البنية الاقتصادية وتناقضاتها، الانقسام الذي يُشغّل السياسة الخارجية

🖨️ طباعة المقال

 

الأسئلة الصحيحة عن تركيا لا تبدأ بأردوغان. تبدأ بمن يملك وماذا يريد.

السؤال الذي يُحيّر المراقبين، لماذا تشتري تركيا منظومة الدفاع الروسية إس،400 وتبقى في الناتو؟ لماذا تتدخل في ليبيا وتُفاوض في آستانة وترفض حظر الصادرات على روسيا في الوقت ذاته؟ يبدو معلّقاً بلا إجابة حين تبحث عنه في خطاب القيادة أو في الأيديولوجيا المُعلنة. لكنه يصبح واضحاً تماماً حين تبدأ من مكان آخر: من البنية الداخلية لرأس المال التركي، ومن تعارض مصالح الطبقتَين اللتَين تُشكّلانه.

بينما توسّعت إيران لأن فائضها لا يجد استيعابه الداخلي، وتوسّعت إسرائيل لأن مجمعها الصناعي العسكري يحتاج ميداناً مستمراً، تتوسع تركيا لسبب أكثر تركيباً: لأن طبقتَي رأس مالها تحتاجان فضاءين مختلفَين في آنٍ واحد، ولا تستطيع الدولة أن تُرضي إحداهما دون أن تُزعج الأخرى. هذا التناقض لا يتوقف، وهو تحديداً ما يُنتج ما يبدو من الخارج تذبذباً وما هو من الداخل اتساق بنيوي معقّد.

فهم هذا الانقسام، في تكوّنه التاريخي وبنيته المادية وتجلياته في أزمة التراكم الداخلية وصعود المجمع الصناعي العسكري، شرط لا بديل عنه قبل الدخول في أي تفاصيل عن التدخلات الإقليمية التركية.

الرأسمالية التركية المنقسمة، إسطنبول والأناضول ليستا جغرافيتَين

الخطأ الأكثر شيوعاً في تحليل السياسة التركية أنه يتعامل مع الانقسام الداخلي بوصفه مسألة ثقافية أو دينية. إسطنبول العلمانية في مواجهة الأناضول المحافظة، وكأن المسألة صراع قيم بين خريجي الجامعات الأوروبية من جهة وحاملي السبح من جهة أخرى. هذا التصوير لا يكذب تماماً لكنه يُشير إلى الظاهرة ويُغفل جوهرها. ما يفصل بين الرأسمالية الإسطنبولية والرأسمالية الأناضولية ليس الهوية الدينية، بل موقع كل منهما في سلاسل القيمة وما يتطلبه هذا الموقع من شروط التراكم.

التأسيس التاريخي لهذا الانقسام يسبق حزب العدالة والتنمية بعقود. الجمهورية الكمالية منذ عشرينيات القرن الماضي بنت رأسمالية دولانية انحازت بوضوح للبرجوازية الإسطنبولية العلمانية: مؤسسات البنية التحتية الكبرى والمصارف وشركات التصدير التي نشأت في ظل حماية الدولة وعقودها. في المقابل، كان الفضاء الاقتصادي الأناضولي، التجار والحرفيون والمُلاك الصغار في المدن الداخلية، يعيش في هامش ضيق من هذه المنظومة. حين أطلق تورغوت أوزال الليبرالية الاقتصادية في الثمانينيات لم يكن يُحدث ثورة من فراغ، كان يفتح ثغرة سمحت لرأسمال أناضولي متراكم بالصمت بأن يُعبّر عن وجوده الفعلي ويتمدد في الأسواق الداخلية والإقليمية.

“النمور الأناضولية”، غازي عنتاب وقيصري وقونية ودنيزلي، مدن صناعية صعدت في التسعينيات بصناعات متوسطة التعقيد: نسيج وأثاث وتجهيزات مبانٍ وأغذية مصنّعة. هذه الصناعات بنت تراكمها على عاملَين لا يجمعهما كثير مع عالم الرأسمالية الإسطنبولية الكبرى: الاعتماد على الأسواق الإقليمية حيث المنافسة أخف، والعقود الحكومية التي تُضمن هامشاً معقولاً بعيداً عن الضغط الأوروبي الشديد.

