حين يتعثر الحزب، يبدأ الجميع بتفتيش الوثائق. هل كانت الشعارات حاسمة بما يكفي؟ هل التحليل محدَّث؟ هل تُعاد صياغة هذه الفقرة أو تلك؟ يذهب الحزب إلى مؤتمره بمسودة برنامج جديد ونظام داخلي معدَّل، ويعود بعد أربع سنوات بمسودة أخرى. والمشكلة تبقى حيث كانت.
ربما أُثير هنا موضوع ليس ضمن اهتمام الكثيرين. هوية الحزب لا تُقرأ في برنامجه ولا في نظامه الداخلي، فهي غير موجودة على الورق، بل في ما يفعله في كل خطوة وكل يوم: من ينظِّم، وأين، وبأي أدوات، وكيف يُقاس ما أُنجز. ولهذا علينا أن نفرّق بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما تختلط: البرنامج، والنظام الداخلي، والمشروع. ثم نستخلص ما يترتب على ذلك لمؤتمرات الحزب، لأن المؤتمر هو المكان الذي ينكشف فيه الحزب على حقيقته: يناقش عمله أو يناقش أوراقه.
الفكرة ليست غريبة عن التقليد الماركسي. حين علّق ماركس عام 1875 على مسودة برنامج الوحدة في غوتا، كتب إلى براكه أن كل خطوة من الحركة الفعلية أهم من دزينة برامج. لم يكن ذلك ازدراءً بالبرنامج، فقد رأى أن برنامج المبادئ ينصب أمام العالم كله علامات يقيس بها مستوى الحركة الحزبية، ولهذا لا يصح أن يُصاغ قبل أوانه، بل ينبغي أن تمهّد له فترة طويلة من العمل المشترك.[1] السؤال عند ماركس إذن هو متى يُكتب البرنامج وما الذي يحمله وماذا يعنيه، لا هل يُكتب. وفي مساهمه سابقة لي قبل سنوات رأيت الوجه الآخر من المسألة: حزب يحمل برنامجاً طبقياً ولا يتسلح بتنظيم قادر على إدارة الصراع السياسي لا يحقق نصراً، لأن التنظيم هو الحامل المادي للسياسة والفكر، وهما بدونه لا يزيدان على قصاصات ورق.[2]
البرنامج، أو ماذا نريد؟
يضع الحزب برنامجاً يحدد أهدافه، القريب منها والبعيد. القريب ما يسعى إلى تحقيقه في الظرف الراهن، والبعيد هو الأفق الاستراتيجي الذي تُقاس به الخطوات كلها. وقد عرف التقليد الاشتراكي هذه القسمة باسم “برنامج الحد الأدنى وبرنامج الحد الأقصى”، فبرنامج الاشتراكيين الديمقراطيين الروس عام 1903 جمع الاثنين، الأول للمهام القريبة والثاني لهدف الثورة الاشتراكية.[3]
ولا ينبغي أن نقلّل من وظيفة البرنامج. فحين شرع لينين في إصدار «إسكرا» رأى أن أولى مهامها بلوغ الوحدة الفكرية للاشتراكية الديمقراطية الروسية وتثبيتها وتجسيدها في برنامج للحزب، ومن هنا جاءت المسودة التي أقرّها المؤتمر الثاني.[4] البرنامج إذن أداة وحدة: يقول للأعضاء ولخصومهم وللناس جميعاً ما الذي يجمعهم. لكن وحدة الأفكار شيء وهوية الفعل شيء آخر، فقد يتفق مئة شخص على النص نفسه ولا يفعلون الشيء نفسه. وما أعترض عليه ليس البرنامج، بل جعله مقياس هوية الحزب.
