تحالف اليسار: من أين نبدأ؟

🖨️ طباعة المقال

ثمة سؤال يتكرر في كل مرة يتعرض فيها اليسار، عربياً أو عراقياً تحديداً، لهزيمة جديدة أو لمرحلة من التراجع السياسي: ألم يكن الأجدى أن تتحالف هذه القوى وتتنسق فيما بينها؟ السؤال بصيغته هذه يبدو بريئاً، بل يحمل في ظاهره منطقاً مقبولاً: تشتت القوى يُضعفها، وتجميعها يُقويها. لكن هذا المنطق، على بساطته الظاهرية، يحمل افتراضاً لم يُختبر بما يكفي من الصرامة، وهو أن الضعف اليساري كان أساساً نتيجة تشتت تنظيمي بين قوى قوية كل واحدة منها على انفراد، افتقدت فقط إلى جسر يجمعها. لكن الضعف الذي عرفته القوى اليسارية، في تقديري، لم يكن نتيجة غياب التحالف بقدر ما كان غياب التحالف نفسه أحد أعراض أزمة أعمق، أزمة ذات طبيعة تنظيمية وفكرية في الأساس.

الفرق بين هاتين القراءتين ليس فرقاً أسلوبياً في صياغة المشكلة. فإذا كان غياب التحالف هو السبب، فإن الحل المنطقي هو الإسراع نحو بناء تحالفات وجبهات عريضة، أياً كانت طبيعة الأطراف المكوّنة لها وحالتها الداخلية. وإذا كان غياب التحالف نتيجة، فإن أي تحالف يُبنى قبل معالجة الأزمة البنيوية لن يكون أكثر من واجهة، تتأخر بها مواجهة السؤال الحقيقي بدل أن تُحل به المعضلة. هذه الدراسة تتبنى الموقف الثاني، وتسعى إلى تأسيسه نظرياً وتفصيله تطبيقياً.

الأساس الذي ننطلق منه هو فكرة بسيطة في صياغتها، عميقة في تبعاتها: للمهام التنظيمية أولوية منطقية وتاريخية على أي تحالف. ليست أولوية زمنية محضة بمعنى أن هذا يأتي قبل ذاك في الترتيب الإجرائي فقط، بل أولوية شرطية، بمعنى أن إنجاز مهمة التحالف بصورة فعلية ومُجدية أمر مشروط أصلاً بإنجاز ما يسبقها من بناء تنظيمي وجماهيري. حين يُهمَل هذا الشرط، يتحول التحالف إلى ما يشبه محاولة بناء الطابق الثالث من بناية لم يُشيَّد أساسها بعد، فيبدو العمل جارياً على السطح بينما تتآكل القاعدة من تحته.

أين تكمن الإشكالية

لو رصدنا خطاب القوى اليسارية في لحظات التراجع المتكررة، سنجد أن الدعوة إلى التحالف تحضر بصورة شبه تلقائية، بصرف النظر عن الصيغة التي تتخذها: تحالف يساري في أحيان، جبهة ديمقراطية في أخرى، ائتلاف مدني في ثالثة. هذا التكرار نفسه يستحق وقفة تحليلية. فحين يصبح الحل ذاته مطروحاً مراراً عبر عقود، دون أن يُغيّر مرة موازين القوى بشكل ملموس، يصبح من الضروري أن نتساءل: هل المشكلة في تطبيق الحل، أم في تشخيص المشكلة من أساسها؟

الإشكالية المركزية: هل كان ضعف القوى اليسارية وتراجعها السياسي نتيجة غياب التحالف والتنسيق فيما بينها، أم أن هذا الغياب نفسه نتيجة لأزمة أسبق، أزمة تنظيمية وفكرية تتحمل القوى اليسارية نفسها مسؤوليتها المباشرة؟ بعبارة أخرى، هل غياب التحالف سبب الضعف أم نتيجته؟

هذا السؤال يحمل أهمية تتجاوز الجدل النظري المحض. فالإجابة عليه تحدد، عملياً، أين يجب أن يُوجَّه الجهد السياسي لأي حزب أو تيار يسعى لإعادة بناء نفسه. إن كانت الإجابة أن غياب التحالف هو السبب، فإن المنطق يقود إلى الإسراع بعقد التحالفات بصرف النظر عن جاهزية الأطراف المتحالفة. أما إن كانت الإجابة أن هذا الغياب نتيجة لعجز سابق، فإن أي إسراع نحو التحالف، قبل معالجة هذا العجز، سيكرر فشلاً سبق اختباره مرات عديدة، وسيكون بمثابة قفز فوق مرحلة ضرورية من البناء.

