتج الفعلي.[4] والمفارقة التي تستحق أن تُروى هنا أن فيتفوغل نفسه كان شيوعياً ألمانياً سابقاً اعتُقل في معتقلات هتلر النازية، قبل أن ينقلب في الحرب الباردة إلى واحد من أشرس خصوم الشيوعية الفكريين، مستخدماً مفهوم ماركس نفسه عن الاستبداد الشرقي سلاحاً موجهاً ضد الاتحاد السوفييتي، الذي وصفه بأنه تجسيد حديث لتلك “الحضارات الهيدروليكية” الاستبدادية. حين تلتفت أداة ماركسية بيد صاحبها السابق لتُستخدم ضد الماركسية نفسها، يستحق هذا الالتفات وقفة نقدية، لا تبنياً ساذجاً ولا رفضاً كاملاً.
وهذا بالضبط ما يستدعيه هذا التفسير: حذراً منهجياً شديداً قبل تبنيه. فقد استُخدم، في سياق الحرب الباردة تحديداً، لتبرير خطاب استشراقي جاهز يرى الشرق محكوماً بقدر استبدادي أزلي لا فكاك منه، وهو خطاب يُسقط التاريخ من الحساب لصالح جغرافيا متخيلة ثابتة لا تتغير منذ آلاف السنين. ترنر نفسه، في نقده الذي أشرنا إليه سابقاً، ينبّه إلى أن ماركس، حين كتب عن نمط الإنتاج الآسيوي، لم يكن بريئاً تماماً من هذا الإرث الاستشراقي الذي ورثه عن اقتصاديين ومستشرقين سبقوه، وأن استعادة هذا المفهوم اليوم تستوجب تفكيكه أولاً من حمولته الأوروبية المركزية قبل توظيفه أداة تحليل جادة.[5] بيري أندرسون يذهب أبعد من ذلك في ملحقه المخصص لهذا المفهوم في كتابه “سلالات الدولة المطلقة”، فيرى أن مصطلح “نمط الإنتاج الآسيوي” نفسه هش نظرياً إلى درجة تستدعي التعامل معه بوصفه أداة إشارة تقريبية لا قانوناً تاريخياً صارماً، بل يقترب من الدعوة إلى التخلي عنه بصيغته الحرفية. لكنه، رغم هذا التحفظ الحاسم، يوافق على أن غياب سيادة مجزّأة على النمط الأوروبي، حيث يملك كل بارون إقطاعي جيشه وقضاءه وأرضه في آن واحد بمعزل نسبي عن الملك، سمة حقيقية تميّز تاريخ الدولة في الفضاءين الإسلامي والصيني معاً، وتستحق أن تُدرس بجدية بمعزل عن المصطلح المتنازع عليه.[6]
الخلاصة التحليلية، بعد هذا التحفظ المنهجي الضروري، أن الدولة في السياق العربي الإسلامي لم تنشأ أداة بيد طبقة اقتصادية سابقة عليها كما تنشأ الدول عادة في القراءة الماركسية الكلاسيكية للتاريخ الأوروبي، بل نشأت هي نفسها الفاعل الاقتصادي الأول الذي يوزّع الفائض قبل أن تتشكل الطبقات المستقلة القادرة على منازعته أصلاً. هذا ليس استثناءً من قانون الصراع الطبقي يُفرغه من محتواه، بل صيغة مختلفة له تستحق أن تُصاغ بدقتها الخاصة: صراع يدور حول الدولة لا ضدها، لأن لا أحد خارجها يملك موطئ قدم اقتصادياً مستقلاً يكفي لتحدّيها من الأساس. هذا نمط بنيوي متكرر لا جوهر حضاري ثابت: ما يتوارث عبر العصور هو موقع الدولة من توزيع الفائض، لا مضمون هذا الفائض ولا مصدره، وهو تمييز سيتضح أثره الحاسم حين يتغير مصدر الثروة جذرياً في القرن العشرين.
توظيف الخطاب الديني كآلية دمج قومي وضبط سلطوي
من هذه المركزية تحديداً ينبثق الدور الوظيفي للخطاب الديني، وهو دور مختلف جذرياً عمّا لعبه الدين في أوروبا الإقطاعية. الكنيسة هناك كانت خصماً للدولة الحديثة الناشئة، تنازعها الأرض والقضاء والولاء، وكان لا بد من إسقاطها أو تدجينها كي تقوم الدولة القومية الحديثة على أنقاضها. أما في السياق العربي، فقد كانت الدولة المركزية تقف أصلاً فوق نسيج اجتماعي مفتت عشائرياً وقبلياً، بلا رابطة أفقية طبيعية توحّده تلقائياً. الدين هنا لم يكن الخصم الذي يجب إسقاطه، بل كان اللغة السيادية التي توسّلت بها الدولة نفسها لدمج هذا التفتت في جسم سياسي واحد.
