تشوّه البنية الطبقية في الاقتصاد الريعي: آفاق إمكانية الفعل الثوري

🖨️ طباعة المقال

ينطلق فهم الاقتصاد الريعي من تمييز أساسي بين العمل المنتج والعمل غير المنتج، لا بوصفه تمييزاً أخلاقياً أو توصيفاً قيمياً، بل بوصفه تحديداً دقيقاً لموقع كل نوع من العمل داخل عملية التراكم الرأسمالي. المسألة هنا تتعلق بآلية إنتاج القيمة ذاتها. كما يوضح ماركس في رأس المال، فإن العمل المنتج هو ذاك الذي يدخل مباشرة في عملية توليد فائض القيمة، أي العمل الذي يحوّل الرأسمال المتغير إلى قيمة جديدة تتجاوز كلفته، فتتجسد في دورة التراكم.

(  M-C-M+). هذه الصيغة، ببساطة، تعني أن المال لا يعود إلى ذاته كما كان، بل يعود متضخماً، محمّلاً بفائض قيمة تحقق في عملية الإنتاج.

في المقابل، العمل غير المنتج لا يخلق فائض قيمة جديداً، حتى وإن كان مأجوراً. إنه يُموَّل من فائض تحقق سلفاً، وغالباً خارج نطاق الاقتصاد المحلي المنتج. في الدولة الريعية، يتجسد ذلك في الأجور المدفوعة من إيرادات النفط أو المعونات أو التحويلات المالية. الموظف الحكومي في جهاز إداري متضخم، أو العامل في قطاع خدمي لا يرتبط بإنتاج سلعي تنافسي، يتلقى أجره من ريع لا من عملية إنتاجية داخلية تولد فائض قيمة. هنا يكمن الفرق البنيوي: الأول يوسّع قاعدة التراكم، والثاني يستهلك جزءاً من فائض تحقق خارج دائرة عمله.

هذا التمييز ينعكس مباشرة على شكل البنية الطبقية. في الاقتصادات الصناعية الكلاسيكية، كانت الطبقة العاملة الصناعية تشكل الكتلة الأساسية المنتجة، ما منحها موقعاً مركزياً في الصراع الطبقي. أما في الاقتصاد الريعي، فإن النواة الإنتاجية تكون محدودة العدد نسبياً، كما في قطاعات النفط أو البناء أو بعض الصناعات الخفيفة، بينما تتضخم الكتلة المأجورة المرتبطة بالإنفاق الريعي. يمكن القول إن معظم المأجورين يُدمجون في النظام بوصفهم مستهلكين للريع أكثر من كونهم منتجين لفائض القيمة.

النتيجة هي تشوه في البنية الطبقية. إذ يتشكل نوع من “الفراغ البنيوي” بين نواة إنتاجية ضيقة وكتلة واسعة من مأجورين يعتمد دخلهم على استمرار التدفقات الريعية. في هذا السياق، يتجه الوعي الاجتماعي نحو الدفاع عن مصدر الراتب لا نحو مساءلة علاقات الإنتاج. الخوف من فقدان الوظيفة، في اقتصاد يعتمد على الدولة كموزع أساسي للريع، يتحول إلى عامل كبح لأي نزعة ثورية واسعة. الراتب هنا ليس مجرد أجر، بل هو صلة حياة مرتبطة ببنية الدولة ذاتها.

غير أن هذا الفراغ لا يبقى ساكناً. فحين تضيق القاعدة الإنتاجية ويغيب الامتداد الطبقي الواسع للعمال المنتجين، تظهر فئات أخرى في المشهد الاجتماعي، أبرزها الطلاب. هؤلاء لا ينتمون إلى الإنتاج المادي المباشر، لكنهم يقفون على تخومه. هم في طور الانتقال إلى سوق عمل لا يستوعبهم، ويواجهون بطالة مرتفعة أو اندماجاً في وظائف غير منتجة. في الوقت نفسه، يمتلكون قدرة على إنتاج خطاب نقدي بفعل انخراطهم في فضاء معرفي نسبي الانفتاح.