وهنا لا ننفي قيمة التحالف بصفته العامة، ولا ندعو إلى عزلة طوعية للقوى اليسارية عن محيطها السياسي. ما ننفيه هو أمر أدق: أن يكون التحالف نقطة الانطلاق بدل أن يكون محصلة، وأن يُطرح كبديل عن مهام أصعب وأكثر إيلاماً، هي إعادة بناء الذات التنظيمية. الفارق بين التحالف كأداة تتويج وبين التحالف كهروب من المواجهة الداخلية هو موضوع فكري وسياسي جوهري.

التحالف في النظرية الماركسية — الوظيفة والشرط

لفهم أين ينحرف التحالف عن وظيفته الأصلية، لا بد أولاً من استعادة موقعه في الفكر الماركسي، وبخاصة في التراث اللينيني الذي صاغ أكثر التنظيرات نضجاً حول مسألة الجبهات والتحالفات السياسية. الفكرة المركزية التي يمكن استخلاصها من هذا التراث واضحة بشكلها وعميقه في جوهرها: التحالف ليس قيمة بذاتها، بل أداة مرحلية، تُقاس جدارتها بمدى قدرتها على خدمة هدف استراتيجي محدد، وتخضع في كل لحظة لتوازن قوى فعلي وقائم لا لرغبة ذاتية في الوحدة.

لينين، في معالجته لمسألة التحالفات والجبهات، لم يكن يطرح الوحدة كقيمة أخلاقية مجردة تُمارَس لذاتها، بل كان يسأل دائماً: من يتحالف مع من، ولماذا، وفي خدمة أي هدف طبقي محدد؟ التحالف عنده محكوم بحساب دقيق للقوى الاجتماعية الفاعلة على الأرض، لا بحسن النية أو الرغبة في تجميل المشهد السياسي. هذا يعني أن التحالف، في الفكر اللينيني، نتيجة لتراكم سابق من القوة التنظيمية لدى كل طرف من أطرافه ليصبح تعظيماً لها، لا تعويضاً عن غيابها.

من هنا يمكن أن نقترح تمييزاً تحليلياً مركزياً: التمييز بين الجبهة كلحظة تتويج، والجبهة كبديل مُستدعى. الجبهة كلحظة تتويج هي تلك التي تأتي بعد أن أنجز كل طرف من أطرافها قدراً معتبراً من تراكمه التنظيمي الخاص، فيأتي التحالف ليجمع قوى فعلية، كل منها تملك ما تقدمه للمعادلة المشتركة، سواء كان ذلك قاعدة جماهيرية، أو قدرة تنظيمية، أو نفوذاً في قطاع اجتماعي محدد. هنا، يضيف التحالف قوة حقيقية إلى مجموع قوى أطرافه، لأن كل طرف يملك أصلاً قوة يضيفها.

هذا التمييز ليس تجريداً نظرياً معلقاً في الهواء، بل معيار تحليلي يمكن تطبيقه مباشرة على أي تحالف قائم أو مطروح: هل يجمع هذا التحالف قوى تملك أصلاً تراكماً تنظيمياً وجماهيرياً، فيكون تتويجاً لهذا التراكم؟ أم يجمع أطرافاً تشترك في الافتقار إلى هذا التراكم، فيكون استدعاءً لبديل شكلي يُخفي غياباً حقيقياً؟

تسلسل المهام التنظيمية وأولويتها المنطقية

يمكن أن نستعير من تراث الحركة الشيوعية نفسها صياغة مفيدة، وإن كانت بسيطة في ظاهرها، حول الترتيب الذي يجب أن تسير عليه مهام أي حزب يسعى للتأثير الفعلي في الصراع الطبقي. هذا الترتيب ليس اعتباطياً ولا قابلاً للتبديل بحسب الذوق أو الظرف السياسي العابر، بل هو تراكمي بطبيعته: كل مهمة لاحقة فيه مشروطة منطقياً بإنجاز المهمة التي تسبقها، لا مجرد مفضّلة عليها.

