في أواخر عام 1877 كتب ماركس رسالة إلى هيئة تحرير مجلة روسية، لم يرسلها قط، ولم يكن غرضها الرد على خصم. كان ناقد روسي يدافع عنه قد حوّل مخططه التاريخي لنشأة الرأسمالية في أوروبا الغربية إلى نظرية فلسفية–تاريخية في «المسار العام» الذي يفرضه القدر على كل شعب مهما كانت ظروفه، فرفض ماركس أن يُنسب إليه ذلك.[1] وفي عام 1895 اعترف إنجلس، في مقدمته لكتاب «الصراعات الطبقية في فرنسا»، بأن تصوراتهما الأولى عن شروط الحركات الثورية ومسارها، حين اندلعت ثورة شباط 1848، كانت واقعة تحت سطوة التجربة التاريخية السابقة، وهي الفرنسية خصوصاً.[2]
الرجلان اللذان أمسكا بالفهم المادي الجدلي في أصفى صوره رفضا إذن أن يتحول ما كتباه عن ظرف بعينه إلى قانون عام. فمن أين جاء ذلك الميل الذي ملأ تاريخ الماركسية بعدهما؟ ميل أحزاب بأكملها إلى معاملة قراءة تاريخية محددة، أو نموذج تنظيمي نجح في زمان ومكان معينين، كأنه جزء من العلم نفسه.
وجوابي تمييز أراه شرطاً لكل ماركسية حيّة: التمييز بين المنطلقات والتصورات. المنطلقات هي الفلسفة والاكتشافات النظرية التي يقوم عليها التحليل. أما التصورات فهي ترجمتها المرحلية إلى قراءة لواقع ملموس وإلى مشروع للفعل فيه. الأولى تُعمَّم وتُطوَّر، والثانية تُختبر وتُراجَع وتُستبدل. وبين الاثنتين يقع الخطر الذي أتتبعه هنا: حين تصعد التصورات إلى مرتبة المنطلقات، يتحول المنهج الجدلي المفتوح إلى عقيدة مغلقة.
ولا يكفي تحديد الفارق، فلا بد من بيان البنية. للتصورات في الفكر الماركسي طبقات تتفاوت صلتها بالظرف: قراءة التشكيلة الاجتماعية، وتحديد الحلفاء والخصوم، والأشكال التنظيمية، والبدائل الاقتصادية والاجتماعية. ومن لا يميز بين هذه الطبقات يضعها في سلة واحدة، فيقدّسها كلها أو يرميها كلها، وكلا الموقفين هروب من العمل النظري. المطلوب موقف ثالث: أن نعرف ما نتمسك به مهما تغيّر الواقع، وما نعيد النظر فيه كلما تغيّر.
المنطلقات: ما الذي يُعمَّم؟
يقوم التحليل الماركسي لأي تشكيلة اجتماعية–اقتصادية على منطلقات لا تشبه الآراء ولا وجهات النظر. المادية الجدلية فلسفة في المعرفة، والمادية التاريخية نظرية في حركة المجتمع وتطوره، وفي قلب الاثنتين مقولة واحدة: التاريخ البشري المدوَّن ليس مساراً عبثياً ولا حصيلة إرادات فردية منعزلة، بل هو تاريخ صراع بين طبقات مستغِلة وأخرى مستغَلة.[3] هذا الصراع هو الدافع المركزي للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عبر الزمن. ويضيف ماركس في تمهيد عام 1859 الحلقة التي تمنح المقولة بنيتها: أسلوب إنتاج الحياة المادية يحدد السيرورة العامة للحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية، ولا يُفسَّر الوعي من ذاته، بل من تناقضات الحياة المادية.[4]
وحين يتبنى حزب ثوري هذه المنطلقات دليلاً عملياً لتحليل واقعه، فهو لا يكسب لغة للوصف. يكسب أداة تشخيص. التحليل الطبقي الملموس يحدد نمط الإنتاج السائد: إقطاعي، رأسمالي، أم تابع وهجين؟ ويكشف علاقات الإنتاج التي تكوّن البنية التحتية، والبنية الطبقية التي تعيّن موقع كل طبقة في عملية الإنتاج، ثم الطبقة المسيطرة اقتصادياً وسياسياً، والطبقات المستغَلة، ومستوى وعيها الطبقي، وأشكال نضجها التنظيمي.