بهذا المعنى، يصبح الطالب كائناً اجتماعياً مزدوج الموقع: مهمش اقتصادياً، ومشحون معرفياً. إنهم يعيشون التناقض بين الوعد بالتقدم الاجتماعي عبر التعليم وبين واقع اقتصادي عاجز عن استيعابهم في قطاعات منتجة. هذا التناقض ليس عرضياً، بل هو نتيجة مباشرة لطبيعة الاقتصاد الريعي الذي يوسّع التعليم كآلية لامتصاص التوتر الاجتماعي، دون أن يوازي ذلك بتوسيع قاعدة الإنتاج الحقيقي.

التاريخ القريب يقدم شواهد واضحة. في غير بلد عربي، بدأت موجات الاحتجاج من الجامعات، حيث يتكثف الإحساس بالانسداد. الحرم الجامعي يتحول إلى مساحة اختبار أولي للاعتراض، قبل أن تنتقل العدوى إلى فضاءات أوسع. لكن هذه الدينامية تكشف أيضاً حدودها: غياب قاعدة إنتاجية واسعة قادرة على شل عملية التراكم يجعل الاحتجاج عرضة للاحتواء أو القمع.

من هنا، يمكن فهم مركزية السؤال الطبقي في الاقتصاد الريعي. المشكلة لا تكمن فقط في توزيع الريع، بل في طبيعته ذاتها. طالما ظل فائض القيمة يأتي من الخارج أو من قطاع محدود، فإن البنية الاجتماعية ستبقى مائلة، والوعي الطبقي سيبقى منقسماً بين الدفاع عن الريع ومساءلته. والطلاب، في قلب هذا التناقض، يمثلون عرضاً بنيوياً لخلل أعمق في العلاقة بين الإنتاج والمعرفة، بين الاقتصاد والسياسة.

بهذا الإطار النظري، تتضح الخلفية التي تسمح بفهم صعود الحركات الطلابية بوصفها تعبيراً عن أزمة بنيوية في الاقتصاد الريعي، لا مجرد احتجاج فئوي عابر. إنها استجابة لفراغ طبقي تشكل بفعل اختلال العلاقة بين العمل المنتج والعمل غير المنتج، بين قاعدة التراكم وبنية التوزيع. وفي هذا الاختلال تكمن جذور التوتر الاجتماعي المعاصر في الدول الريعية.

الطلاب كفئة طبقية مأزومة بين التهميش والوعي

إذا كان الاقتصاد الريعي ينتج فراغاً بنيوياً في قلب طبقته العاملة، فإن هذا الفراغ لا يبقى خالياً. إنه يُملأ بفئات تعيش على تخوم الإنتاج دون أن تنخرط فيه مباشرة، وتُعدّ الفئة الطلابية أبرز تجليات هذا الموقع المتوتر. الطلاب، في هذا السياق، لا يشكلون طبقة منتجة بالمعنى الذي حدده ماركس في رأس المال، لكنهم أيضاً ليسوا خارج البنية الطبقية. إنهم يقفون في منطقة انتقالية بين إعادة إنتاج القوة العاملة وبين انسداد آفاق إدماجهم في قطاعات منتجة حقيقية.

يمكن القول إن الطالب في الدولة الريعية يعيش وضعاً طبقياً “معلّقاً”. فهو من جهة يُستثمر فيه تعليمياً بوصفه قوة عمل مستقبلية، ومن جهة أخرى يُلقى به في سوق عمل متخم أو مشوّه لا يحتاج إلى مهاراته في إنتاج القيمة. تتضخم الجامعات، وتزداد أعداد الخريجين، بينما تبقى القاعدة الإنتاجية محدودة. النتيجة أن التعليم يتحول إلى وعد مؤجل، بل إلى أداة تأجيل للأزمة الاجتماعية أكثر منه مدخلاً لحلها.

هذا الوضع يولد شكلاً خاصاً من الاغتراب. ماركس، في المخطوطات الاقتصادية والفلسفية، تحدث عن اغتراب العامل حين يفقد سيطرته على نتاج عمله. لكن في الحالة الطلابية الريعية، نحن أمام اغتراب من نوع آخر: اغتراب عن المستقبل ذاته. الطالب يُدرّب لعمل لا ينتظره، ويُعدّ لدور لا يتوافر له موقع حقيقي في البنية الاقتصادية. إنه يعيش مفارقة حادة بين تراكم المعرفة وندرة الموقع الإنتاجي.

