مفهوم الإمبريالية الإقليمية – التعريف والحدود

🖨️ طباعة المقال

لا تبدأ النظرية من فراغ. تبدأ دائماً من لحظة احتكاك بين مفهوم قائم ووقائع تتمرد عليه، حين يعجز الإطار المتاح عن استيعاب ما تُقدّمه الحياة من تعقيدات لم تكن في حسبان واضعيه. وهذا بالضبط ما يدفعنا إلى اقتراح مفهوم الإمبريالية الإقليمية بوصفه أداة تحليلية مستقلة، لا تعديلاً طفيفاً على الإرث النظري الكلاسيكي ولا استعارةً مجازية لوصف ظاهرة يكفيها الوصف.

بعد أن أرسينا الأدوات النظرية اللازمة لهذا التحليل — من مساءلة الإرث الماركسي الكلاسيكي وتحديد ما يبقى صالحاً فيه وما يستوجب التجاوز، إلى استكماله بأدوات معاصرة لفهم التوسع بوصفه استيلاءً اقتصادياً، وكيف تُبنى الشرعية التي تجعل الهيمنة مقبولةً أو محتمَلةً، وكيف تعمل السلطة عبر الخطاب والمعرفة لا فقط عبر الجيوش والأموال — نستند الآن إلى هذه الأدوات مجتمعةً في بناء المفهوم الذي يُشكّل العمود الفقري لهذا المشروع كله.

الوقائع التي أعجز عنها هذا الإرث باتت واضحة لمن يُدقّق النظر. قوى كإيران وتركيا وإسرائيل تمارس هيمنة موسّعة داخل محيطها الجغرافي، غير أن هذه الهيمنة لا تنتمي إلى نموذج الاستعمار الكلاسيكي القائم على الاحتلال المباشر والإدارة الاستعمارية الصريحة، ولا تنتمي بالكامل إلى نموذج شبه الإمبريالية عند ماريني الذي يفترض علاقة وكالة نسبية مع المراكز الكبرى. ما تمارسه هذه القوى شيء آخر بامتياز: هيمنة مركّبة تستخدم أدوات متعددة وتؤدي أدواراً متناقضة في آنٍ واحد، تُنافس المراكز الكونية حيناً وتعمل وكيلةً لها حيناً آخر، وتُقدّم نفسها قوةً تحرريةً بينما تُعيد إنتاج التبعية داخل محيطها.

ولفهم هذه الظاهرة في سياقها الكامل، لا يكفي تحليل البنية الداخلية لهذه القوى وحدها، بل لا بد من استيعاب السياق الكوني الذي أنتجها. فالإمبريالية الإقليمية لم تنشأ في فراغ، بل نشأت في لحظة تاريخية محددة: حين أغلق توحيد المراكز الرأسمالية الكبرى في كارتيل إمبريالي كوني باب المنافسة الكونية المفتوحة، وحصر التوسع الممكن في النطاق الإقليمي. بعبارة أخرى، الإمبريالية الإقليمية هي الشكل الذي تتخذه المنافسة الإمبريالية في عصر الاحتكار الكوني: لا منافسة بين مراكز على تقسيم العالم كما في عهد لينين، بل منافسة بين المركز الموحّد وأطراف تسعى إلى تحديد حدود نفوذها داخل فضاءاتها المجاورة.

السؤال الذي يشغلنا هنا مزدوج في صياغته عميق في دلالاته: ما الإمبريالية الإقليمية بالضبط، وما الذي يجعل دولة ما تنزع نحوها؟ الإجابة عن الشق الأول تستلزم تحديد المفهوم بدقة والتمييز بينه وبين مفاهيم مجاورة تبدو متشابهة لكنها مختلفة جوهرياً في ما تصفه وما تُخفيه. والإجابة عن الشق الثاني تستلزم الكشف عن الشروط البنيوية التي تجعل التوسع الإقليمي ضرورة لا خياراً، وفي مقدمتها طبيعة التراكم المشوَّه الذي تُنتجه اقتصادات المحيط ويدفعها نحو الخارج حين يضيق الداخل.

نسير في ذلك عبر ثلاث خطوات متتابعة تبني كل منها على سابقتها: نبدأ بتعريف المفهوم وتحديد حدوده ومميّزاته عمّا يشبهه، ثم نكشف الشروط البنيوية الثلاثة التي تجعل نشوء الإمبريالية الإقليمية ممكناً ومحتّماً في الوقت ذاته، وننتهي بتحليل التراكم المشوَّه بوصفه المحرك الاقتصادي العميق الذي يقف وراء كل نزوع توسعي إقليمي.

