جهاز جبائي مرهق، وقانون كنسي يحتكر القضاء، وحصانة إكليريكية تُعطّل السوق: هذا ما سبق رصدناه، آلية احتكار متكاملة تمسك بخيوط الاقتصاد والقانون معاً. لكن الآلية وحدها، مهما بلغت إحكامها، لا تُفسّر سقوطها. البنى الاحتكارية لا تنهار من ثقل تناقضاتها الداخلية فقط، هي تحتاج من يدفعها فعلاً: طبقة بعينها، بمصلحة واضحة، وقوة كافية لتحويل تلك المصلحة إلى سياسة. وذلك المضي في تحليله. لم نعرف بعد من الذي أنهى حكم الكنيسة الاقتصادي فعلياً على الأرض الأوروبية، ولا كيف تحوّل انتصاره من واقعة اقتصادية إلى نظام سياسي كامل يحمل اسم العلمانية.
هنا يكتمل الثالوث التحليلي الذي يقود هذا الكتاب كله. عُرّف المحتكر: كنيسة تملك الأرض وتحصد الفائض الزراعي باسم السماء. وشُرّحت آلياته الاقتصادية والقانونية: جهاز جبائي، وقانون كنسي، وحصانة قضائية، ثلاثتها تحمي الاحتكار من أي مساءلة دنيوية. يبقى الطرف الثالث وحده غائباً عن الصورة: الفاعل الاجتماعي الذي حمل السلاح ضد هذا الاحتكار، ولماذا كان هو تحديداً من فعل ذلك دون سواه.
التناقض البنيوي بين المانيفاكتورة والقيود الإقطاعية
المانيفاكتورة لا تشبه الورشة الإقطاعية في شيء عدا الاسم فقط. حين بدأت المنشآت الصناعية البدئية تتوسع في أواخر العصور الوسطى، صادفت عائقاً ليس تقنياً بل قانونياً بحتاً: القِنّ مربوط بالأرض، ولا يبيع قوة عمله لسبب بسيط، هو أنه لا يملكها أصلاً. شخصه موزّع الملكية بين السيد الإقطاعي الذي يفرض عليه السخرة والريع العيني، والكنيسة التي تجبيه العُشر وتُلزمه بتقويم ديني يحدد أيام عمله وراحته. كلا الطرفين يستمد من تثبيت الفلاح جغرافياً ضمانة استمرار دخله. المصنع الناشئ، في المقابل، يطلب العكس تماماً: يداً عاملة قابلة للتنقل من قرية إلى مدينة، قابلة للتسريح في موسم الكساد وللتشغيل المكثف في موسم الرواج، تُدفع أجرتها بالساعة أو باليوم لا بالفريضة الموسمية.
يُضاف إلى هذا عائق آخر أقل حضوراً في الأدبيات الشعبية لكنه لا يقل أهمية: نقابات الحرف. فالحِرَف في المدينة نفسها كانت محكومة بأنظمة طائفية صارمة تحدد من يحق له تعلم صنعة بعينها، وكم قطعة يُسمح له بإنتاجها، وبأي جودة وسعر، وهذه الأنظمة كانت في غالب الأحيان مرتبطة عضوياً بالكنيسة والسلطة الإقطاعية معاً، عبر أعياد القديسين التي تحدد أيام العمل، وعبر مباركة كنسية تمنح كل نقابة شرعيتها. المانيفاكتورة إذن لم تواجه خصماً واحداً بل جبهة مزدوجة: قيداً على الأرض يمنع تدفق الأيدي العاملة، وقيداً على المدينة يمنع تطوير الإنتاج وتوسيعه بحرية.
هذا ليس صداماً بين “الحديث” و”القديم” بالمعنى الثقافي الفضفاض الذي اعتاد الخطاب الليبرالي ترديده حين يتحدث عن “التقدم” و”التنوير” وكأنهما قوتان مجردتان تصارعان الظلام. إنه تناقض في علاقات الملكية نفسها: من يملك قوة العمل، ومن يقرر شروط بيعها. وما يكشفه ماركس في تحليله لما يسمّيه “التراكم البدئي لرأس المال” هو أن هذا التناقض لم يُحلّ بالتفاوض أو بالتطور العضوي البطيء كما تحب الرواية التطورية أن تصوره، بل بعملية قسرية سلبت الفلاح أرضه وحوّلته، رغماً عنه، إلى بروليتاري “حر” وخارج عن القانون في الوقت ذاته.[1] حر بمعنى واحد فقط: لا يملك شيئاً سوى قوة عمله، فلا خيار أمامه غير بيعها. الحرية هنا ليست منحة تاريخية سخية، هي نزع ملكية اكتسى بغطاء قانوني أنيق.