والتحليل لا يقف هنا. الماركسية تفحص طبيعة السلطة السياسية وتشرّح تحالفها الطبقي، وترصد الأدوات القمعية والأيديولوجية التي تعيد بها إنتاج هيمنتها. ومن هذا التشريح تُرسم خريطة للقوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة: خلفياتها الطبقية، برامجها، مصالحها الفعلية. هنا يتميز الحليف المحتمل من الخصم الأساسي، وتُصاغ الاستراتيجيات والتكتيكات وفق موازين القوى الطبقية ومدى الاستعداد الذاتي للطبقات الكادحة. لذلك لا تبقى المنطلقات تأملاً فلسفياً مجرداً. إنها شرط مادي لتغيير الواقع.
غير أن للأمر طرفاً آخر يُنسى في العادة. المنطلقات تنتج معرفة بالواقع ولا تنتج الواقع نفسه، وبين القانون العام والحالة الملموسة مسافة لا تُقطع بالاستظهار. لينين سمّى ما يقطعها «روح الماركسية الحية»: التحليل الملموس لوضع ملموس. وفي النص ذاته ينتقد مقالين في مجلة «Kommunismus» الصادرة في فيينا باسم الأممية الشيوعية، أحدهما ماركسيته لفظية لأنه يخلو من أي تحليل ملموس لأوضاع تاريخية محددة، والآخر يحاكم تكتيكاً حياً بمقتطفات من ماركس تخص وضعاً لا يشبه الراهن.[5]
ولهذه المسافة تفسير في مساهمات ماركس نفسه. ففي مقدمة 1857 يميّز بين الواقع الملموس والملموس في الفكر. الفكر يصعد من المقولات المجردة إلى الملموس بوصفه تركيباً لتحديدات كثيرة، وهذا الصعود، كما يكتب، ليس العملية التي ينشأ بها الملموس نفسه، بل الطريقة التي يستوعبه بها الفكر ويعيد إنتاجه في الذهن.[6] هذا بالضبط هو التصور: ملموس في الفكر، نتاج عمل نظري على الواقع بأدوات المنطلقات، وليس الواقع. قد يكون دقيقاً وقد يكون ناقصاً، ويصدأ حين يتغير الواقع الذي يعيد إنتاجه. ومن ظن أن تصوره هو الواقع نفسه وقع في الوهم الذي أخذه ماركس على هيغل في المقطع ذاته: أن يُعامَل الواقعي كأنه نتاج الفكر.
ولوكاش أشد حزماً في هذه النقطة من معظم من كتبوا فيها. الأرثوذكسية في الماركسية، كما يقول، لا تعني التسليم بنتائج بحث ماركس ولا الإيمان بأطروحة بعينها ولا شرح كتاب مقدس، بل تعود حصراً إلى المنهج.[7] وأنا أقل تشدداً منه، فأُبقي في دائرة المنطلقات الاكتشافات النظرية الكبرى أيضاً: المادية التاريخية، ونظرية فائض القيمة، وتحليل الإمبريالية. لكنني أُبقيها مفتوحة على التطوير، وهذا ما يفصل بين منطلق حيّ ومنطلق متحجر.
ويقدّم علم الاجتماع نظيراً لهذا الفرز بلغة أخرى. فمايكل بوراوي يقرأ تاريخ الماركسية بوصفه برنامجاً بحثياً بالمعنى الذي صاغه إيمري لاكاتوش: نواة صلبة تحيط بها فرضيات مساعدة تُعدَّل حين تصطدم بالوقائع، وتنمو النظرية بقدر ما تجيب عن تحديات التاريخ بإعادة بناء هذه الفرضيات لا بهدم النواة.[8] والمقابلة بين النواة والحزام ليست مطابقة لما نسميه منطلقات وتصورات، فالتصور في الممارسة الثورية أكثر من فرضية مساعدة، إنه يوجّه فعلاً ويبني تنظيماً. لكن القاعدة المنهجية واحدة: ما كان حزاماً لا يجوز أن يُعامَل كنواة.
بنية التصورات في الفكر الماركسي
التصور، كما أستخدم الكلمة هنا، ليس رأياً ولا انطباعاً. هو الصيغة التاريخية المحددة التي تتخذها المنطلقات حين تُطبَّق على واقع بعينه: قراءة لهذا الواقع، ومشروع للفعل فيه. وأعني بالمشروع أدوات التحقيق السياسية والتنظيمية، وبالبرنامج الأهداف المنشودة عند بلوغ السلطة، فالأول يُمارَس كل يوم والثاني مؤجَّل. كل تصور يحمل في داخله منطلقاً ويحمل ظرفاً. المنطلق يمنحه الصلاحية العلمية، والظرف يحدد مداها الزمني.