ما الإمبريالية الإقليمية وما ليست؟

ثمة عادة فكرية شائعة في الكتابة السياسية العربية تتمثل في استخدام مفاهيم من قبيل “القوة الإقليمية” و”النفوذ الإقليمي” و”التدخل الخارجي” بوصفها مرادفات للإمبريالية الإقليمية أو بوصفها أوصافاً كافية لما نُحاول تحليله. لكن هذا الخلط المفاهيمي ليس بريئاً ولا عابراً، فالتسمية الخاطئة للظاهرة ليست مجرد إشكالية لغوية بل تُنتج مآزق تحليلية حقيقية: حين نُسمّي الظاهرة بغير اسمها نُخطئ في فهمها، وحين نُخطئ في فهمها نُخطئ حتماً في تحديد سُبل مقاومتها وتجاوزها.

“القوة الإقليمية” مصطلح يستخدمه علم العلاقات الدولية السائد بمعنى محايد يصف دولة ذات ثقل في محيطها دون أن يتضمن أي حكم على طبيعة علاقتها بهذا المحيط. والهند قوة إقليمية، وألمانيا قوة إقليمية، ونيجيريا قوة إقليمية، غير أن هذا الوصف لا يقول شيئاً ذا قيمة تحليلية عن بنية العلاقة التي تربط هذه القوى بمحيطها: هل هي علاقة تعاون متبادل أم تنافس أم هيمنة ممنهجة أم تبادل متكافئ؟ الوصف بالقوة الإقليمية يُجيب عن سؤال “من؟” لكنه يتهرب من السؤال الأهم: “كيف وبأي منطق؟”

ما يُميّز الإمبريالية الإقليمية عن مجرد “القوة الإقليمية” هو بالضبط هذا البُعد البنيوي الذي يرفض الحياد. إنها لا تصف حجم القوة بل طبيعة توظيفها ومنطق إعادة إنتاجها، وتعني أن هذه القوة تُوظَّف بشكل ممنهج لإعادة إنتاج علاقات تبعية وهيمنة داخل الفضاء المحيط، بما يخدم تراكم النخبة الحاكمة في الدولة المتوسعة على حساب الشعوب الخاضعة لهذه الهيمنة، وبما يُعيد إنتاج اللامساواة البنيوية بين مركز ناشئ وأطراف تابعة داخل الإقليم ذاته.

ولفهم هذا التعريف في سياقه الكامل، لا بد من ربطه بالتحول الكوني الذي أنتجه: في عصر الإمبريالية التنافسية الكلاسيكية كانت المنافسة على الهيمنة تجري بين مراكز رأسمالية كونية متعددة. أما بعد توحيد هذه المراكز في كارتيل إمبريالي كوني، فقد أُغلق باب الصعود إلى مستوى المنافسة الكونية الكاملة أمام القوى الجديدة، وأصبح الفضاء المتاح للمنافسة محصوراً في النطاق الإقليمي. بهذا المعنى، الإمبريالية الإقليمية ليست مجرد شكل من أشكال التوسع بل هي الشكل الوحيد الممكن للمنافسة الإمبريالية في عصر الاحتكار الكوني.

من هذا المنطلق يمكن القول إن الإمبريالية الإقليمية هي نمط من الهيمنة تمارسه دولة رأسمالية محيطية متوسطة القوة في فضائها الجغرافي المجاور، تدفعها إليه ضرورات تراكمها الداخلي المشوَّه، وتُنجزه عبر أدوات مركّبة تجمع بين القوة الصلبة والناعمة، وتُعيد من خلاله إنتاج علاقات التبعية والهيمنة داخل هذا الفضاء، دون أن تمتلك أو تسعى إلى مشروع إمبراطوري كوني لأن الكارتيل الإمبريالي الكوني يجعل مثل هذا المشروع مستحيلاً عملياً لا مجرد غير مرغوب فيه.