الصعود السياسي للبرجوازية كحامل طبقي للتغيير
لم تنتصر العلمانية بقوة حجتها الفلسفية، ولا لأن مفكري التنوير كانوا أكثر ذكاءً من رجال الدين الذين سبقوهم. لهذا الافتراض بالذات، أن الأفكار الصائبة تفرض نفسها بمعزل عن حامليها الاجتماعيين. وما ينطبق هناك على “الدولة المدنية” ينطبق هنا بالحرفية ذاتها على “العلمانية”. الفكرة احتاجت طبقة تملك مصلحة موضوعية مباشرة في تعميمها، وتنظيماً كافياً، ومالاً كافياً، وفي النهاية سلاحاً كافياً لفرضها على من يرفضها.
هذه الطبقة هي البرجوازية الصاعدة، ومسارها ليس قفزة مفاجئة بل تراكم بطيء يتحول في لحظة معينة إلى مطلب سياسي صريح. يبدأ الأمر بتجار وحرفيين يراكمون رأس مال متواضعاً عبر التجارة البعيدة والصناعة المنزلية، ثم يكتشفون، جيلاً بعد جيل، أن هذا التراكم مهدد باستمرار بمشيئة ملك يستطيع مصادرة أموالهم، أو بمحكمة كنسية تبت في نزاعاتهم التجارية وفق منطق لاهوتي لا يفهم القرض بفائدة. عندها فقط تتحول المطالب من “دعونا نتاجر بحرية” إلى “دعونا نحكم”. يتتبع إنغلز هذا التحول بدقة في تأريخه لما يسمّيه “الطبقة الوسطى الإنجليزية”: من نقابات تجارية محلية تفاوض التاج على امتيازات صغيرة، إلى قوة سياسية تواجهه مباشرة في البرلمان، ثم في ساحة الحرب.[2] شهدت إنجلترا هذا التحول في صورته العنيفة أثناء الحرب الأهلية التي انتهت بإعدام الملك تشارلز الأول عام 1649، وشهدته فرنسا بعد قرن ونصف حين أطاحت الثورة بالنظام القديم بأكمله. المسار ليس متطابقاً بين البلدين، لكن جوهره واحد: البرجوازية تبدأ اقتصادية بحتة، تراكم رأس المال وتطالب بحرية التجارة، ثم تكتشف أن تراكمها مرهون بإعادة صياغة الدولة ذاتها، بقوانينها ومحاكمها وتحالفاتها الدينية.
ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها هنا. في مرحلتها الأولى، لم تكن البرجوازية علمانية بالضرورة، بل استخدمت الدين نفسه سلاحاً أيديولوجياً ضد الكنيسة الرسمية. لم يكن هذا تديّناً موازياً، كان لاهوتاً مفصَّلاً على مقاس مصلحة طبقية بعينها. عقيدة كالفن في القضاء والقدر، كما يلاحظ إنغلز، لم تكن سوى الترجمة الدينية لواقع تجاري صرف: النجاح أو الفشل في عالم المنافسة لا يحكمه اجتهاد الفرد بل قوى اقتصادية خارجة عن إرادته، فجاء مذهب يجعل الخلاص مُقرَّراً سلفاً بمشيئة لا تُناقَش ليطابق هذا الواقع لا ليفسّره من خارجه.[3] هذه قراءة معكوسة تماماً لما سيطرحه فيبر لاحقاً حين يجعل من الأخلاق البروتستانتية سبباً لنشوء الرأسمالية: هنا الرأسمالية التجارية الصاعدة هي التي أنتجت لاهوتها المناسب، لا العكس. وفّرت هذه العقيدة للتاجر الصاعد غطاءً روحياً لتراكم ثروة كان محرّماً ضمنياً في اللاهوت الكاثوليكي التقليدي، وهو ما سبق تناولناه حين تحدثنا عن تحريم الربا كعقبة أمام التراكم البدئي. العلمانية إذن لم تولد من فراغ ديني، بل من صراع بين لاهوتين، قبل أن تتجاوزهما معاً لاحقاً نحو قانون وضعي لا يحتاج غطاءً دينياً من أي نوع.