إلى جانب ذلك، يبرز عنصر الوعي. الجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية محايدة، بل فضاء تتقاطع فيه الأفكار، وتُختبر فيه السرديات الرسمية. هنا يمكن استحضار تصور أنطونيو غرامشي في دفاتر السجن حول المثقف العضوي ودور الهيمنة الثقافية. فالتعليم يعيد إنتاج النظام عبر المناهج والانضباط، لكنه في الوقت ذاته يفتح ثغرات للوعي النقدي. داخل هذه الثغرات يتشكل وعي مزدوج: وعي ينتمي شكلياً إلى الدولة بوصفها مانحة المنح والوظائف، ووعي يشكك في قدرتها على تحقيق ما تعد به.

هذا الوعي المزدوج يتطور غالباً بصورة تدريجية. يبدأ بمطالب محددة: تحسين المنح، تخفيض الرسوم، ضمان فرص العمل. لكن حين يتكرر الإخفاق، وحين تتكشف بنية الفساد والمحاصصة والاحتكار الريعي، ينتقل السؤال من “كيف نأخذ نصيبنا؟” إلى “لماذا يقوم النظام على هذا الأساس أصلاً؟”. هنا يتحول الاحتجاج من مستوى توزيعي إلى مستوى بنيوي.

غير أن موقع الطلاب يبقى هشاً. فهم لا يملكون أدوات شلّ عملية التراكم كما يملكها العمال المنتجون حين يضربون عن العمل. احتجاجهم يعتمد على الكثافة الرمزية وعلى القدرة على تعبئة الفضاء العام. لهذا السبب كثيراً ما تكون الحركات الطلابية شرارة أولى، لكنها تحتاج إلى امتداد في قطاعات إنتاجية حتى تتحول إلى قوة تاريخية مستدامة.

في التجارب العربية الحديثة، بدا هذا التوتر واضحاً. في العراق ولبنان، على سبيل المثال، كانت الجامعات نقاط انطلاق للحراك، حيث يتكثف الإحساس بانسداد الأفق. لكن الانتقال من الساحة الجامعية إلى إضرابات إنتاجية واسعة ظل محدوداً. السبب لا يعود فقط إلى القمع، بل أيضاً إلى ضيق النواة الإنتاجية ذاتها وإلى تشظيها.

إضافة إلى ذلك، يلعب عامل الزمن دوراً حاسماً. الطالب، بحكم موقعه المؤقت في الجامعة، يمر بمرحلة انتقالية قصيرة نسبياً. بعد التخرج، يدخل في أحد مسارين: إما البطالة الطويلة، أو الاندماج في وظيفة ريعية تدفعه إلى الدفاع عن مصدر دخله. هذا الانتقال يهدد استمرارية أي حركة طلابية إن لم تتحول إلى تنظيم أوسع يتجاوز حدود الحرم الجامعي.

ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية هذا الموقع. فالفئة الطلابية، بحكم احتكاكها المباشر بالأفكار والنقاشات، قادرة على بلورة خطاب نقدي يفضح التناقضات البنيوية للاقتصاد الريعي. إنها تشبه، إلى حد ما، مرآة مكبرة تعكس الأزمة الاجتماعية في صورتها المكثفة: بطالة، تهميش، ووعود مكسورة. في هذا التكثيف تكمن إمكانيتها السياسية.

الجامعة، إذن، تتحول إلى مختبر للصراع الرمزي. ليست مصنعاً لإنتاج السلع، لكنها مساحة لإنتاج المعاني. وحين تتلاقى المعاني النقدية مع أزمة اقتصادية عميقة، يصبح الحرم الجامعي ساحة أولى لتفجر التناقضات. غير أن التحول من المختبر إلى الفعل التاريخي يحتاج إلى جسر يربط الرمزي بالمادي، الوعي بالإنتاج، والاحتجاج بالقدرة على التأثير في عملية التراكم ذاتها.

بهذا المعنى، يمثل الطلاب فئة طبقية مأزومة ومتقاطعة: ليست في قلب الإنتاج، لكنها ليست خارجه؛ ليست طبقة مستقلة، لكنها ليست مجرد هامش. إنهم نتاج مباشر لاختلال العلاقة بين التعليم والإنتاج في الاقتصاد الريعي، وتجسيد حي للتناقض بين المعرفة المتزايدة والفرص المتناقصة. وفي هذا التناقض يتشكل إمكان الفعل، كما تتشكل حدوده في آن واحد.