المهمة الأولى هي بناء تنظيم حزبي داخلي قوي. لا نتحدث هنا عن حزب بالمعنى الإجرائي، أي بنية لها اسم ومقر ولجنة مركزية، بل عن حزب بمعناه الفعلي: تجمّع لمناضلين حقيقيين، يمتلكون التأهيل الفكري والسياسي اللازم، وقادرين على ممارسة المحاسبة الداخلية بدل التصفيق للقيادة وتبرير أخطائها. هذا المعيار دقيق ومحدد: حزب يخلو من آليات المحاسبة الداخلية، حزب تحوّلت فيه القيادة إلى مرجعية لا تُسأل، ليس حزباً بالمعنى الذي يخدم هذه المهمة، بل هيكلاً يحمل اسم حزب فقط.

المهمة الثانية، وهي مشروطة بالأولى ولا تتحقق بدونها، هي بناء تنظيمات جماهيرية واسعة، تضم العمال والفلاحين، والشباب والطلاب والنساء، وتمتد إلى النقابات والمنظمات المدنية. لماذا هذا الاشتراط بالضبط؟ لأن بناء قاعدة جماهيرية فعلية يتطلب كادراً قادراً على التواصل معها، وعلى تنظيمها، وعلى توعيتها بمصالحها الطبقية، وهذا الكادر لا يُصنَع إلا داخل تنظيم حزبي متماسك يُخرّجه ويؤهله. حزب ضعيف داخلياً، يعاني من فراغ كادري أو من هيمنة عناصر انتهازية، لا يمكنه أن يبني قاعدة جماهيرية حقيقية، حتى لو أراد ذلك بصدق. سيبني في أفضل الأحوال جمهوراً عابراً من المتعاطفين، لا قاعدة منظمة قادرة على الفعل المستمر.

المهمة الثالثة، وهي المشروطة بإنجاز الأولى والثانية معاً، هي بناء تحالفات سياسية مع قوى تمتلك قواعد جماهيرية حقيقية، لا مع كيانات بلا تأثير فعلي على الأرض. والمنطق هنا واضح إذا ما تتبعنا الخيط من بدايته: التحالف المُجدي هو تحالف بين قوى، وكل قوة من هذه القوى إنما تستمد قوتها من قاعدتها الجماهيرية، وهذه القاعدة بدورها لا تُبنى إلا عبر تنظيم حزبي قادر على تخريجها وتأهيلها. حين يغيب أحد هذين الشرطين، أو كليهما، فإن ما يُسمى تحالفاً لا يكون تجميعاً لقوى، بل تجميعاً لفراغات.

هذا التسلسل، بما يحمله من علاقة شرطية صارمة بين مهامه الثلاث، هو الأداة التحليلية المركزية التي ستستند إليها هذه الدراسة في كل ما يليها. ومن المهم أن نوضح طبيعة هذه العلاقة بدقة: هي علاقة شرطية لا تفضيلية. العلاقة التفضيلية تعني أن الترتيب الأفضل هو البناء الحزبي أولاً، لكن يمكن، عند الحاجة أو الاستعجال، تجاوزه نحو التحالف مباشرة. العلاقة الشرطية تعني أمراً مختلفاً جذرياً: أن التحالف الفعلي، بما هو تجميع لقوى حقيقية، مستحيل بنيوياً دون إنجاز المهمتين السابقتين، وليس فقط أقل جودة أو أقل كفاءة. لا تُبنى تحالفات فاعلة بمعزل عن قاعدة جماهيرية، كما لا تُبنى قاعدة جماهيرية بمعزل عن تنظيم حزبي متماسك.

