تختلف البرامج الحزبية في صياغتها وترتيب أولوياتها ونبرة خطابها، وهذه الفروق حقيقية لا يصح التقليل منها. غير أن النقطة الحاسمة أن كتابة فقرات برنامج أو صياغة نظام داخلي لم تعد مسألة ذات شأن. فأمام أي تنظيم ناشئ مئات التجارب والنماذج الحزبية التي راكمها التاريخ القريب والبعيد، ويستطيع أن يستفيد منها وينقل عنها مع ما يلزم من تحويرات وتعديلات تناسب بيئته وظروفه. وما تتضمنه هذه النصوص معروف سلفاً: عدالة اجتماعية، وديمقراطية شعبية حقيقية لا شكلية، ومكافحة فساد، ورفض الطائفية، وحصر السلاح بيد الدولة. هذه هي اللغة المشتركة لكل قوة سياسية تريد أن تقدّم نفسها بديلاً، ومن يعجز عن كتابتها فلن يعجز عن استعارتها.
والسؤال الذي نادراً ما يُطرح بجدية هو: هل سقط حزب واحد في التاريخ لأن برنامجه كان خاطئاً؟ نادراً. الأحزاب لا تموت لأن أهدافها فاسدة، بل لأن المسافة بين إعلان الهدف وتحقيقه تُترك فارغة، أو تُملأ بخطاب تنظيمي يكرر نفسه دون أن يتحول إلى بنية فعل. فإذا كانت النصوص قابلة للنقل بهذه السهولة، فأين يكمن الفارق الفعلي بين حزب يتحول إلى قوة تغيير وحزب يبقى حبراً على ورق؟ لا يوجد الجواب في صفحة الأهداف، بل في المسافة نفسها، وهي ما يفرّق بين البرنامج والمشروع.
البرنامج إعلان نوايا يمكن أن يُنقل أو يُستنسخ دون أن يكلّف صاحبه شيئاً؛ أما المشروع فهو القدرة التنظيمية الفعلية على تحويل هذا الإعلان إلى فعل سياسي مادي. وهذه القدرة تحتاج من يحملها على الأرض، أي الكادر، وهو جوهر التنظيم، فيما يبقى النظام الداخلي، بمواده ولوائحه، شكلاً له. وبهذا المعنى يكون التنظيم الأداة التي تحوّل الأفكار والأهداف إلى فعل سياسي، لكنها أداة لا تعمل بقوة نصوصها بل بقوة من يشغّلها. ويقود هذا إلى مسار متصل تتبعه، تنظيم يُبنى حول كادر حقيقي، ثم منظمات جماهيرية تتسع من حوله وتصير مؤثرة، ثم فعل سياسي يواجه بنية القوة القائمة.
البرنامج والمشروع
الخلط بين البرنامج والمشروع ليس زلّة لغوية بريئة، فهو يخفي وهماً سياسياً مريحاً: أن الأهداف المكتوبة بصياغة جيدة تُقارب إنجازها. والحقيقة أن النص، حين يكون متاحاً للنقل والتحوير، لا يميّز أحداً عن أحد، وأن ما يميّز هو ما يُبنى خلفه على مدى سنوات من التراكم التنظيمي الصعب.
ولنجرّب الأمر على حالتين متعاكستين. نظام داخلي متقن الصياغة، يوزّع الصلاحيات بدقة ويحدد آليات المحاسبة بوضوح، يبقى جثة قانونية أنيقة إن لم يوجد من يطبّقه بأمانة حين يكون التطبيق مكلفاً. وفي المقابل، كادر يمتلك وعياً سياسياً ناضجاً والتزاماً حقيقياً بالقضية يظل قادراً على الفعل وعلى تصحيح مسار التنظيم رغم نقص اللوائح، لأن وعيه هو الضمانة الفعلية لا النص. هذا التفاوت في القدرة على الفعل، مع غياب أحد الطرفين، هو ما يكشف أيهما الشكل وأيهما المضمون.
وما يقبل النقل من تجربة إلى أخرى هو الشكل. أما المضمون فلا يُستورد: الكادر يتكوّن داخل الصراع المحلي نفسه، في تجربة تحمّل الكلفة، ولا يُنقل كما يُنقل بند في لائحة. ولهذا تنتهي عمليات كثيرة لنقل أنظمة داخلية ناجحة إلى تنظيمات تحمل هيكل حزب ناجح دون أن تحمل قدرته.
