وُلد مارتن هايدجر في بلدة مسكيرش بجنوب غرب ألمانيا عام 1889، ودرس اللاهوت ثم الفلسفة في فرايبورغ، وقد عمل مساعداً للفيلسوف إدموند هوسرل قبل أن ينتقل إلى جامعة ماربورغ. وفي عام 1927 نشر كتابه «الكينونة والزمان»، فجعل من سؤال واحد محور فلسفته وهو استعادة الفلسفة لسؤال الوجود، وسؤال ما معنى أن يكون الشيء موجوداً؟ ولم يبدأ هذا السؤال من تعريفات مجردة، بل من الكائن الذي يطرحه، أي الإنسان في حياته اليومية. وقد لقي الكتاب في ألمانيا استقبالاً حاداً، فحمله شباب الباحثين بحماسة، ورأى كثيرون أن لغته لامست قلق جيل خرج من الحرب العالمية الأولى، وأنكر عليه آخرون غموضه الشديد وإفراطه في الابتكار اللفظي، وبلغ الجدل ذروته في مناظرة دافوس مع إرنست كاسيرر عام 1929، بعد أن خلف هوسرل في كرسي فرايبورغ عام 1928. وفي هذا الشأن يرى كوبلستون أن كتاب هايدجر الوجود والزمان به تحليل انطولوجي فينومنولجي للإنسان من حيث إنه الموجود الذي لديه القدرة على أن يثير السؤال، وهو، بالتالي، منفتح على الوجود. ولم يقتصر أثر الكتاب على الفلسفة، فقد تتلمذ عليه حنة أرندت وهانس يوناس وكارل لوفيت وهربرت ماركيوز، وصار بعضهم من أشد ناقديه. وتمتد موضوعات فلسفة هايدجر من الكينونة والزمان والموت والأصالة والقلق إلى التقنية واللغة والشعر والسكن. غير أن سيرته السياسية لا تُغفل فقد انضم إلى الحزب النازي في ربيع 1933 وتولى رئاسة جامعة فرايبورغ ثم استقال منها في ربيع 1934، ومُنع من التدريس بعد الحرب حتى مطلع الخمسينيات، وما زال هذا الفصل يرافق قراءته حتى اليوم. وفي هذا المقال لا نحاول البحث عن آراء سياحية مباشرة عند مارتن هايدجر، فهي قليلة، بل نستعير أدواته لنفهم ما يفعله الإنسان حين يسافر، وأهمها مفهوم الدازين، أي الكائن الذي نكونه نحن، وتحليله لظاهرة الفضول في الفقرة السادسة والثلاثين من كتاب الوجود والزمان.
لم يكن هايدجر رحالة، لكنه كان رجل أمكنة. ففي عام 1922 بُني له كوخ خشبي صغير من ثلاث غرف في جبال الغابة السوداء قرب قرية تودناوبرغ، بتكليف من زوجته إلفريده، ليكتب فيه بعيداً عن ضجيج الجامعة، وظل يعود إليه في فصول متعددة حتى آخر سنوات عمره. وكتب عن الدرب الريفي في مسقط رأسه نصاً قصيراً سنة 1949، ودوّن في منتصف الأربعينيات حواراً فلسفياً عنوانه «حوار على درب ريفي»، فكان المشي عنده إصغاءً بطيئاً إلى المكان لا وسيلة للوصول. ورفض عام 1933 عرضاً للانتقال إلى جامعة برلين، وبرّر بقاءه في الريف في مقالة نُشرت سنة 1934. أما السفر البعيد فتأخر إلى سن الثانية والسبعين، حين زار اليونان في أبريل 1962 على متن رحلة بحرية انطلقت من البندقية، ودوّن مشاهداته في يوميات نُشرت لاحقاً بعنوان «إقامات»، ثم عاد إليها عام 1967 فألقى محاضرة في أثينا. وفي خطاب ألقاه في مسكيرش عام 1955 دعا إلى «السكينة» (Gelassenheit)، أي أن يقول الإنسان للأجهزة نعم ولا في آن واحد، فلا يستسلم لها ولا ينكرها. وفي المقابل كان حذراً من السياحة الصناعية المنظمة. ففي محاضرته عن التقنية سنة 1953 ذكر نهر الراين الذي أُقيمت عليه محطة لتوليد الكهرباء، وتساءل عما بقي منه، فأجاب بأنه لم يبق إلا موضوعاً تعرضه صناعة الإجازات على فوج من السياح. ومن المفارقات أن تودناوبرغ نفسها صارت وجهة سياحية يمرّ بها مسار يحمل اسمه. وهذا كله يضعنا أمام موقف أدق مما يُظن: ليس رفضاً للسفر، بل شكاً في الطريقة التي نسافر بها.