تشخيص ضعف اليسار — الأعراض البنيوية

إذا كان التسلسل أعلاه صحيحاً، فإن أعراض ضعف اليسار، حين نفحصها بدقة، يجب أن تكشف عن خلل في المهمة الأولى أو الثانية، لا في المهمة الثالثة. هذا بالضبط ما تكشفه الممارسة الفعلية لكثير من القوى اليسارية حين نتجاوز خطابها الذاتي عن نفسها وننظر إلى بنيتها الداخلية الفعلية.

العرض الأول هو انفصال القيادة عن القاعدة. لا نتحدث عن خلاف عابر في الرأي بين قيادة وقاعدة، فهذا أمر طبيعي في أي تنظيم حي، بل عن قطيعة بنيوية تتحول فيها القيادة إلى طبقة مغلقة على نفسها، تتخذ قراراتها بمعزل عن نقاش حقيقي مع القاعدة، وتعيد إنتاج نفسها عبر آليات تكاد تخلو من أي تجديد فعلي. هذا الانفصال ليس عرضاً جانبياً، بل فشلاً مباشراً في المهمة الأولى: حزب لا تحاسب فيه القاعدة قيادتها ليس حزباً متماسكاً داخلياً، بصرف النظر عن حجمه الظاهري أو تاريخه النضالي.

العرض الثاني هو تضخم الهياكل القيادية على حساب الفعل الجماهيري، وهي ظاهرة يمكن وصفها بصورة مباشرة: جنرالات بلا عسكر. مكاتب سياسية، ولجان مركزية، ومسؤوليات قيادية متعددة، تُدار جميعها بعناية فائقة، بينما القاعدة الجماهيرية التي يُفترض أن تخدمها هذه الهياكل غير موجودة أو شبه معدومة. هذا التضخم القيادي فوق قاعدة شبه فارغة هو دليل إضافي على فشل في المهمة الثانية، لا عرضاً مستقلاً عنها: فالهياكل القيادية تتضخم لتعويض غياب الفعل الجماهيري، لا لخدمته.

العرض الثالث هو استمرار الحزب شكلاً بعد أن غادره المحتوى الطبقي. الاسم باقٍ، والشعارات التاريخية محفوظة، والمرجعية الفكرية تُستحضر في الخطابات، لكن الممارسة الفعلية للحزب لم تعد تعبيراً عن مصالح طبقية محددة تسعى لتنظيمها وتمثيلها. هذا الفراغ بين الشكل والمحتوى ليس مجرد ترهل تنظيمي، بل أزمة في صلب المهمتين الأولى والثانية معاً: حزب لم يعد قادراً على إعادة إنتاج قاعدته الطبقية لأنه لم يعد قادراً، من الأساس، على إعادة إنتاج تنظيمه الداخلي بصورة حقيقية.

العرض الرابع، وهو الأخطر في تقديرنا، هو انعدام آليات محاسبة القيادة من القاعدة. حين تغيب هذه الآليات، يتحول النقد الداخلي إلى ممارسة استثنائية بدل أن يكون جزءاً عضوياً من الحياة الحزبية، وتتحول القيادة من خادمة للمشروع الجماعي إلى مرجعية تُصان من المساءلة. هذا الغياب يفسر، أكثر من أي عامل آخر، استمرار قيادات بعينها لعقود متطاولة دون أن يُحاسبها أحد على نتائج سياساتها، وهو دليل قاطع على أن الخلل بنيوي في صلب التنظيم، لا عارض طرأ عليه من الخارج.