يقدّم بيري أندرسون تفصيلاً نظرياً مهماً لهذا المسار حين يلاحظ أن الدولة المطلقة في أوروبا الغربية، وإن كانت قد تأسست أصلاً كإعادة تجميع للسلطة الإقطاعية في مواجهة الفلاحين، فإنها “أُفرِط في تحديدها ثانوياً بصعود برجوازية حضرية”.[4] الكلمة المفتاح هنا هي “ثانوياً”: أندرسون لا يختزل الدولة المطلقة إلى أداة بيد البرجوازية منذ اليوم الأول، وهذا تحفظ منهجي ينبغي احترامه لا القفز فوقه. لكن حتى حين لم تكن البرجوازية صانعة الدولة المباشرة، كان حضورها الاقتصادي المتنامي يفرض نفسه كمتغير لا تستطيع السلطة المطلقة تجاهله: تحتاج قروضها، وتحتاج ضرائبها غير المباشرة على التجارة، وتحتاج خبرتها الإدارية في تسيير جهاز بيروقراطي متضخم. هذا ما يجعل قراءة الصراع كمواجهة “علمانيين” ضد “رجال دين” قراءة سطحية إلى حد بعيد. التنافس الحقيقي كان بين من يملك الأرض بامتياز إقطاعي كنسي، ومن يطالب بأن تُدار الدولة كلها بما يخدم تراكم رأس المال، سواء تدثر هذا المطلب بثوب ديني أو علماني.
مصادرة الأملاك الكنسية كضرورة لتحرير السوق
النقطة التي تتكشف فيها طبيعة الصراع بلا أي غموض هي لحظة المصادرة. حين تحل الدولة البرجوازية الأديرة في إنجلترا، أو تصادر الجمعية التأسيسية الفرنسية أملاك الكنيسة عام 1789، فإن ما يجري ليس عقاباً لرجال الدين، ولا انتقاماً علمانياً من الغيب كما تحب بعض الروايات الشعبوية أن تصوره. إنه، وفق وصف ماركس الدقيق، إحدى الأساليب “الرعوية” (بالمعنى الساخر الذي قصده) التي تراكم بها رأس المال بدئياً، إلى جانب سرقة الأراضي المشاع ونهب أملاك الدولة، عبر تحويل الملكية الإقطاعية والعشائرية إلى ملكية خاصة حديثة “تحت وطأة إرهاب صريح”.[5]
الحالة الإنجليزية توضح الآلية بأكبر قدر من الدقة العددية المتاحة. حين أعلن هنري الثامن قطيعته مع روما عام 1534، وأصدر قانوني حل الأديرة عامي 1536 و1539، لم يكن الأمر خلافاً لاهوتياً حول الطلاق فحسب كما ترويه كتب التاريخ المدرسية غالباً، بل كان عملية استحواذ اقتصادي هائلة الحجم. أكثر من ثمانمئة دير وكنيسة وقفية أُغلقت خلال أربع سنوات فقط، وانتقلت إلى التاج أراضٍ تقدّر المصادر بنحو ربع مساحة الأرض الصالحة للزراعة في إنجلترا. لم يحتفظ التاج بها طويلاً، فقد بيع القسم الأكبر منها خلال سنوات قليلة إلى طبقة صاعدة من التجار والمحامين والفلاحين الأثرياء، بأسعار مخفّضة غالباً، لأن الهدف لم يكن الربح بقدر ما كان شراء ولاء سياسي لطبقة جديدة من ملاك الأرض. يذكّرنا ماركس أن الكنيسة الكاثوليكية كانت “المالك الإقطاعي لقسم كبير من أرض إنجلترا” عشية الإصلاح الديني، وأن حلّ الأديرة قذف بنزلائها إلى صفوف البروليتاريا، بينما وُزّعت أملاكها على أعيان طامعين أو بيعت بأثمان بخسة لمضاربين طردوا المستأجرين القدامى جملة وتفصيلاً.[6] هذا ليس تفصيلاً هامشياً في تاريخ العلمانية، بل لحظتها التأسيسية الفعلية.