وحمل بطاقة عضوية وحده لا يصنع كادراً. الكادر كتلة بشرية تمتلك، فرداً فرداً، القدرة على الفعل المستقل والحكم السياسي السليم، والاستعداد لتحمّل كلفة حقيقية دفاعاً عن المشروع لا عن موقعه فيه. وتظهر هذه القدرة في المواقف الصغيرة قبل الكبيرة: حين يُعتقل رفيق، أو يُعرض على عضو منصب مغرٍ، أو تُقدَّم رشوة لمسؤول محلي في التنظيم. في هذه اللحظات لا يجد صاحب القرار نصاً يحسم له الأمر، ولا قيادة قريبة يستشيرها، فيتصرف بما استقر في وعيه من المشروع.
ولهذا لا يكفي أن يتحدث حزب عن مناضلين ملتزمين بالمبادئ؛ فالالتزام الأخلاقي شرط ضروري لكنه لا يكفي وحده. الكادر الذي يستحق صفة المضمون يحتاج تكويناً سياسياً ونظرياً يؤهله لقراءة الموقف واتخاذ القرار حين يغيب التوجيه المباشر، وقدرة على محاسبة من يعلوه موقعاً دون أن ينتظر إذناً بذلك. وهذا ما يفصل الكادر عن العضو المنضبط: العضو ينفّذ التعليمات، أما الكادر فيحمل المشروع في وعيه إلى حد يجعله قادراً على التصرف بروحه حين تغيب التعليمات أو تتضارب.
ومن هنا يتبدل السؤال العملي الأول أمام أي تنظيم ناشئ. لم يعد السؤال: ما نظامنا الداخلي؟ بل: كيف نُنتج هذا النوع من الكادر، وكيف نميّزه عمّن يتقن لغة الالتزام دون مضمونه؟ وهو سؤال خاض فيه التقليد الماركسي أحد أعمق نقاشاته.
بناء التنظيم — لينين وتكوين الكادر
طرح لينين في «ما العمل؟»، قبل أكثر من قرن، سؤالاً يبدو للوهلة الأولى بعيداً عن هذا السياق: لماذا لا يكفي أن يكون العمال ساخطين على استغلالهم كي يتحولوا تلقائياً إلى قوة ثورية منظمة؟ وجوابه قاسٍ على التفاؤل الشعبوي الذي كان سائداً: الوعي العفوي، مهما بلغت حدّته، لا يتجاوز بذاته وعي المطالب الفئوية، أجوراً أفضل وظروف عمل أقل قسوة. أما الوعي القادر على ربط هذه المطالب بنقد شامل للنظام الذي ينتجها فلا يظهر عفوياً؛ إنه يحتاج أداة تُدخله من الخارج إلى الحركة، وهذه الأداة هي الحزب المنظَّم بكادره الطليعي.[1]
وهذا ما يمنح عبارة «بناء التنظيم» مضموناً أدق من صيغتها العامة. فالكادر الطليعي بالمعنى اللينيني ليس تجميعاً لأفراد صادقي النية، بل بنية منتقاة بعناية وفق معايير سياسية ونظرية صارمة، أقرب إلى نواة ضيقة ومستقرة يشكّل العمل الثوري نشاطها الرئيس. ويميّز لينين بين هذه النواة والتنظيمات العمالية الواسعة التي تتسع لكل من يشارك في النضال؛ فالأولى تتحدد بالانتقاء، والثانية بالانفتاح.[2] وهذا التمييز مهم لما سيأتي: التنظيم الجماهيري لا يُبنى على قاعدة الحزب نفسها، ولا يستطيع أن يحل محله.
وقد بلورت الحركة البلشفية لاحقاً التوازن بين الانضباط والحرية في صيغة المركزية الديمقراطية، وهو مفهوم أُسيء فهمه وتطبيقه في تجارب حزبية كثيرة حوّلته إلى مركزية بلا ديمقراطية. في صيغته الأصلية هو توتر مقصود بين شرطين: انضباط موحد في الفعل بعد اتخاذ القرار، وحرية كاملة في النقد والمراجعة قبله وبعده. حزب يطلب الانضباط دون أن يضمن حرية النقد الداخلي ينتج طاعة لا التزاماً، وحزب يترك النقاش مفتوحاً بلا لحظة حسم تتحول فيها المداولة إلى فعل موحّد ينتج ثرثرة تنظيمية عاجزة عن أي مواجهة حقيقية.