النقطة الجوهرية التي يجب التوقف عندها هنا: لا واحد من هذه الأعراض الأربعة يمكن أن يُعزى إلى غياب التحالف. لا انفصال القيادة عن القاعدة سببه عدم وجود جبهة يسارية عريضة، ولا تضخم الهياكل القيادية نتج عن غياب التنسيق مع أحزاب أخرى، ولا انعدام آليات المحاسبة الداخلية يمكن أن يُعالَج بتوقيع وثيقة تحالف. هذه أعراض داخلية صرفه، تنتمي بالكامل إلى فشل في المهمتين الأولى والثانية، وهو ما يقودنا مباشرة إلى السؤال: إذا كان الخلل هنا، فلماذا يستمر طرح التحالف كحل؟

الإجابة المباشرة — هل غياب التحالف هو السبب؟

نصل الآن إلى السؤال المنهجي، ولا مجال بعد كل ما تقدّم للتهرب من إجابة صريحة عنه: هل كان ضعف القوى اليسارية وتراجعها السياسي نتيجة غياب التحالف والتنسيق بين أحزابها؟ الجواب، بناءً على كل ما عرضناه من تسلسل منطقي وتشخيص فعلي، هو لا. لم يكن غياب التحالف سبباً للضعف، بل كان أحد تجلياته، نتيجة له لا شرطاً سابقاً عليه.

هنا تحضر المفارقة التي تستحق التوقف عندها بعناية: العجز عن إنجاز المهمتين الأوليين هو نفسه ما يجعل التحالف يبدو حلاً جذاباً. حزب يفتقر إلى تنظيم داخلي متماسك، وإلى قاعدة جماهيرية فعلية، يجد في التحالف وسيلة سهلة نسبياً لتعويض هذا الفراغ، أو على الأقل لإخفائه عن الأعين، بما في ذلك عين الحزب نفسه عن أزمته. التحالف هنا لا يحل المشكلة، بل يقدم نفسه كحل بديل أسهل من مواجهة المشكلة الحقيقية. والأسهل، في هذا السياق، ليس وصفاً تقنياً محايداً، بل وصف لعلاقة نفسية وسياسية معقدة: مواجهة الأزمة الداخلية تتطلب نقداً ذاتياً مؤلماً، وصراعاً مع عناصر متجذرة في القيادة، وصبراً تنظيمياً طويل النفس قد يمتد لسنوات قبل أن يُنتج أي قاعدة جماهيرية حقيقية. توقيع وثيقة تحالف، بالمقابل، يمكن أن يتحقق في جلسة واحدة، وينتج بياناً صحفياً، وحضوراً إعلامياً فورياً.

من هنا يصبح ممكناً أن نفكك مباشرة الحجة المضادة، تلك التي يتبناها كثير من الكتاب والناشطين اليساريين، والتي تقول إن التشتت التنظيمي هو سبب الهزائم المتكررة، وأن الحل يكمن في “وحدة الصف”. هذه الحجة، على جاذبيتها الخطابية، تقلب العلاقة السببية رأساً على عقب. التشتت التنظيمي الذي تشير إليه ليس سبباً مستقلاً قائماً بذاته، بل هو، في أغلب الحالات، نتيجة ثانوية لضعف داخلي أسبق في كل طرف من الأطراف المتشتتة. حزب ضعيف داخلياً لا يندمج بسهولة مع حزب آخر ضعيف داخلياً بالقدر نفسه؛ كل منهما يحمل أزمته الخاصة معه إلى أي تحالف يدخل فيه، وتتراكم الأزمات بدل أن تُحل. القول بأن “وحدة الصف” هي الحل يفترض ضمناً أن الصفوف المتفرقة كانت، كل واحد منها على انفراد، قوياً ومتماسكاً، وأن المشكلة فقط في كونها متفرقة. هذا الافتراض هو بالضبط ما تنفيه هذه الدراسة: الصفوف لم تكن قوية متفرقة، بل كانت ضعيفة من الأساس، وتفرقها ليس سبب ضعفها بل أحد أعراضه.

ولعل أوضح دليل على هذا القلب في العلاقة السببية هو أن التحالفات، حين عُقدت فعلياً عبر تاريخ اليسار في المنطقة، لم تُغيّر موازين القوى بصورة جوهرية في أغلب الحالات. لو كان غياب التحالف هو السبب الحقيقي للضعف، لكان من المنطقي أن نشهد، عند كل تحالف يُعقد، تحولاً ملموساً في القدرة على الفعل والتأثير. لكن ما نشهده غالباً هو العكس: تحالف يُعقد بضجيج إعلامي، ثم يتلاشى تأثيره الفعلي بسرعة، أو يتفكك تحت وطأة التناقضات الداخلية نفسها التي كانت قائمة قبل عقده، لأن هذه التناقضات لم تُعالَج، بل أُرجئت فقط إلى داخل بنية التحالف الجديدة.