ينطوي هذا التعريف على خمسة عناصر لا يكتمل المفهوم بغيابها. أولها الموقع المحيطي المتوسط: الدولة الإمبريالية إقليمياً ليست مركزاً رأسمالياً كونياً بل تقع في موقع وسيط من التراتبية الرأسمالية العالمية، أكثر تطوراً من محيطها المباشر لكنها تابعة بدرجة ما للمراكز الكبرى. وهذا الموقع الوسيط هو تحديداً ما يُنتج الدور المزدوج الذي يُميّزها عن كل من الإمبريالية الكونية وعن الدول المحيطية الخاضعة. وثانيها الضرورة التراكمية الداخلية، إذ إن التوسع الإقليمي ليس خياراً سياسياً تتخذه نخبة طموحة بل هو استجابة حتمية لضغوط بنيوية داخلية تجعل الفضاء الخارجي ضرورة اقتصادية لا بديل عنها، وفهم هذا العنصر بعمق يعني إدراك لماذا لا يكفي تغيير القيادة أو الأيديولوجيا أو حتى النظام السياسي لإنهاء النزوع التوسعي طالما أن البنية الاقتصادية المُنتِجة له باقية. وثالثها الأدوات المركّبة، وهو ما يُميّز الإمبريالية الإقليمية عن الاستعمار الكلاسيكي تمييزاً جوهرياً: فهي لا تعتمد على الاحتلال المباشر وحده بل تمزج في استراتيجية واحدة بين الوكلاء المحليين والنفوذ الاقتصادي والهيمنة الثقافية والضغط الأمني، وهذا التنوع يجعلها أعسر على التشخيص وأصعب على المقاومة لأنها تعمل في مستويات متعددة في وقت واحد. ورابعها إعادة إنتاج التبعية بوصفها غاية لا وسيلة: الدولة المتوسعة لا تريد تدمير محيطها ولا إدارته مباشرةً بكلفة الاستعمار الكلاسيكي، بل تريده ضعيفاً ومعتمداً ومفتوحاً لاستغلال فوائضه، وهذا النمط من الهيمنة أكثر استدامة وأقل كلفةً وأصعب مقاومةً من الاحتلال الصريح. وخامسها وأخيرها غياب المشروع الكوني، لكن ليس لأن الدولة الإقليمية تفتقر إلى الطموح، بل لأن بنية الكارتيل الإمبريالي الكوني تجعل الصعود إلى مستوى المنافسة الكونية الكاملة مستحيلاً عملياً: فإيران لا تسعى إلى السيطرة على العالم بل إلى إحكام قبضتها على هلال يمتد من طهران إلى بيروت، وتركيا لا تسعى إلى إمبراطورية عالمية بل إلى فضاء نفوذ في المحيط العثماني القديم.

التعريف الدقيق يستلزم أيضاً تحديد ما لا تكون عليه الإمبريالية الإقليمية، لأن الخلط مع مفاهيم مجاورة لا يُشوّه التحليل النظري فحسب بل يُربك الموقف السياسي ويُنتج انحيازات معكوسة. فهي أولاً ليست مجرد سياسة خارجية توسعية: كل دولة تسعى إلى تعزيز نفوذها الخارجي وحماية مصالحها الإقليمية، لكن الإمبريالية الإقليمية تتجاوز هذا لتصبح بنية علاقات منهجية تُعيد إنتاج التبعية باستمرار لا مجرد توسيع عابر للنفوذ في ملف أو أزمة محددة. وهي ثانياً ليست مرادفة لشبه الإمبريالية عند ماريني: مفهوم ماريني يفترض علاقة وكالة نسبية مع المراكز الكبرى وهو صالح لوصف حالات كالبرازيل في عهد ديكتاتورياتها العسكرية، لكن ما نُحاول تأطيره أكثر تعقيداً إذ يشمل حالات تُنافس فيها القوى الإقليمية المراكز أو تتعارض معها في بعض المصالح الجوهرية بينما تؤدي في الوقت ذاته بعض وظائف الوكالة. وهي ثالثاً وأخيراً ليست مشروعاً تحررياً بالضرورة، وهذا هو الخطأ الأكثر شيوعاً والأشد خطورة سياسياً في كثير من الكتابات التقدمية: الخلط بين مناهضة الإمبريالية الكونية والتحرر من منطق الإمبريالية ذاته. قوة تُنافس المراكز الكبرى لا تكون بهذه المنافسة قوة تحررية بالضرورة، فقد تُنافس على الهيمنة لا على إلغائها، وتسعى إلى إعادة توزيع مواقع القوة داخل النظام لصالحها لا إلى بناء نظام بديل أكثر عدلاً.

