بعد ان انتهيت في مساهماتي السابقة عند خلاصة قاسية: الريع يُعطّل نضوج المعارضة الطبقية بقدر ما يُعطّل نضوج السلطة الحاكمة نفسها كطبقة واعية بمصالحها الخاصة، ويُحوّل الغضب الاقتصادي المكبوت إلى طاقة تبحث عن قناة تعبير بديلة. هذا الفصل يتتبع القناتين الكبريين اللتين استوعبتا هذه الطاقة في الفضاء العربي المعاصر وتنازعتا تمثيلها: العلمانية الرسمية، وموضوعها هذا المحور، ومشروع الدولة الإسلامية، وموضوعه المحور الثاني. قُدّمت كلتاهما للجماهير بوصفها حلاً جذرياً نهائياً لأزمة ما بعد الاستقلال؛ وستُظهر أقسام هذا المحور الأربعة أن كلتيهما أعادت، بلغة مختلفة تماماً، إنتاج جوهر الأزمة التي زعمتا حلّها.
المهمة هنا محددة بدقة، وتستحق التوضيح المسبق حتى لا تُساء قراءتها: الأمر لا يتعلق بمساءلة فلسفية لمبدأ فصل الدين عن الدولة في ذاته، فذلك سجال يقع خارج أدوات هذا الكتاب المنهجية أصلاً. السؤال هنا مادي محض: من بنى هذه العلمانية بالذات، ولحساب أي مصلحة طبقية، وبأي أداة فرضها؟ الإجابة عن هذا السؤال تحديداً، لا أي حكم قيمي مسبق على العلمانية كفكرة، هي ما يفسّر انهيارها الأخلاقي أمام جماهيرها قبل أن تُهزم سياسياً أمام خصومها.
أداة “لحظة الصراع” التي أسّس لها تجد هنا واحداً من أدق تطبيقاتها حتى الآن. المحتكِر جهاز دولتي-عسكري مستقل عن المجتمع الذي يزعم تمثيله، لا طبقة اجتماعية بعينها. الفاعل الطبقي البديل غائب من الأساس، وغيابه بالضبط هو ما يمنح هذا الجهاز استقلاليته البونابرتية المطلقة. الغطاء الأيديولوجي مفردات “الحداثة” و”التقدم” و”الاشتراكية”، وُظّفت لتبرير احتكار السلطة أكثر مما وُظّفت لتحرير المجتمع منها. حين انهار هذا الغطاء في يونيو 1967 وفي عقود القمع التي تلته، خلّف وراءه سؤالاً معلّقاً عن الهوية والشرعية، وجد إجابته عند فاعل مختلف تماماً هو موضوع المحور الثاني.
العلمانية القيصرية كغطاء أيديولوجي للاستبداد العسكري
دفع المشروع العلماني العربي ثمناً يتجاوز القمع الخارجي: ثمناً داخلياً بنيوياً، فقدانه مصداقيته أمام الجماهير التي كان يدّعي تحريرها. وهذا الفقدان ثمرة قرار تأسيسي واحد، لا قدر غامض ولا عقاب لاهوتي: أن تُبنى العلمانية العربية الحديثة على سلاح الانقلاب العسكري، لا على كتفَي طبقة صاعدة لها مصلحة موضوعية في تعميمها.
المقارنة مع السياق الأوروبي ليست ترفاً تحليلياً. في أوروبا الحديثة، ارتبطت العلمنة عضوياً بصعود برجوازية صناعية ذات مصالح اقتصادية محددة جعلت تفكيك الطوق الإقطاعي الكنسي ضرورة مادية حتمية، كما أثبته الفصل الثاني من هذه الدراسة. الفعل العلماني الأوروبي كان فعل طبقة؛ طبقة تقاتل من أجل شروط إنتاجها وتراكمها. في المقابل، وُلدت “العلمانية” الرسمية في الفضاء العربي المعاصر من رحم الانقلاب العسكري. النموذجان البعثي والناصري نتاج ضربة فوقية فرضت نخبة عليا أيديولوجيتها على مجتمعات لم تنضج فيها الشروط المادية لتبنّيها بصدق، لا نتاج تحوّل طبقي تصاعدي.
البنية تحدد الوظيفة. حين تصعد العلمانية على ظهر الدبابة لا على كتفَي طبقة لها مصلحة حقيقية في تعميمها، تنقلب وظيفتها رأساً على عقب: بدلاً من أن تكون أداة تحرير الفرد من الوصاية اللاهوتية، تتحول إلى مبرر أيديولوجي لاحتكار السلطة السياسية. “الحداثة” التي رفعها الضباط الأحرار وقيادات البعث لم تكن إلا غطاءً لمنع كل شكل من أشكال المشاركة السياسية الحقيقية. قُمعت الأحزاب المستقلة، واعتُقل المعارضون، وصودرت الصحافة الحرة. كل ذلك باسم “التقدم” و”الوحدة الوطنية” و”مواجهة الإمبريالية والرجعية” معاً.