في عام 1971 تأسّست TÜSİAD جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك لتُجسّد مصالح الكونسورتيومات الكبرى: Koç Holding وSabancı Holding والمصارف الكبرى. هؤلاء يريدون الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل شراكة تضمن وصولهم المفتوح إلى أسواقه. يريدون ليرة مستقرة وتضخماً منخفضاً ومصداقية مؤسسية تُسهّل الاندماج في شبكات الإنتاج العابرة للحدود. أما MÜSİAD جمعية المصنّعين والرجال المستقلين التي تأسّست عام 1990، فتمثّل منطقاً مختلفاً. أعضاؤها مؤسسات متوسطة الحجم، إنتاجيتها أعلى من الشركات الصينية المنافسة لكن دون العتبة الأوروبية في القطاعات المتقدمة. الاندماج الكامل في المنظومة الأوروبية يُعرّضها لمنافسة لا تتحمّلها. ما تحتاجه مختلف: حماية انتقائية للسوق الداخلية، وضخّ حكومي في مشاريع البنية التحتية يُوفر طلباً مضموناً، وأسواق إقليمية حيث تنافسيتها حقيقية لأن المنافس أقل قدرة.[1]

هذا الانقسام الذي بدا لسنوات ظاهرة أكاديمية اكتسب أهميته الكاملة حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002. أن يُوصَف هذا الانتصار بأنه انتصار الإسلام السياسي ليس خطأً، لكنه يصف الغلاف ويُغفل المحتوى. ما انتصر أيضاً، وبنفس القدر، كان تحالف طبقي: البرجوازية الأناضولية تمتلك لأول مرة قيادة سياسية تُعبّر عن مصالح تراكمها لا عن مصالح الكونسورتيومات الإسطنبولية. الدين السياسي الذي يحمله الحزب رأسمال رمزي يُخفّض كلفة بناء الكتلة الانتخابية ويُوفر هوية تنظيمية موحّدة، لكنه لا يُشكّل المحرك الاقتصادي للمشروع.

جيهان طوغال وصف هذا في إطاره الغرامشي بمفهوم “الثورة السلبية”: عملية يُمتصّ فيها التحدي الصاعد ضمن النظام القائم بدلاً من أن ينقضّ عليه ويُحوّله.[2] لكن ثمة ما يفوت طوغال في تطبيقه: الامتصاص لم يكن كاملاً. الحزب لم يُدجّن الرأسمالية الأناضولية، بل حوّلها إلى قوة فاعلة داخل الدولة بدلاً من أن تظل خارجها. هذا أنتج توتراً مستمراً لا دمجاً، ومن ذلك التوتر تولّد ما يبدو من الخارج اضطراباً وهو في جوهره اتساق مُعقّد.

ما يبقى ثابتاً: الدولة التركية تحمل في داخلها منطقَين متعارضَين. حين تقترب من الغرب تُريح TÜSİAD وتُجفل MÜSİAD. وحين تنخرط في التوسع الإقليمي والحماية الانتقائية يصبح العكس صحيحاً. السياسة الخارجية التركية ليست انتهازية بمعنى الذكاء التكتيكي، هي انتهازية بالمعنى البنيوي الحرفي: تُجيب في كل لحظة على أي الضغطَين يكون أشد.

أزمة التراكم التركي، المأزق البنيوي خلف الطموح الإقليمي

ثمة مقياس بسيط يكشف طبيعة اقتصاد ما: ماذا يُنتج فعلاً للعالم الخارجي وبأي ثمن؟ تركيا تُسجّل منذ عقود عجزاً مزمناً في حسابها الجاري، تستورد أكثر مما تُصدّر وتحتاج باستمرار إلى تدفقات رأسمال خارجي لتمويل هذه الفجوة. بلغ هذا العجز في عام 2022 نحو 48.8 مليار دولار، ما يُعادل قرابة 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي.[3] حين يضعف تدفق الرساميل الأجنبية يصبح الثمن واضحاً: الليرة التركية فقدت أكثر من 80% من قيمتها أمام الدولار بين عامَي 2018 و2023، وبلغ التضخم ذروته عند 85% في أكتوبر 2022 قبل أن تعود السياسة النقدية تدريجياً إلى مسارها الاتفاقي.[4]

هذا ليس خللاً في الإدارة النقدية. هو تعبير عن مأزق بنيوي أعمق.