والتصور الماركسي عن المجتمع نسق واحد يتوزع على أربع طبقات.
تبدأ السلسلة بالقراءة التحليلية للتشكيلة الاجتماعية. حين يحدد المحلل نمط الإنتاج السائد ويرسم بنيته الطبقية وطبيعة سلطته، فهو ينتج تصوراً ولا يستعيد منطلقاً. المنطلق أن نمط الإنتاج يحدد بنية المجتمع. التصور أن هذا المجتمع بالذات، في هذه اللحظة، يقوم على كذا وكذا. لذلك يمكن أن يخطئ، ويمكن أن يصح ثم يتقادم. والتشخيص الماركسي يتجاوز الوصف الظاهري إلى الكشف عن القوانين الموضوعية لتطور المجتمع، فمن تحليل التناقض الرئيسي في نمط الإنتاج تتحدد مرحلة التطور التاريخي وإمكانات التحول الثوري الكامنة فيه. وكذلك القول إن مجتمعاً بعينه بلغ هذه المرحلة لا تلك: القانون منطلق، والحكم على المجتمع تصور. ومن هذه الطبقة تحديداً خرج ما حذّر منه ماركس: مخطط لنشأة الرأسمالية في الغرب أراد غيره أن يجعله مساراً لا فكاك منه.[9]
ثم يأتي التصور السياسي: تحديد المهام والتحالفات الطبقية، والطبقات والفئات التي تشكل القوى المحركة للثورة، والتمييز في كل مرحلة بين الحلفاء الأساسيين والمؤقتين. وهذه الطبقة أسرع الطبقات تقادماً لأنها مرتهنة بموازين القوى وبمستوى الاستعداد الذاتي، وكلاهما يتحرك. وفي تجربة المؤسسين نفسها مثال صارخ مرّ بنا. فحين أقرّ إنجلس عام 1895 بأن التاريخ أثبت خطأهم وخطأ من فكّر مثلهم، أعاد النظر معه فيما كان يبدو بديهياً في أمر القتال في الشوارع والمتاريس.[10] ما سقط هنا هو التصور. ولم يسقط معه شيء من المنطلق: الصراع الطبقي بقي حيث هو، والتصور المادي الجدلي الذي حلّل به إنجلس تلك الحقبة بقي حيث هو أيضاً.
والتصور التنظيمي أكثر الطبقات التباساً. فيه أشكال التنظيم الأمثل للطبقة العاملة والفلاحين والبرجوازية الصغيرة والفئات المهمشة، وأدوات النضال الملائمة لكل فئة بحسب موقعها في عملية الإنتاج ودرجة وعيها الطبقي. وفيه يقع نموذج الحزب نفسه، ومنه يأتي أكثر الخلط، لأن التنظيم الذي نجح مرة يأتي مصحوباً بسطوة النجاح، فيبدو لأصحابه من صلب الماركسية لا من صلب لحظة بعينها.
وفي آخر السلسلة يقع التصور البرنامجي: الأهداف الاقتصادية والاجتماعية البديلة التي يُراد تحقيقها عند بلوغ السلطة، وما تَعِد به من عدالة اجتماعية وتحرر وطني. وهي أبعد الطبقات عن الممارسة اليومية، ولذلك تبدو أقل تعرضاً للتقادم، وليست كذلك.
لا تتدرج هذه الطبقات من الثابت إلى المتحول تدرجاً مستقيماً، لكن بينها صلة لا تُفلت. الخطأ في القراءة يمرّ إلى التحالفات، ومنها إلى الشكل التنظيمي، ومنه إلى البدائل. حزب أخطأ في تحديد نمط الإنتاج سيجد نفسه يتحالف مع غير حلفائه وينظّم غير من ينبغي تنظيمه، ثم يتساءل لماذا لا يستجيب الواقع. وبالمقابل فإن إصلاح الطبقة الأولى دون مراجعة ما بعدها يترك التنظيم يعمل بمنطق قراءة انتهت. لهذا ينبغي أن يُعامَل التصور نسقاً، فلا يُراجَع جزء منه بمعزل عن الباقي.