الشروط البنيوية الثلاثة لنشوء الإمبريالية الإقليمية

لا تنشأ الإمبريالية الإقليمية في كل دولة محيطية تمتلك قدراً من القوة العسكرية أو الثقل الإقليمي. ثمة شروط بنيوية محددة لا بد من اجتماعها لتتحول القدرة إلى نزوع توسعي فعلي ومستدام، وهذه الشروط ليست متسلسلة زمنياً بل متشابكة ومتعزّزة لبعضها في علاقة جدلية مستمرة يُقوّي فيها كل شرط الشرطين الآخرين ويُعمّق حضورهما. ولا بد قبل الخوض في تفصيل هذه الشروط من التنبيه إلى أنها تعمل دائماً في إطار السياق الكوني الذي تحدّثنا عنه: فضاء التوسع الإقليمي يتشكّل جزئياً من البنية التي يُفرضها الكارتيل الإمبريالي الكوني، أي أن الشروط الداخلية تعمل داخل حدود يرسمها الخارج.

الشرط الأول هو تراكم فائض لا يجد استيعابه داخلياً، وهو الشرط الأساسي الذي يُنتج المنطق الاقتصادي للتوسع. التراكم الرأسمالي في المحيط يختلف جوهرياً عن نظيره في المراكز: ففي هذه الأخيرة يُنتج التراكم سوقاً داخلية تمتص الفائض وتُوسّع قاعدة الاستهلاك تدريجياً مُنتِجةً بذلك دورة داخلية مستدامة نسبياً، أما في المحيط وخاصة في حالة التراكم الريعي المرتبط بالنفط أو الموارد الاستخراجية فإن الفائض يتمركز في يد نخبة ضيقة دون أن يُنتج توسيعاً موازياً للسوق الداخلية أو تطويراً حقيقياً للقدرة الإنتاجية. النتيجة البنيوية هي وجود فائض مُعلَّق يبحث عن منفذ، وكثيراً ما يجده في الفضاء الخارجي المجاور الذي يُقدّم ما لا يُقدمه الداخل: أسواق لم تُشبع بعد، وموارد لم تُستغل بالكامل، وبنى تحتية تحتاج إلى تمويل، وفوضى سياسية تُتيح الاستيلاء بكلفة أقل بكثير مما يتطلبه السوق المنظّم والخاضع لمنافسة حرة.

والشرط الثاني هو وجود دولة مركزية بجهاز عسكري-أمني متضخم يتجاوز وظيفته الدفاعية ليتحول إلى فاعل اقتصادي مستقل. الفائض الاقتصادي لا يتحول من تلقاء نفسه إلى قوة جيوسياسية؛ يحتاج لكي يفعل ذلك إلى جهاز دولة قادر على تحويله من رقم في الميزانية إلى أداة توسع فعلية. وفي دول المحيط حيث تغيب البورجوازية الصناعية الكلاسيكية المستقلة التي تقود التراكم بمنطقها الخاص وبمؤسساتها الخاصة، تتولى الدولة وجهازها الأمني-العسكري هذا الدور الغائب. لكن ما يُميّز هذه الحالة ويجعلها أكثر من مجرد تعويض عن غياب البورجوازية هو أن الجهاز العسكري-الأمني لا يبقى مجرد أداة في يد الدولة السياسية، بل يتحول تدريجياً إلى فاعل اقتصادي مستقل يمتلك مصانع وشركات وعقود إنشاء وامتيازات تجارية وقنوات مالية خاصة، وله في المحصلة مصلحة ذاتية راسخة في استمرار التوسع وتوسيع نطاقه لأن ذلك يُوسّع نطاق عملياته ويُضاعف موارده.

أما الشرط الثالث فهو ضعف الدول المجاورة أو انهيارها، وهو الشرط الذي يُحوّل الإمكانية إلى واقع. الفراغ هو الذي يمتص التوسع ويُتيحه، والإمبريالية الإقليمية لا تستطيع أن تُرسّخ نفسها وتُكرّس حضورها في مواجهة دول متماسكة ذات سيادة فعلية وجيوش قادرة ومجتمعات متوحّدة حول هوية وطنية جامعة. وهنا تبرز علاقة مثيرة للاهتمام بين هذا الشرط والسياق الكوني: الكارتيل الإمبريالي الكوني كثيراً ما يُسهم هو نفسه في إنتاج هذا الفراغ سواء عبر التدخل العسكري المباشر كما حدث في العراق عام 2003، أو عبر دعم الفصائل المتصارعة، أو عبر فرض سياسات اقتصادية تُضعف الدولة الوطنية وتُفكّك تماسكها. وما يزيد الأمر تعقيداً أن الإمبريالية الإقليمية بدورها لا تكتفي بانتظار الفراغ بل كثيراً ما تُسهم في إنتاجه وتغذيته: دعم الفصائل المتصارعة وإذكاء الانقسامات الطائفية والعرقية وإضعاف مؤسسات الدولة عبر الوكلاء المحليين، كل هذه أدوات تُولّد الفراغ الذي يحتاجه التوسع ليتجذّر ويستمر ويتوسع.

