من التنافس الإمبريالي إلى الاحتكار الكوني – تحول بنيوي في طبيعة الصراع

🖨️ طباعة المقال

على صعيد منطقتنا الشرق الاوسط وشمال افريقيا، حين نُحاول فهم لماذا تظل إيران وتركيا إمبرياليتين إقليميتين لا كونيتين، ولماذا لا يتحول صعودهما إلى منافسة فعلية على قيادة النظام الدولي، يبدو الجواب السطحي مغرياً: لأنهما ببساطة أضعف من ذلك. لكن هذا الجواب يُخطئ السؤال قبل أن يُجيب عنه. القوة وحدها لا تُحدد الدور الذي تلعبه الدول في المنظومة الدولية؛ ما يُحدده هو البنية التي تعمل داخلها والسقف الذي ترسمه هذه البنية لما هو ممكن وما هو مستحيل.

النظام الإمبريالي اليوم لا يشبه النظام الذي وصفه لينين عام 1916. ليس لأن الإمبريالية اختفت أو تراجعت، بل لأنها أعادت تنظيم ذاتها بعد الحرب العالمية الثانية بشكل بنيوي عميق لم يتصوّره أحد من رواد التحليل الماركسي الكلاسيكي. التحول كان جذرياً: من منطق التنافس المفتوح بين مراكز رأسمالية متعددة تتصارع على تقسيم العالم، إلى منطق الاحتكار الكوني الموحّد الذي يُدير الهيمنة ويُحدد حدود ما يُسمح لقوى المحيط بلوغه. هذا التحول هو الذي يُفسّر ظاهرة الإمبريالية الإقليمية في عمقها: إنها ليست مجرد طموح محلي لقوى صاعدة، بل هي الشكل الوحيد الممكن للمنافسة الإمبريالية في عصر الكارتيل الكوني، الشكل الذي يسمح به النظام لكنه يُحكم حدوده.

فهم هذا التحول ضرورة تحليلية لا استطراد تاريخي. لا يمكن فهم لماذا تنتهي الإمبريالية الإقليمية عند حد معين ولا تتجاوزه، ولا يمكن فهم التناقضات التي تعيشها القوى الإقليمية بين طموحاتها واحتياجاتها، دون استيعاب البنية الكونية التي تُنتج هذه الحدود وتُرسّخها. نسير في ثلاث خطوات: نبدأ بعالم لينين ومنطق التنافس الصفري الذي أنتج الحربين العالميتين، ثم نتتبع التحول البنيوي الذي أعقب 1945 ونُقدّم مفهوم الكارتيل الإمبريالي الكوني، وننتهي بتحليل الصراع الجديد الذي أنتجه هذا التحول وما يعنيه لفهم القوى الإقليمية موضوع هذا الكتاب.

عالم لينين – منطق التنافس الصفري بين المراكز

لفهم ما تغيّر لا بد من استيعاب ما كان، ولا بد لاستيعاب ما كان من العودة إلى لحظة لينين التاريخية بعيون نقدية لا طقوسية. حين كتب الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية عام 1916 كان يصف عالماً يخضع لمنطق واحد صارم: كل مركز رأسمالي كبير يتوسع أو يضمر، ولا مكان للثبات في نظام تحكمه قوانين التراكم الداخلية لا النوايا الطيبة للحكام.

بريطانيا كانت تهيمن على ربع الكرة الأرضية، وفرنسا تبسط نفوذها على إفريقيا الغربية وجنوب شرق آسيا، وألمانيا الصاعدة بصناعتها الثقيلة وجيشها المتمدد وبنوكها المتضخمة تطالب بحصتها مما تسميه “المكانة اللائقة” في التراتبية الكونية، واليابان تتمدد في شرق آسيا والولايات المتحدة تُرسّخ هيمنتها على أمريكا اللاتينية عبر ما بات يُعرف بمبدأ مونرو. كل منها يمتلك قاعدة تراكم رأسمالي صناعي-مالي مستقلة نضجت داخلياً حتى باتت الأسواق الوطنية عاجزة عن استيعاب الفائض المتراكم، فاتجهت جميعها نحو الخارج ليس بدافع الجشع الأخلاقي بل بضرورة الاقتصاد البنيوية.