الاقتصاد التركي يقع في ما يمكن تسميته “فخّ الدخل المتوسط” بمعناه الهيكلي الحرفي: إنتاجيته أعلى من دول الأجور المنخفضة في آسيا وأمريكا اللاتينية، لكنها دون عتبة التنافسية في الصناعات الأوروبية المتقدمة. هذا الموقع الوسيط يُحاصره بضغط مزدوج: المنافسة الصينية تُضيّق هامشه في الصناعات المتوسطة التعقيد كالنسيج وقطع الغيار والأجهزة المنزلية، بينما تحتفظ الشركات الأوروبية باحتكار فعلي لأعلى سلاسل القيمة في التكنولوجيا والسيارات والمعدات الثقيلة.[5]

نموذج النمو الذي اختاره حزب العدالة والتنمية استجاب لهذا المأزق بطريقة تُخفّف الألم قصيراً دون أن تُعالج البنية. مشاريع البنية التحتية الضخمة، جسور وأنفاق ومطارات ومستشفيات ومليارات من وحدات الإسكان، ضخّت نبضات نمو قوية وخلقت طلباً داخلياً لا يعتمد على التنافسية الخارجية. هذا بالضبط ما تحتاجه الرأسمالية الأناضولية: ليس الأسواق الأوروبية المنافِسة بل العقود الحكومية التي تُحمي هامش الربح. لكن هذا النموذج لا يُنتج صادرات ولا يبني ميزة تنافسية خارجية، ويُعمّق الاعتماد على رأس المال الأجنبي لتمويل الاستهلاك وإغلاق الفجوة المزمنة في الميزان الجاري.

هنا تبرز الوظيفة البنيوية للتوسع الإقليمي. الشركات التركية متوسطة الحجم تجد في الأسواق الإقليمية، العراق وليبيا والصومال وأذربيجان وإفريقيا جنوب الصحراء والدول التركية اللغة في آسيا الوسطى، ما لا تجده في المنظومة الأوروبية: منافسة أخف وأسعار أعلى نسبياً ومشاريع إعادة إعمار في مناطق مُدمَّرة تستوعب الصناعات الإنشائية التركية. ليس من قبيل المصادفة أن شركات البناء الكبرى كـKalyon وLimak وGap İnşaat وسّعت حضورها في دول بعينها بالتوازي مع الانخراط العسكري،السياسي التركي هناك. ليس تنسيقاً واعياً مقصوداً في كل الأحوال، بل تطابق منطقي بين الحاجة التراكمية والفرصة الجيوسياسية.

غير أن التوسع الإقليمي وحده لا يُغلق الفجوة. الاقتصاد الكلي التركي لا يستقر بدون استمرار العلاقة مع المنظومة المالية الغربية: الاستثمار الأجنبي المباشر وخطوط الائتمان الأوروبية والوصول إلى أسواق رأس المال الدولية، كل هذا يتطلب مصداقية مؤسسية تفتقر إليها سياسة القطيعة مع الغرب. هنا يظهر التناقض في صورته الأوضح: ما تحتاجه MÜSİAD من توسع إقليمي وحماية انتقائية ومناورة خارج المنظومة الغربية يتعارض مع ما تحتاجه TÜSİAD من استقرار واندماج وعضوية مؤسسية. ولا يستطيع النظام إلغاء أيٍّ منهما، رأس المال الإسطنبولي الكبير عصب الاقتصاد، والرأسمالية الأناضولية قاعدة السلطة السياسية.

من هذا التناقض الدائم تنبع سياسة خارجية تبدو من الخارج كأنها تتأرجح بلا اتجاه ثابت. من الداخل، هي اتساق تام، اتساق القفز بين الضفتَين كلما ثقل الضغط من إحداهما.

المجمع الصناعي العسكري التركي، الصناعة التي تحتاج ميداناً

في عام 2002، كانت تركيا تستورد أكثر من 80% من احتياجاتها الدفاعية. في عام 2022، تجاوزت صادرات الدفاع والفضاء 4.4 مليار دولار للمرة الأولى في التاريخ التركي، ارتفاعاً بأكثر من 36% مقارنة بالعام السابق.[6] وإذا كانت إيرادات الصناعة الدفاعية الخاصة لم تتجاوز مليار دولار عام 2002، فقد بلغت في 2022 أحد عشر مليار دولار.[7]

هذا تحوّل لا نظير له في التاريخ الصناعي الحديث لدولة محيطية. فهمه يستلزم النظر بعيداً عن السرد التكنوقراطي، “تركيا أرادت الاستقلالية الدفاعية فحققتها”، نحو السؤال المادي الأكثر دقة: من يستفيد ومن أي منطق تراكم؟

المنظومة الصناعية العسكرية التركية لا تُشكّل كتلة متجانسة. هي طبقتان تعكسان التناقض الأشمل في الرأسمالية التركية. الطبقة الأولى مؤسسية وعامة في أصولها: شركة ASELSAN للإلكترونيات الدفاعية، التي تملكها مؤسسة TSKGV التابعة للجيش وROKETSAN للصواريخ والذخائر، وشركة الصناعات الجوية الفضائية TAI ذات الملكية المختلطة. هذه الشركات تمثّل استمراراً للمؤسسة العسكرية القديمة ذات الجذور الكمالية؛ تسعى إلى شراكات مع شركات غربية كبرى وبرامج تعاون تقني تُبقيها في دائرة المنظومة الدولية.