التحليل التاريخي والسوسيولوجي – دراسات حالة من الدول الريعية

إذا كانت البنية الاقتصادية والاجتماعية تكشف عن القواعد التي يحكم بها النظام، فإن التاريخ يظهر حركة هذه البنية في الواقع؛ فهو يعكس كيف تتفاعل التناقضات الكامنة داخلياً مع القوى الفاعلة، مفضياً إلى أزمات وانفجارات اجتماعية ملموسة. في هذا السياق، تقدم تجارب العراق ولبنان ودول الخليج أمثلة دالة على الكيفية التي يتجسد بها موقع الطلاب كقوة احتجاجية في ظل اقتصاد ريعي.

في العراق، شكّلت انتفاضة تشرين 2019 نموذجاً واضحاً لتكثف التناقضات. بدأت المطالب من قضايا تبدو للوهلة الأولى خدماتية ووظيفية: فرص عمل، مكافحة الفساد، تحسين الخدمات العامة. لكن سرعان ما انتقلت إلى مساءلة أعمق لبنية النظام السياسي القائم على المحاصصة والريع النفطي. الجامعات لعبت دوراً محورياً؛ إذ تحولت إلى منصات تعبئة، ومنها انطلقت مسيرات باتجاه الساحات العامة. الطالب هنا لم يكن مجرد متضامن، بل فاعلاً مركزياً، يستثمر شبكات التواصل والوقت المتاح له لتوسيع نطاق الاحتجاج.

غير أن حدود الحركة ظهرت حين اصطدمت بواقع غياب الاطار السياسي والايدلوجي والتنظيمي القادر على اعادة صياغة تلك الاحتجاجات وتحويلها لوعي طبقي. ومع أن محاولات الربط بين الطلاب وبعض القطاعات العمالية وُجدت، إلا أن القمع الشديد وغياب تنظيم سياسي موحد حالا دون تطور التحالف إلى قوة قادرة على تغيير بنيوي. هكذا برزت المفارقة: طاقة احتجاجية عالية في الفضاء العام، مقابل ضعف في القدرة على تعطيل عملية التراكم.

في لبنان، تكررت صورة مشابهة في ثورة أكتوبر 2019، ولكن ضمن سياق طائفي أكثر تعقيداً. الجامعات اللبنانية شهدت حراكاً ملحوظاً، حيث فازت قوى طلابية مستقلة في انتخابات المجالس الجامعية، وتحول الحرم إلى فضاء نقاش سياسي مكثف. ارتفعت بطالة الشباب إلى مستويات قاربت النصف في بعض التقديرات، بينما بقي الإنتاج الصناعي هامشياً مقارنة بحجم القطاع المالي والخدماتي. هنا أيضاً يتجسد التناقض بين تضخم التعليم وضعف الإنتاج.

لكن البنية الطائفية لعبت دوراً حاسماً في تفتيت إمكان تشكل تحالف طبقي واسع. الأحزاب الطائفية، المستفيدة من الريع ومن شبكات الزبائنية، أعادت احتواء جزء من الغضب الشعبي، وقسمت الاحتجاجات على أسس هوياتية. بقيت المطالب تتراوح بين نقد الفساد المالي والمطالبة بإصلاحات مدنية، دون أن تتبلور كتلة تاريخية قادرة على تجاوز النظام الطائفي-الريعي برمته. هنا يتضح كيف يمكن لبنية فوقية – الطائفية السياسية – أن تعرقل تحول الوعي الطلابي إلى قوة طبقية مستدامة، رغم عمق الأزمة الاقتصادية.

أما في دول الخليج، فإن المشهد يبدو مختلفاً ظاهرياً وأكثر استقراراً. الريع النفطي المرتفع، والمنح الدراسية، والوظائف الحكومية، كلها تعمل كصمامات أمان اجتماعي. التعليم يُستخدم لإعادة إنتاج الولاء، والرقابة السياسية تحد من أي تنظيم مستقل. لكن تحت هذا السطح الهادئ تتراكم تناقضات لا يمكن تجاهلها. فالنواة الإنتاجية الوطنية تبقى محدودة، بينما تعتمد قطاعات واسعة على العمالة الوافدة. كما أن بطالة الخريجين المواطنين بدأت في الارتفاع في بعض الدول، رغم برامج التنويع الاقتصادي مثل “رؤية 2030”.