هذا ما رآه لينين بوضوح: الرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية لا تتوسع لأن حكامها طموحون أو شريرون، بل لأن قوانين التراكم تدفعها نحو الخارج حين يضيق الداخل. رأس المال الفائض يحتاج مجالاً استثمارياً جديداً، والاحتكارات الكبرى تحتاج أسواقاً لتصريف سلعها، والدول الرأسمالية الكبرى تنافس بعضها على هذه الأسواق والمجالات. وحين تلتقي هذه الدوافع المتعددة في فضاء محدود المساحة يكون الصدام حتمياً.

المنطق الذي حكم هذا العالم كان صفرياً بامتياز: ما تكسبه ألمانيا من مناطق نفوذ في إفريقيا تخسره بريطانيا، وما تغنمه اليابان في منشوريا وكوريا يُقلّص الحصة الروسية في شرق آسيا، وكل توسع لمركز على حساب الآخرين يُنتج ضغطاً متراكماً نحو مواجهة حتمية. لا تسوية دائمة ممكنة في هذا النظام لأن قوانين التراكم تدفع كل مركز نحو التوسع باستمرار، والعالم محدود المساحة والموارد، وما يتبقى من مناطق غير مُستعمَرة كان يتقلص باطراد.

الحرب العالمية الأولى كانت التعبير الأكثر دموية عن هذا المنطق: حين استنفد التنافس الدبلوماسي إمكاناته ولم تستطع المساومات الجزئية معالجة التناقضات البنيوية، اندلع الصراع العسكري المباشر على إعادة تقسيم العالم وفق موازين قوى جديدة. أربع سنوات من الحرب الأكثر تدميراً في التاريخ حتى ذلك الحين أنتجت تسوية فيرساي التي حاولت إرضاء المنتصرين دون أن تُعالج التناقضات البنيوية التي أنتجت الحرب. النتيجة كانت متوقعة لمن فهم المنطق: عقدان من الانهيار الاقتصادي والصعود الفاشي وإعادة التسلح، ثم حرب عالمية ثانية أشد ضراوةً من الأولى.

الحرب الثانية كانت استكمالاً حتمياً للأولى بهذا المعنى، لكنها أنتجت نتيجة مختلفة نوعياً غيّرت بنية النظام الإمبريالي كله، وهو ما لم يتوقعه لينين ولم يكن في أفق نظريته. التغيير لم يكن في موازين القوى فحسب، بل في منطق النظام الإمبريالي ذاته.

ما يبقى صالحاً من التحليل اللينيني هو المنطق الجوهري الذي يُحدد العلاقة بين الرأسمالية والتوسع: التوسع ضرورة تراكمية لا خيار سياسي، والتنافس بين القوى التوسعية قانون بنيوي لا حادثة عارضة، والحرب تعبير عن تناقضات الاقتصاد لا عن شرور الحكام. هذا الإطار لا يزال يُضيء كثيراً مما نراه اليوم: حين نفهم التوسع الإيراني أو التركي بوصفه استجابة لضرورات تراكمية داخلية لا تعبيراً عن أيديولوجيا دينية أو قومية وحدها، نكون نُطبّق المنطق اللينيني الجوهري.

لكن ما يستوجب التجاوز هو افتراض لينين أن شكل التنافس الإمبريالي ثابت: مراكز متعددة تتنافس بصورة مفتوحة على تقسيم العالم وتتوج تنافسها بالحروب. هذا الشكل تغيّر جذرياً بعد 1945، والنظرية التي لا تستوعب هذا التغيير تُصبح أداة ناقصة في فهم عالم اليوم. لينين يُقدم المنطق لكن التاريخ اتخذ مساراً لم يتوقعه: بدلاً من أن تُفضي الحرب إلى ثورة اشتراكية عالمية كما توقّع، أفضت إلى إعادة تنظيم الرأسمالية على أسس أكثر استقراراً من خلال توحيد مراكزها تحت قيادة واحدة.

ما بعد 1945 – نشوء الكارتيل الإمبريالي الكوني

ما أنتجته الحرب العالمية الثانية لم يكن مجرد إعادة توزيع مناطق النفوذ بين القوى القديمة كما فعلت الأولى، بل كان انهياراً للبنية التنافسية الكلاسيكية وولادة نظام مختلف في جوهره. أوروبا خرجت من الحرب مُنهَكة ومُدمَّرة بشكل لم تتعافَ منه كلياً حتى اليوم: مدن مُحرَّقة وبنى تحتية مُفككة واقتصادات متهالكة وأجيال كاملة فُقدت في ميادين القتال. بريطانيا وفرنسا احتفظتا بمظاهر القوة الكبرى لكنهما فقدتا القدرة على إدارة النظام الكوني باستقلالية: فرنسا فقدت إمبراطوريتها الاستعمارية تدريجياً في إندوشينا والجزائر وإفريقيا، وبريطانيا تراجعت من القوة الكونية الأولى إلى شريك صغير في المنظومة الأمريكية.

