دوافع الحيطة بين النظرية الكينزية والنقد الماركسي

🖨️ طباعة المقال

جون ماينارد كينز يعد واحداً من أبرز عباقرة الفكر الاقتصادي الحديث؛ حيث قد أحدث ثورة فكرية جذرية أعادت تشكيل مسار الرأسمالية العالمية في أزمنة الأزمات والتحولات العميقة، فقد وُلِد كينز في بيئة فكرية إنجليزية عريقة وتأثر بعمق بالتقاليد الكلاسيكية قبل أن يقلب طاولتها رأساً على عقب حين أدرك عجزها البنيوي عن تفسير الكساد العظيم الذي ضرب العالم في ثلاثينيات القرن العشرين، ولقد تبلورت عبقريته في قدرته على رؤية التناقضات بين النظرية الاقتصادية التقليدية التي كانت تعول على آليات السوق التلقائية وبين الواقع الذي كان يشهد بطالة هيكلية واسعة النطاق وعجزاً مدمراً في الطلب الفعال، فلم يكن كينز مجرد أكاديمي نخبوي بل كان ممارساً عملياً ومستشاراً سياسي حاول بكل ما أوتي من أدوات تحليلية إنقاذ النظام الرأسمالي من أزماته الوجودية المتكررة عبر تقديم مقاربة تدخلية تعيد الاعتبار لدور الدولة والإنفاق العام كصمام أمان أساسي ضد الانهيار.

وقد مثّل صدور كتابه «النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود» في عام 1936 حدثاً مهماً في الأوساط الاقتصادية والسياسية العالمية، إذ نجح في كسر الهيمنة المطلقة للفكر الكلاسيكي والنيوكلاسيكي الذي قد اعتاد طويلاً على أن السوق يمتلك قدرة ذاتية على تحقيق التوازن التام عند مستوى التشغيل الكامل، وقد قوبل كتابه بحفاوة بالغة من جيل الشباب من الاقتصاديين الذين وجدوا فيه مخرجاً نظرياً وعملياً من ورطة الكساد، بينما واجه مقاومة شرسة من الجيل القديم المتمسك بأفكار آدم سميث وديفيد ريكاردو حول كفاءة الأسواق الحرة وقدرتها المطلقة على تخصيص الموارد بكفاءة دون تدخل خارجي. لقد قدم كينز في هذا الكتاب مفهوماً جديداً للتحليل الاقتصادي-الكلي يربط بين الدخل القومي والتشغيل عبر بوابة الطلب الفعال، مؤكداً أن العرض لا يخلق بالضرورة طلباً مساوياً له كما كان يدعي قانون ساي، بل إن الأفراد والشركات قد يفضلون الاكتناز وتفضيل السيولة على الاستثمار، مما يؤدي إلى ركود بنيوي دائم يحتاج إلى تدخل واعٍ من خارج السوق لتحريك عجلة الاقتصاد وتوفير فرص العمل للجميع.

وعندما نطالع الفصل التاسع من كتاب «النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود» الذي عنوانه «الميل للاستهلاك»؛ نجد كينز يقوم بتفكيك العوامل الذاتية والنفسية والاجتماعية التي تحكم السلوك الاستهلاكي والادخاري للأفراد والمجتمعات على حد سواء، فيبدأ بفصل المجموعات المؤثرة على كمية الاستهلاك إلى عوامل موضوعية مرتبطة بالدخل الكلي مقاساً بوحدات الأجر، والعوامل الذاتية والإجتماعية التي تعكس الدوافع النفسية والسلوكية الكامنة وراء قرار الإنفاق أو الامتناع عنه، والدوافع الذاتية والاجتماعية تحدد المقدار الذي ينفق بالنظر إلى الدخل الكلي؛ حيق ان تحليل هذه العوامل ليس جديداً بطبيعته لكنه يكتسب أهمية بالغة تستوجب الإيجاز والتحديد دون إسهاب مفرط، لتشمل ثمانية دوافع رئيسية ذات طبيعة ذاتية تؤدي بالأفراد للإحجام المؤقت أو الدائم عن الإنفاق من دخولهم الجارية والمكتسبة في السوق.