ومن هذا التوتر تحديداً يُفهم لماذا تحتاج محاسبة القيادة إلى آلية مؤسسية، لا إلى حق فردي يُمارَس متى شاء عضو أن يعترض. فالمحاسبة التي لا تملك زمناً محدداً ومساراً واضحاً، من مؤتمرات دورية ولجان انضباط وحق في سحب الثقة، تبقى شعاراً جميلاً بلا أثر. وغياب هذه الآلية بالذات هو ما يفتح الباب أمام العناصر الانتهازية، لا لأنها تنتصر بالفكرة، بل لأنها تجيد ملء الفراغ المؤسسي حين لا توجد قواعد واضحة تمنعها من التسلل إلى موقع الكادر دون أن تحمل جوهره.
وهذا لا يناقض ما سبق طرحه عن الكادر كمضمون والنظام كشكل، بل يُدقّقه: الوعي الفردي الناضج شرط لا غنى عنه، لكنه شرط غير كافٍ حين يتعلق الأمر بمحاسبة من يملك السلطة داخل التنظيم. فالفرد الذي يحمل جوهر المشروع في وعيه يحتاج، لكي يترجم هذا الوعي إلى فعل محاسبة فعلي لا معزول، بنية تحميه من الانتقام وتمنحه فرصة حقيقية للتغيير، لا مجرد حق الاعتراض الفردي. الشكل هنا ليس بديلاً عن المضمون ولا زائداً عليه؛ إنه القناة الوحيدة التي يتحول عبرها الفعل الفردي إلى قوة جماعية قادرة على التصحيح.
ولا ينبغي أن ننسى أن لينين لم يكتب عن حزب مثالي معزول عن التاريخ، بل عن حزب يعمل غالباً في ظروف قمع فعلي، يتحول فيها الانضباط التنظيمي أحياناً إلى ضرورة أمنية قبل أن يكون خياراً سياسياً. وهذا لا يلغي التوتر بين المركزية والديمقراطية، لكنه يذكّر بأنه لا يُحسم نظرياً مرة واحدة؛ إنه يُدار عملياً، قراراً بعد قرار، طوال عمر التنظيم. وحين ينضج الكادر ويستقر على هذا التوازن الدقيق يصبح قادراً على حمل ما هو أوسع من حدود التنظيم الحزبي الضيق: الجماهير نفسها.
من الكادر إلى الجماهير — غرامشي والمثقف العضوي
بناء منظمات جماهيرية واسعة ومؤثرة لا يقتصر على توسيع ما أنجزه الكادر داخل الحزب، بل ينقل العمل إلى تحدٍّ مختلف. فهذه المنظمات تضم العمال والفلاحين والشباب والطلاب والنساء، وكل فئة منها تحمل تجربة مختلفة من الاستغلال والتهميش، ومطالب تخصها: أجور وظروف عمل للعمال، وأرض للفلاحين، وحق في التعليم للطلاب، ومساواة للنساء. ومهمة هذه المنظمات أن تجمع هذه المطالب المتباينة في أفق مشترك، وأن تمكّن الجماهير من دور فاعل في صنع القرار لا مجرد تأييد الحزب.
لكن الاتساع وحده — مئات الآلاف من المنتسبين — لا يعني أن هذا الحشد يملك أثراً فعلياً في موازين القوى. ومن هنا تأتي صفة «مؤثرة» إلى جانب «واسعة»: منظمة عريضة العدد وهامشية الأثر ليست إنجازاً، بل واجهة عددية عاجزة عن تحريك شيء حين تحين لحظة المواجهة. ففقدان احدى الصفتين الاتساع او التأثير، يفقدان بالضرورة صفتها كمنظمة جماهيرية. وقد عاش غرامشي تجربة هزيمة الحركة العمالية الإيطالية أمام الفاشية عن قرب، وخرج باستنتاج يوضح هذا الفارق: الهزيمة لم تكن نقصاً في العدد، بل غياب من يستطيع تحويله إلى قوة قادرة على منافسة الخصم في أرضه الثقافية والأخلاقية، لا في أرضه المادية فقط.
ومن هنا مفهومه عن «المثقف العضوي» — فرد ينبثق من داخل الطبقة نفسها ويصوغ وعيها بلغتها هي لا بلغة مستوردة من فوق، لا أكاديمي معزول في برجه.[3] والمثقف العضوي، على هذا النحو، امتداد لمنطق الكادر في فضاء الجماهير: يحمل جوهر المشروع إلى ملايين لم يلتحقوا بالتنظيم الأصلي، ويجعل الالتزام النظري تجربة معاشة يفهمها العامل في مصنعه والفلاح في أرضه دون وسيط يشرح له ما يجب أن يشعر به.
