“لقد دفع دون كيشوت منذ زمن طويل ثمن تخيّله الخاطئ أن الفروسية المتجولة تتوافق مع كل الأشكال الاقتصادية للمجتمع.”
– كارل ماركس
قبل أن نُقارب دون كيشوت بوصفه حالة وجودية، يجدر بنا أن نتذكر ما هي الرواية أصلاً؛ فهي ليست مجرد حكاية تُروى للتسلية، بل هي بناء لغوي يُشيّد عالماً كاملاً يعيش فيه الوعي البشري تجربة لا يمكنه أن يعيشها في الواقع المباشر، والشخصية الروائية، بدورها، ليست مجرد اسم يتحرك بين الأحداث، بل هي قناع يرتديه الكاتب ليقول من خلاله ما لا يستطيع قوله بصوته المباشر، فحين اختار ميغيل دي ثربانتس أن يكتب عن فارس عجوز فقد عقله بسبب قراءة روايات الفروسية، لم يكن يكتب هجاءً أدبياً عابراً لموضة أدبية سادت زمنه فحسب، بل كان يطرح سؤالاً أعمق بكثير، وهو ماذا يحدث حين يعيش الإنسان داخل نص بدل أن يعيش داخل العالم؟
هذا السؤال هو ما يجعل من دون كيشوت عملاً خالداً لا يشيخ.
فاسم “دون كيشوت” يحمل، منذ ذلك الحين، دلالتين متعارضتين تعيشان معاً في توتر دائم. الدلالة الأولى أدبية إيجابية، وهي الرجل النبيل الذي يرفض واقعاً مبتذلاً ويختار أن يعيش وفق مثال أسمى، حتى لو كلّفه ذلك السخرية والجراح، أما الدلالة الثانية فوجودية سلبية؛ حيث الإنسان الذي فقد قدرته على التمييز بين الوهم والحقيقة، فأصبح أسيراً لصورة صنعها في ذهنه عن نفسه وعن العالم، عاجزاً عن رؤية طواحين الهواء إلا عمالقة، وبين هاتين الدلالتين تتحرك هذه الدراسة، لا لتحسم أيهما الأصح أو الأكثر قابلية على التصديق، بل لتُظهر كيف يمكن للمجتمع الحديث، تحت ضغط منطق اقتصادي معين، أن يُنتج كلا الوجهين معاً في آن واحد، دون أن يعي أنه يفعل ذلك.
وفي بداية تصدير المفكر والمترجم المصري عبد الرحمن بدوي لترجمته العربية لرائعة ثربانتس، يذكر بدوي أن روائع الأدب العالمي أربع لا خامس لها: “الإلياذة” لهوميروس، و”الكوميديا الإلهية” لدانتي، و”دون كيخوته” لثربانتس، و”فاوست” لغوته. ويرى أن الصفة السائدة في الأولى هي البطولة، وفي الثانية القداسة، وفي الثالثة التهكم، وفي الرابعة الإنسانية، وهذا التصنيف الرباعي أنيق فعلاً، ويكشف عن ذهن فيلسوف اعتاد أن يُرتّب العالم في منظومات صافية؛ فالإلياذة تمجّد الفعل البطولي في مواجهة القدر، والكوميديا الإلهية ترفع الروح نحو المطلق الإلهي، وفاوست يبحث عن جوهر الإنسان في صراعه مع المعرفة والرغبة، أما دون كيشوت فتضعه إزاء هذه الثلاثية بوصفه المرآة الساخرة التي تعكس هشاشة كل بطولة وقداسة حين تُفصل عن الواقع.
غير أن هذا التصنيف، رغم أناقته، يستحق مساءلة نقدية لا تُلغيه بل تُعمّقه، فحصر دون كيشوت في خانة “التهكم” وحدها يُفقر العمل من بُعده الأشد إيلاماً، وهو أن التهكم فيه ليس غاية في ذاته، بل ثمن وجودي يدفعه بطل يرفض أن يتصالح مع عالم فقد معناه، فالتهكم عند ثربانتس ليس سخرية باردة من الخارج، بل مأساة مقنّعة بضحكة، وهذا ما يقترب به العمل من “الكوميديا الإلهية” أكثر مما يوحي تصنيف بدوي؛ فكلا العملين يسأل عن معنى الوجود في عالم يبدو أنه فقد مرجعيته، لكن دانتي يجد الجواب في السماء*، بينما لا يجده دون كيشوت في أي مكان، فيصنعه هو بنفسه، ثم يُعاقَب على جرأته تلك.