ابن خلدون، قبل أي منظّر حديث، كان قد لاحظ هذه الآلية بدقة مذهلة في مقدمته: العصبية القبلية وحدها، مهما اشتدت، تظل محدودة النطاق، محكومة بالغيرة المتبادلة بين رؤساء البطون المتنافسة على الزعامة. أما حين تلبس هذه العصبية لبوس الدعوة الدينية، فإنها تتحول من رابطة قبيلة صغيرة إلى قوة قادرة على تأسيس ملك واسع، لأن الدين يُذهب التنافس والتحاسد بين الرؤساء ويُخضعهم جميعاً لغاية واحدة تعلو على مصالحهم الفردية المتصارعة. هذا بالضبط ما تكرر عبر التاريخ الإسلامي: الدعوة الدينية بوصفها مضاعِفاً للعصبية القبلية، لا بديلاً عنها ولا خصماً لها.
محمد عابد الجابري يقترح في قراءته النقدية للعقل السياسي العربي أن هذا العقل يتشكل تاريخياً حول ثلاثة محددات متشابكة لا ينفصل أحدها عن الآخرين: القبيلة والغنيمة والعقيدة.[7] وقراءة هذا الثالوث من زاوية مادية، لا من الزاوية الإبستمولوجية التي يفضّلها الجابري نفسه في تحليله، تكشف شيئاً بالغ الدلالة لهذا الكتاب تحديداً. القبيلة هي البنية الاجتماعية المفتتة التي تحتاج الدولة إلى تجاوزها كي تقوم أصلاً. العقيدة هي اللغة التي توسّلت بها الدولة لتحقيق هذا التجاوز ودمج المفتت في كل واحد. أما الغنيمة، أي الفائض الاقتصادي المُحتكَر، فهي الجائزة التي من أجلها خِيض الصراع كله منذ البداية. هذا الثالوث، حين يُنزع عنه غلافه الثقافوي ويُقرأ بعين مادية، يعيد إنتاج الأداة التحليلية المركزية لهذا الكتاب بلغة أخرى تماماً: خصم يحتكر الفائض، ولغة تُشرعن احتكاره وتحميه من المساءلة، وقوى اجتماعية مؤجلة تنتظر لحظتها لتنازعه هذا الاحتكار.
خطبة الجمعة التي يُذكر فيها اسم الحاكم، والسكّة التي تُضرب باسمه على العملة المتداولة، ليستا طقساً دينياً محضاً بأي معنى بسيط، بل إعلان سيادة يستعير المفردة الدينية ليمنح شرعية زمنية غطاء مقدساً لا يُناقَش. من يُخطب باسمه في المنابر يُعترف به حاكماً شرعياً في نظر العامة، ومن يُخلع اسمه من الخطبة يفقد شرعيته السياسية قبل أن يفقد جيشه فعلياً على أرض المعركة، وهذا ما فهمه كل من تنازع على السلطة في التاريخ الإسلامي جيداً، من الفتنة الأولى إلى أدق تفاصيل الصراع العثماني الصفوي على من يملك حق الخطبة في المدن المتنازع عليها. هذه آلية سيطرة رمزية فعّالة للغاية لا تحتاج كنيسة منافسة لكي تعمل، لأنها لا تصادر سلطة مؤسسة قائمة أصلاً بمعزل عن الدولة، بل تصوغ سلطة الدولة نفسها بمفردات مقدسة تجعل التشكيك فيها تشكيكاً في أمر يتجاوز السياسة.
والنتيجة أن صراع التحرر السياسي في هذا الفضاء لم يتخذ يوماً، ولن يتخذ، شكل “الدولة ضد الكنيسة” الذي عرفته أوروبا. اتخذ شكلاً مختلفاً كليّاً منذ البداية: من يحتكر تفسير الخطاب الديني يحتكر أداة الشرعية ذاتها، وبالتالي فإن المعركة الفعلية ليست معركة ضد المؤسسة الدينية بما هي كذلك، إذ لا مؤسسة مستقلة أصلاً لتُخاض المعركة ضدها، بل معركة ضد احتكار السلطة السياسية لحق تعريف ما هو ديني وما هو غير ديني، ولحق توزيع هذا التعريف على من يشاء ومنعه عمّن يشاء. فالدولة التي احتكرت تفسير الدين قروناً طويلة ستحتكر، حين يتغير مصدر ثروتها جذرياً في القرن العشرين، تفسير الريع بالمنطق البنيوي ذاته تماماً، وهذا ما سنحاول استكشافه.
[1]Bryan S. Turner, Marx and the End of Orientalism (London: Allen & Unwin, 1978), 89–93.
[2]Maxime Rodinson, Islam and Capitalism, trans. Brian Pearce (London: Allen Lane, 1974).
[3]كارل ماركس إلى فريدريك إنجلز، 2 يونيو 1853، في: Marx-Engels Correspondence 1853، https://www.marxists.org/archive/marx/works/1853/letters/53_06_02.htm
[4]Karl A. Wittfogel, Oriental Despotism: A Comparative Study of Total Power (New Haven: Yale University Press, 1957).
[5]Turner, Marx and the End of Orientalism, 91.
[6]Perry Anderson, Lineages of the Absolutist State (London: NLB, 1974; repr. London: Verso, 2013), 462.
[7]محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، 104-109.