وللتصور والمنطلق ساحتا اختبار مختلفتان. المنطلق يُختبر على مدى زمني طويل وفي مجتمعات عدة، ويسقط حين يظهر ما يفسر أكثر مما يفسره، أي بنمو النظرية نفسها. أما التصور فتختبره الممارسة في مداها القصير: موازين القوى كما هي، واستجابة الطبقات التي افترضنا موقعها، وقدرة التنظيم على تحقيق ما صُمم له. وحين تكذّب الممارسة تصوراً فالدفاع عنه بالاستشهاد بالمنطلق خلط بين الساحتين، لأن المنطلق لم يتكلم في المسألة أصلاً.
أثر التصورات على النشاط الفكري والسياسي والتنظيمي
ماذا تفعل التصورات حين تدخل الممارسة؟ كتب ماركس في الأطروحة الحادية عشرة عن فيورباخ أن الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم بطرائق مختلفة، وأن المهم هو تغييره.[11] والتصورات هي الحلقة التي يمر عبرها التفسير إلى التغيير. بدونها تبقى المنطلقات معرفة صحيحة لا تأمر بشيء. وبها تتحول إلى مهام وتحالفات وأشكال تنظيمية، أي إلى مشروع.
وتزداد هذه الحلقة وزناً حين يكون صاحب التصور طبقة لا فرداً. يرى لوكاش أن المعرفة الدقيقة بالمجتمع تصير، بالنسبة إلى طبقة ما، شرطاً مباشراً لتأكيد ذاتها في الصراع، وأن وعي هذه الطبقة بذاتها هو في الوقت نفسه وعيها الدقيق بالمجتمع كله.[12] بهذا المعنى لا يكون خطأ التصور في الحالة الماركسية شأناً أكاديمياً. الطبقة التي تعمل بتصور خاطئ عن مجتمعها تخوض معركتها بخريطة خاطئة، وتدفع الثمن في الميدان لا في المؤتمرات.
تبدأ التصورات عملها في الفكر قبل السياسة، فهي تحدد ما يُسأل عنه وما يُحسب مشكلة. من يسمّي المجتمع رأسمالياً يسأل عن الأجور والأرباح، ومن يسمّيه ريعياً يسأل عمن يوزّع الريع وعمن يتلقاه. المثقف الذي يقرأ مجتمعه بتصور تحليلي معيّن يبحث حيث يدله التصور ويهمل ما لا يدخل فيه، ولذلك لا ينتج خطأ التصور إجابات خاطئة فحسب، بل ينتج أسئلة خاطئة، وهذا أصعب اكتشافاً.
وفي السياسة تتحول إلى استراتيجيات نضالية محددة، وتغيّر المرحلة يغيّر القائمة كلها: حليف اليوم الأساسي قد يصير غداً حليفاً مؤقتاً أو خصماً، دون أن يمس ذلك المنطلق بشيء.
أما التنظيم فهو الموضع الذي يُختبر فيه كل ذلك. ليس التنظيم تجميعاً للأفراد، إنه الآلية التي تتحول بها التصورات إلى عمل سياسي فعّال، ومنه يُعرف إن كان الشكل الذي صُمم لفئة ما يناسب موقعها فعلاً في الإنتاج ودرجة وعيها.
ففي المجتمعات الرأسمالية تتحول التصورات الماركسية إلى مشاريع نضالية تستهدف قلب علاقات الإنتاج الاستغلالية، وتقوم على تحالف بين الطبقة العاملة والفلاحين والفئات الشعبية الأخرى، تنظّمه أدوات متنوعة كالنقابات العمالية والجمعيات الفلاحية ومنظمات المجتمع المدني.
وفي المجتمعات الريعية يتجه التصور إلى بناء تحالف طبقي أوسع لمجابهة نظام الريع، يوحّد العمال والفلاحين والفئات المتوسطة والمهمشة، وحتى البرجوازية الوطنية المنتجة، في جبهة ضد تحالف الطبقات المستفيدة من اقتصاد الريع. ويحدد الآليات التنظيمية لبناء القوة الثورية في هذه المجتمعات، مع التركيز على تنظيم الفئات المنتجة فعلاً والعمل على تحويل الوعي الطبقي لديها. والفارق بين الحالتين هو بالتحديد ما لا تحمله منطلقات عامة: لا يُستنتج حلف الطبقات في المجتمع الريعي من قانون الصراع الطبقي وحده. لا بد من التحليل الملموس لمن ينتج ومن يستفيد. وبما أن هذا الحلف تصور لا منطلق، فشروطه تُختبر باستمرار: هل البرجوازية التي نسميها منتجة منتجة بالفعل، أم ملحقة بدورة الريع؟ يُجاب عن السؤال بالتحليل لا بالنص.