الطبقة الثانية خاصة وصاعدة. Baykar Makina الشركة التي صنعت طائرة TB2 الشهيرة تجسيد لما أنتجته الرأسمالية الأناضولية حين دخلت عالم التكنولوجيا الدفاعية. شركة عائلية نمت بعيداً عن المؤسسة العسكرية الكلاسيكية وبناءً على علاقتها المباشرة مع رئاسة الصناعات الدفاعية. وسلجوق بيرقدار، رئيس مجلس إدارتها ومديرها التقني معاً، تزوّج من سُمَيَّة أردوغان عام 2016.[8] لن ندّعي أن هذه العلاقة وحدها تُفسّر صعود الشركة، ذلك تفسير شخصاني يُفقر التحليل. لكن إغفالها بحجة التجرّد يُسقط من الصورة ما هو نمط بنيوي لا استثناء: الرأسمالية الأناضولية والسلطة السياسية لـ AKP تتشابكان في قطاع الدفاع تماماً كما تتشابكان في قطاع البناء والإنشاء.

ما يجعل هذه المنظومة مثيرة للاهتمام التحليلي ليس إنجازها التقني في حد ذاته، بل العلاقة البنيوية بين التدخلات العسكرية التركية والتراكم في قطاع الصناعة الدفاعية.

طائرة TB2 استُخدمت في عمليات الجيش التركي في سوريا (2019)، ثم في ليبيا (2019،2020)، ثم دعمت أذربيجان في حرب ناغورنو،كاراباخ (2020)، ثم انتشرت في أوكرانيا منذ 2022. ما أعقب هذه المشاركات في الميادين الحقيقية كان موجة طلبات لا تُفسَّر إلا بما تُوفّره البيئة القتالية من “شهادة أداء” لا تُعوَّض. المغرب اشترت. بولندا وكرواتيا ورومانيا، وهي دول أعضاء في الناتو، اشترت. سبعة وعشرون دولة ملكت أو طلبت TB2 بحلول نهاية 2022.[9]

هارفي رأى الحرب شرطاً محتملاً للتراكم لا عائقاً أمامه.[10] الحالة التركية تُضيف إلى هذه الفكرة بُعداً تحليلياً إضافياً: الحرب ليست فقط فرصة لـ”الأرض البكر” التي تنتظر إعادة الإدماج في دائرة رأس المال ،هي في الوقت ذاته منصة اختبار وإعلان تجاري لصناعة تحتاج عرضاً حياً في ميدان قتال فعلي كي تتحوّل إلى صادرات. لا أحد يشتري أنظمة أسلحة لم تُختبر. هذا بالضبط ما يُفسّر لماذا تحوّلت ليبيا وناغورنو،كاراباخ إلى نقطتَي تحوّل في سوق صادرات الدفاع التركي، لأن المنتج أثبت هناك ما لا تستطيع نشرة المواصفات أن تُثبته. ليس لأن مديري الشركات خططوا لذلك بالضبط، بل لأن البنية الاقتصادية صنعت حوافز تتقاطع مع الطموح السياسي دون أن تحتاج إلى تنسيق مقصود في كل مرة.

لكن المجمع الصناعي العسكري يُعيد إنتاج التناقض الأشمل على مستوى قطاع واحد. شركات مثل ASELSAN تبحث عن شراكات مع Lockheed Martin وBoeing وشركات أوروبية تحتاج إطاراً مؤسسياً مستقراً في العلاقة التركية مع الغرب. Baykar تبني مساراً مستقلاً يُقلّص الاعتماد على التكنولوجيا الغربية وينمو بالتحديد بوصفه بديلاً عنها. هذا التوتر الداخلي ليس عيباً وظيفياً، هو انعكاس أمين للتناقض البنيوي في الرأسمالية التركية برمتها.

وثمة ما يبقى خارج هذا الإطار ويستوجب الإشارة: حين فرضت كندا وبعض الدول الأوروبية قيوداً على تصدير مكوّنات معينة إثر استخدام TB2 في ليبيا وناغورنو،كاراباخ، بدأت ثغرات في الاستقلالية المُعلنة تظهر. والمجمع الصناعي العسكري التركي يعتمد في جزء من سلاسل إمداده على محركات وأنظمة ملاحة وإلكترونيات غربية. وهذا بالضبط ما يُعيدنا إلى التناقض الجوهري: التوسع العسكري الذي تحتاجه MÜSİAD والصناعة الدفاعية الصاعدة يُنتج توترات مع المنظومة الغربية التي لا يستطيع الاقتصاد التركي ككل أن يعيش بمعزل عنها.