كلمة الدازين (Dasein) تعني في الألمانية العادية الوجود أو الحضور، وقد جعلها هيدغر اسماً للكائن الذي نكونه نحن البشر جميعاً، متأملاً شطريها؛ «دا» أي الهناك، و«زاين» أي الكينونة. فالإنسان كائن له «هناك» ينكشف فيه العالم وتظهر فيه الأشياء. وما يميّز الدازين أن كينونته ليست معطاة له كشيء جاهز، بل هي مسألة تعنيه، فهو يفهم نفسه ويختار وجهه بين إمكانات متاحة، ولهذا سمّى هيدغر ماهيته «وجوداً» بالمعنى الخاص للكلمة، وجعلها ملكاً لي في كل مرة، فلا يقدر أحد أن يعيش حياتي بدلاً مني. وتركيبه الأول والأوسع هو «الكينونة-في-العالم». ولا يعني هذا أن الإنسان جسم موضوع داخل صندوق اسمه العالم، بل إنه منهمك في أشياء وأشخاص وغايات يفهم نفسه من خلالها. فالمسافر مثلاً لا يحمل معه عالمه كما تحمل الحقيبة ثيابها، بل يحمل طريقة في فهم الأشياء، تظهر له بها الأماكن الجديدة. ويقول خالد الغنامي في تعريفه للـ Dasein في قاموس هايدغر الذي نشره في ٢٠٢٦، أن الدازين عند هايدجر يطلق على الكائن البشري من حيث هو الكائن الوحيد الذي يهمه وجوده؛ وهو نمط من الوجود ينكشف فيه الوجود ذاته.
ويتألف هذا الانهماك من وجوه متداخلة كالوجدان، أي المزاج الذي نجد أنفسنا عليه؛ والفهم، أي القدرة على تصور الإمكانات؛ والقول بمعنى أن ما نفهمه يتشكل كلاماً. ثم يجمع هايدجر هذه الوجوه في مفهوم العناية، وهي بنية ثلاثية يكون الدازين فيها سابقاً لنفسه بإمكاناته، وملقى في عالم لم يخترعه، ومنشغلاً بما يلقاه فيه. وهو إلى ذلك كائن زماني لأنه يعيش حاضره وفي ظهره ماضٍ ورثه وأمامه مستقبل يتهيأ له، ولا ينفك عن هذه الثلاثية وهو يتنقل بين الأماكن. وبهذا الوصف لا يعود الإنسان ذاتاً تقف قبالة موضوعات تتأملها من بعيد، بل كائناً منفتحاً بطبعه، لا ينفصل عن العالم الذي يعيش فيه.
وما دام الدازين هو الهناك، فهو بطبعه كائن منفتح على العالم. فقد استعار هايدجر من الفلسفة القديمة عبارة النور الطبيعي (lumen naturale) ليصف هذا الانفتاح، وذلك لأن الإنسان لا يكشف العالم بمصباح يحمله من خارجه، بل هو نفسه الفسحة المضيئة التي يمكن أن يظهر فيها شيء ما. واسم هذه الفسحة منارة الدازين، وهي ما تتيح للرؤية أن تكون ممكنة أصلاً. وإذا كان الانفتاح بنية فيه، فمن الطبيعي أن يصحبه نزوع أو حتى اندفاع قوي إلى النظر والمعرفة. ولذلك يفتتح هيدغر فقرته عن الفضول بجملة أرسطو الشهيرة في أول كتاب الميتافيزيقا: πάντες ἄνθρωποι τοῦ εἰδέναι ὀρέγονται φύσει، وترجمتها: جميع الناس يشتهون المعرفة بطبعهم. وكان أرسطو يستدل على ذلك بأن الناس يحبون حواسهم لذاتها، وأولاها حاسة البصر. ولا يقصد أرسطو الحاجة العملية، لأن الإنسان يحب أن يرى حتى حين لا ينتظر من الرؤية نفعاً، ويقوم هايدجر بقراءة هذه الجملة كوصف لنمط من أنماط كينونة الإنسان، لا ملاحظة نفسية عابرة، فالبحث العلمي عنده ينبع من هذا الميل الأصلي إلى الرؤية. ثم يربط بينها وبين قول باراميندس عن تلازم الفكر والكينونة، ليبين أن الفلسفة الغربية جعلت الحقيقة أمراً يُدرك بنظر خالص. ويمكننا أن نفهم رغبة الناس في السفر. فمن يشتاق إلى جبل لم يره قط أو مدينة لم يزرها يمضي بدافع قريب من هذا التوق القديم إلى الرؤية، وإن لم يصرّح به. وبذلك لا تغدو الرحلة نزهة عابرة فحسب، بل صورة من صور بحث الإنسان الدائم عن معنى لما يحيط به.