تتمثل هذه الدوافع الثمانية التي حددها كينز في بناء مخزون احتياطي لمواجهة الطوارئ غير المتوقعة، والاحتياط لأي تغير قد يطرأ في المستقبل على العلاقة بين الدخل والاحتياجات الأساسية للفرد أو أسرته مثل كبر السن أو التعليم أو نفقات المعالين، بالإضافة إلى الاستمتاع بالفائدة وزيادة القيمة أي تفضيل الاستهلاك الحقيقي الأكبر لاحقاً على الاستهلاك الأقل حالياً، كما تتضمن الدوافع التمتع بالزيادة المتدرجة في الإنفاق نظراً لأنها تشبع غريزة عامة تتمثل في التطلع لتحسن مستوى المعيشة بالتدريج وليس العكس، والتمتع بالإحساس بالاستقلالية والقدرة على عمل الأشياء حتى ولو بدون فكرة أو حاجة محددة لاحقة محددة الأفعال، وتكوين احتياطي استراتيجي لتنفيذ مشروعات أو مؤسسات أو مشروعات تنطوي على مخاطرة، وترك ثروة للورثة، وأخيراً الحل المحض لأي وجود كدوافع ملحة وإن كانت ترتكز على عقائدية منع المرء من إتيان فعل الإنفاق في ذاته كما ورد في نص الكتاب.

ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى وجود مقدار كبير من الدخل الذي يتأتى من ذلك التلقي-التراكمي الكلي في المجتمع الصناعي حديث كالمملكة المتحدة أو الولايات المتحدة، والذي تقبله الحكومات المحلية والمركزية والمؤسسات والشركات التجارية لدوافع شبيهة وإن لم تكن مماثلة لتلك التي تحرك الأفراد، حيث إن دوافع الحيطة والاحتياط لا تعمل بمعزل عن الهياكل المؤسسية والاجتماعية، بل إنها تتأثر بطبيعة التوزيع الطبقي ومستويات المعيشة السائدة في المجتمع، وهي تعبر عن وعي استباقي بالمخاطر المحتملة التي تنتج عن تقلبات السوق وعدم اليقين المستمر الذي يطبع النظام الرأسمالي في أدواره المختلفة وتناقضاته البنيوية المستمرة.

تظهر دوافع الحيطة بوضوح عبر الأمثلة العديدة التي طرحها كينز في مؤلفه، والتي تحيلنا مباشرة إلى الرغبة العميقة في تأمين الموارد المادية لمواجهة الطوارئ، المصاعب، وحالات الكساد الدوري التي تقوض استقرار الأفراد والمؤسسات على حد سواء. ويتمثل الدافع الأول في تأمين الموارد للتعامل مع الطوارئ المفاجئة، بينما يتمثل الدافع الثاني في بناء مخزون سائل لمواجهة الأزمات غير المخطط لها، ويأتي الدافع الثالث ليؤكد على أهمية الحصول على دخل متزايد تدريجياً لضمان حماية الإدارة من الانتقادات نظراً لصعوبة التمييز بين زيادة الدخل الحقيقي وبين زيادة نسب الكفاءة والإنتاجية، أما الدافع الرابع فيتعلق بالحرص على الجانب السليم عن طريق تخصيص اعتماد مالي يزيد عن تكلفة الاستخدام والتكلفة الإضافية لتسديد الديون وتجنب تكلفة الأصول استباقاً للمعدل الفعلي للتقادم والفائدة وليس بعده، وهو ما يعكس رغبة حقيقية في التحصن المالي ضد تقلبات النظام النقدي ومعدلات التغير النسبي للأسعار.