يمكن القول إن الاستقرار هنا استقرار مشروط. انخفاض أسعار النفط أو تعثر مشاريع التنويع قد يكشف هشاشة التوازن القائم. الطالب الذي يتلقى منحة اليوم قد يجد نفسه غداً في سوق عمل مشبع أو في قطاع خاص لا يوفر الامتيازات ذاتها. غير أن شدة القمع وغياب التنظيم العلني يجعلان أي حراك محتمل أكثر صعوبة وأقل استمرارية. المفارقة أن الفراغ الطبقي في هذه الدول أعمق، بسبب ضآلة نسبة العمال المنتجين الوطنيين، ما يجعل أي تحالف طبقي عابر للقطاعات أكثر تعقيداً.

ما يجمع هذه الحالات الثلاث هو أن الطلاب يشكلون غالباً الشرارة الأولى. إنهم يعبرون عن أزمة مستقبل، عن انسداد أفق اجتماعي. لكن ما يفرق بينها هو طبيعة البنية السياسية والاجتماعية: في العراق، القمع المباشر والتشظي التنظيمي؛ في لبنان، الطائفية كآلية احتواء؛ في الخليج، الريع كآلية شراء ولاء مقرون برقابة صارمة.

من منظور سوسيولوجي، تكشف هذه التجارب أن الحراك الطلابي ليس نتاج “وعي مثالي” مجرد، بل نتيجة مباشرة لاختلال العلاقة بين التعليم والإنتاج، بين التوقعات والفرص. حين يتوسع التعليم دون أن يتوسع الإنتاج، يتراكم فائض من الطموح غير القابل للتحقق. هذا الفائض يتحول إلى غضب، والغضب إلى احتجاج. لكن الانتقال من الاحتجاج إلى التغيير البنيوي يتطلب ما هو أبعد من الحشد الرمزي؛ يتطلب امتداداً في قلب عملية التراكم.

بهذا المعنى، تؤكد الحالات المدروسة أن الطلاب قادرون على ملء الفراغ الطبقي مؤقتاً، وأنهم يشكلون طليعة احتجاجية في لحظات الأزمة. غير أن استدامة الفعل التاريخي تبقى رهناً بقدرتهم على نسج تحالف عضوي مع نواة إنتاجية قادرة على التأثير في تدفق الريع ذاته. من دون هذا الارتباط، تبقى الحركة معرضة للانحسار، مهما بلغت كثافتها الرمزية.

آفاق العمل الثوري – من الطليعة المؤقتة إلى الثورة المستدامة

في الأنظمة الريعية، تتسم البنية الاجتماعية والسياسية بالترابط الوثيق بين الريع، الدولة، والنظام الاقتصادي، بحيث يعمل الريع على إعادة إنتاج نفسه بشكل مستمر، من خلال السيطرة على الموارد الاقتصادية وإعادة توزيعها بما يحافظ على استقرار النظام ويحد من نشوء طبقة عاملة منتجة قادرة على تحدي الهيمنة. في هذا السياق، يصبح الدور الثوري لأي فئة ناشطة، سواء كانت طلابية أو عمالية أو طبقات فكرية وسطية، معقداً للغاية. إذ يتطلب تجاوز مجرد الاحتجاج على مظاهر الريع أو المطالب الفئوية المحدودة، إلى صياغة رؤية شاملة تجمع بين التحليل النظري العميق للواقع، وفهم آليات إنتاج الريع، وتحديد نقاط التناقض التي يمكن استثمارها لتفجير الأزمة البنيوية.

الفكر الثوري في هذا السياق يحتاج إلى إعادة بناء أدوات تحليلية تتجاوز تبسيط الواقع أو التكرار المألوف للتحليلات السابقة. المهام الفكرية يجب أن تنغمس في دراسة التناقضات العميقة بين الإنتاج والريع، بين الوعود الاجتماعية والسياسية والواقع العملي، وبين القيود الاقتصادية والسياسية المفروضة على الشباب والطبقات العاملة. هذا التحليل لا يقتصر على حصر المشكلات، بل يشمل رسم خرائط للفرص والموارد التي يمكن تحويلها إلى أدوات ضغط واستراتيجية للتغيير. على سبيل المثال، قراءة العلاقة بين بطالة الخريجين في الجامعات وغياب إنتاج صناعي حقيقي، أو بين توزيع المنح والمخصصات الريعية وغياب سلطة حقيقية للطبقات العاملة، يسمح بتحديد حلقات تفجير التناقضات التي يمكن أن تضعف السيطرة الريعية.