والتصورات هي التي ترسم طريق الانتقال من نظام الاستغلال إلى نظام التحرر، وتصوغ البدائل الاقتصادية للعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني. وحين تتملكها الجماهير تصير قوة مادية تغيّر الواقع.[13] لكن السلاح الذي يُصنع من تصور خاطئ يصيب حامله أولاً. ولئلا يُفهم من هذا كله أن الأفكار تحرك التاريخ: الوعي لا يدير حركة التاريخ. ماركس قال العكس، فالوعي يُفسَّر من تناقضات الحياة المادية.[14] والتصورات جزء من هذه الحياة، ولا تغيّرها إلا حين تقترن بقوى اجتماعية قادرة على تحويلها إلى فعل.
خطورة رفع التصورات إلى مرتبة المنطلقات
الخلط بين المنطلقات والتصورات من أقدم أمراض الممارسة الماركسية، وأخطرها لأنه لا يُرى. تبدأ المشكلة حين تُرفع التصورات، وهي بطبيعتها نسبية وتاريخية، إلى مرتبة المنطلقات فتُعامَل كقوانين مطلقة. عندئذٍ يجمد الفكر وينغلق، لأن فهم تجربة معينة، سياق ثوري أو نموذج حزبي أو رؤية تحليلية مرحلية، يصير معياراً نهائياً لا يقبل النقد. والنتيجة عقيدة مغلقة تعيد إنتاج التصورات السابقة دون أن تسائل الواقع الجديد.
ولا ينجو من هذا الفرز حتى ماركس وإنجلس ولينين وغيرهم من المفكرين الماركسيين. أنتج هؤلاء منطلقات نظرية: الاكتشافات الجوهرية في المادية التاريخية، ونظرية فائض القيمة، وتحليل الإمبريالية. وقدموا إلى جانبها تصورات ظرفية في النشاط السياسي والتنظيمي لقراءة واقعهم الملموس. والخطأ كله في الخلط بين المستويين.
وتجربة لوكاش نفسه مثال بالغ الدلالة. فالكتاب الذي حصر الأرثوذكسية في المنهج هو الكتاب ذاته الذي ندّد به زينوفييف من منبر المؤتمر الخامس للأممية الشيوعية عام 1924 بوصفه «تحريفاً نظرياً» ويسارية متطرفة ومثالية، ثم قبل لوكاش هذا الحكم في نقد ذاتي لاحق، بعد أن دافع عن الكتاب في نص كتبه في منتصف العشرينيات ولم يُنشر إلا عام 2000.[15] المؤسسة التي صارت تعرّف الأرثوذكسية بالنتائج والأحكام المقررة عاقبت من عرّفها بالمنهج. ولا يلزم أن نتفق مع كل أطروحات الكتاب لنرى في الواقعة آلية كاملة: حين تتحول التصورات الرسمية إلى معيار للانتماء، يُعامَل السؤال عن المنطلقات انحرافاً.
وماركس وانجلس نفسهما سبقا إلى هذا الفرز. ففي تمهيدهما المشترك للطبعة الألمانية من «البيان الشيوعي» عام 1872 رأيا أن المبادئ العامة ما زالت صحيحة في مجملها بعد خمسة وعشرين عاماً على كتابته، لكنهما قالا إن تطبيقها العملي يتوقف دائماً وفي كل مكان على الظروف التاريخية القائمة، ولهذا لا يُشدَّد على التدابير الثورية المقترحة في نهاية القسم الثاني. وفي التمهيد ذاته يقرّان بأن تجربة الكومونة بيّنت أن الطبقة العاملة لا تستطيع الاستيلاء على آلة الدولة الجاهزة وتسييرها لأغراضها.[16] وثيقة واحدة، وفيها منطلق يبقى وتصور يُراجَع. وفي رسالة 1877 يضع ماركس منهجاً بديلاً لما رفضه: أن تُدرس كل مسار تطور على حدة ثم تُقارن المسارات، وأن لا يُلتمس مفتاح الظاهرة في صيغة شاملة لنظرية فلسفية–تاريخية عامة فضيلتها العليا أنها «فوق–تاريخية».[17]
أما لينين فقد عرّف عام 1920 الدلالة الدولية للثورة الروسية بمعنى ضيق عن قصد: صلاحية بعض سماتها الأساسية، لا كلها، لأن تتكرر على النطاق الدولي.[18] لكن الصياغة نفسها تطرح المشكلة التي تعنيني هنا: من يقرر أي السمات أساسية وأيها ثانوية؟ لا يحسم ذلك مرسوم ولا هيبة نجاح. يحسمه التحليل الملموس لكل مجتمع، أي الأداة التي يلغيها بالضبط رفع التجربة بأكملها إلى نموذج. وهذا ما جرى لأحزاب كثيرة تمسكت بتصورات وُلدت في سياق محدد، الثورة الروسية مثلاً أو التجارب القومية في العالم الثالث، وعاملتها كمنطلقات عامة تصلح لكل زمان ومكان. وهنا يفقد الفكر مرونته النقدية.