وللأحزاب التي خاضت تجارب انتخابية طويلة عادة أخرى، ربما هي أكثر ليبرالية: برنامج انتخابي يُعلن قبيل الاقتراع، ويقول ما ستفعله إن وصلت إلى السلطة أو شاركت فيها. لكنه وعدٌ مشروط. فإذا خسر الحزب الانتخابات سقطت عملياً قيمة ذلك البرنامج، لأنه صيغ لحكومة لم تتشكل. وحين يُختزل الحزب في ما سيفعله إن فاز يتحول إلى جهاز موسمي. وقد وصفت الأدبيات الأكاديمية مساراً قريباً: أحزاب نشأت متجذرة في المجتمع صارت، بحسب كاتس ومير، أقرب إلى وكلاء للدولة، يوظّفون مواردها لضمان بقائهم الجماعي.[5] فماذا يبقى من حزب كهذا حين لا يفوز؟ ولا يستطيع تنفيذ منه شيء؟ ذلك ما يكرّسه البرنامج إذا اعتُبر معيار هوية الحزب.
ولهذه الظاهرة جانب آخر يستحق أن نتوقف عنده: في أحزاب كثيرة أصبح يتطابق موعد المؤتمر مع الدورة الانتخابية، كل أربع سنوات في الغالب، وهي ليست مصادفة، فيصير البرنامج برنامجاً انتخابياً وإن لم يُعلَن ذلك. والتجربة الروسية تُظهر أن الأمر ليس قدراً. فقد نصّ نظام الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي عام 1903 على دعوة المؤتمرات العادية، «بقدر الإمكان»، كل سنتين،[6] ثم أقرّ المؤتمر الثالث عام 1905 أن يُعقد المؤتمر سنوياً.[7] وجاء في مناقشة النظام أن تغيير شروط الدعوة له ما يبرره في تسارع إيقاع الحياة الحزبية وفي التجربة المريرة للفترة بين المؤتمرين الثاني والثالث،[8] وأعاد نظام 1917 تأكيد القاعدة نفسها.[9] فلا أثر لحساب انتخابي في التعليل المسجَّل. ويمكن القول إن المنطق الذي يحكم هذا التقليد أن المؤتمر أداة لتطوير الفعل السياسي اليومي للحزب، لا مناسبة للاقتراع.
ثم إن هذا يحسم مسألة المراجعة: فإذا انعقد المؤتمر كل عام لمتابعة العمل، كان من العبث أن يُراجَع البرنامج في كل مرة. لا تُعاد صياغته إلا في حالتين: حين يتحول الحزب تحولاً عميقاً في أهدافه أو تصوراته الفكرية أو قراءته للواقع، أو حين يتغير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي تغيراً عميقاً يفرض أهدافاً مختلفة. ما عدا ذلك، تعديلٌ في كل دورة ليس يقظة فكرية. إنه ارتباك.
المشروع، أو كيف نحقق ما نريد؟
اما المشروع الحزبي فهو مجمل النشاط الحزبي: الأهداف النظرية التي صيغت في البرنامج، مضافة إليها الخطوات العملية التي تسعى تراكمياً إلى تحقيقها. وهنا يقع الفرق. البرنامج يسأل: ماذا نريد؟ المشروع يسأل: كيف؟ ببساطة، البرنامج عقل المشروع، والمشروع هو البرنامج وقد دخل مجال الفعل.
لنأخذ التعليم مثالاً. يكتب البرنامج هدفاً بتحسين التعليم، وينتهي دوره هناك. أما المشروع فهو كل ما لا يظهر في السطر المكتوب. ما الإجراءات التنظيمية اليومية التي اتُّبعت لتوسيع عمل أعضاء الحزب في المنظمات والاتحادات الطلابية؟ ما الخطط التي ناقشتها مؤتمرات الحزب واجتماعاته العامة لتطوير العمل بين صفوف الطلبة ولإعداد الكادر الطلابي؟ كيف تُتابَع القاعدة التنظيمية للحزب، ولمنظمات الطلبة القريبة منه، في كل جامعة وكل كلية وكل قسم، يوماً بعد يوم؟ ما هي الجامعات والكليات والاقسام التي ليس لدينا فيها تنظيم حزبي او اتحادي وكيف نخلق الركائز ونتوسع فيها، ما عدد الفعاليات المطلبية التي نظمت في هذا القطاع والأهم كم عدد المشاركين فيها؟ وحجم تأثيرها لاستقطاب أعضاء جدد للتنظيمين الحزبي والاتحادي وكيف تنظم وتوجه وتراقب وتقيس المؤتمرات والاجتماعات اتساع النشاط الطلابي كمّياً وتطوره نوعياً؟ والمنطق نفسه ينطبق على كل قطاع يرى الحزب أن العمل بين صفوفه ضروري.