في حياته اليومية المعتادة لا يقف الإنسان أمام العالم متأملاً، بل يندفع فيه مشغولاً. هو يستعمل الأدوات والأوراق والأجهزة ووسائل النقل، ويفهم كل شيء من خلال نفعه، وهذا ما يسميه هايدجر «تحت-اليد»، أي ما يكون في متناول الاستعمال ولا يلفت النظر ما دام يؤدي وظيفته. ويسمّي نشاط الإنسان بين هذه الأشياء «الانشغال»، ويسمّي النظر العملي الذي يهديه إلى الوسيلة المناسبة واللحظة الملائمة «التبصّر». وقد وصف المترجم العظيم فتحي المسكيني هذا الميدان بعالم الشغل. وفي هذا العالم تتحدد صورة الإنسان عن نفسه بما يؤديه من أدوار، ويميل إلى أن يسلك كما يفعل الناس. وقد يتحول هذا العالم إلى روتين يُنسي الإنسان أنه يملك خيارات، فيقتصر وجوده على أداء ما يُنتظر منه. وليس في هذا الوصف إدانة أخلاقية، لأن الانشغال هو الطريقة الأولى التي ينفتح بها العالم لنا. وفي المجتمعات الاستهلاكية الحديثة تزداد الصورة حدة، إذ يعمل الإنسان ليشتري وقتاً يستهلكه بدوره، فيدخل الفراغ نفسه في دورة الانشغال. لكن الأمر يتغير حين يتوقف العمل أو يتباطأ. فهايدجر يلاحظ في الفقرة السادسة والثلاثين أن الانشغال قد يسكن طلباً للراحة أو بعد الفراغ من المهمة، فلا يزول، وإنما يتحرر التبصّر من مهمته المباشرة. وعندئذ لا يبقى للنظر ما ينشغل به قريباً منه، فيبحث لنفسه عن وجهات جديدة. وهنا تقع الأرض التي ينشأ فيها السفر السياحي، فمثلاً في الفسحة التي يتركها العمل، حين يفيض الانتباه عن حاجات اليوم. وما يفعله السائح بعد ذلك هو ما يحدد إن كان هذا الفيض سيصير نظرة أوسع أم شهوة استهلاك عابرة.
يستعمل هيدغر في الفقرة الثالثة والعشرين من الكتاب كلمة Ent-fernung التي يترجمها فتحي المسكيني برفع البعد. ولا تعني الكلمة أن يرتحل الإنسان بعيداً، بل عكس ذلك تعني أن يُزيل البعد فيجعل الشيء قريباً. فالدازين يميل بطبعه إلى التقريب، حين يمدّ يده إلى القلم، وحين يدير المذياع فيصله صوت من مدينة أخرى. والتبصّر، إذا تحرر من العمل، يبتكر لنفسه إمكانات جديدة لرفع البعد، فيميل إلى الابتعاد عن الأقرب إليه نحو العالم البعيد الغريب، لكنه يطلب البعيد ليقرّبه في مظهره فقط. وهنا يتضح معنى السفر في أنه حركة تترك المألوف القريب لتقترب من غريب بعيد. غير أن هذه الحركة تحتمل صورتين. ففي الأولى يقطع المسافر الأميال ليجمع المناظر في صور ويعود بها، فيُزال البعد جغرافياً ويبقى الغريب غريباً. وفي الثانية يقترب من الغريب بحيث يحتفظ له ببعده، فيتعلم منه. ولا يتحقق هذا الاقتراب بالسرعة ولا بعدد المحطات، بل بالمكوث والإصغاء. وقد قال هايدجر في محاضرة «الشيء» التي ألقاها في ميونخ عام 1950 إن القرب لا يقوم في قصر المسافة، وإن الإزالة المحمومة للمسافات لا تأتي بالقرب. وأوضح أن ما هو أقرب إلينا مسافةً بفضل صورته في الفيلم أو صوته في الإذاعة قد يبقى بعيداً عنا. وفي النص نفسه فكرة تلخص المسألة في أن القرب يصون البعد، أي أن الاقتراب الحقيقي من الشيء يترك له مسافته ولا يمحوها. ولهذا قد يعود سائح من أبعد البلاد دون أن يقترب من أحد، وقد يقترب آخر من قرية مجاورة اقتراباً حقيقياً.
