حين يعرّف ستار جبار رحمن الإمبريالية الإقليمية، فهو لا يصف دولة تتوسع في محيطها الجغرافي فحسب، بل يصف بنية علاقات تعيد إنتاج التبعية بشكل ممنهج؛ لأنها “نمط من الهيمنة تمارسه دولة رأسمالية محيطية متوسطة القوة في فضائها الجغرافي المجاور، تدفعها إليه ضرورات تراكمها الداخلي المشوَّه” والقوة هنا لا تُقاس بحجمها العسكري، بل بمنطق توظيفها، فإيران وتركيا وإسرائيل، في تحليله، لا تنتمي إلى الاستعمار الكلاسيكي ولا إلى شبه الإمبريالية عند ماريني، بل تمزج المنافسة مع المراكز الكبرى بأداء دور الوكيل لها في آن واحد، هذا وصف اقتصادي سياسي محكم، لكنه يحمل إذا دققنا فيه، سؤالاً لم يطرحه رحمن صراحة وهو حين نقول عن علاقة ما إنها “تُعيد إنتاج التبعية”، ألسنا نصدر حكماً على ما ينبغي أن تكون عليه هذه العلاقة، لا فقط وصفاً لما هي عليه؟
هذا السؤال يقودنا بعيداً عن النص، إلى تاريخ الفلسفة الأخلاقية نفسه، لأن الأخلاق لم تُطرح دائماً بالطريقة التي نألفها اليوم، فالفلاسفة اليونانيون لم يسألوا “ما الفعل الصحيح؟” بمعزل عن فاعله، بل سألوا “أي إنسان ينبغي أن أكون؟”، فالفضيلة عندهم هي استعداد راسخ في النفس، لا التزام عرضي بقاعدة خارجية، سقراط وأفلاطون وأرسطو ربطوا هذا الاستعداد بفكرة “السعادة” أو حسن العيش، لا بمعنى المتعة اللحظية، بل بمعنى ممارسة الحياة الإنسانية على أكمل وجه ممكن، وهذا قد جعل أخلاقهم أخلاقاً محورها الفاعل، لا محورها الفعل.
هذا التمييز في الحقيقة يبدو كانقلاب كامل في موقع الأخلاق؛ فالحداثة ممثلة بكانط أساساً، حوّلت السؤال من “من أكون؟” إلى “أي فعل يجوز؟”، فقد صاغ كانط ما يُعرف بالأمر القطعي، وهو افعل وفق قاعدة تقبل أن تصير قانوناً عاماً يلتزم به كل عاقل، وذلك لأن الفضيلة هنا لم تعد صفة داخلية تُزرع في النفس، بل معياراً خارجياً يُقاس به الفعل، بصرف النظر عمن يفعله أو في أي حال كان، ومن رحم هذا التحول ولد لاحقاً خطاب حقوق الإنسان الحديث، الذي يقوم على فكرتين متلازمتين وهما استقلالية الإنسان الأخلاقية، ومساواته الجوهرية مع كل عاقل آخر، وهذا الأساس الفلسفي تجسد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر عام 1948، بدافع مباشر من هول ما كشفته الحرب العالمية الثانية، وقد ضمّ ثلاثين مادة تشمل الحق في عدم التعذيب وحق الملكية والحق في مستوى معيشي كافٍ.
هنا ظهر أول توتر جوهري مع الماركسية، فتقليد حقوق الإنسان الليبرالي يفترض أخلاقاً كونية، صالحة لكل إنسان بحكم كونه عاقلاً، بصرف النظر عن موقعه التاريخي أو الطبقي، والماركسية لا ترفض الأخلاق كلياً، لكنها ترفض هذا التجريد بالذات؛ فالوعي، بما فيه الوعي الأخلاقي، ينشأ من علاقات الإنتاج ولا يطفو فوقها، والسؤال الذي تطرحه الماركسية ليس “هل هذا القول عادل في ذاته؟” بل “من يستفيد من إعلان هذا القول عادلاً في هذه اللحظة بعينها؟”. وهذا السؤال بالذات هو ما يمنحنا مدخلاً لقراءة الإمبريالية الإقليمية أخلاقياً؛ فإذا كانت كل دعوى أخلاقية تحمل خلفها مصلحة طبقية، فإن ادعاء دولة إقليمية أنها تحرر محيطها أو تحميه يستحق أن يُسأل بالمنطق نفسه، لا أن يُصدَّق لمجرد أنه صيغ بلغة الحق.
