حزب بلا جماهير: نقد الفهم الليبرالي لشرعية القيادة

🖨️ طباعة هذه المقالة

في الفهم الماركسي، كما يؤكد البيان الشيوعي، يُمثل الشيوعيون دوماً مصالح مجمل الحركة البروليتارية في مختلف أطوار تطورها، أي في كل مراحل الصراع بين البروليتاريا والبرجوازية (ماركس وإنجلز، البيان الشيوعي)[1]. هذا التمثيل لا يختزل أبداً في الدفاع عن مطالب فئوية أو ظرفية، ولا يقتصر على نطاق جغرافي أو تنظيمي ضيق. بل يقوم على رؤية تاريخية شاملة لمسار الصراع الطبقي، ولمستوى وعي الجماهير. ببساطة، القيادة الشرعية هنا ليست مجرد منصب إداري، بل علاقة عضوية بالحركة التاريخية للطبقة.

انطلاقاً من هذا المنظور، لا تُفهم شرعية الحزب الشيوعي بوصفها نتاجاً لإجراءات تنظيمية أو انتخابات داخلية فحسب. فالقيادة الشرعية ليست مجرد نفوذ تنظيمي، بل تتجسد في التفاعل الحيّ مع الجماهير، وفي القدرة على ترجمة مصالح الطبقة العاملة إلى ممارسة سياسية واعية. أي انفصال عن هذه الوظيفة التاريخية يُضعف الشرعية الثورية، ويحوّل الحزب إلى تنظيم يحمل الاسم دون المضمون، مهما بلغت درجة انتظامه الداخلي أو التزامه بلوائحه شكلياً.

غير أن هذا الانفصال لا يحدث في فراغ، ولا يمكن تفسيره باعتباره مجرد “خطأ تنظيمي” أو “سوء تطبيق” للمبادئ. فالاختلاف عن الفهم الماركسي غالباً ما ينبع من تسلل الفهم الليبرالي للتمثيل والشرعية داخل الأحزاب الماركسية، وهو فهم متجذر في مواقع اجتماعية محددة. هذا الفهم ليس انحرافاً فكرياً مجرداً، بل انعكاس لمصالح وقيم فئات اجتماعية بعينها، وعلى رأسها فئات الكمبرادور النيوليبرالي الجديد[2] المرتبطة ببنية الاقتصاد التابع وشبكات التمويل والعلاقات العابرة للحدود.

هذه الفئات، التي تشكّلت تاريخياً كوسيط بين الرأسمال العالمي والمجتمع المحلي، تحمل معها تصوراً للسياسة مستمداً من تجربة المجتمع المدني النيوليبرالي: سياسة تُجرّد من الصراع الطبقي، وتنظيم يُفصل عن قاعدته الاجتماعية، وشرعية تُقاس بالامتثال للإجراءات لا بالوظيفة التاريخية. وعندما تنتقل هذه الخبرة من فضاء المنظمات غير الحكومية إلى الفضاء الحزبي الماركسي، فإنها لا تأتي كتقنية محايدة، بل كمنظومة قيم تعيد تعريف السياسة والتنظيم والقيادة.

في هذا السياق، يُعاد تأطير الحزب الشيوعي لا بوصفه أداة صراع طبقي، بل كمنصة نشاط مدني منضبط، تُدار بمنطق المشاريع، والتقارير، والانتخابات الدورية. القيادة تُقاس هنا بكفاءتها الإجرائية، لا بمدى انغراسها في الحركة العمالية أو قدرتها على بلورة وعي طبقي جماعي. وهكذا، يتحول الفهم الليبرالي للتمثيل إلى ما يشبه “العقل العملي” داخل التنظيم، بينما يُدفع التحليل الطبقي إلى الهامش بوصفه خطاباً راديكالياً غير عملي.

هذا التحول يتغذّى من واقع تاريخي أوسع: تراجع الحركة العمالية المنظمة، صعود أنماط عمل هشّة ومفككة، وتوسّع دور التمويل الخارجي في تشكيل الفضاء العام. في مثل هذا الواقع، تجد فئات الكمبرادور النيوليبرالي الجديد موقعها الطبيعي داخل التنظيمات السياسية، حيث تنقل – بوعي أو من دونه – منطق الحياد المزعوم والديمقراطية الشكلية إلى قلب الحزب الذي يفترض أنه ماركسي.