تمنح السياحة الإنسان فسحة زمنية يتوقف فيها الانشغال المباشر. فهو يترك مكتبه وجدوله وأجهزته وواجباته، ويدخل في زمن لا يطلب منه إنتاجاً ولا ردّاً على أحد. وفي هذه الفسحة يتبدل مزاجه، وهو ما يسميه هيدغر الوجدان، أي الطريقة التي نجد بها أنفسنا في العالم، فيصير الصباح الطويل في ميناء غريب أو الطريق بين قريتين مناسبة لتجربة لم يكن اليوم المزدحم يتيحها. وقد بيّن هايدجر أن المزاج ليس شيئاً نضيفه إلى العالم، بل هو ما يجعل العالم يظهر لنا على نحو دون آخر؛ فمن يصل إلى مدينة جديدة بمزاج متعب يراها غير ما يراها بمزاج منشرح، لعلك يا من وصلت إلى هذا الجزء قد عشت ذلك في إحدى أيامك. ويتناول هايدجر في درس ألقاه في شتاء 1929–1930 ظاهرة الملل، ويصف رجلاً ينتظر قطاراً في محطة صغيرة نائية لساعات، فيلاحق الساعة ويتجول ويعدّ الأشجار ليقتل الوقت. فالملل يكشف أن الوقت الخالي من الشغل لا يمتلئ تلقائياً، وأن الإنسان يتحاشى هذا الفراغ بالانصراف إلى أي شيء. ويمكن أن نفهم أن جزءاً من الإقبال على السياحة هو لأنها علاج جاهز للفراغ، تقدّم برنامجاً مليئاً بالمشاهد والمواعيد يعفي المسافر من مواجهة وقته. لكن الفراغ نفسه يحمل إمكاناً آخر، لأنه يتيح للإنسان أن يرى ما كان يعبر عليه مسرعاً، وأن يسأل لماذا ينشغل بما ينشغل به. والمسافر الذي يقبل هذه الفسحة دون أن يملأها بالصخب يقترب من ضرب من الانفتاح الهادئ لا يوفره العمل. وهكذا يصبح الهروب المؤقت من القيود اليومية أول خطوة لا غاية الرحلة؛ خطوة تفتح فضاء أوسع، ويبقى بعدها أن يقرر المسافر ماذا يفعل به.
يرى هايدجر أن الفضول، وهو الوجه اليومي لتلك الرغبة الأصيلة في الرؤية. سماته ثلاث رئيسية؛ أنه لا يلبث عند الأقرب ولا يتمهل، وأنه يتشتت في إمكانات جديدة لا تنتهي، وأنه لا يقيم في مكان، فهو حاضر في كل مكان وغائب عن كل مكان. ويطلب الفضول الجديد دائماً لا ليفهمه، بل ليقفز منه إلى جديد آخر. وفي هذا الوصف نكاد نرى السائح الاستهلاكي الذي يعبر المتحف في دقائق، ويقف أمام اللوحة ليصوّرها، ثم ينتقل مسرعاً، فالمنظر يُمتلك ولا يُفهم. ويظهر هذا التشتت حين يضع السائح جدولاً يضم عشرة معالم في يوم واحد، فلا يبقى له وقت ليقف أمام أي منها. ويمكن أن نربط ذلك بمحاضرة هيدغر عن «زمن صورة العالم» التي كتبها سنة 1938، حيث يرى أن العصر الحديث يتصور العالم صورة موضوعة أمام الإنسان ليتمثلها. والصورة الفوتوغرافية عند السائح مثال على هذا، تُرى بدل المكان، ويُحتفظ بها بدل اللقاء. أما المسافر المتأمل الصبور فيمكث، فهو يتمهل عند ما يراه، ويدع المكان يتكلم بلغته قبل أن يحكم عليه، ويقبل أن يبقى الغريب غريباً. وليس السؤال هنا: هل يلتقط الصور؟ بل هل يقبل أن يتأخر عن الجدول ليجلس في ساحة ويراقب الناس؟ غير أن هايدجر ينبّه إلى أن تحليله لا يحمل حكماً أخلاقياً، فالفضول عنده ليس رذيلة يُنزَّه عنها الصالحون، بل ميل بنيوي يسكن الدازين اليومي كله، وفي كل مسافر سائح صغير. ولذلك فالفارق الحقيقي بين الاثنين درجة في الإقامة والإصغاء لا طبقة اجتماعية ولا بلد.