وهذا ما يمنح المنظمات الجماهيرية قدرتها الفعلية على مواجهة الانقسامات الهوياتية التي تُستخدم لتفتيت أي تحالف طبقي محتمل. فالطائفية، في جوهرها، ليست معتقداً دينياً بل تقنية سلطة تجعل الهوية الفرعية وحدة التحليل الوحيدة الممكنة، فيصير العامل من طائفة والعامل من أخرى عدوين متخيَّلين قبل أن يكتشفا اشتراكهما في مصلحة واحدة ضد من يستغلهما معاً. والتنظيم الجماهيري المؤثر هو الفضاء الذي يجعل هذا الاكتشاف ممكناً عملياً، لأنه يضع الناس في تجربة نضال مشتركة يومية بدل خطاب توعية يُلقى عليهم من الخارج.
على أن هذا العمل، وهو ما سمّاه غرامشي «حرب المواقع» تمييزاً له عن «حرب المناورة» الخاطفة،[4] بطيء ومضنٍ ولا يعد بنتائج سريعة. ومن يبني تنظيماً جماهيرياً وينتظر ثماره في دورة انتخابية واحدة سيصاب بخيبة تدفعه إلى التخلي عن المشروع، أو إلى خداع نفسه بإعلانات نصر مبكرة لا تستند إلى تحول حقيقي في وعي من يُفترض أنهم كُسبوا. وهنا يظهر الفرق بين حزب جاد وحزب دعائي: الأول يقيس نجاحه بعمق التحول الذي أحدثه في وعي منتسبيه، والثاني بعددهم المعلن.
الفعل السياسي في مواجهة الثالوث القائم
حين تنضج هذه المنظمات ويتحول عددها إلى أثر حقيقي في الوعي الجمعي، يصير الفعل السياسي المباشر ممكناً: اللحظة التي تُختبر فيها القدرة المتراكمة كلها في مواجهة خصم فعلي. وهذا الخصم، إذا فُكِّك بدقة، ليس ثلاث ظواهر منفصلة تحتاج كل واحدة أداة مستقلة، بل واجهة واحدة لعلاقة قوة قائمة تتخذ ثلاثة أشكال متكاملة.
معالجة الفساد بنزاهة موظف هنا أو مسؤول هناك تُسطّحه إلى خلل أخلاقي عابر، بينما هو في الحقيقة آلية توزيع منظَّمة تحافظ على من يستفيد من غياب المحاسبة. والطائفية أداة تفكيك متعمدة، تمنع الفعل السياسي الجماعي من أن يتشكل أصلاً. من يملك القوة المسلحة الموازية يملك القدرة على فرض كلفة باهظة على كل فعل يهدد امتيازاته — وهذه، لا أي فراغ تشريعي، هي الضمانة المادية التي تحمي الآليتين السابقتين من أي محاولة جدية للتغيير. والدليل على هذا الاندماج ليس تزامنها التاريخي في سياق بعينه، بل أن كل ضلع من الثلاثة يحمي الآخرين من الانكشاف: من يفكك شبكة فساد يصطدم بمن يحميها بالسلاح، ومن يتحدى احتكار السلاح يجد الطائفية تُعبّئ ضده قاعدة شعبية مضادة، ومن يواجه الخطاب الطائفي يكتشف أن من يموّله هو نفسه من يستفيد من شبكات الفساد. إسقاط ضلع واحد يترك الضلعين الآخرين يُعيدان إنتاجه.
وإدراك أن هذا الثالوث واجهة واحدة يغيّر طبيعة الفعل المطلوب. فمواجهة الفساد بحملة إعلامية مع ترك الطائفية والسلاح خارج المعالجة تشبه قطع رأس واحد من ظاهرة يظل جسدها يتغذى من الرأسين الآخرين. الفعل السياسي الحقيقي هو الذي يضغط على الأضلاع الثلاثة معاً، بدرجات متفاوتة بحسب اللحظة وموازين القوى.
وعلى هذا الأساس تكتسب المطالب الإصلاحية، كمكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، معنى يتجاوز حدود الإصلاح نفسه. فكل مطلب من هذا النوع يكشف، بمجرد طرحه فعلاً، من يقاومه ومن يستفيد من بقاء الحال، ويختبر في الوقت نفسه ما تحقق من قوة التنظيم والجماهير. والحزب يقيس تقدمه بالكلفة التي فرضها فعلاً على بنية هذا الثالوث: تشريع انتُزع رغم المقاومة، وشبكة فساد كُشفت وحوسبت رغم نفوذها، وموقع كانت تحتكره جهة مسلحة أُجبرت على التخلي عنه. أما من يقيس نجاحه بحدّة بياناته وانتشارها فهو حزب معارضة خطابية لا أكثر.