وحين نعود إلى دراسة ستار بهذا السؤال في أيدينا، نجد أنه يقترب من هذا النقد دون أن يسميه أخلاقياً، فهو يحذّر من خطأ شائع في الكتابة السياسية التقدمية، وهو الظن بأن منافسة قوة إقليمية للمراكز الكبرى فعل تحرري بذاته، ويكتب بوضوح أن قوة “قد تُنافس على الهيمنة لا على إلغائها”، وهذا الفرق بين المنافسة الشكلية والتحرر الحقيقي هو، في جوهره، نسخة معاصرة من تمييز قديم عند أرسطو بين فعل يبدو فاضلاً في مظهره وفعل فاضل حقاً في نيته وغايته.
فما الذي يجعل هذا الربط معقولاً لا تعسفياً؟
أن الماركسية نفسها، رغم رفضها للأخلاق المجردة، لا تستطيع أن تتخلى تماماً عن فكرة “المظهر مقابل الجوهر”. فحين تحدث ماركس عن الأيديولوجيا بوصفها وعياً زائفاً يخفي علاقة استغلال حقيقية، فهو يعيد صياغة التمييز الأرسطي بمفردات جديدة؛ حيث هناك ما يبدو، وهناك ما هو كائن فعلاً خلف هذا المظهر، وحين يفصل الباحث ستار بين “القوة الإقليمية” بوصفها وصفاً محايداً، و”الإمبريالية الإقليمية” بوصفها توظيفاً ممنهجاً للقوة لإعادة إنتاج التبعية، فهو يمارس التمييز نفسه؛ حيث يوجد ظاهر (دولة تدافع عن مصالحها كأي دولة أخرى)، ويوجد جوهر (بنية تستغل من حولها بشكل بنيوي متكرر لا عرضي).
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن بالنسبة إلى هو هل تملك الإمبريالية الإقليمية حقاً في الادعاء بشرعية أخلاقية من نوع “حق الدفاع عن النفس” أو “مقاومة الهيمنة الكونية”؟
والإجابة تتطلب مواجهة مصدرين متنافسين للشرعية، المصدر الأول كانطي؛ حيث كل دولة، بوصفها فاعلاً جماعياً عاقلاً، تستحق أن تُعامَل وفق قاعدة عامة تنطبق على الجميع بالتساوي، والمصدر الثاني ماركسي تكون الشرعية فيه لا تُقاس بموقع الدولة كوحدة مجردة، بل بموقعها الفعلي من علاقات الاستغلال، فحين تدّعي قوة إقليمية أنها قوة تحررية، فإنها تستدعي المعيار الأول، الشكلي العام. لكن التحليل الماركسي يذكّرنا بأن هذا الادعاء قد يخفي، في الوقت نفسه، استغلالاً طبقياً داخلياً حقيقياً، وهذا ما يستدعي المعيار الثاني لا الأول لكشف الفارق بين الشكل والجوهر.
هذا التناقض بين المعيارين ليس خللاً في تفكيري، بل هو توتر حقيقي وقديم في تاريخ الفلسفة الأخلاقية ذاته، فالرواقيون، كما توضح موسوعة الإنترنت للفلسفة، تصوروا وجود ما أسموه مجازاً “مدينة كونية” واحدة، ينتمي إليها كل البشر بحكم مشاركتهم العقل، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية المحلية، وحين تُنقل هذه الفكرة إلى العلاقات الدولية المعاصرة، فإنها تفترض أن كل دولة تستحق معاملة متكافئة بوصفها فاعلاً عاقلاً، لكن الباحث ستار من موقعه المادي التاريخي، يرفض ضمنياً هذا التجريد، لأن الدولة عنده ليست كتلة أخلاقية موحدة، بل حقل صراع طبقي داخلي، والحديث عن “حق الدولة” قد يُخفي في حقيقته حق نخبة بعينها تحكمها.