في هذا السياق، الانغماس في الفعل الاجتماعي يصبح ضرورة لا غنى عنها. يمكن القول إن أي فكر ثوري لا يُترجم إلى نشاط اجتماعي ملموس يواجه خطر الجمود والاحتواء. لذلك، يجب الجمع بين التحليل العميق للواقع والانخراط في الاحتجاجات، الحركات الطلابية، الإضرابات، أو حملات التوعية، بحيث تتحول المعرفة إلى أداة لتغيير الواقع، والفعل الاجتماعي إلى وسيلة لاختبار وضبط النظرية. هذه الوحدة بين الفكر والفعل هي الكفيلة بجعل أي حركة ثورية أكثر مرونة وفاعلية، وأكثر قدرة على الصمود أمام القمع والاحتواء.

تتطلب صياغة أسس التنظيم السياسي الثوري في الأنظمة الريعية تجاوز النماذج التقليدية للأحزاب والنقابات، التي غالباً ما تعمل ضمن حدود ضيقة ولا تتكيف مع ديناميات الواقع المعقدة والمتغيرة. الأدوات التنظيمية يجب أن تُصمم لتتلاءم مع التحديات الملحة، بحيث تسمح بالاستجابة السريعة للأزمات الريعية، كارتفاع معدلات البطالة أو تقلب أسعار النفط، واستثمارها في تعزيز الحراك الاجتماعي والسياسي. هنا، يتم التركيز على المهام العملية أكثر من التحالفات الافتراضية: تحويل الاحتجاجات الفردية إلى نشاط جماعي منظم، استثمار الأزمات لرفع مستوى الضغط، وتجربة أدوات جديدة للتحرك، سواء على المستوى المحلي أو عبر شبكات التواصل الرقمي التي تسمح بتنسيق الفعل بعيداً عن سيطرة الدولة المباشرة.

الجامعة كمختبر للوعي النقدي والفعل الاجتماعي تظل مثالاً على كيفية الجمع بين النظرية والممارسة. ففضاء المعرفة، المتمثل في التدريس والندوات والمناقشات الأكاديمية، يسمح للطلاب بفهم أعمق للواقع وتحليل التناقضات، بينما العمل داخل الفضاء الاجتماعي، من تنظيم مظاهرات أو حملات توعية، يوفر منصة لاختبار الاستراتيجيات السياسية والتنظيمية. هذا الربط بين الفضاء النظري والميداني يمكن أن يحوّل أي نشاط ثوري من احتجاج عرضي إلى فعل مؤثر، قادر على تحدي منطق الريع والهيمنة المستمرة.

التحديات الفكرية والتنظيمية والسياسية تتطلب صياغة رؤية شاملة ومتكاملة للتغيير، لا تقتصر على أدوات جاهزة، بل تركز على تطوير مهام محددة تتلائم مع الواقع الراهن. المهام الفكرية تشمل التحليل الدقيق للتناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفحص نقاط الضعف في إنتاج الريع، وتحديد مواقع التأثير الممكنة. المهام التنظيمية تتضمن بناء أدوات مرنة، قادرة على التكيف مع التغيرات المستمرة، وتحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى نشاط جماعي مستدام. أما المهام السياسية، فهي تتعلق بإعادة صياغة الخطاب بحيث يرتبط مباشرة بأهداف الثورة، وليس بالتحرك ضمن ما تسمح به بنية النظام الريعي من حدود.

باختصار، يمكن القول إن أي استراتيجية ثورية فعالة في الأنظمة الريعية تعتمد على صياغة أسس فكرية وتنظيمية وسياسية متكاملة، تجمع بين التحليل الواقعي العميق والانغماس الفعلي في النشاط الاجتماعي. هذه الوحدة بين النظرية والفعل، بين الرمزي والمادي، بين التحليل والتنفيذ، هي الكفيلة بتطوير دور ثوري قادر على كسر حلقة الإنتاج الريعي التي يسعى النظام باستمرار لإعادة إنتاجها، وتحويل الطاقات المهدورة إلى قوة تاريخية قادرة على إحداث تغييرات ملموسة ومستدامة في البنية الاجتماعية والسياسية.

 

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 3.67 من 5 (3 صوت)
📂 التصنيفات: دراسات, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.