والآلية نفسها تعمل على مستوى تاريخ العالم. فتعاقب العبودية والإقطاع والرأسمالية تصور مستخلص من تاريخ أوروبا، ومرتبط بظروف تطور قواها الإنتاجية وعلاقاتها الإنتاجية، رُفع إلى قانون عام يُفترض أن يمر به الجميع. وعلى الرغم من أن ماركس أقرّ بنمط الإنتاج الآسيوي وبما يميزه في ملكية الأرض ودور الدولة،[19] فإن هذا النمط لم يأخذ استحقاقه من الدراسة في المنطقة العربية، تحت تأثير الصيغة المدرسية لمراحل الإنتاج الخمسة التي رسّخها الاتحاد السوفييتي منذ نقاشات لينينغراد عام 1931 وكتاب ستالين عام 1938.[20] وقد عرف الفكر العربي نقاشاً حوله، لكنه دار في الغالب على ثنائية الإقطاعي والآسيوي في العهد العثماني، ولم يتحول، في تقديري، إلى دراسة تفصيلية للتشكيلات الملموسة.[21] وسمير أمين يرى في هذا التعميم تشويهاً أوروبي المركز، ويقترح بديلاً عن النمط الآسيوي هو نمط الإنتاج الخراجي بوصفه الشكل العام للمجتمعات المتقدمة ما قبل الرأسمالية.[22] ومقترح أمين موضع نقاش، وليست القضية التي ينطلق منها رهناً بصحته: مخطط مستمد من مسار إقليمي لا يجوز أن يتحول إلى مفتاح عام. أما نمط الإنتاج الريعي فأراه أشد تعقيداً، ويحتاج إلى دراسة أعمق لأهميته في فهم مهامنا النضالية.[23] وللاعتراض أهمية خاصة هنا، فالسؤال الذي افتتح التحليل الطبقي الملموس، هل المجتمع إقطاعي أم رأسمالي أم تابع وهجين، يحمل في حدّه الثالث اعترافاً بأن المخطط الموروث لا يستوعب ما نراه.
فكيف يحدث الصعود؟ لا يحدث بقرار. يحدث بالممارسة. كل تصور ينجح يتحول إلى عمل منظم متكرر، وقد لاحظ غرامشي أن تصوراً للعالم حين يصير نشاطاً عملياً يحمل في داخله، على نحو ضمني، المقدمة النظرية التي قام عليها.[24] ما يُمارَس يومياً يصير بديهة، والبديهة لا تُناقَش. وحين يخذل الواقع هذه البديهة لا يُراجَع التصور، بل يُبحث عن مسؤول: تخلّف الجماهير، أو انحراف القيادة، أو مؤامرة الخصوم. هكذا يتسلل الشكل التنظيمي الذي صاغته لحظة بعينها إلى الوعي بوصفه جزءاً من العلم نفسه. والعلاج ليس تبديد الممارسة، بل إخراج المقدمة الضمنية إلى العلن وعرضها على الاختبار. وبلغة لاكاتوش، البرنامج البحثي الذي يدافع عن حزامه بفرضيات ملفَّقة لإنقاذه بدل أن يراجعه هو برنامج يتراجع.[25]
وليس الفرز عسيراً إذا طُرحت الأسئلة الصحيحة. هل يصمد هذا الحكم في مجتمعات وأزمنة غير التي وُلد فيها، أم يصمد حيث وُلد فقط؟ هل يُستخرج من المنهج والوقائع، أم يُورَث نصاً؟ وهل يعطّل التخلي عنه قدرة التحليل كلها على التفسير، أم يُسقط مشروعاً بعينه؟ الحكم الذي يصمد في كل مكان ويمثّل شرط التفسير نفسه منطلق. والذي يصمد حيث وُلد، ويُسقط مشروعاً لا منهجاً، تصور.