التراكم المشوَّه – المحرك البنيوي للتوسع

نستخدم مصطلح “التراكم المشوَّه” للإشارة إلى نمط من التراكم الرأسمالي في دول المحيط تتخلله ثلاث سمات بنيوية مترابطة تُشكّل معاً بنيةً اقتصادية غير قادرة على إنتاج تنمية حقيقية مستدامة. الأولى هي تمركز الثروة في قطاعات ريعية أو استخراجية لا تُنتج تطويراً صناعياً حقيقياً ولا تخلق قيمةً مضافةً تُوسّع قاعدة الاقتصاد الوطني. والثانية هي ضيق السوق الداخلية وهشاشتها بسبب استمرار الاستغلال الطبقي الحاد وتراجع القوة الشرائية للأغلبية الساحقة من السكان الذين يُنتجون الثروة دون أن يتمتعوا بها. والثالثة هي تضخّم الجهاز الأمني-العسكري على حساب قطاعات الإنتاج والخدمات الحقيقية التي يحتاجها التطور الاقتصادي المستدام.

ما يجعل هذه السمات الثلاث أشدّ خطورةً مما يبدو لأول وهلة هو أنها ليست مستقلة عن بعضها بل تُعزّز بعضها في حلقة مفرغة يصعب كسرها: الريعية تُنتج تمركزاً للثروة يُضيّق السوق، وضيق السوق يُضعف الحوافز للاستثمار الإنتاجي، وهذا الضعف بدوره يُقوّي الاعتماد على الدولة والجهاز الأمني لإدارة التراكم وتوجيهه، والاعتماد على الجهاز الأمني يُديم الريعية ويُعمّقها. والنتيجة الحتمية لهذه الحلقة هي اقتصاد يتراكم في قمته دون أن يتطور في قاعدته.

يمكن تفكيك آلية تحوّل هذا التراكم المشوَّه إلى نزوع توسعي عبر أربع خطوات متتابعة تشكّل معاً الميكانيزم البنيوي للإمبريالية الإقليمية. الخطوة الأولى هي تمركز الفائض في النخبة: يُنتج التراكم الريعي فائضاً مالياً ضخماً نسبياً في يد النخبة الحاكمة وحلفائها من رجال الأعمال المرتبطين بالجهاز، لكن دون أن يُرافقه توسيع مواز للقاعدة الإنتاجية التي تخلق فرص العمل أو للقاعدة الاستهلاكية التي تُوسّع السوق الداخلية. والخطوة الثانية هي إخفاق هذا الفائض في إيجاد استيعابه الكافي في الداخل: الاستثمار في الصناعة الوطنية يحتاج سوقاً استهلاكية واسعة غير متوفرة، والاستثمار في القطاعات الخدمية يصطدم بمحدودية الطلب الفعلي الناجمة عن ضعف الدخول الشعبية.

في هذا الفراغ الداخلي تأتي الخطوة الثالثة: تحوّل الجهاز الأمني-العسكري إلى شريك مركزي في التراكم. في غياب بورجوازية صناعية مستقلة تقود الاستثمار وتُوجّهه بمنطق السوق، يتولى الجهاز الأمني-العسكري دور الوسيط بين الفائض المُعلَّق والفرص الاقتصادية المتاحة: يُوجّه الفائض نحو مشاريع تخدم مصالحه الخاصة من صناعات عسكرية وعقود إنشاء وسيطرة على قطاعات استراتيجية، ويكتسب في هذه العملية مصلحة ذاتية متجذّرة في استمرار هذا النمط وتوسيعه لا في تغييره. وتنتهي الحلقة بالخطوة الرابعة حين يُصبح الفضاء الخارجي الإقليمي الحلَّ الأكثر إغراءً لأزمة الداخل: أسواق لم تُشبع بعد وجاهزة للاختراق، وموارد يمكن السيطرة عليها بكلفة سياسية أقل مما تتطلبه السيطرة الداخلية، وعقود إعادة إعمار يمكن انتزاعها في مناطق الصراع، وفضاء أمني يمكن تشكيله بما يخدم استمرار التراكم وتوسيع نطاقه. وفي هذا السياق تحديداً تأتي الأيديولوجيا الدينية أو القومية لتؤدي دورها الوظيفي: إنها ليست المحرك الحقيقي للتوسع بل “الزيت” الذي يُسهّل حركة الآلية ويُخفّف احتكاكها الاجتماعي والسياسي.