والمقصود بالادخار الإيجابي عند كينز يتجاوز مجرد الاكتناز البسيط للأموال تحت الوسائد، ليمثل فائض نقدي واعي يتم توجيهه نحو مراكمة الأصول أو اقتناء أدوات مالية تضمن حماية الثروة من التآكل وتوفر عائداً مستقبلياً يواجه المخاطر المحتملة؛ حيث يكون لدوافع الحيطة أثراً بالغ الأهمية وواضح للعيان في السوق، إذ إن لجوء الأفراد والشركات إلى تجميد جزء من دخولهم وحرمان السوق من قوى شرائية حقيقية يؤدي بالضرورة إلى انكماش الطلب الفعال وتراجع معدلات التشغيل والإنتاج، وهذا الأثر التراجعي للادخار الاحتياطي يضع الاقتصاد في حلقة مفرغة من الكساد، وهكذا يؤدي حرص كل فرد على حماية نفسه إلى تعريض المجتمع ككل لمخاطر البطالة وتراجع الأرباح، مما يبرز التناقض الشهير بين العقلانية الفردية واللاعقلانية الكلية الذي طالما شغل الفكر الاقتصادي النقدي وأسس لمفهوم “مفارقة التحرر” أو مفارقة الادخار عند كينز.

لكن، إذا انتقلنا لمناقشة هذا الأمر من منظور نقدي ماركسي، فإننا نغادر السطح الظاهري للتحليل النفسي والسلوكي لنلج العمق البنيوي لتناقضات نمط الإنتاج الرأسمالي ذاته؛ حيث لا تُعد دوافع الحيطة مجرد خيارات فردية محضة بل هي انعكاسات ضرورية لشروط الإنتاج المادي وعلاقاته الطبقية، ويتحدث كارل ماركس في عمله الخالد “رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي” (المجلد الأول، ترجمة د. فالح عبد الجبار) عن حقيقة أن «ثروة المجتمعات التي يسود فيها نمط الإنتاج الرأسمالي وكأنها “تكُدّس هائل من السلع”، والسلعة المفردة هي الشكل الأولي لهذه الثروة. وعليه لا بد لبحثنا من أن ينطلق من تحليل السلعة»؛ ومن هذا المنطلق فإن الخوف على المستقبل واللجوء إلى الحيطة والادخار ليسا سوى تعبير عن حالة انعدام الأمن الوجودي والاقتصادي التي يفرضها قانون القيمة الرأسمالي على البشر؛ حيث إن الإنسان في ظل الرأسمالية مجرد عنصر مستلب في عملية إنتاج وتكاثر رأس المال، وبالتالي فإن الحاجة إلى الادخار والحيطة ليست غريزة أبدية بل هي نتاج حتمي لهشاشة الأمان الاجتماعي والوظيفي الذي يميّز مجتمعات طبقيّة تسودها المنافسة المحمومة وفوضى السوق، وتكون منفعة الشيء هي التي تجعل منه قيمة استعمالية، وهي الخاصية المادية التي تلبي حاجات بشرية معينة بغض النظر عن مصدرها أو طبيعتها، وكما يقول نيكولاس باربون (هامش 2؛ صفحة ٦٣، رأس المال) فإن «الرغبة تنطوي على الحاجة؛ إنها شهوة الروح، وهي طبيعة كالجوع للبدن… فأغلب (الأشياء) تستمد قيمتها من كونها تلبي حاجات الروح»، ولكن هذه القيمة الاستعمالية تتحول وتتوارى خلف قناع القيمة التبادلية حين يتحول الإنتاج برمته ليس للإشباع المباشر للحاجات بل لتحقيق فائض القيمة وتعظيم التراكم الرأسمالي، وعلى المستوى الاقتصادي السياسي العام فإن دوافع الحيطة والادخار في جوهرها هي محاولة هروب فردية من قسوة القوانين الموضوعية للرأسمالية؛ فالأفراد يدخرون لأنهم يعلمون أنهم مهددون بالطرد، بالبطالة، وبالإفلاس في أي لحظة نتيجة للأزمات الدورية المتأصلة في النظام، وبذلك تصبح الحيطة النفسية انعكاساً مباشراً للاغتراب المادي ولمخاطر تحول البشر أنفسهم إلى سلع خاضعة لقوى السوق العمياء.