ولا يعني هذا الفرز تسليماً بنسبية شاملة. ثمة خطأ معاكس يستحق الحذر نفسه: أن تُعامَل المنطلقات كما لو كانت تصورات، فيصير كل شيء قابلاً للتفاوض باسم خصوصية الواقع. وموقف لوكاش يسد هذا الباب. ولينين حين جعل التحليل الملموس روح الماركسية لم يجعله بديلاً عنها. مراجعة التصور تتم بالمنطلق، لا ضده.
الخاتمة
ما الذي يبقى من الماركسية حين تُسقِط تصوراتها؟ يبقى كل ما يهم: الماركسية التي تقرأ المجتمع من أسلوب إنتاجه، والصراع الطبقي محركاً، والتحليل الملموس طريقاً من القانون إلى الحالة. وما يسقط هو ما كان ينبغي أن يسقط: قراءات تقادمت، ونماذج تنظيمية فقدت ظرفها، وتحالفات رُسمت لموازين قوى انقضت. الذين يخافون من هذه الخسارة يخلطون بين الماركسية وأرشيفها.
والمنطقة العربية تحتاج هذا التمييز أكثر من غيرها، لأن الإغراء فيها مزدوج: أن تُستورد تصورات صيغت في سياقات أخرى، نموذجاً حزبياً أو مخططاً مرحلياً، وتُعامَل كمنطلقات. أو أن تُتخذ خصوصية التشكيلة الريعية ذريعة للتخلي عن المنطلقات نفسها، وهذا ما ينتقده أمين تحت اسم الثقافوية.[26] في الحالتين يُعفى التحليل الملموس من عمله. والتصورات ليست حكراً على اليسار على كل حال. ففي المجتمعات الريعية تقوم السلطة على تصورات عن الاستقرار والهيمنة تقدمها كأنها نظام الأشياء الطبيعي، وفي المجتمعات الرأسمالية أو المختلطة تروّج تصورات النمو والتقدم الاقتصادي على حساب العدالة الاجتماعية، والتصور الذي يُقدَّم بوصفه طبيعة ليس سوى تصور رُفع إلى مرتبة المنطلق، بأدوات الدولة هذه المرة.
المسألة إذن ليست أن نحتفظ بالماركسية أو نتخلى عنها. المسألة أن نعرف في كل لحظة ما نحميه باسم المنطلق وهو في الحقيقة تصور ورثناه. أي أجزاء من خريطتنا للمجتمع الريعي ما زالت تقرأ الواقع، وأيها صارت تحرسه؟ وأي نموذج تنظيمي نعيد إنتاجه لأنه يعمل، وأيها لأننا لا نجرؤ على السؤال: لمن يعمل؟
[1]Karl Marx, “Letter to the Editorial Board of Otechestvennye Zapiski,” late November 1877, in Marx and Engels Correspondence, trans. Donna Torr (New York: International Publishers, 1968), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1877/11/russia.htm.
[2]Friedrich Engels, “Introduction” (March 6, 1895) to Karl Marx, The Class Struggles in France, 1848 to 1850, in Karl Marx and Frederick Engels, Selected Works, vol. 1 (Moscow: Progress Publishers, 1969), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1895/03/06.htm.
[3]Karl Marx and Friedrich Engels, Manifesto of the Communist Party (1848), chap. 1, “Bourgeois and Proletarians,” with Engels’s note to the 1888 English edition.
[4]Karl Marx, “Preface,” in A Contribution to the Critique of Political Economy (1859; Moscow: Progress Publishers, 1977), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1859/critique-pol-economy/preface.htm.
[5]Vladimir I. Lenin, “Kommunismus” (June 12, 1920), in Collected Works, vol. 31 (Moscow: Progress Publishers, 1965), 165–67, Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1920/jun/12.htm.
[6]Karl Marx, “Introduction” (1857), section 3, “The Method of Political Economy,” in Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy, Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1857/grundrisse/ch01.htm#3.
[7]Georg Lukács, “What Is Orthodox Marxism?,” in History and Class Consciousness: Studies in Marxist Dialectics, trans. Rodney Livingstone (London: Merlin Press, 1971), 1.