في هذا الفراغ الهائل انتصبت الولايات المتحدة بوصفها القوة الوحيدة التي خرجت من الحرب أكثر ثروةً وقوةً وتماسكاً مما دخلتها. الاقتصاد الأمريكي كان يُنتج نصف الناتج الصناعي العالمي عام 1945. الدولار الأمريكي كان الوحيد المرتبط بالذهب والوحيد المقبول عالمياً. الجيش الأمريكي كان يمتد من أوروبا إلى المحيط الهادئ. ولأول مرة في التاريخ كانت قوة واحدة تمتلك تفوقاً ساحقاً في كل الأبعاد في آنٍ واحد.

واجهت الولايات المتحدة أمام هذا الواقع خياراً استراتيجياً مصيرياً: هل تُحكم هيمنتها الأحادية وتُعيد تشغيل منطق التنافس الصفري لكن بمركز واحد مهيمن؟ أم تعمل على إعادة بناء النظام الرأسمالي بأكمله على أسس تمنع تكرار الكارثة التي أنتجها التنافس الإمبريالي الكلاسيكي؟

الخيار الذي اتُّخذ كان الثاني، وليس بالضرورة من منطلق التسامح أو الخير، بل من منطلق الحساب الاستراتيجي البارد: الهيمنة الأحادية الصريحة تُثير مقاومة حتى من الحلفاء، وتُكلّف جهداً لا نهاية له لإدامتها، وتُنتج تنافساً مضاداً حتى بين الأصدقاء. الهيمنة عبر نظام تُقبله المراكز الأخرى لأنه يخدم مصالحها أيضاً أكثر استدامة وأقل كلفة.

مشروع مارشال كان المفتاح الأول: ضخ مليارات الدولارات في الاقتصادات الأوروبية المنهكة لم يكن إحساناً بل استثماراً حسابياً في إعادة بناء أسواق تستوعب الصادرات الأمريكية وشركاء يُساهمون في إدارة النظام الكوني. مؤسسات بريتون وودز (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي) كانت المفتاح الثاني: إرساء نظام مالي كوني بالدولار الأمريكي عملةً احتياطيةً ومرجعيةً، مما أعطى الولايات المتحدة سلطةً نقديةً كونيةً لم يسبق لأي دولة في التاريخ امتلاكها. وحلف الناتو كان المفتاح الثالث: دمج المراكز الأوروبية في منظومة أمنية تحت القيادة الأمريكية، مما جعل تجديد التنافس الإمبريالي بين أوروبا الغربية ذاتها مستحيلاً عملياً في ظل وجود مظلة أمنية أمريكية تُغني عن تسليح مستقل.

لكن ما جعل هذا الاندماج مستداماً تجاوز القرارات السياسية ليصل إلى التحولات البنيوية في طبيعة رأس المال ذاته. الشركات الاحتكارية الكبرى التي كانت تنتمي لدول بعينها وتعبّر عن مصالحها القومية تجاوزت حدود دولها الأصلية وأصبحت شركات متعددة الجنسيات تعمل في كل أنحاء العالم. جنرال موتورز لم تعد “أمريكية” بالمعنى الكامل حين أصبحت لها مصانع في أوروبا وآسيا، وفولكسفاغن لم تعد “ألمانية” بالمعنى الكامل حين باتت تُنتج في ستين دولة. رأس المال المالي ذهب أبعد من ذلك: البنوك الكبرى وصناديق الاستثمار وأسواق المال الكونية خلقت شبكةً من التشابكات المالية تتجاوز الحدود القومية بالكامل وتجعل الحرب بين المراكز الرأسمالية الكبرى ضرباً من تدمير الذات.