ومن هنا يمكننا الانتقال من دون كيشوت الشخصية إلى دون كيشوت الحالة، فما يهمنا هنا ليس الفارس العجوز الذي يمتطي حصاناً هزيلاً، بل البنية الوجودية التي يُمثّلها، وهو ذلك الإنسان الذي تشكّل وعيه بالكامل من نصوص استهلكها دون أن يمتلك أداة نقدية تفصله عنها، فأصبح لا يرى العالم، بل يرى فقط ما تسمح له النصوص التي قرأها أن يراه، وهذه الحالة ليست حكراً على رجل عجوز في إسبانيا القرن السابع عشر، بل يمكن أن تُصيب مجتمعاً بأكمله حين تتحكم منظومة واحدة في إنتاج المعرفة وتوزيعها، فيصبح أفراد هذا المجتمع يرون العالم بعيون استعارها منهم آخرون، دون أن يشعروا أن ما يرونه استعارة لا حقيقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو ما الذي يجعل مجتمعاً بأكمله “دون كيشوتياً”؟
الجواب، من منظور اقتصادي-سياسي يكمن في احتكار إنتاج المعرفة وتوزيعها، فحين تتحول المعرفة إلى سلعة تُنتَج وفق منطق الربح لا منطق الحقيقة، تصبح وظيفتها الأساسية ليست تنوير الوعي بل توجيهه نحو استهلاك بعينه، فالإعلان، والترفيه المُعلَّب، والمعلومة المبسّطة المُعدّة لتُستهلك بسرعة دون تفكير، كلها أشكال معاصرة لروايات الفروسية التي قرأها دون كيشوت حتى فقد عقله، والفارق هنا يكمن في أن دون كيشوت اختار عزلته وقراءاته بإرادته، بينما الإنسان المعاصر يُولد أحياناً داخل منظومة معرفية جاهزة لا يختارها، ولا يعي غالباً أنها صُنعت لتخدم مصلحة غير مصلحته.
وهنا يصبح استحضار كارل ماركس بفلسفته وفكره الإقتصادي-السياسي ضرورياً، لا لأنه قد كتب عن دون كيشوت مباشرة في ملاحظة له – ضمن الجزء الأول من كتاب رأس المال – بل لأن تحليله لعلاقة الأفكار بالمصالح المادية يفسّر آلية هذا الاحتكار بدقة، فماركس علّمنا أن الأفكار السائدة في أي عصر هي، غالباً، أفكار الطبقة المسيطرة، لا لأنها الأصدق، بل لأنها تملك وسائل إنتاج هذه الأفكار وتوزيعها؛ مثل المطبعة بالأمس، والشاشة اليوم، فالمعرفة في هذا التصور، ليست معلقة في فضاء محايد ينتظر أن يكتشفه العقل الحر، بل مُنتَجة داخل بنية اقتصادية تحدد ماذا يُعرف وماذا يُخفى، ومن يملك حق التعريف والتصنيف، فحين تُدرك هذا، تُدرك أن الإنسان الذي يظن نفسه حراً في اختياراته المعرفية قد يكون، دون أن يشعر، فارساً يمتطي حصاناً استعاره من غيره.