المشروع هو الممارسة التي يلمسها الناس في المعمل والحقل والحي والجامعة. ما لا يلمسونه لا وجود له بالنسبة إليهم، مهما بلغت بلاغته، إلا بالنسبة إلى مثقفين طوباويين ينتشون ببلاغة الجمل وسرد والانشاء ولا يعنيهم أثرها في حياة الناس.
وللتقليد الماركسي في هذا كلام واضح. حين كتب لينين «ما العمل؟» لم يكن يقدّم برنامجاً بل خطة تنظيمية: صحيفة سياسية تُعدّ الكادر وتربط الخلايا وتصنع من العمل المتفرق عملاً موحداً. أراد لها أن تكون، بتعبيره المعروف، منظِّماً جماعياً، وشبّهها بالسقالة التي تُنصب حول بناء قيد الإنشاء: ترسم محيطه، وتتيح للبنّائين أن يتواصلوا ويوزعوا العمل ويروا ما أنجزه جهدهم المنظَّم المشترك.[10] وقبل لينين بنحو ثلاثة عقود قال ماركس في رسالته إلى براكه إن قادة اللاسالّيين لو قيل لهم منذ البداية إنه لا مساومة على المبادئ لما كان أمامهم إلا أن يقنعوا ببرنامج عمل أو بخطة تنظيمية للعمل المشترك.[11] ويقرأ لارس ليه «ما العمل؟» في سياقه الروسي والأوروبي لا بوصفه مجادلة نظرية معزولة.[12] وعند غرامشي، «الأمير الحديث» ليس شخصاً ولا نصاً، إنه الحزب نفسه: كائن جماعي تتشكل فيه الإرادة الجماعية عبر الفعل المنظَّم.[13] ويلاحظ دوفرجيه أن الأحزاب الشيوعية بنت وحداتها القاعدية على الخلية في مكان العمل، حيث التواجد اليومي والصراع والاستغلال والمطالب وحاجات التنظيم، لا على الفرع الانتخابي الجغرافي، أي حيث يوجد الناس فعلاً.[14] هذه كلها أوصاف للمشروع لا للبرنامج.
ولا يعني هذا أن المشروع تنظيم بلا سياسة. ففي التجربة نفسها رأيتُ أن حجم التنظيم وصلابته لا يعنيان شيئاً أمام مبدئية السياسة وصوابها وقدرة الحزب على اكتشاف الحلقة الأساسية في الصراع، وأن أشكال النشاط الحزبي، التنظيمي والسياسي والفكري، إذا لم تتناغم عجز الحزب الحامل لبرنامج طبقي عن تحقيق نصر.[15] المشروع هو هذا التناغم تحديداً.
النظام الداخلي ليس مشروعاً
يقع بين البرنامج والمشروع التباس آخر: الوثائق الحزبية. البرنامج والنظام الداخلي كلاهما يعكس تصورات الحزب الفكرية والظروف التي يعمل فيها وشكل البنية التي يسعى إلى تحقيقها. وما قلته عن البرنامج ينطبق على النظام: لا يتغير إلا بتغير الظروف أو الأهداف.
لكن النظام الداخلي ينظّم الحياة الداخلية للحزب: العضوية، الهيئات، الانتخابات، المسؤوليات. إنه لا يحدد آليات تنفيذ المهام. ولهذا لا يدخل في المشروع، وإن كان شرطاً لسير العمل.