الكارتيل الإمبريالي الكوني: مفهوم وبنية

النتيجة البنيوية لهذه العملية التاريخية الطويلة هي ما يمكن تسميته الكارتيل الإمبريالي الكوني: منظومة تهيمن عليها الولايات المتحدة وتنتظم فيها أوروبا الغربية واليابان وكندا وأستراليا وعدد من الدول الحليفة، تتقاسم إدارة النظام الكوني وتتنافس داخلياً على الحصص والأسواق لكنها تتوحد في مواجهة أي تحدٍّ خارجي يُهدد بنية النظام ذاتها.

الكارتيل وصف تحليلي لا مجازي، وهو مستمد من الاقتصاد السياسي لا من علم السياسة. في الاقتصاد، الكارتيل تحالف بين شركات متنافسة تتفق على قواعد مشتركة لإدارة السوق وتوزيع الحصص ومنع الدخلاء الجدد من تهديد مواقعها. وهذا بالضبط ما يفعله الكارتيل الإمبريالي الكوني على مستوى النظام الدولي: يُحدد قواعد التجارة والاستثمار والأمن والمعرفة بما يخدم مصالح أعضائه، ويُحدد من يُسمح له بالاندماج في النظام وبأي شروط، ويُعاقب من يتجاوز الحدود المرسومة، ويمنع أي قوة خارجية من تهديد المواقع المكتسبة لأعضائه.

ما يجعل هذا الكارتيل مختلفاً عن الكارتيلات الاقتصادية العادية هو أنه لا يمتلك هيئة إدارية مركزية تُصدر قراراته. يعمل عبر منظومة من المؤسسات الدولية (مجلس الأمن بحق النقض الأمريكي-الغربي، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية)، وعبر شبكة من التحالفات الثنائية والمتعددة الأطراف، وعبر الهيمنة على أنظمة المدفوعات الدولية والتقنية المتقدمة والمعرفة العلمية الاستراتيجية. كل هذه الآليات معاً تُشكّل بنية تحتية للهيمنة الكونية لا تحتاج إلى إدارة مركزية صريحة لأن قواعدها مُدمجة في بنية النظام ذاتها، وكل من يريد الاندماج في الاقتصاد الكوني يُضطر إلى اتباعها شاء أم أبى.

هذا لا يعني أن التنافس داخل الكارتيل اختفى. صراعات الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتنافس الاقتصادي الأمريكي-الياباني، والخلافات حول تقاسم أعباء الناتو، كلها تُثبت أن التنافس الداخلي قائم ومستمر. لكن هذا التنافس لا يُهدد بنية الكارتيل لأنه يجري داخلها وبقواعدها، تماماً كما يتنافس أعضاء الكارتيل الاقتصادي على الحصص السوقية دون تفكيك الكارتيل ذاته.

الصراع الجديد – المركز الموحّد في مواجهة الأطراف المتمردة

هذا التحول البنيوي أنتج نمطاً جديداً من الصراع الإمبريالي لم يتصوّره لينين لأنه لم يكن في أفقه التاريخي. لم يعد الصراع الرئيسي بين مراكز إمبريالية كونية متنافسة على تقسيم العالم كما عهد الكلاسيكيون، بل بين الكارتيل الكوني الموحّد من جهة، وقوى إقليمية في المحيط تُنافس على حدود نفوذها داخل فضاءاتها الجغرافية المجاورة من جهة أخرى. الصراع انتقل من الأفقي — بين مراكز متكافئة نسبياً — إلى العمودي، بين مركز موحّد وأطراف تسعى إلى توسيع هامشها داخل النظام.

هذا التحول يُفسّر ظاهرة لطالما أربكت التحليلات الجيوسياسية: لماذا لم تتحول الصين أو روسيا أو إيران إلى منافسين كونيين حقيقيين رغم صعودهم الملحوظ؟ الإجابة البنيوية ليست في ضعفهم المطلق، بل في أن الكارتيل الإمبريالي الكوني يمتلك من الآليات ما يجعل التحول من الإمبريالية الإقليمية إلى المنافسة الكونية الحقيقية مكلفاً إلى درجة تُقارب الاستحالة العملية.

ما يجعل الكارتيل الإمبريالي الكوني قادراً على إبقاء المنافسين الإقليميين في حدود فضاءاتهم المحلية هو امتلاكه أربع آليات ضبط متشابكة تعمل في وقت واحد وتُعزز بعضها.