ويذكر هايدجر أن القديس أوغسطين لاحظ أسبقية النظر بين الحواس، وذلك حين فسّر في «الاعترافات» (الكتاب العاشر، الفصل الخامس والثلاثون) ما سمّاه شهوة العينين (concupiscentia oculorum). وأصل العبارة في رسالة يوحنا الأولى التي تذكر شهوة الجسد وشهوة العينين وكبرياء الحياة، وقد فتح بها أوغسطين باباً للتأمل في الرغبة في الرؤية دون حاجة عملية. يقول أوغسطين، وفق ترجمة فتحي المسكيني للنص اللاتيني، إن النظر يخص العينين في الأصل، لكننا نستعمل الفعل نفسه لسائر الحواس إذا قصدنا المعرفة، فنقول: انظر كيف يرنّ، وانظر كيف يفوح، وانظر كيف يطيب في الفم، وانظر كيف هو صلب. (فقرة فلسفية)* وبهذا تسمى تجربة الحواس كلها شهوة العينين، لأن العينين تتقدمان بقية الحواس في خدمة المعرفة. ويستعمل هيدغر هذه الأسبقية ليبيّن أن الفهم اليومي كله يقوم على النظر وعلى ما يُرى. وفي هذا ما يفيد السائح، فالمكان لا يُرى بالعين فقط، بل يُسمع في أسواقه، ويُشمّ في توابله، ويُذاق في موائده، ويُلمس في حجارة أزقته القديمة. والمسافر الذي يستعمل جوارحه كلها يخرج من وضع المتفرج الذي يقف خارج المشهد، لأن الدازين في تحليل هايدجر ليس ذاتاً تواجه موضوعاً، بل كائن مقيم في العالم ومتصل بالآخرين أو في وجود مع الهم، وهذا ما يجعل الانغماس أقرب إلى بنيته الأصلية، فيصبح جزءاً حي من مشهد المكان، يتأثر به ويؤثر فيه. وفي موضع آخر من «الاعترافات» (الكتاب العاشر، الفصل الثامن) ينتقد أوغسطين أناساً كثيرين يرحلون ليعجبوا بقمم الجبال وأمواج البحار ومجاري الأنهار ودوران النجوم، ويتركون أنفسهم. وكأن النص يحذر من رحلة تبلغ أبعد الآفاق ولا يلتفت صاحبها إلى ذاته أبداً.
أما اللحظة الأكثر أهمية، هي حين يعود السائح من رحلته، يعود إلى الأشياء ذاتها مكتبه ومدينته ومواعيده. لكن المأمول أن يعود وقد تغير شيء في فهمه لها. فعودة المسافر ليست رجوعاً إلى نقطة البداية، بل دخول في علاقة جديدة بها. فقد رأى في غربته المؤقتة أن للحياة وجوهاً غير ما ألف، وأن ما كان يظنه بدهياً ليس إلا إمكاناً من إمكانات. وهذا ما يقرّب تجربته، في قراءتنا، مما يسميه هايدجر Unheimlichkeit، أي ألا يشعر الإنسان بأنه في بيته على نحو تام، وهي حالة تكشف أن الألفة نفسها بناء وليست معطى. وبذلك يتبدل الأمر في ثلاثة وجوه. يتبدل قربه وبعده، فيتعلم أن الغريب يمكن أن يقرب دون أن يفقد غرابته، وأن القريب قد يكون بعيداً حين لا نلتفت إليه. وتتبدل إمكاناته، فيرى لنفسه سبلاً لم تخطر له من قبل. ويتبدل لقاؤه بالآخرين، فقد جرّب أن يكون هو الغريب بين أهل المكان الذي زاره. ولا ضمان لهذا التحول، فقد يرجع السائح بمئات الصور وبالحال نفسه إن مرّ بالأماكن مرور الفضول العابر. والتحول الحقيقي برأيي يتوقف على أن يترك المسافر لقاءه بالعالم يسائله، فيتحمل ما يتبين له عن نفسه. وفي إحدى محاضرات عام 1951 يجعل هايدجر جوهر كينونة الإنسان على الأرض هو السكن، أي أن يقيم الإنسان في العالم حارساً لما حوله لا مستهلكاً له. وعلى هذا يمكن القول بأن السياحة تعيد تشكيل كينونة الإنسان لا بإضافة تجارب إلى رصيده، بل بتغيير فهمه لنفسه وللأشياء من حوله، فتصير الرحلة طريقاً من الاستهلاك البصري إلى الإقامة في العالم.