غير أن الحد الفاصل لا يمر بين الوثيقة وغير الوثيقة، فالمشروع نفسه يعيش على الوثائق: قرارات وخطط يتخذها الحزب ويوزّع بها المهام. يمر بين وثيقة تصف كيف ينبغي أن يكون الحزب ووثيقة تكلّف أحداً بعمل: من يفعل ماذا، وأين، وبحلول متى، وبأي مؤشر يُعرف أنه فُعل. الأولى تُقرأ والثانية تُحاسَب. والنظام الداخلي من الصنف الأول مهما أُحكمت مواده. وثيقة تقول كيف ننتظم لا تعني أننا ننتظم، فالنظام لا يمتلك معايير لقياس الأداء وتقييمه وتصويبه.
فلنقارن بين عبارتين. تقول مادة في النظام الداخلي إن الخلية هي الوحدة القاعدية للحزب وإنها تجتمع دورياً. ويقول تقرير من مشروع الحزب، لنفترض، إن في مصنع بعينه ثلاث خلايا اجتمعت هذا الشهر، وإنها كلّفت أحد أعضائها بمتابعة مطالب العاملين في قسم بعينه، وإنه عاد بقائمة مطالب عُرضت على الإدارة. العبارة الأولى تصف شكلاً. الثانية تثبت حياة. وحتى إن انتظمنا فعلاً، يبقى السؤال: هل لهذا التنظيم جدوى؟
مؤتمر وثائق أم مؤتمر حزب؟
إذا سلّمنا بما سبق، تغيّر معنى المؤتمر. حين يتحول كل مؤتمر إلى جلسة لإعادة مناقشة الوثائق، زيادة في هذا البند وتغيير في ذاك، يصبح مؤتمر وثائق. مؤتمر لا يناقش سوى الورق، وتُقاس أهميته بما يدخله من صفحات وما يخرج منه.
أما المؤتمر الحقيقي فيناقش التحديات التنظيمية والسياسية التي تواجه الحزب، والإجراءات الكفيلة بتوسيع قاعدته الجماهيرية وتأثيره. يسأل عما أُنجز في كل حي ومعمل وجامعة، وما تعثّر ولماذا، ثم عن الحال التي يريد الحزب أن يبلغها بعد عام. ولا يلزم ربط ذلك بالدورة التقليدية كل أربع سنوات، بل يمكن أن ينعقد المؤتمر سنوياً لمتابعة سير العمل ومساراته، إذا كان العمل هو ما يُناقَش.
ولكي يفعل ذلك لا بد أن يصل إليه الحزب بتقارير تقول ما حدث في الميدان بالأرقام والأسماء، وأن يخرج منه بخطة توزّع المهام وتحدد مؤشرات المتابعة، أي بوثائق من الصنف الثاني الذي ميّزناه. المؤتمر الحقيقي لا يستغني عن الورق. إنه يغيّر ما يُكتب فيه.
وهذا يغيّر معنى انتخاب القيادة نفسه. فحين يكون جدول المؤتمر هو العمل، تصير القيادة المنتخبة مسؤولة أمام من انتخبها عن تنفيذ خطة محددة، ويصبح السؤال عند الاقتراع: من يستطيع أن ينفذ هذا؟ لا: من يوافق على هذه الصياغة؟
ما تقوله التجربة الروسية
يمكن اختبار الفكرة بتجربة الأحزاب الشيوعية، وأبرزها حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. أقرّ الحزب برنامجه في مؤتمره الثاني عام 1903، وهو برنامج صاغته هيئة تحرير «إسكرا» وأقرّه المؤتمر بتعديلات طفيفة.[16] والملفت أن المؤتمر أقرّه بالإجماع مع امتناع واحد، ومع ذلك انقسم الحزب في المؤتمر نفسه إلى بلاشفة ومناشفة. فبحسب ما يسجّله الأرشيف الماركسي، دار الصراع الحاسم أثناء مناقشة البرنامج حول مبادئ بناء الحزب، لا حول نص البرنامج.[17] ويمكن القول إن البلشفية تكوّنت حول سؤال تنظيمي قبل أن تتكوّن حول نص.