من هنا، يصبح التركيز على الانتخابات الداخلية واللوائح التنظيمية تعبيراً عن موقع طبقي محدد يرى في الاستقرار الشكلي غاية في حد ذاته، ويخشَى الصراع بوصفه تهديداً لا كشرط للتقدم. القيادة التي تنبثق من هذا المنطق تنفصل طبيعياً عن الحركة الاجتماعية، لأنها لا ترى الجماهير فاعلاً تاريخياً، بل جمهوراً يُدار أو يُمثّل رمزياً.

بذلك، يتحدد السؤال الماركسي حول الشرعية ليس بوصفه إجرائياً، بل بوصفه تاريخياً–طبقياً: هل تمثل القيادة مصالح الحركة البروليتارية الشاملة؟ أم أنها تعبّر، في وعيها وممارستها، عن موقع اجتماعي وسيط يسعى للتكيّف مع الواقع بدل تغييره؟ هذا التمهيد يضع الأساس لفهم التناقض بين النموذجين الليبرالي والماركسي للتمثيل، ليس كاختلاف نظري فقط، بل كنتيجة مباشرة لصراع مواقع اجتماعية داخل الحزب ذاته.

التفويض الإجرائي والحياد المزعوم

ينطلق الفهم الليبرالي لتمثيل القيادة من تصور قانوني–إجرائي للسلطة، حيث تُختزل الشرعية في آلية التفويض عبر الانتخاب، بغضّ النظر عن الموقع الاجتماعي أو الطبقي للقوى الممثَّلة. هنا، تُفهم القيادة بوصفها نتاجاً لإرادة عددية مجرّدة، وتُعامل التنظيمات السياسية كأوعية محايدة يمكن أن تحتوي أي مضمون اجتماعي دون أن يتغيّر شكلها الجوهري. ببساطة، يُفترض ضمنياً إمكانية فصل السياسة عن البنية الاجتماعية، وفصل القيادة عن الصراع الطبقي، وهو افتراض مركزي في الفكر الليبرالي الكلاسيكي والمعاصر على حد سواء.

وفق هذا المنطق، تصبح القيادة شرعية طالما التزمت بالإجراءات، لا طالما عبّرت عن مصالح اجتماعية محددة. الانتخابات هنا ليست وسيلة، بل تتحول إلى غاية بحد ذاتها، ويُعاد إنتاج الشرعية بشكل دوري من دون مساءلة جوهرية حول طبيعة الخط السياسي أو نتائجه الاجتماعية. هذا يسمح للقيادة بأن تكتفي بذاتها، وأن تعتبر استمرارها في الموقع دليلاً كافياً على تمثيلها، حتى في ظل تراجع علاقتها بالقواعد الاجتماعية التي يُفترض أنها تمثلها.

في السياق الحزبي، يفتح هذا الفهم الباب أمام تحويل التنظيم إلى جهاز إداري، حيث تُدار الخلافات باعتبارها خروقات تنظيمية لا تعبيرات عن تناقضات سياسية أو اجتماعية. هكذا يُفرَّغ مفهوم التمثيل من مضمونه، ويُعاد تعريف السياسة بوصفها تقنية إدارة لا ممارسة صراع.

الفهم الماركسي للتمثيل

في المقابل، ينطلق الفهم الماركسي للتمثيل من فرضية مغايرة جذرياً: القيادة ليست موقعاً إدارياً محايداً، بل وظيفة اجتماعية تتحدد ضمن بنية الصراع الطبقي. فالتمثيل هنا لا يُقاس بالشكل الذي تُنتَج به القيادة، بل بالدور الذي تؤديه داخل الحركة التاريخية للطبقات.

القيادة شرعية بقدر ما تعبّر عن مصالح الطبقة التي تدّعي تمثيلها، وبقدر ما تكون منغمسة في ممارستها النضالية اليومية. كما شدد ماركس وإنجلز، الشيوعيون ليسوا جماعة منفصلة عن الطبقة العاملة، بل تعبيرها الأكثر وعياً وتنظيماً. أي قيادة تنفصل عن الحركة الحية للطبقة تفقد مضمونها، حتى لو احتفظت بكامل شرعيتها الشكلية.