أولها الهيمنة المالية، وهي الأداة الأقوى والأقل ظهوراً في الوقت ذاته. الدولار الأمريكي يبقى العملة الاحتياطية الكونية التي تُعقد بها ثلاثة أرباع الصفقات الدولية. نظام سويفت للمدفوعات الدولية يخضع للسيطرة الأمريكية الأوروبية. وهذا يعني أن أي دولة تتحدى المركز الكوني تجد نفسها في خطر الحصار المالي الكامل: لا تستطيع بيع نفطها ولا شراء تقنياتها ولا تحويل ثرواتها. تجربة إيران مع العقوبات المالية وتجربة روسيا بعد 2022 تُقدمان الصورة بوضوح لا يحتاج إلى تعليق.

وثانيها الهيمنة التقنية، وهي في عصرنا أشد إيلاماً من الهيمنة العسكرية المباشرة. المراكز الكونية تحتكر التقنيات الأكثر تقدماً في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا والطاقة النووية المدنية. أي دولة تسعى إلى التطور الصناعي الجاد تحتاج في مرحلة ما إلى الوصول إلى هذه التقنيات أو إلى المكوّنات الأساسية التي تدخل في صناعتها. هذا يُنتج تبعيةً تقنيةً هيكلية تُقيّد الاستقلالية حتى حين تتمتع الدولة باستقلالية سياسية في الخطاب. وحين تُقرر الولايات المتحدة حرمان الصين من الرقائق المتقدمة وتحرمان إيران من التقنيات النووية المدنية، تكشفان عن هذه الهيمنة بأوضح صورها.

وثالثها الضبط الأمني، الأكثر وضوحاً والأقل فاعلية في الوقت ذاته. الحضور العسكري الأمريكي في أكثر من سبعين دولة حول العالم وشبكة القواعد العسكرية في المحيطات والمضائق الاستراتيجية والتحالفات الأمنية الممتدة من الناتو إلى التحالفات الآسيوية تُشكّل منظومة ضبط تُحدد السقف الذي يُسمح للقوى الإقليمية بالوصول إليه. لكن الضبط الأمني وحده لم يكن كافياً تاريخياً لمنع التمرد: فيتنام وأفغانستان والعراق تُثبت أن القوة العسكرية المباشرة لها حدود. لذلك يُكمّل الضبط الأمني آليات الضبط الأخرى ولا يُعوّضها.

ورابعها إدارة النخب، وهي الأعمق والأكثر خفاءً والأشد استدامةً. اندماج نخب القوى الإقليمية في شبكات المصالح الكونية يُنتج داخل كل دولة طبقةً مستفيدة من استمرار العلاقة مع النظام الكوني وتُقاوم أي توجه نحو القطيعة معه. أبناء النخب يتعلمون في الجامعات الغربية ويستوعبون قيمها ومنطقها. رجال الأعمال يمتلكون أصولاً مالية في الغرب وارتبطوا بعلاقات مع الشركات الغربية. حتى المعارضون السياسيون في كثير من هذه الدول يُقيمون في عواصم الكارتيل الكوني ويستمدون جزءاً من شرعيتهم من دعمه. هذه الشبكات تُنتج قوى داخل كل دولة تُعيق أي قطيعة جذرية مع النظام الكوني حتى حين تتبناها الحكومات رسمياً.

هذه الآليات الأربع مجتمعةً تُنتج ما يمكن تسميته التمرد المُقيَّد: قوى تُنافس المركز الكوني وتُعارضه وتتحداه في مجالات محددة، لكنها لا تستطيع الخروج من النظام الذي يُهيمن عليه لأن هذا النظام هو شرط استمرار تراكمها الداخلي ذاته. والتناقض هنا ليس ظرفياً بل بنيوي: هذه الدول تحتاج النظام الكوني ليُتيح لها تصدير نفطها واستيراد تقنياتها وتمويل ديونها، وفي الوقت ذاته تُنافسه على حدود نفوذها الإقليمي وعلى شروط اندماجها في هذا النظام.