ويضيف فكر لوي ألتوسير بُعداً أدق لهذا التحليل حين يميّز بين المعرفة بوصفها إنتاجاً علمياً صارماً، والأيديولوجيا بوصفها تمثيلاً متخيلاً لعلاقة الأفراد بشروط وجودهم الحقيقية، فالأيديولوجيا – كما عند ألتوسير – ليست كذباً واعياً يُفرض من الخارج، بل بنية تعمل من الداخل، تجعل الفرد يعيش علاقته بالواقع من خلال صور وتمثيلات لا يشكّك في صحتها لأنها تبدو له بديهية طبيعية، وهذا بالضبط ما أصاب دون كيشوت؛ حيث لم يكذب على نفسه بوعي، بل عاش داخل بنية تخيلية استبدل بها علاقته الفعلية بالعالم، حتى صارت طواحين الهواء عمالقة حقيقيين في وعيه هو، لا مجرد كذبة يرويها لنفسه.
من هنا تنبثق ضرورة التمييز بين معرفة أصيلة ومعرفة زائفة، وهو تمييز لا يخص جودة المعلومة بقدر ما يخص علاقتها بالوجود الإنساني الحقيقي. المعرفة الأصيلة، بهذا المعنى الوجودي، هي التي تُواجه الإنسان بذاته وبمحدوديته وبمسؤوليته عن اختياراته، فتُثقل كاهله لكنها تُحرره في الوقت نفسه، أما المعرفة الزائفة فهي التي تُريحه من عبء هذه المواجهة، فتمنحه صورة جاهزة عن نفسه وعن العالم يستطيع أن يرتاح إليها دون أن يُساءل أو يُختبر. وهذا الفارق يقودنا مباشرة إلى عبارة فريدريك نيتشه الشهيرة “إنساني، مفرط في إنسانيته”، والتي لم تكن مجرد عنوان كتاب، بل كانت إعلاناً فلسفياً بأن هناك كتباً تُعيد الإنسان إلى إنسانيته الكاملة، بكل هشاشتها وتناقضها، بدل أن تُغرقه في مثال مجرد يسحقه.
فثمة كتب، إذن، تصنع منك إنساناً بالمعنى النيتشوي العميق؛ كتب لا تمنحك يقيناً مريحاً، بل تُواجهك بأسئلتك الخاصة، وتترك لك مساحة أن تكون ضعيفاً ومتردداً وحائراً دون أن تُخجّلك من ذلك، وثمة كتب أخرى على النقيض تماماً، تصنع منك دون كيشوت؛ كتب تمنحك يقيناً زائفاً عن ذاتك، وتُقنعك بأنك بطل مهمة عظمى، وتُلبسك درعاً من المُثُل الجاهزة، فتخرج إلى العالم لتحاربه بسيف من ورق، والفارق الحقيقي بين النوعين ليس في جودة الأسلوب أو عمق الحبكة، بل في ما تفعله هذه الكتب بعلاقتك بالواقع؛ هل تُعيدك إليه أكثر وعياً، أم تُبعدك عنه أكثر وهماً؟
وهذا بالضبط ما يجعل السؤال الكيركجوري ضرورياً هنا؛ فكيركجور، في تحليله للوجود الجمالي والوجود الأخلاقي والوجود الديني، كان مشغولاً دائماً بسؤال واحد من وجهة نظري؛ وهو كيف يعيش الفرد وجوده الخاص بأصالة، لا كنسخة مكررة من نموذج جاهز؟ ودون كيشوت – حسب هذا المنظور – عالق في مرحلة جمالية متضخمة؛ لأنه يعيش حياته كما لو كانت قصة يرويها عن نفسه، بطلاً في مسرحية لم يكتب نصها، بدل أن يواجه القفزة الوجودية التي تتطلب منه أن يختار ذاته بمسؤولية كاملة أمام العدم. والمجتمع الرأسمالي المعاصر، بإنتاجه الجماهيري لصور جاهزة عن النجاح والهوية والذات المثالية، ليُبقي أفراده في هذه المرحلة الجمالية بالذات، ويُؤجّل إلى ما لا نهاية لحظة المواجهة الحقيقية مع الذات.