ومن هذا التوتر تنبثق ماهية أخلاقية مزدوجة للإمبريالية الإقليمية، أطرحها هنا كتأويل مقترح فهي من الخارج تنتهك المعيار الكانطي الكوني حين تُخضع محيطها لعلاقة تبعية غير متكافئة، بدل أن تعامله غاية في ذاته. وهي، من الداخل تنتهك في الوقت نفسه معياراً ماركسياً محدداً، لأن الفائض الذي يدفعها للتوسع خارجياً ناتج، كما يوضح ستار نفسه عن “استمرار الاستغلال الطبقي الحاد” في الداخل، والانتهاكان ليسا منفصلين، بل مترابطان؛ وذلك لأن التراكم المشوَّه الذي يبحث عن منفذ خارجي هو نفسه ثمرة ظلم داخلي سابق عليه.
لكن، هل يمكن لدولة أن تحرر جوارها الإقليمي بينما تواصل استغلال طبقتها العاملة الخاصة؟
فالمنطق الداخلي لتحليل الباحث ستار يقود إلى نفي واضح، لأن فعلاً يُبنى على استمرار الظلم في موضع من السلسلة لا يمكن أن يكون تحريراً حقيقياً في موضع آخر منها، تماماً كما لا يكون الفعل فاضلاً بالمعنى الأرسطي إذا انبنى على أذى مقصود لطرف غائب عن الحساب.
وثمة زاوية أخيرة تستحق التوقف عندها وهي من يملك حق تعريف العدالة أصلاً؟
فمن المعروف في الأخلاق القديمة أنها كانت قد اشترطت في العادل أن يملك “معرفة عملية” بما يستحقه كل طرف في موقف بعينه، لا مجرد اتباع قاعدة جامدة من بعيد، وهذا يفتح سؤالاً حاداً بخصوص الإمبريالية الإقليمية؛ فمن يملك سلطة تحديد ما يحتاجه شعب في دولة مجاورة؟
فحينما تقدّم قوة إقليمية نفسها منقذة لجيرانها، فإنها تدّعي ضمناً أنها تملك هذه المعرفة العملية نيابة عنهم، وهو ادعاء يستحق حذراً شديداً، لأنه يحرم الطرف الأضعف مرتين؛ من موارده أولاً، ومن حق تعريف مصلحته بنفسه ثانياً.
والباحث الكيني ماكاو موتوا، في مقاله المعروف “المتوحشون والضحايا والمنقذون”، يفكك بنية مشابهة في خطاب حقوق الإنسان الدولي نفسه، حين يجادل بأن هذا الخطاب كثيراً ما يُبنى على ثلاثية ضمنية تصور طرفاً “متوحشاً” وطرفاً “ضحية” وطرفاً “منقذاً”، دون أن يُسأل من يملك حق توزيع هذه الأدوار أصلاً.
فهل يعني هذا كله أن الأخلاق الكونية وهم لا قيمة له؟
لا أظن ذلك، والإجابة الأقرب إلى التوازن هي أن التناقض بين المعيار الكوني والمعيار الطبقي لا يُحل بإلغاء أحدهما، بل باستخدامهما معاً كأداتي فحص متبادلتين؛ فالمعيار الكانطي يمنعنا من قبول أي هيمنة بحجة أنها أهون من هيمنة أخرى، بينما يمنعنا المعيار الماركسي من الاكتفاء بحياد شكلي يتجاهل من يستفيد فعلياً من كل ترتيب سياسي قائم، والإمبريالية الإقليمية، حين تُقاس بالمعيارين معاً، لا تجد لنفسها ملاذاً آمناً في أي منهما، لأنها تُعيد إنتاج علاقة استغلال بنيوي مهما بلغت فصاحة لغتها التحررية.
مصادر تم الرجوع إليها:
– Kraut, Richard. “Ancient Ethical Theory”. Stanford Encyclopedia of Philosophy. First published August 3, 2004; substantive revision February 5, 2021. https://plato.stanford.edu/entries/ethics-ancient/ .
Wellman, Carl. “Human Rights”. Internet Encyclopedia of Philosophy. https://iep.utm.edu/hum-rts/ .
Mutua, Makau. “Savages, Victims, and Saviors: The Metaphor of Human Rights.” Harvard International Law Journal 42, no. 1 (2001): 201–245.
رحمن، ستار جبار. “مفهوم الإمبريالية الإقليمية – التعريف والحدود.” رؤى شرق أوسطية. المركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط. 9 أبريل 2026. www.ecmes.academy.
