الوظيفة الأمنية كبديل عن التراكم في دول الهامش:

🖨️ طباعة المقال
نقد تحليلي لأطروحة الإمبريالية الإقليمية عند ستار جبار رحمن من خلال الحالة التشادية

ملخص

تقدم هذه الورقة نقداً تحليلياً لأطروحة “الإمبريالية الإقليمية” كما صاغها ستار جبار رحمن، من خلال اختبار صلاحيته التفسيرية على حالة الدولة التشادية. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الأدبيات الكلاسيكية والمعاصرة، بما في ذلك الطرح الذي يقدمه رحمن، تشترك في ربط الفاعلية الإقليمية بمنطق التراكم الرأسمالي. غير أن تحليل الحالة التشادية يكشف عن نمط مغاير من الفاعلية، لا يستند إلى فائض اقتصادي أو توسع إنتاجي، بل إلى توظيف القوة العسكرية ضمن وظيفة أمنية إقليمية. وتخلص الورقة إلى أن فهم ديناميات دول الهامش يتطلب تجاوز المقاربات الاقتصادية الصرفة، نحو إدماج البعد الوظيفي-الأمني بوصفه محدداً مركزياً لموقع هذه الدول في النظام الدولي.

 

مقدمة

تندرج هذه الورقة في سياق نقدي يستهدف إعادة تقييم أطروحة “الإمبريالية الإقليمية” التي قدمها ستار جبار رحمن، بوصفها محاولة لتجديد التحليل الماركسي لظاهرة الهيمنة في العالم المعاصر. وتكتسب هذه الأطروحة أهميتها من سعيها إلى تجاوز النماذج الكلاسيكية، عبر تفسير صعود قوى إقليمية تمارس أشكالاً من النفوذ دون أن تكون إمبراطوريات عالمية بالمعنى التقليدي. غير أن هذا الطرح، رغم طموحه النظري، يظل- ضمنياً-مرتبطاً بفرضية مركزية مفادها أن الفاعلية الإقليمية ترتبط بشكل أو بآخر بمنطق التراكم الرأسمالي. ومن هنا تنطلق هذه الورقة، لا لنقض الأطروحة من خارجها، بل لاختبار حدودها من خلال تطبيقها على حالة محددة، هي تشاد، التي تمثل نموذجاً لدولة تجمع بين تبعية اقتصادية واضحة وحضور أمني إقليمي ملحوظ.

وعليه، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم نقد تحليلي لأطروحة رحمن، عبر مساءلة افتراضاتها الضمنية، واختبار قدرتها التفسيرية، واقتراح إطار بديل أكثر ملاءمة لفهم أنماط الفاعلية في دول الهامش.

أولاً: منطق التراكم كأساس للتوسع – الإطار النظري في أطروحة رحمن

تنطلق أطروحة رحمن من إعادة قراءة التراث النظري للإمبريالية، حيث يتم التأكيد على أن التوسع الخارجي ليس خياراً سياسياً، بل نتيجة بنيوية لمنطق التراكم. وضمن هذا الإطار، يتم توسيع التحليل ليشمل العلاقات بين المركز والمحيط، مع الاعتراف بإمكانية قيام بعض دول المحيط بأدوار إقليمية تتجاوز موقع التبعية التقليدي.

غير أن هذا التوسيع، رغم أهميته، يظل محكوماً بافتراض ضمني يتمثل في أن هذه الفاعلية الإقليمية، حتى في صورتها “الوسيطة”، ترتبط بدرجة معينة من التراكم الاقتصادي أو بقدرة على إعادة إنتاجه خارجياً.

ثانياً: حدود أطروحة الإمبريالية الإقليمية

يمكن تحديد حدود أطروحة رحمن في ثلاثة مستويات مترابطة:

  1. المركزية الاقتصادية

تفترض الأطروحة أن النفوذ الإقليمي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر أدوات اقتصادية، وهو ما يؤدي إلى استبعاد أنماط أخرى من الفاعلية.