من هذا التناقض البنيوي تنشأ السلوكيات التي تبدو مُربِكة وغير منتظمة لكنها في الحقيقة عميقة الاتساق حين تُفهم في إطارها الصحيح. إيران تُفاوض الغرب على الاتفاق النووي لرفع العقوبات وتُقاومه عسكرياً في اليمن والعراق ولبنان في آنٍ واحد، لأنها تحتاج عوائد النفط التي تُدار بالدولار وتحتاج في الوقت ذاته إلى إبقاء نفوذها الإقليمي الذي يُعوّض ضيق السوق الداخلية. وتركيا تبقى في الناتو وتشتري منظومة إس-400 الروسية وتتدخل في ليبيا وسوريا في آنٍ واحد، لأن الرأسمالية الأناضولية تحتاج الأسواق الإقليمية والرأسمالية الإسطنبولية تحتاج الأسواق الأوروبية، وكلاهما يُحتاج في آنٍ واحد. وروسيا تُهدد النظام الأمني الأوروبي وتحتاج إلى أسواقه لتصدير غازها، لأن الاقتصاد الروسي يعتمد على تصدير المواد الخام إلى نفس النظام الذي يتحداه سياسياً.

هذا التوتر لا حل له داخل المنطق الرأسمالي القائم. لا يمكن لهذه الدول أن تكون وكيلةً كاملةً للكارتيل الكوني لأن ذلك يعني التخلي عن التراكم الذاتي والنفوذ الإقليمي الذي تحتاجه للتعامل مع أزمات الداخل. ولا يمكنها أن تكون منافساً كاملاً للكارتيل لأن ذلك يعني كلفة اقتصادية وأمنية تفوق قدراتها البنيوية. هي محكومة بالبقاء في المنطقة الرمادية بين الوكالة والمنافسة، وهذه المنطقة الرمادية هي بالضبط ما نُسميه الإمبريالية الإقليمية.

ما يُتيحه هذا التحليل للفصول اللاحقة هو السياق الكوني الذي يجعل الحالات الإيرانية والإسرائيلية والتركية مفهومةً في عمقها لا في ظاهرها. حين نُحلّل الحرس الثوري الإيراني وتوسعه في العراق وسوريا، نستطيع أن نُجيب ليس فقط عن كيف يتوسع بل عن لماذا لا يتجاوز حدود معينة. وحين نُحلّل العلاقة الإسرائيلية-الأمريكية، نستطيع أن نُفهم لماذا هي وكالة ذات طابع مختلف عن الوكالة التشادية. وحين نُحلّل السياسة التركية المتذبذبة، نستطيع أن نرى فيها انعكاساً لتناقضات تراكمية حقيقية لا تناقضات شخصية في قيادة أردوغان.

هذا هو السياق الذي تعمل داخله الإمبريالية الإقليمية: لا حرية مطلقة في التوسع ولا تبعية مطلقة للمركز، بل توتر دائم بين الضرورة التراكمية الداخلية التي تدفع نحو التوسع والبنية الكونية التي تُحدد سقفه وتُبقيه إقليمياً لا كونياً.

خاتمة

ما كشفه هذا البحث هو أن الإمبريالية الإقليمية لا تُفهم في معزل عن التحول البنيوي الكبير الذي أعاد تنظيم النظام الإمبريالي الكوني. عالم لينين كان يعمل بمنطق التنافس الصفري بين مراكز متعددة، وهو المنطق الذي أنتج الحربين العالميتين وخلق في طريقه عشرات الملايين من الضحايا. لكن ما أنتجته هذه الحروب في نهاية المطاف لم يكن ما توقعه لينين من انهيار للرأسمالية وصعود للاشتراكية، بل تحولاً في بنية الرأسمالية ذاتها: من تنافس مفتوح بين مراكز متعددة إلى كارتيل إمبريالي كوني موحّد يُدير الهيمنة بأدوات أكثر مرونةً وأبعد استدامةً من الاحتلال العسكري المباشر.

في ظل هذا الكارتيل لم يعد ممكناً لأي قوى محيطية صاعدة أن تتحول إلى مركز كوني جديد يُنافس في القيادة. الفضاء الوحيد المتاح للتوسع هو الفضاء الإقليمي المجاور، وهذا بالضبط هو ما يُنتج الإمبريالية الإقليمية بوصفها الشكل الوحيد الممكن للمنافسة الإمبريالية في عصر الاحتكار الكوني. والقوى الإقليمية التي تمارس هذا النمط من الهيمنة — إيران وتركيا وسواهما — ليست مجرد دول طموحة بل هي تعبيرات بنيوية عن التناقض الجوهري في وضعها: تحتاج النظام الكوني وتُنافسه في آنٍ واحد، تتوسع في محيطها وتعجز عن تجاوزه نحو المنافسة الكونية الحقيقية.

 

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 4 من 5 (4 صوت)
📂 التصنيفات: دراسات, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.