التمثيل في هذا السياق يُفهم كعلاقة جدلية؛ فالقيادة لا تمارس تأثيرها على الطبقة فحسب، بل تُختبر من خلالها بشكل مستمر. لا وجود لتمثيل ثابت أو نهائي، بل هو سيرورة تاريخية مفتوحة ومتجددة. من هذا المنظور، يصبح من المستحيل فصل التنظيم عن المجتمع، أو القيادة عن القاعدة الشعبية. وحتى حين تُجرى الانتخابات، فإنها تُوظف كأداة تنظيمية ثانوية تهدف إلى تجديد حيوية الوظيفة التاريخية للحزب، لا كمصدر مستقل للشرعية. فالشرعية الحقيقية تُستمد من قدرة القيادة على بلورة وعي طبقي جماعي، وتحويل النظرية إلى ممارسة تاريخية ملموسة. وأي انقطاع عن هذه الوظيفة يحرم الممارسات التنظيمية الداخلية من معناها وأهميتها ودورها الفعلي، مهما احتوت من مؤتمرات أو اجتماعات أو انتخابات، ويحوّل التنظيم إلى جهاز فوقي فاقد لدوره السياسي والطبقي الثوري.

ومع الزمن، يتقلص التنوع الداخلي، وتُدجَّن الاختلافات، ويصبح التنظيم متجانساً ظاهرياً لأنه فقد قدرته على إنتاج التناقض. إن تراجع الحضور الفعلي للحزب داخل الأوساط الشعبية، وتحول نشاطه إلى فضاء تنظيمي معزول عن شروط العيش والصراع اليومي للطبقات الكادحة، انعكس في خطاب سياسي عاجز عن بناء صلة عضوية مع المجتمع الذي يدّعي تمثيله. “ضعف وخلل علاقة الحزب وتنظيماته بالأوساط الشعبية وقصور خطابه السياسي في الوصول إليها” يؤكد عدم شرعية قيادته. شرعية قيادة الشيوعيين، شرعية أصبحت تنحصر بمقر وشعارات وصفحة على وسائل التواصل الاجتماعي.

فعندما يُستورد الفهم الليبرالي للتمثيل إلى حزب يعرّف نفسه كحزب ماركسي، ينشأ تناقض بنيوي بين الخطاب والممارسة. السؤال الماركسي: من تمثل القيادة؟ بينما تُقدّم الإجابة بأدوات ليبرالية: لقد انتُخبت وفق النظام الداخلي. هذا الانزلاق يتكرّس تدريجياً، حيث تُصبح الإجراءات التنظيمية مرجعية عليا تُغلق النقاش السياسي بدل أن تفتحه.

الديمقراطية الماركسية في مواجهة الشكلية التنظيمية

الديمقراطية في الفهم الماركسي ليست مجرد مجموعة إجراءات، بل عملية تاريخية مفتوحة تقوم على الصراع، والمساءلة، والتجديد المستمر. هي ديمقراطية تعترف بالتناقض بوصفه محركاً للتطور، لا خطراً يجب تحييده. ببساطة، تعني حق القاعدة في التأثير على الخط السياسي، وفي تغيير القيادة حين تنفصل عن وظيفتها الطبقية.

هذه الديمقراطية تفترض وجود فضاء للنقاش الحر، ولتعدد القراءات، ولتجريب الأشكال التنظيمية المختلفة. لا تُختزل في التصويت، بل تتجسد في المشاركة اليومية في صياغة القرار وتقييم نتائجه. القيادة ليست فوق النقد، بل نتاجه، وتستمد قوتها من قدرتها على الإقناع لا من سلطتها الإجرائية.

في المقابل، تختزل الديمقراطية الشكلية العملية السياسية في إجراءات داخلية تُستخدم لضبط التنظيم لا لتحريره. الوحدة تُقدَّم كقيمة عليا، والخلاف يُعاد تعريفه كخلل تنظيمي لا كضرورة سياسية. بهذه الطريقة، تُدفع القيادة بعيداً عن الحركة الحية، ويصبح التنظيم ساكناً، قادراً على إدارة ذاته، لكنه عاجز عن التأثير في الواقع.

النتيجة النهائية: حزب مستقر تنظيمياً، لكنه منفصل عن طبقته، عاجز عن جذب أجيال جديدة، وغير قادر على قراءة التحولات الاجتماعية. أي شرعية تُستمد هنا من التنظيم ذاته، لا من القدرة على تمثيل مصالح الفئات الشعبية. أي حزب يظل شكلياً موجوداً، لكنه فاقد لمبرره التاريخي، ويصبح شاهداً على عجزه الذاتي.

آليات استعادة الشرعية المفقودة

يمكن القول إن إعادة بناء شرعية القيادة الماركسية لا تتحقق بمجرد التمسك بالشكل التنظيمي أو الالتزام باللوائح الداخلية. الشرعية التاريخية تتطلب علاقة حيّة ومتجددة مع الجماهير، وتطبيق ما يمكن تسميته بمبادئ “القيادة المساءلة والفاعلة”. القيادة الشرعية ليست فقط موقعاً إدارياً، بل وظيفة اجتماعية يجب أن تنعكس في ممارسة نضالية حقيقية تخدم مصالح الطبقة العاملة.