  1. إهمال خصوصية الاقتصادات الريعية

لا تعالج الأطروحة بشكل كافٍ الحالات التي يغيب فيها التراكم الصناعي، وتحل محله أنماط ريعية لا تنتج دينامية توسعية.

  1. غياب البعد الوظيفي

لا تأخذ الأطروحة في الاعتبار أن بعض الدول قد تندمج في النظام الدولي من خلال أداء وظائف محددة، لا من خلال المنافسة الاقتصادية.

ثالثاً: الحالة التشادية – اختبار نقدي للأطروحة

  1. البنية الاقتصادية

يتسم الاقتصاد التشادي بضعف القاعدة الإنتاجية واعتماده على مورد أحادي، ما يحد من قدرته على توليد فائض اقتصادي قابل للتوسع.

  1. البنية السياسية

تقوم الدولة على مركزية المؤسسة العسكرية، التي تلعب دوراً محورياً في ضبط المجال الداخلي وإنتاج الشرعية.

  1. الدور الإقليمي

رغم هذه المحدودية الاقتصادية، تمارس تشاد حضوراً عسكرياً نشطاً في محيطها الإقليمي، خاصة في مناطق النزاع، حيث تُعد فاعلاً أمنياً معترفاً به.

رابعاً: مأزق التفسير في أطروحة رحمن

تكشف الحالة التشادية عن فجوة تفسيرية واضحة في أطروحة رحمن، تتمثل في عجزها عن تفسير فاعلية إقليمية لا تستند إلى التراكم الاقتصادي. فبينما لا تتوفر الشروط المرتبطة بالتوسع الرأسمالي، لا يمكن إنكار وجود دور إقليمي فعلي.

هذا التناقض يضع الأطروحة أمام سؤال حاسم:

هل يمكن تصور نفوذ إقليمي خارج منطق التراكم؟

خامساً: الوظيفة الأمنية كإطار بديل

  1. تعريف المفهوم

تشير “الوظيفة الأمنية” إلى نمط من الاندماج في النظام الدولي، تقوم فيه الدولة بتوظيف قدراتها العسكرية لتقديم خدمات أمنية مقابل دعم خارجي.

  1. منطق الاشتغال

في هذا النموذج، تتحول القوة العسكرية إلى مورد سياسي، وتصبح الفاعلية مرتبطة بالقدرة على إنتاج الاستقرار، لا على إنتاج الثروة.

  1. دلالات المفهوم

يُظهر هذا النموذج أن النفوذ يمكن أن ينبع من أدوار وظيفية داخل النظام الدولي، ما يفرض إعادة النظر في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة.

سادساً: إعادة تأطير أطروحة رحمن

لا تهدف هذه الورقة إلى رفض أطروحة رحمن، بل إلى تطويرها، من خلال إدخال بعد تحليلي جديد يتمثل في الوظيفة الأمنية. فبدلاً من حصر الفاعلية الإقليمية في إطار التراكم، يمكن توسيعها لتشمل أنماطاً أخرى من الاندماج في النظام الدولي.

خاتمة

يُظهر التحليل أن أطروحة الإمبريالية الإقليمية، رغم أهميتها، تظل محدودة في تفسير بعض حالات دول الهامش، خاصة تلك التي تقوم فاعليتها على أسس غير اقتصادية. وتقدم الحالة التشادية مثالاً واضحاً على هذا القصور، حيث يتأسس الحضور الإقليمي على وظيفة أمنية، لا على توسع رأسمالي.

وعليه، فإن تطوير التحليل النظري يتطلب إدماج هذا البعد، بما يسمح بفهم أكثر دقة لتعقيد النظام الدولي، وللمواقع المتباينة التي تحتلها دول الهامش داخله.

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 3.14 من 5 (7 صوت)
📂 التصنيفات: مقالات, مقالات رأي

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.