الخاتمة

ما رسمناه هنا ليس صورة لدولة تُحسن إدارة تناقضاتها بذكاء، بل صورة لدولة يُحرّكها تناقض طبقي داخلي لم يُحسم ولا يبدو في طريقه إلى الحسم.

الرأسمالية الإسطنبولية الكبرى تحتاج الغرب، أسواقه ومصداقيته وتدفقات رأس ماله وعضوية المنظومة المؤسسية التي يُوفرها الناتو والاتحاد الجمركي. الرأسمالية الأناضولية المتوسطة تحتاج الإقليم، أسواقه وعقوده وحماية الدولة التي تُتيح لها المنافسة حيث لا تستطيعها في أوروبا. ولا الدولة تستطيع إرضاء إحداهما على حساب الأخرى دون أن تفقد جزءاً من قاعدتها. ما ينتج عن ذلك سياسة خارجية لا تُفهم كاستراتيجية متماسكة ولا كفوضى انتهازية، هي منطق استجابة لضغطَين بنيويَّين متعاكسَين.

البينية التركية ليست ضعفاً يُخفيه خطاب القوة. هي الوصف الدقيق لموقع لا يملك ترف الاختيار الواضح. ومن يُحلّل تركيا بابتغاء “الاتجاه الحقيقي”، هل هي غربية في جوهرها أم إسلامية أم عثمانية جديدة؟ يطرح السؤال الخطأ. تركيا لا تتحرك باتجاه جوهري ثابت. هي تتحرك بين ضغطَين متعاكسَين بحسب أيهما يكون أشد في كل لحظة.

ثمة ما يبقى ثابتاً فيما يخص الشعوب التي تقع في نطاق النفوذ التركي: هذا التناقض الداخلي لا يُنتج مشروعاً تحررياً. المقاول التركي الذي يُنفّذ عقد إعادة إعمار في ليبيا، والطائرة المسيّرة التي أثبتت فاعليتها في أذربيجان، والحضور العسكري الذي يفتح أسواقاً جديدة في إفريقيا، هذه كلها تُعيد إنتاج منطق الاستيلاء والهيمنة بصرف النظر عن الخطاب الذي يُغلّفها.

[1] حول TÜSİAD وMÜSİAD بوصفهما تعبيرَين مؤسسيَّين عن رأسماليتَين بمنطقَي تراكم مختلفَين، يُنظر: Ziya Öniş, “The Triumph of Conservative Globalism: The Political Economy of the AKP Era,” Turkish Studies [Scopus: Q1] 13, no. 2 (2012): 135–152. DOI: https://doi.org/10.1080/14683849.2012.685252

[2] Cihan Tuğal, Passive Revolution: Absorbing the Islamic Challenge to Capitalism (Stanford: Stanford University Press, 2009). https://www.sup.org/books/middle-east-studies/passive-revolution

[3] GDPIndex, “Türkiye Economy 2026,” https://gdpindex.org/turkey/economy

[4] Statistics of the World, “Turkey Economy 2026,” https://statisticsoftheworld.com/turkey-economy

[5] Ziya Öniş and Mustafa Kutlay, “The Anatomy of Turkey’s New Heterodox Crisis: The Interplay of Domestic Politics and Global Dynamics,” Turkish Studies 22, no. 5 (2021): 499–529. DOI: https://doi.org/10.1080/14683849.2020.1839812

[6] Defense News, “Turkish Defense Exports Pass $4 Billion in 2022, Says Procurement Boss,” January 9, 2023.: https://www.defensenews.com/industry/2022/12/30/turkish-defense-exports-pass-4-billion-in-2022-says-procurement-boss

[7] DefenceWeb, “Turkey’s Booming Defence Exports,” December 30, 2025. https://defenceweb.co.za/industry/industry-industry/turkeys-booming-defence-exports

[8] Nordic Monitor, “Erdoğan’s Son-in-law, Manufacturer of Military Drones, Joins Billionaires List,” April 4, 2024. https://nordicmonitor.com/2024/04/erdogans-son-in-law-manufacturer-of-military-drones-joins-billionaires-list/

[9] Defense News

[10] David Harvey, The New Imperialism (Oxford: Oxford University Press, 2003), p. 137

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 0 من 5 (0 صوت)

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.