وهذا الفعل ثمرة مباشرة لما سبقه لا نشاط مستقل عنه. فبلا كادر يتحمل كلفة المواجهة، وبلا قاعدة جماهيرية مؤثرة تحمي هذا الكادر من العزلة، تبقى أي محاولة لمواجهة هذا الثالوث معزولة وقابلة للسحق. ثم إن مواجهة بهذا الحجم تتجاوز غالباً طاقة تنظيم واحد مهما بلغت صلابته، ومن هنا يبرز السؤال عمّن يُشرَك فيها وبأي شروط.
بين الكتلة التاريخية والواجهة الموسمية
التحالف مع قوى وطنية أخرى امتداد ضروري للفعل السياسي لا خيار تكتيكي ثانوي، لأن التغيير الجذري يحتاج عملاً جماعياً مع قوى فاعلة في الشارع لا مع كيانات بلا تأثير. غير أن معيار اختيار الحلفاء لا يمكن أن يبقى كمياً، أي من يملك قاعدة جماهيرية أوسع. فالتاريخ السياسي مليء بتحالفات جمعت أطرافاً ضخمة العدد ثم انهارت عند أول اختبار جدي، لأن ما جمعها لم يكن غير عداء مشترك لخصم واحد، لا مشروعاً مشتركاً لبديل.
هنا يصبح مفهوم «الكتلة التاريخية» عند غرامشي أدق من عبارة «التحالف السياسي» المجردة. قوى تحتفظ كل منها ببرنامجها وتلتقي مؤقتاً عند نقطة تقاطع — هذا جمع حسابي، لا كتلة تاريخية. الكتلة التاريخية اندماج عضوي بين قوى اجتماعية مختلفة حول مشروع هيمنة بديل: رؤية جديدة للعلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية معاً، لا شعاراً انتخابياً مشتركاً.[5] ويشدد بانايوتيس سوتيريس في قراءته المعاصرة على أن المفهوم استراتيجي لا وصفي؛ فالصراع من أجل الهيمنة هو بالضرورة صراع من أجل كتلة تاريخية جديدة، تنبثق من نضال الطبقات الشعبية وابتكارها التنظيمي، لا من توافق نخبوي بين قيادات منفصلة.[6] وتحالف يجمع فقط لإسقاط خصم مشترك ينفرط بسقوطه، لأنه لم يحمل تصوراً لما بعده، أما الكتلة التي تتشكل حول مشروع فعلي، ولو في بداياته، فلها سبب للاستمرار بعد زوال الخصم الذي جمعها.
ولذلك يلزم معيار أصرم من اتساع قاعدة الحليف المحتمل: هل يقبل خطوة عملية واحدة تمس مصلحة مباشرة لبنية الفساد القائمة، لا مجرد إدانة خطابية لها؟ من يرفضها مهما بلغت فصاحته في إدانة الفساد ليس حليفاً بل واجهة موسمية تنتظر لحظة الانفضاض. والأمر أشد في قضية السلاح خارج سلطة الدولة: قوة تدخل تحالفاً معلناً لحصر السلاح بيد الدولة وتحتفظ هي أو حلفاؤها بقدرة مسلحة موازية لا تدخله طرفاً بل خصماً متخفياً في داخله. والحزب الذي يقبل هذا التحالف بحجة توسيع القاعدة الشعبية يخاطر بأن يصير الغطاء السياسي الذي يحتاجه ذلك الخصم لتبييض موقعه.
وغاية التحالف الحقيقي أن يخلق توازناً سياسياً جديداً يحد من هيمنة النخب التقليدية ويفتح المجال لتمثيل فعلي للطبقات الشعبية، لا أن يجمع مقاعد أو أصواتاً. فبناء التحالفات إذن ليس إضافة كمية إلى قوة الحزب، بل اختبار نوعي لصدق مشروعه. تحالف لا يكلّف أحد أطرافه شيئاً ليس تحالفاً، بل تعايش مؤقت بانتظار افتراق مؤجَّل.