وبقي البرنامج نفسه حياً حتى عام 1919، حين أقرّ المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الروسي برنامجاً جديداً. أما في تلك المدة الطويلة فأبرز تعديل جرى عليه مسّ قسمه الزراعي، حين أُقرّ في مؤتمر ستوكهولم عام 1906، وقد رجحت فيه كفة المناشفة، برنامج زراعي جديد.[18] تأملوا الفارق. الحزب انشق وتصارع وعاش ثورتين وحرباً، وبقي النص المؤسِّس قائماً. حزبان بهويتين مختلفتين لكن ببرنامج واحد.
ولا يعني بقاء النص أن الحزب كان راضياً عنه. ففي نيسان 1917 قدّم لينين إلى المؤتمر السابع لعموم روسيا، وهو المعروف بمؤتمر نيسان، تقريراً عن مراجعة البرنامج، وانتهت لجنة المؤتمر بالإجماع إلى أن المراجعة ضرورة مطلقة، وكلّف المؤتمر اللجنة المركزية بإعداد مشروع جديد في غضون شهرين.[19] وأعاد المؤتمر السادس في آب من العام نفسه تأكيد قرار المراجعة، وأمر المنظمات بمناقشتها.[20]
فعاش الحزب حتى آذار 1919، قرابة سنتين وأي سنتين، بنص أقرّ هو نفسه بضرورة مراجعته، لأن ما كان يحدد ما يفعله في تلك الأيام هو العمل لا النص. وحين جاء وقت إقرار الجديد لم يُعامَل كأنه غاية. ففي تقريره عن البرنامج إلى المؤتمر الثامن نبّه لينين إلى أن ما ينبغي للمؤتمر أن يبحثه لا يقتصر على مسائل البرنامج، وأن مسألة الفلاحين المتوسطين تستحق تفكيراً أعمق بكثير.[21] وهذا هو الشرط الثاني من شرطي المراجعة. لم يُعدَّل البرنامج لأن الحزب أراد ملء وقت مؤتمره بمناقشات لا جدوى منها. وحين نتوجه إلى مناقشة الجمل والصياغات نحن نتحاشى مناقشة الفعل.
فماذا كانت المؤتمرات تناقش بين البرنامجين؟ تكشف قرارات مؤتمر ستوكهولم عن أسئلة عملية: الموقف من الدوما، والانتفاضة المسلحة.[22] وفي المؤتمر السادس عام 1917، وفي ظروف شبه سرية، تصدّرت جدول الأعمال الأوضاع السياسية وتقارير المنظمات المحلية والحركة النقابية، وأُقرّ نظام جديد نصّ على أن يُعقد المؤتمر مرة كل عام.[23] وفي كتابه عن اليسارية الطفولية، الذي كتبه في نيسان وأيار 1920 وحرص على أن يصل إلى مندوبي المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية قبل افتتاحه، دافع لينين عن العمل داخل النقابات حتى الرجعية منها، لأن الجماهير هناك.[24]
ولا أزعم أن الوثائق لم تكن ميدان معارك. فقد أقرّ مؤتمر ستوكهولم البند الأول من النظام الداخلي، المتعلق بالعضوية، بصياغة لينين،[25] وكان هذا البند والبرنامج الزراعي موضع صراع مرير. لكنهما نوقشا بوصفهما أدوات عمل: الأول يحدد من يُحسب على التنظيم، والثاني يحدد موقف الحزب من الفلاحين في ثورة جارية.