في هذا السياق، تصبح المساءلة الفعلية للقاعدة الاجتماعية أداة مركزية للحفاظ على الشرعية. أي نقد داخلي أو تقييم للخط السياسي يجب أن يُؤخذ على محمل الجد، ويُستخدم لتصحيح المسار بدل قمعه أو تجاهله. المشاركة المباشرة للجماهير في صياغة القرارات، وتقييم نتائج السياسات، وتمكين أطر النقاش المفتوحة تُعيد إنتاج الشرعية التاريخية بشكل مستمر، وتمنع تحول القيادة إلى قوة منفصلة عن الحركة الطبقية.

لكن الأهم من ذلك أن شرعية القيادة لا تُقاس بقدرتها على استمالة المندوبين في المؤتمرات، ولا بمحاولتها تعزيز فرص استمرارها عبر توسيع دائرة المدعوين تمهيدًا لتحويلهم إلى مندوبين لاحقًا، بل تُقاس بقدرتها الفعلية على إقناع الجماهير، والحفاظ على التزام الشيوعيين الفاعلين داخل التنظيم، واستقطاب كوادر جديدة تنخرط بوعي وممارسة نشطة في النضال الطبقي. فلا يمكن لقيادة تدّعي الشرعية أن تواصل تمثيل الشيوعيين في الوقت الذي يفوق فيه عدد الشيوعيين الذين غادروا التنظيم أو فقدوا ثقتهم بخطها أضعاف أولئك الذين بقوا مقتنعين بها. فالقيادة الحقيقية لا تستمد قوتها من آليات شكلية أو من هندسة الانطباع العام، بل من علاقة عضوية ومتواصلة مع الطبقة العاملة، بوصف هذه العلاقة المصدر المادي والعملي لشرعيتها واستمراريتها.

بالإضافة إلى ذلك، يُعد التجديد الداخلي للقيادة ضرورة لا تقل أهمية عن المشاركة الشعبية. القيادة القادرة على البقاء شرعية هي التي تربط النظرية بالممارسة، وتفهم التحولات الاجتماعية والطبقية الحديثة، وتستوعب أشكال النضال الجديدة. أي قيادة تفتقر إلى هذا التجديد تصبح عاجزة عن الاستجابة للتحديات المعاصرة، ويصبح الحزب مجرد إطار شكلي، منفصل عن دوره التاريخي والثوري.

أفق القيادة الماركسية المستقبلية

من منظور استراتيجي، يمكن تصور أفق قيادي ماركسي متجدد يقوم على تفاعل حيّ بين النظرية والممارسة، وبين القيادة والجماهير، وبين المطالب اليومية والأفق الاستراتيجي للطبقة العاملة. هذا الأفق لا يكتفي بالمحافظة على استمرارية التنظيم، بل يسعى لتطوير أدواته القيادية والتواصلية بما يضمن التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة.

ببساطة، أفق القيادة الماركسية المستقبلية يقوم على القدرة على قراءة الواقع الاجتماعي بشكل دقيق، واستخدام هذه القراءة لتجديد الخطاب السياسي، ولتطوير أدوات النضال، ولإشراك الجماهير في صوغ القرارات. القيادة هنا ليست موقعاً ثابتاً، بل وظيفة ديناميكية تتفاعل مع الحركة الطبقية، وتختبر نفسها يومياً من خلال قدرتها على بلورة وعي جماعي وإحداث تغييرات ملموسة.

في هذا السياق، يصبح تجديد الخطاب القيادي واستيعاب أشكال النضال الجديدة شرطاً لبقاء الحزب حياً وفاعلاً، وحمايةً لشرعيته التاريخية. أي قيادة تفشل في هذا التجديد ستتعرض للانفصال عن الحركة الاجتماعية، وسيصبح الحزب مجرد شاهد على عجزه، لا أداة للنضال والتغيير.

 

[1] Marx, Karl, KPÖ, https://www.kpoe-steiermark.at/dl/5408cec1d17ee4f9adff37c4c31f3790/manifest.pdf

[2] ستار جبار رحمن، (2025) الكمبرادور الجديد: قراءة في تحوّل وظائف اليسار، رؤى شرق أوسطية، https://mevp.ecmes.academy/sattar/5423/

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 4.14 من 5 (14 صوت)
📂 التصنيفات: دراسات, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.