فرنسا، بعد قرنين ونصف تقريباً، كررت العملية بأدوات أكثر مركزية وسرعة. في الثاني من نوفمبر 1789، صوّتت الجمعية التأسيسية، بناءً على اقتراح تاليران نفسه، أسقف أوتان قبل أن يتحول إلى دبلوماسي الثورة، على وضع كل أملاك الكنيسة “تحت تصرف الأمة”. كانت هذه الأملاك تمثل نحو عُشر الأراضي القابلة للزراعة في فرنسا كلها، وبيعت تدريجياً بوصفها “أملاكاً وطنية”، مموَّلة بورقة نقدية جديدة اسمها “الأسينيا” ضُمنت بقيمة هذه الأراضي بالذات. النتيجة كانت مطابقة للنموذج الإنجليزي رغم اختلاف الأدوات القانونية: ثروة عقارية ضخمة، كانت مجمّدة قروناً تحت إدارة كنسية بطيئة الحركة، تحوّلت فجأة إلى سلعة سائلة، اشتراها بالدرجة الأولى من يملك المال الجاهز، أي البرجوازية، وبعض الفلاحين الأكثر يسراً القادرين على المزايدة.
هنا يظهر الفارق الحاسم بين تفكيك الاحتكار الكنسي وتفكيك أي احتكار آخر: المصادرة لا تُلغي فقط سلطة قانونية، كما في حالة القانون الكنسي، بل تحرّر مادة اقتصادية كانت مجمّدة قروناً بحكم الوقف الديني الذي يمنع بيع أرض الكنيسة أو رهنها أصلاً. من هنا فقط تُفهم سرعة التراكم الرأسمالي بعد موجات المصادرة الكبرى في كلا البلدين. لم يكن نمواً عضوياً بطيئاً كما تحب الرواية الليبرالية أن تتخيله، بل كان انفجاراً ناتجاً عن ضخّ فجائي لأصول عقارية ضخمة في سوق كانت تفتقر إليها افتقاراً حاداً.
العلمانية الغربية كبنية فوقية لنمط الإنتاج الرأسمالي
بعد أن تُنزع الأرض من الكنيسة ويُعاد توزيعها، يبقى سؤال لا يمكن تأجيله: من يضبط الفضاء العام الذي كانت الكنيسة تحتكر تنظيمه؟ من يسجل الزواج، ومن يفصل في الميراث، ومن يحمي عقد البيع الجديد من مطالبة قد يرفعها وريث كنسي قديم بحجة أن الأرض “وقف لا يجوز بيعه”؟ الجواب البرجوازي على هذا السؤال هو العلمانية بصيغتها الغربية الناضجة، لا كحياد فلسفي تجاه الدين كما تصوره كتب التربية المدنية، بل كبنية قانونية وسياسية جديدة تحل محل السيادة الكنسية بسيادة الدولة، وتحل محل الشرعية الإلهية بشرعية العقد والقانون الوضعي. القانون المدني الفرنسي الذي أقرّه نابليون عام 1804 خير مثال على هذا التحول، قانون علماني بالكامل، يحمي الملكية الخاصة ويضبط عقود البيع والإرث والزواج المدني، أُصدر بعد خمس عشرة سنة فقط من مصادرة أملاك الكنيسة، وكأنه الغطاء التشريعي الطبيعي لتلك المصادرة.