الحلقة المفرغة
وإذا صار مؤتمر الوثائق عادة دورية دخل الحزب في حلقة مفرغة. وهذا عبث سياسي بالمعنى الحرفي: جهد كبير ووقت مهدور بلا أثر في الواقع الذي يفترض أن الحزب يسعى إلى تغييره. نعم، إنه يدغدغ مشاعر مثقفين طفيليين يجدون في تلك المادة ما يناقشونه، إضافة هذه العبارة وحذف تلك، لكنهم لا يتوقفون لحظة ليسألوا: ما الذي تحقق من تلك البرامج خلال العقود الماضية؟
وفي نقدي لتحولات اليسار نحو «الورشات» و«المؤتمرات» و«برامج الشفافية» رأيت كيف يحل «النشاط» محل «النضال»، ويتوارى التنظيم الجماهيري خلف الأنشطة الرمزية.[26] والمؤتمرات التي عنيتُها هناك مؤتمرات المجتمع المدني الممول لا مؤتمرات الأحزاب، لكن الآلية واحدة: انشغال بالمناسبة عن الفعل. ومؤتمر الوثائق هو النسخة الحزبية من هذه الظاهرة.
والثمن أكبر من الوقت الضائع. فالحزب منظمة تسعى إلى السلطة، وهذا ما يميزه عن جمعية فكرية أو منتدى. وهو ما قرّره ماكس فيبر حين قال إن الأحزاب تعيش في «بيت السلطة» وإن فعلها موجَّه إلى اكتساب السلطة،[27] وأعاد ميخلز تأكيده في مقالته عام 1927.[28] ومن يكرّس مؤتمراته للأوراق يفقد، دون أن يعلن ذلك، مهمته السياسية الأساسية، ويفقد وجوده. والخروج من الحلقة لا يحتاج إلى وثيقة جديدة. يحتاج إلى سؤال مختلف في أول بند من جدول الأعمال: ما الذي فعلناه منذ المؤتمر السابق؟ فإن عجزنا عن الإجابة بالأسماء والأرقام والأماكن، فليس ثمة نص، مهما أُحكمت صياغته، يعوّض عن ذلك.
خاتمة
الوثيقة تحتمل إعادة الصياغة بلا نهاية. الواقع لا يحتمل ذلك. ولعل هذا ما يفسر إغراء مؤتمر الوثائق: هو أسهل المؤتمرات، لأن من يعدّل نصاً لا يُسأل عما لم يفعله.
أما المشروع فلا يرحم. يقيس الحزب بما يستطيع الناس رؤيته: كم خلية في المصنع؟ كم كادراً أُعدّ في الجامعة؟ أي حي يعرف الحزب فيه بالاسم؟ هذه الأسئلة لا تُحَلّ بالصياغة، وانما بالأرقام والاسماء والحقائق. فكم مؤتمراً مرّ على أحزابنا دون أن يطرحها؟
[1] Karl Marx, “Letter to W. Bracke,” May 5, 1875, in Marx/Engels Selected Works, vol. 3 (Moscow: Progress Publishers, 1970), 11–12, https://www.marxists.org/archive/marx/works/1875/letters/75_05_05.htm.
[2] ستار جبار رحمن، «اتحاد الشعب… إلى أين سائرون؟»، الحوار المتمدن، العدد 3015، 26 أيار/مايو 2010، https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=216756.
[3] “Congresses of the R.S.D.L.P.,” Second Congress (1903), in Glossary of Events, Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/glossary/events/r/rsdlp.htm.
[4] Editors’ note in Vladimir I. Lenin, “Material for the Preparation of the Programme of the R.S.D.L.P.” (1902), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1902/draft/index.htm.
[5] Richard S. Katz and Peter Mair, “Changing Models of Party Organization and Party Democracy: The Emergence of the Cartel Party,” Party Politics 1, no. 1 (1995): 5–28, https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/1354068895001001001.
[6] Vladimir I. Lenin, “A Brief Outline of the Split in the R.S.D.L.P.” (1905), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1905/feb/00.htm.