لكن، هل قد تتغير دوافع الحيطة من مجتمع إلى آخر؟

بالتأكيد، وذلك لأن هذه الدوافع ليست ثابتة أو سرمدية بل تتغير وتتطور تاريخياً واجتماعياً تبعاً لطبيعة البنية الاقتصادية السائدة ومستوى تطور قوى الإنتاج وشكل العلاقات الاجتماعية السائدة، ففي المجتمعات التقليدية أو الإقطاعية حيث الإنتاج موجه للاستهلاك المحلي والعلاقات واضحة، تكون دوافع الحيطة مرتبطة بالطبيعة والمواسم الزراعية والكوارث الطبيعية المباشرة، أما في المجتمعات الرأسمالية الحديثة، فتكتسب دوافع الحيطة طابعاً نقدياً مجرد حيث يتحول الخوف إلى قلق مستمر بشأن السيولة، أسعار الفائدة، التضخم، وقيمة الأصول المالية، وإن تباين الظروف المادية والطبقية بين مجتمع وآخر يجعل مضمون وشكل دوافع الحيطة متغيراً باستمرار، فالطبقات المالكة تخاف على تآكل ثرواتها ومراكمتها، بينما تخاف الطبقات العاملة والكادحة على بقائها البيولوجي واليومي، وهو ما يفسر لماذا تصبح الحيطة في الرأسمالية عبئاً بنيوياً يعمق أزمات الطلب والركود.

و”دوافع الحيطة” عند كينز ليست سوى – محاولة إصلاحية – لتلطيف الآثار المدمرة للرأسمالية دون المساس بجوهرها الاستغلالي القائم على استنزاف قوة العمل وإنتاج فائض القيمة، فحين يحث كينز على التدخل الحكومي وتحفيز الاستثمار أو معالجة مفارقة الادخار، فإنه يبحث عن حلول فوقية وفنية داخل حدود نمط الإنتاج ذاته، متجاهلاً أن التناقض الرئيسي يكمن في الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وفي فصل المنتج المباشر عن شروط عمله، وإن الإنسان في ظل الرأسمالية يعيش في حالة دائمة من التوجس والخوف لأن مصيره معلق بإرادة رأس المال العالمي وقوانينه العمياء، ولذلك تظل كل محاولات الحيطة الفردية مجرد أوهام دفاعية عاجزة عن توفير أمان حقيقي ما لم يتم تفكيك البنية الطبقية المأزومة وتأسيس مجتمع تحرري جديد يقوم على التخطيط الواعي والمشترك للإنتاج لتلبية حاجات الإنسان لا مراكمات الأرباح.

تكمن عبقرية التحليل المادي هنا حين ندرك أن التناقض بين الاستهلاك والادخار وبين الحيطة والمغامرة الاستثمارية هو التناقض ذاته الذي يعبر عن أزمة الإنتاج الرأسمالي في أطوار أزماته العميقة والدورية، وذلك لأن النظام الرأسمالي يحتاج دائماً إلى استهلاك مستمر لضمان تصريف السلع وتحقيق دورة رأس المال، لكنه في نفس الوقت يفرض على العمال شروطاً معيشية هشة تدفعهم دفعاً نحو الحيطة وتقليص الإنفاق خوفاً من المجهول، وهو ما يُعرف في الأدبيات الماركسية بتناقض الإحلال وتناقض التراكم، وهذا التناقض البنيوي لا يمكن حله بالسياسات النقدية وحدها ولا بتعديل أسعار الفائدة كما تخيل كينز، بل هو يتطلب تحولاً جذري في طبيعة العلاقات الاجتماعية للإنتاج بحيث يُدار الاقتصاد مجتمعياً وفق خطة عقلانية ديمقراطية تقضي على شبح البطالة وانعدام الأمان الذي يولد أساساً دوافع الحيطة المرضية في المجتمعات الحديثة.

 

مصادر تم الرجوع إليها:

 

– ماركس، كارل. رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول: عملية إنتاج رأس المال. ترجمة د. فالح عبد الجبار. دار الفارابي، بيروت، صـ ٦٣-٦٤.

 

– كينز، جون ماينارد. النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود. ترجمة إلهام عيداروس، مراجعة د. عبد الله شحاتة. هيئة أبوظبي للثقافة والتراث (كلمة)، أبوظبي، صـ ١٥٧-١٥٩.

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 5 من 5 (2 صوت)
📂 التصنيفات: مقالات, مقالات رأي

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.