هذه البنية تخدم غرضاً محدداً: حماية الملكية الخاصة المستحدثة من أي مطالبة قد يستعيدها الخطاب الديني بحجة العدالة الإلهية أو التكافل الكنسي القديم. الدولة المحايدة دينياً هي، من هذه الزاوية، الحارس الأكثر كفاءة لعملية إعادة توزيع الثروة التي أنجزتها المصادرة، لأنها تمنع أي جهة، بما فيها الكنيسة السابقة نفسها، من التذرع بسلطة متعالية لمساءلة توزيع جديد للملكية تمّ بالقوة لا بالإجماع. وهذا بالضبط ما يفسّر لماذا لم يكن كافياً الإبقاء على الغطاء الكالفيني نفسه بعد أن أدّى وظيفته الأولى في تبرير التراكم المبكر: فأي غطاء ديني، ولو بروتستانتياً موالياً للتجارة، يظل عرضة لإعادة تأويل مضاد يهدد الملكية ذاتها التي شرّعها في البداية؛ الحياد التام وحده هو ما يُقفل هذا الاحتمال نهائياً. والأهم من ذلك أن هذه البنية لا تفرض نفسها بالقمع وحده، بل تتحول عبر أجيال إلى ما يمكن تسميته “الحس المشترك” الجديد: مدرسة علمانية، ومحكمة علمانية، وصحافة علمانية، تُنتج جميعها تصوراً بديهياً عن الملكية والعائلة والفرد يبدو طبيعياً لا مفروضاً. هذا بالضبط ما تحمله فكرة الهيمنة عند غرامشي حين يميّز بين السيطرة بالقوة والسيطرة بالإقناع: العلمانية البرجوازية أنجزت الاثنين معاً، مصادرة بالسلاح حين احتاج الأمر، ثم تربية بالمدرسة حين لم يعد يحتاج.
العلمانية إذن ليست تحرراً من الأيديولوجيا بقدر ما هي استبدال أيديولوجيا كانت تخدم الاحتكار الإقطاعي الكنسي بأخرى تخدم التراكم الرأسمالي الصاعد. ووظيفتها الطبقية هذه لا تُلغي محتواها الحقوقي، فحرية الاعتقاد والمساواة أمام القانون وفصل السلطة الزمنية عن الروحية مكاسب حقيقية لا ينبغي التقليل منها بذريعة أنها خدمت طبقة بعينها. لكنها تفسّر لماذا نشأ هذا المحتوى الحقوقي في هذه اللحظة بالذات، لا قبلها بقرن ولا بعدها بقرن. الأفكار لا تنتظر دورها في الطابور التاريخي لتظهر حين يحين وقتها الفلسفي، هي تظهر حين تحتاجها طبقة قادرة على فرضها، انها دائماً مرتبطة بحاضنتها الطبقية.
بهذا يكتمل النموذج الأوروبي: محتكر إقطاعي فقد قاعدته المادية، وفاعل برجوازي حوّل مكسبه الاقتصادي إلى سلطة سياسية، وغطاء أيديولوجي جديد يحرس المكسب باسم القانون لا باسم السماء. النموذج مغلق تاريخياً ولا يُستنسخ حرفياً في أي سياق آخر. وحين ننتقل إلى السياق العربي ، سنجد أن أول ما يغيب هو الحد الأول من هذا الثالوث بالذات: لا كنيسة تُصادر أرضها، ولا إقطاعاً دينياً بالمعنى الأوروبي الدقيق قابلاً للمصادرة أصلاً. وغياب هذا الطرف لا يعني غياب الاحتكار، بل يعني أن شكله مختلف جذرياً، وهذا بالضبط ما يفرض على أي مقارنة عابرة بين “علمانية أوروبا” و”علمانية العرب” أن تبدأ من نقض التشابه قبل البحث عن القياس.
[1]Karl Marx, Capital: A Critical Analysis of Capitalist Production, vol. 1, trans. Samuel Moore and Edward Aveling, ed. Frederick Engels (Chicago: Charles H. Kerr & Co., 1906), 791–794.
[2]Friedrich Engels, Socialism: Utopian and Scientific (1880; English ed. 1892), “Introduction, Part II: History of the English Middle Class,” Marx/Engels Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1880/soc-utop/.
[3]Engels, Socialism: Utopian and Scientific, “Introduction, Part II: History of the English Middle Class,” https://www.marxists.org/archive/marx/works/1880/soc-utop/int-hist.htm.
[4]Perry Anderson, Lineages of the Absolutist State (London: New Left Books, 1974), 22–23.
[5]Marx, Capital, 791–792.
[6]المصدر السابق., 791–792.