[7] «Резолюции Третьего съезда РСДРП (1905)» [Resolutions of the Third Congress of the RSDLP (1905)], «Устав партии», § 1, http://www.agitclub.ru/center/comm/zin/1905res.htm.
[8] «Третий съезд РСДРП: Устав партии и его обсуждение» [The Third Congress of the RSDLP: The Party Rules and Their Discussion], http://www.agitclub.ru/center/comm/zin/1905org2.htm.
[9] «Устав Российской социал-демократической партии (1917 г.)» [Rules of the Russian Social-Democratic Party (1917)], in Шестой съезд РСДРП (большевиков). Август 1917 года. Протоколы [Sixth Congress of the RSDLP (Bolsheviks), August 1917: Minutes] (Moscow, 1958), 265–66, https://opentextnn.ru/old/history/rushist/sovigu/libraries/ustavkpss/index.html@id=6653; and “Congresses of the R.S.D.L.P.,” Sixth Congress (1917).
[10] Vladimir I. Lenin, What Is to Be Done? (1902)، chap. 5, sec. b, “Can a Newspaper Be a Collective Organiser?,” Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1901/witbd/v.htm.
[11] Marx, “Letter to W. Bracke,” 11–12.
[12] Lars T. Lih, Lenin Rediscovered: What Is to Be Done? in Context (Leiden: Brill, 2006).
[13] Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, ed. and trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York: International Publishers, 1971), “The Modern Prince,” from p. 123, https://www.marxists.org/archive/gramsci/prison_notebooks/modern_prince/index.htm.
[14] Maurice Duverger, Political Parties: Their Organization and Activity in the Modern State, trans. Barbara and Robert North (London: Methuen, 1954) , 17–60.
[15] رحمن، «اتحاد الشعب… إلى أين سائرون؟».
[16] Editors’ note in Lenin, “Material for the Preparation of the Programme of the R.S.D.L.P.”
[17] Congresses of the R.S.D.L.P.,” Second Congress (1903
[18] “Congresses of the R.S.D.L.P.,” Fourth (Unity) Congress (Stockholm, 1906).
[19] Vladimir I. Lenin, “Report on the Question of Revising the Party Programme,” April 28 (May 11), 1917, Seventh (April) All-Russia Conference of the R.S.D.L.P.(B.), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1917/7thconf/28.htm.
[20] “Congresses of the R.S.D.L.P.,” Sixth Congress (1917).
[21] Vladimir I. Lenin, “Report on the Party Programme,” March 19, 1919, Eighth Congress of the R.C.P.(B.), Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1919/rcp8th/03.htm.
[22] “Congresses of the R.S.D.L.P.,” Fourth (Unity) Congress (Stockholm, 1906); and the editors’ note in Vladimir I. Lenin, “The Unity Congress of the R.S.D.L.P.,” Marxists Internet Archive, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1906/ucong/index.htm.
[23] “Congresses of the R.S.D.L.P.,” Sixth Congress (1917).
[24] Vladimir I. Lenin, “‘Left-Wing’ Communism: An Infantile Disorder” (April–May 1920), chap. 6, “Should Revolutionaries Work in Reactionary Trade Unions?,” in Collected Works, vol. 31 (Moscow: Progress Publishers, 1964), 17–118, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1920/lwc/.
[25] “Congresses of the R.S.D.L.P.,” Fourth (Unity) Congress (Stockholm, 1906).
[26] ستار جبار رحمن، «الكمبرادور الجديد: قراءة في تحوّل وظائف اليسار»، رؤى شرق أوسطية، 16 أيار/مايو 2025، https://mevp.ecmes.academy/sattar/5423/.
[27] Max Weber, “Class, Status, Party,” in From Max Weber: Essays in Sociology, ed. and trans. H. H. Gerth and C. Wright Mills (New York: Oxford University Press, 1946), 194.
[28] Roberto Michels, “Some Reflections on the Sociological Character of Political Parties,” American Political Science Review 21, no. 4 (1927): 753–72, https://doi.org/10.2307/1947592.