الوظيفة الفعلية للتحالف في غياب الشروط التنظيمية

إذا ثبت أن غياب التحالف لم يكن السبب، يبقى سؤال آخر يستحق تفصيلاً مستقلاً: لماذا يستمر طرح التحالف، رغم هذا الفشل المتكرر، كحل يُعاد تقديمه في كل جولة جديدة من التراجع السياسي؟ الإجابة تتطلب أن نتحول من التشخيص السببي إلى التحليل الوظيفي: ما الذي يفعله التحالف فعلياً، حين يُعقد في غياب الشروط التنظيمية، حتى لو لم يكن يفعل ما يُفترض أنه يفعله؟

الوظيفة الأولى هي التعويض النفسي والسياسي. حزب يعاني فراغاً جماهيرياً حقيقياً، وضعفاً تنظيمياً داخلياً، يجد في انضمامه إلى تحالف أوسع شعوراً بالحضور لا يستطيع أن يحققه بمفرده. بيان مشترك يحمل اسمه إلى جانب أسماء أخرى، مؤتمر صحفي يجمعه بشركاء سياسيين، مشاركة انتخابية ضمن قائمة موحدة؛ كل هذه أشكال من الحضور الرمزي، تمنح الحزب إحساساً بأنه لا يزال فاعلاً في المعادلة السياسية، حتى وإن كان هذا الحضور لا يقوم على قاعدة جماهيرية فعلية تدعمه. والمفارقة أن هذا الحضور الرمزي، بقدر ما يمنح راحة نفسية، يُجنّب الحزب أيضاً مواجهة أسئلته الداخلية الصعبة: لماذا تراجعت قاعدتنا الجماهيرية؟ لماذا لا تحاسب قاعدتنا قيادتنا؟ هذه أسئلة تتطلب نقداً ذاتياً عميقاً، وتأجيلها أسهل كثيراً من الانخراط فيها.

الوظيفة الثانية، وهي أعمق سياسياً من الأولى، هي تجميد الغضب الاجتماعي بدل تصعيده. حين تتصاعد موجة من السخط الشعبي على الفساد أو الفشل السياسي العام، يصبح التحالف اليساري الموسّع وسيلة لتقديم واجهة موحدة تستقطب جانباً من هذا السخط، لكنها لا تحوّله إلى فعل تنظيمي مستمر، لأن الطاقة التنظيمية اللازمة لذلك التحويل غير متوفرة من الأساس. الواجهة الوحدوية تُمتص فيها اللحظة، يُكتب بيان، تُعقد مؤتمر، ثم يتراجع الزخم تدريجياً، لتعود الأطراف المتحالفة إلى وضعها السابق، وقد استُهلكت طاقة سياسية كانت يمكن أن تُوجَّه نحو بناء تنظيمي أعمق لو وُجدت الأداة الحزبية القادرة على استثمارها.

أن وظيفة التحالف تتغير جذرياً بحسب ما يسبقه. حين يأتي بعد تراكم تنظيمي وجماهيري فعلي، يصبح أداة لإدارة التناقضات وتصعيد الفعل المشترك. وحين يأتي تعويضاً عن غياب هذا التراكم، يتحول إلى أداة لتجميد الأزمة وتأجيل مواجهتها، بصرف النظر عن النيات الحسنة لمن يعقدونه. وهذا يقودنا مباشرة إلى السؤال: ما الشروط التي يجب أن تتحقق حتى يكون التحالف تعبيراً عن قوة، لا غطاءً يُخفي ضعفاً؟

 

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 5 من 5 (2 صوت)
📂 التصنيفات: مقالات, مقالات رأي

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.