ثمة سؤال مشروع يطرح نفسه هنا ويستحق الإجابة الصريحة: إذا كان التراكم المشوَّه يدفع الدولة المحيطية نحو التوسع الإقليمي بهذه القوة البنيوية، ألا يعني ذلك أنها تسعى إلى الاستقلال عن النظام الكوني وبناء مشروع تراكمي ذاتي ومستقل؟ الجواب البنيوي هو لا، ولسببين متشابكين: أولهما أن التراكم المشوَّه في دول المحيط لا يُنتج استقلاليةً تراكميةً حقيقية بل يُعمّق التبعية بأشكال أكثر تعقيداً. وثانيهما، وهو الأعمق، أن الكارتيل الإمبريالي الكوني يمتلك من الآليات ما يجعل الاستقلال الكامل مستحيلاً عملياً: الهيمنة المالية عبر الدولار ونظام المدفوعات الدولية، والتفوق التقني في القطاعات الاستراتيجية، والضبط الأمني عبر شبكة التحالفات والقواعد العسكرية. هذا يعني أن التوسع الإقليمي لهذه الدول لا يُعبّر عن قطيعة مع النظام الكوني بل عن إدارة التناقض داخله: توسّع إقليمي يخدم التراكم الذاتي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الحد الأدنى من الاندماج في النظام الكوني الذي يُتيح استمرار هذا التراكم وتمويله. وهذا بالضبط هو ما يُنتج الدور المزدوج الذي يُشكّل العمود الفقري للمحاور التالية.

خاتمة

انطلقنا من سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً لكنه يخفي في طياته تعقيداً بنيوياً لا يُستوعب بالتعريفات الجاهزة: ما الإمبريالية الإقليمية؟ وما الذي يجعل دولة ما تنزع نحوها حتماً لا اختياراً؟ ما توصّلنا إليه يمكن اختصاره في ثلاثة استنتاجات متشابكة تُشكّل معاً إطاراً تحليلياً متماسكاً.

أولاً، الإمبريالية الإقليمية ليست مجرد توسع لنفوذ سياسي عابر بل نمط هيمنة بنيوي يُعيد إنتاج التبعية بشكل منهجي ومستدام، ولا تُفهم بالاكتفاء بوصف أدواتها دون استيعاب منطقها الداخلي العميق. وثانياً، نشوؤها ليس حادثة تاريخية عارضة مرتبطة بشخص أو نظام بعينه بل محصّلة حتمية لشروط بنيوية محددة تجتمع لتجعل التوسع ضرورةً لا خياراً، ومن ثَمّ فإن أي تحليل يقتصر على الأسباب الأيديولوجية أو الشخصية يُخطئ الهدف ويُنتج فهماً قاصراً. وثالثاً، هذه الظاهرة لا تُفهم بمعزل عن السياق الكوني الذي أنتجها: فتوحيد المراكز الرأسمالية في كارتيل إمبريالي كوني هو الذي أغلق باب المنافسة الكونية وجعل الإقليم هو الفضاء الوحيد المتاح للتوسع، بما يعني أن الإمبريالية الإقليمية هي في جوهرها شكل من أشكال إدارة التناقض داخل النظام الكوني لا تحدياً له.

وما يترتب على هذه الاستنتاجات مجتمعةً إدراك بالغ الأهمية لكل من يُحاول التفكير في التغيير: ما دامت البنية الاقتصادية الداخلية التي تُنتج التراكم المشوَّه قائمةً سليمةً، فإن تغيير القيادة أو الأيديولوجيا أو حتى النظام السياسي لن يُنهي النزوع التوسعي بل سيُعيد إنتاجه بوجوه جديدة وشعارات مختلفة. التغيير الجذري يستلزم تغيير البنية الاقتصادية ذاتها لا الاكتفاء بتغيير واجهتها السياسية.

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 0 من 5 (0 صوت)
📂 التصنيفات: دراسات, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.