[8]Michael Burawoy, “Marxism as Science: Historical Challenges and Theoretical Growth,” American Sociological Review [Scopus: Q1] 55, no. 6 (1990): 775–93.
[9]Marx, “Letter to Otechestvennye Zapiski,” 1877.
[10]Engels, “Introduction” (1895).
[11]Karl Marx, “Theses on Feuerbach” (1845), thesis 11, in Karl Marx and Frederick Engels, Selected Works, vol. 1 (Moscow: Progress Publishers, 1969), 13–15, Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1845/theses/theses.htm.
[12]Lukács, “What Is Orthodox Marxism?”
[13]Karl Marx, “Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right: Introduction” (1844), in Marx and Engels, Collected Works, vol. 3 (Moscow: Progress Publishers, 1975), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1844/df-jahrbucher/law-abs.htm.
[14]Marx, “Preface” (1859).
[15]Grigory Zinoviev’s speech at the Fifth Congress of the Communist International, June 1924, on “theoretical revisionism”; see the editorial introduction to “What Is Orthodox Marxism?,” Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/lukacs/works/hcc-alt/orthmarx.htm. For Lukács’s own defence, see Georg Lukács, A Defence of History and Class Consciousness: Tailism and the Dialectic, trans. Esther Leslie (London: Verso, 2000).
[16]Karl Marx and Friedrich Engels, “Preface to the 1872 German Edition,” in Manifesto of the Communist Party (1848), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1848/communist-manifesto/preface.htm. For an early joint appeal to this preface and Engels’s 1895 introduction, see Rosa Luxemburg, “Our Program and the Political Situation” (December 1918), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/luxemburg/1918/12/31.htm.
[17]Marx, “Letter to Otechestvennye Zapiski,” 1877.
[18]Vladimir I. Lenin, “Left-Wing” Communism: An Infantile Disorder (1920), chap. 1, “In What Sense We Can Speak of the International Significance of the Russian Revolution,” in Collected Works, vol. 31 (Moscow: Progress Publishers, 1965), 17–118, Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1920/lwc/.
[19]Marx, “Preface” (1859); Karl Marx, Capital, vol. 3, chap. 47, “Genesis of Capitalist Ground-Rent,” Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1894-c3/ch47.htm. On Marx’s late and non-European writings, see Kevin B. Anderson, Marx at the Margins: On Nationalism, Ethnicity, and Non-Western Societies (Chicago: University of Chicago Press, 2010), chaps. 5–6.
[20]Joseph Stalin, “Dialectical and Historical Materialism” (September 1938), originally chap. 4, sec. 2 of History of the C.P.S.U.(B.): Short Course (Moscow: Foreign Languages Publishing House, 1951), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/ebooks/stalin/d_and_h_materialism_stalin.pdf. On the Leningrad discussion of 1931, see Karl A. Wittfogel, “The Marxist View of China (Part 2),” The China Quarterly, no. 12 (1962): 154–69.
[21]Nader Atassi, “The Arab Transition Debate: The Fall of Feudalism and the Rise of the Asiatic Mode of Production in Arabic Historiography,” paper abstract, Middle East Studies Association Annual Meeting, 2020, session VI-10.
[22]Samir Amin, Eurocentrism: Modernity, Religion, and Democracy: A Critique of Eurocentrism and Culturalism, trans. Russell Moore and James Membrez, 2nd ed. (New York: Monthly Review Press, 2009), 221–54. For a development of the concept, see John F. Haldon, The State and the Tributary Mode of Production (London: Verso, 1993).
[23]Hossein Mahdavy, “The Patterns and Problems of Economic Development in Rentier States: The Case of Iran,” in Studies in the Economic History of the Middle East, ed. M. A. Cook (London: Oxford University Press, 1970), 428–67; Hazem Beblawi and Giacomo Luciani, eds., The Rentier State (London: Croom Helm, 1987). On rent as a form of surplus appropriation, see Marx, Capital, vol. 3, chap. 47.
[24]Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, ed. and trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York: International Publishers, 1971), part 3, “The Study of Philosophy.”
[25]Imre Lakatos, “Falsification and the Methodology of Scientific Research Programmes,” in The Methodology of Scientific Research Programmes: Philosophical Papers, vol. 1, ed. John Worrall and Gregory Currie (Cambridge: Cambridge University Press, 1978).
[26]Amin, Eurocentrism, 7.