حين يتحول الشرط التنظيمي إلى خطر
يفترض كل ما سبق نجاحاً، والنجاح بالذات يستحق أكبر قدر من الحذر: كادر منضبط، وقاعدة جماهيرية مؤثرة، وجبهة صلبة قادرة على المواجهة. فالأدوات التي احتاجها الحزب لبلوغه، التراتبية القيادية والانضباط الصارم والسيطرة على موارد التنظيم وقنوات اتصاله بالقاعدة، هي من حيث المبدأ الأدوات ذاتها القادرة على الانقلاب عليه من الداخل. لا يستغني حزب جدي عنها، ولا يوجد ضمان تلقائي بأنها لن تتحول مع الوقت من وسيلة لتحقيق المشروع إلى غاية في ذاتها. وقد نبّه غرامشي إلى خطر البيروقراطية داخل الحزب حين ينفصل جهازها عن القاعدة التي يفترض أنه يخدمها.[7]
أما الفرق بين الكادر الذي يحاسب القيادة والانتهازي الذي يتملقها ويبرر أخطاءها فلا يظهر في شعار يُرفع، بل في سلوك فعلي حين تتعارض مصلحة القيادة مع مصلحة المشروع. وبما أن هذا الاختبار لا يقع كل يوم، فقد يعيش الحزب سنوات دون أن يعرف أي النوعين يهيمن على قيادته، حتى تأتي لحظة الاختبار فجأة ومتأخرة، وقد استثمر التنظيم في هذه القيادة رأسمالاً رمزياً وتنظيمياً يصعب التراجع عنه.
والخطر الأعمق ليس ظهور الانتهازي الفرد، فهذا يمكن ضبطه بآليات المحاسبة المؤسسية، بل تحول الحزب كله، تدريجياً ودون قرار واحد حاسم يمكن الإشارة إليه، من منطق «كيف ننتصر على الخصم» إلى منطق «كيف نحافظ على ما بنيناه». والفارق بين المنطقين دقيق في لحظته وجذري في نتائجه: الأول يقبل المخاطرة والتجديد الداخلي ولو كلّفا التنظيم بعض استقراره، والثاني يبدأ، دون أن يعلن ذلك، بتفضيل الاستقرار التنظيمي على أي خطوة قد تهدده، حتى لو كانت تلك الخطوة جوهر المشروع الذي قام الحزب من أجله. وحين يبلغ التنظيم هذه النقطة يتحول الكادر من مضمون حي إلى حرّاس لشكل فارغ، ويبقى النظام الداخلي معلقاً على الجدار وثيقةً لم تعد تُطبَّق روحها. وتمتد تلك الثنائية لأبعد من ذلك، حين يتحول مثقف الحزب من سؤال “لماذا هزمنا؟ لماذا يتقلص التنظيم؟ لماذا نشاطنا الجماهيري ضعيف؟ ومن المسؤول عن كل ذلك؟” الى „كيف نبرر النتائج؟” وفي النهاية، كيف أكون أكثر تملقاً وانتهازية لترضى القيادة؟
لا وصفة نهائية تحصّن تنظيماً من هذا الانزلاق، لكن ثمة مؤشراً عملياً يستحق المراقبة المستمرة: هل تستطيع القاعدة، عملياً لا نظرياً، أن تستبدل قيادتها إذا لزم الأمر؟ حزب لم يحدث فيه ولو مرة واحدة أن استُبدلت قيادة بقرار من القاعدة، لا بانشقاق ولا بصراع شخصي، لم يختبر بعد أهم أدواته الوقائية.
[1]V. I. Lenin, “What Is to Be Done? Burning Questions of Our Movement,” in Collected Works, vol. 5, trans. Joe Fineberg and George Hanna (Moscow: Foreign Languages Publishing House, 1961), 347–530, ch. 2, https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1901/witbd/index.htm.
[2]Lenin, “What Is to Be Done?,” ch. 4.
[3]Antonio Gramsci, “The Formation of the Intellectuals,” in Selections from the Prison Notebooks, ed. and trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York: International Publishers, 1971), 5–14.
[4]Gramsci, “The Transition from the War of Manoeuvre (Frontal Attack) to the War of Position,” 238; see also Gramsci, “Hegemony (Civil Society) and Separation of Powers,” 245.
[5]Gramsci, “Structure and Superstructure,” 365–66.
[6]Panagiotis Sotiris, “Gramsci and the Challenges for the Left: The Historical Bloc as a Strategic Concept,” Science & Society [Scopus-indexed] 82, no. 1 (2018): 94–119, https://doi.org/10.1521/siso.2018.82.1.94.
[7]Gramsci, “On Bureaucracy,” 185–89.