المجتمع الدون كيشوتي، إذن، ليس مجتمعاً يعيش الوهم بمعناه الساذج، بل مجتمعاً بُنيت أوهامه بعناية اقتصادية محكمة، ووُزّعت عليه بوصفها واقعاً لا بديل عنه، ففيه يركض الأفراد خلف صور نجاح مصنوعة، ويحاربون طواحين هواء اقتصادية ظنّاً منهم أنها عمالقة يجب هزيمتهم، بينما الآلية الحقيقية التي تُحرّك حياتهم تبقى غير مرئية لهم تماماً، كما بقيت طبيعة الوهم غير مرئية لدون كيشوت حتى النهاية، والمفارقة الأعمق أن هذا المجتمع قد يُكافئ سلوكه الدون كيشوتي بالتصفيق، فيُحوّل من يركض خلف وهم النجاح المفروض عليه إلى نموذج يُحتذى، تماماً كما ضحك من حول دون كيشوت منه، ثم أحبّوه رغم ضحكهم، لأن نبله ظل حقيقياً حتى في وهمه.
وهنا يكمن العزاء الوحيد الذي يمنحنا إياه ثربانتس، والذي ربما فات عبد الرحمن بدوي حين حصر العمل في خانة التهكم وحدها؛ حيث أن دون كيشوت، رغم كل شيء، يظل نبيلاً في اختياره، حتى لو كان اختياره خاطئاً موضوعياً، فالمأساة الحقيقية ليست في أن يُخطئ الإنسان طريقه، بل في ألا يختار طريقاً على الإطلاق، وأن يعيش حياة (رمادية) لا بطولة فيها ولا تهكم، لا وهماً يستحق أن يُروى ولا صحواً يستحق أن يُعاش – وبهذا المعنى – قد يكون المجتمع الدون كيشوتي، رغم كل قسوة النقد الذي يستحقه، أفضل بدرجة واحدة من مجتمع فقد حتى قدرته على الحلم، مجتمع لم يعد يمتطي حصاناً وهمياً لأنه لم يعد يمتلك حتى الرغبة في الفروسية.
وقد تنتهي دراستنا هذه لا بحكم قاطع أو استنتاج، بل بسؤال مفتوح يليق بروح كيركجور نفسه، وهو هل يمكن للإنسان المعاصر أن يستعيد علاقته الأصيلة بالمعرفة دون أن يفقد قدرته على الحلم؟ أن يقرأ الكتب التي تصنع منه إنساناً، مفرطاً في إنسانيته، لا فارساً يمتطي وهماً صنعه له آخرون لمصلحتهم؟
الجواب هنا لا يكمن في رفض كل حلم بوصفه وهماً دون كيشوتياً، بل في استعادة القدرة على التمييز، وهي القدرة التي احتكرتها بنية اقتصادية معينة لصالحها. وربما كانت مهمة الفلسفة اليوم، كما كانت مهمة ثربانتس قبل أربعة قرون، أن تُعيد لهذا التمييز اعتباره، لا بإلغاء الفارس بداخلنا، بل بمنحه عينين تريان الطاحونة كما هي.
• ملاحظة هامة ان اسم Don Quixote يُنطق في الإسبانية “دون كيخوتي” (بحرف خاء عربي مقابل لصوت الـ x الإسبانية القديمة أو الـ j الإسبانية الحديثة)، وهو النطق الأصح تاريخياً وأدبياً، بينما شاع في الفرنسية والإنجليزية نطق مُحرَّف هو “دون كيشوت”، وهي الأكثر تداولاً في الثقافة العربية التقليدية رغم أنه ليس النطق الأصلي، وقد نقلها بدوي “دون كيخوته” في ترجمته لها، ومن الجدير بالذكر أن هناك عدة ترجمات عربية لرائعة ثربانتس إلا أنني اعتمدت ترجمة بدوي لها.
مصادر تم الرجوع إليها:
– صـ ٥؛ ثربانتس، ميغيل دي. دون كيخوته. ترجمة د. عبد الرحمن بدوي. دمشق وبغداد: المدى للثقافة والنشر، الطبعة الثالثة، 2009.
– صـ١٣؛ ماركس، كارل، وفريدريك إنجلز. ملاحظات وآراء عن أدباء كلاسيكيين. ترجمة زياد الملا. دمشق: نينوى للبحوث والدراسات والنشر.