ثمة مفهوم غرامشي يُلقي ضوءاً حاداً على هذا النمط: “الثورة السلبية” (Passive Revolution).[1] يصف غرامشي به حالة تاريخية محددة: حين تُنجز الدولة تحولات بنيوية من الأعلى لا من الأسفل، تحولات تستبق الثورة الحقيقية وتُفرغها من محتواها الطبقي الجذري. الأنظمة القومية العربية مارست بالضبط هذا النوع من “الثورة”: أعلنت إصلاحاً زراعياً لكنها أبقت شبكات النخب القبلية والريعية التي تسيطر على توزيعه؛ أعلنت “اشتراكية” لكنها بنت اقتصادات تديرها البيروقراطية العسكرية لصالح شرائح محددة؛ أعلنت عداء للإمبريالية لكنها أبقت اعتمادها على تمويلها الخارجي قائماً. الثورة التي أعلنتها هذه الأنظمة كانت، بمعنى دقيق، ثورة ضد الثورة: استيلاء على خطابها دون تنفيذ برنامجها.
الأيديولوجيا التي بنت عليها هذه الأنظمة شرعيتها ارتكزت على ثلاثة أعمدة: القومية العربية، والاشتراكية، ومناهضة الإمبريالية. لكن كل عمود منها كان مجوّفاً في جوهره. “الاشتراكية” لم تعنِ تحكم العمال في وسائل الإنتاج بل تأميم الدولة للاقتصاد وتحويله إلى امتداد لجهاز سيطرتها. “القومية العربية” وفّرت ذريعة لإسكات أي مطالبة داخلية باسم “الوحدة الوطنية في مواجهة الأعداء” أكثر مما وحّدت الشعوب فعلاً. أما “مناهضة الإمبريالية”، فتحوّلت إلى ملفوظ خطابي يُبرر قمع التنظيم السياسي المستقل دون أن تقطع التبعية الاقتصادية القائمة. المفارقة التي لا يُمكن إغفالها: أن هذه الأنظمة وظّفت خطاب “التحرر” لقمع الأحرار أنفسهم. الشيوعيون المصريون اعتُقلوا في عهد ناصر الذي أعلن “الاشتراكية”؛ الماركسيون السوريون والعراقيون تعرضوا للتصفية في ظل أحزاب تتبنى “الاشتراكية العلمية” شعاراً.
حمزة علوي، في مقاله الكلاسيكي عن الدولة في المجتمعات ما بعد الاستعمارية، رصد المنطق البنيوي الكامن وراء هذا النمط. صاغ علوي نظريته في السياق الجنوب-آسيوي تحديداً، غير أن منطقها الجوهري ينطبق على الحالة العربية بشرط أن يُقرأ في ضوء الثقل الريعي الخاص الذي يُعدّل توزيع القوى الطبقية دون أن يُلغي ديناميكية استقلالية الجهاز الدولتي.[2] فهذه المجتمعات ورثت جهازاً دولتياً “مفرط التطور” نسبةً إلى طبقاتها المحلية؛ جهاز بنته القوة الاستعمارية لإخضاع طبقات متعددة في آنٍ واحد، لا لخدمة طبقة بعينها. حين تسلّمته نخب ما بعد الاستقلال العربي، أفرز ما وصفه علوي بـ”الأوليغارشية البيروقراطية العسكرية”: كياناً نسبي الاستقلال عن كافة الطبقات، يتوسط مصالحها المتنافسة ولا يخضع لأيٍّ منها. العلمانية في هذه الظروف عملت غطاءً مفاهيمياً لهيمنة الجهاز الدولتي ذاته على المجتمع بأسره، لا أيديولوجيا طبقة تخوض معركتها.
أطروحة البونابرتية، التي طوّرها ماركس في تحليله للثامن عشر من برومير، تُكمل الصورة.[3] الدولة البونابرتية تعلو فوق الجميع، تزعم تمثيل الجميع، وتخدم في الواقع مصالح جهازها البيروقراطي الذاتية. النموذج الناصري والبعثي كانا الصيغة العربية لهذا النمط بامتياز: دولة تحتكر تعريف الوطن والشعب والتقدم، تُجرّم المعارضة باسم الوحدة، وتُسكت الأصوات الحرة باسم مواجهة الأعداء الخارجيين، إلى أن يصطدم الناس بمعادلة مغلقة: إما القبول بهذه السلطة، أو الاتهام بالعمالة والخيانة.
هذه ليست المرة الأولى التي تستدعي فيها هذه الدراسة صيغة البونابرتية لوصف دولة عربية تعلو فوق طبقاتها؛ الفصل الثالث وصف الدولة الريعية بأنها “الحالة الأقصى” لهذا النمط ذاته. والفارق هنا فارق تسلسل تاريخي لا فارق جوهر: البونابرتية العسكرية أسّست استقلال الجهاز الدولتي عن المجتمع بالانقلاب والأيديولوجيا التعبوية أولاً، ثم وجد هذا الجهاز لاحقاً في الريع النفطي وقوداً مادياً يُغنيه حتى عن واجهة الأيديولوجيا التي احتاجها في طوره الأول. بونابرتية بلا ريع تحولت إلى بونابرتية ريعية أكثر اكتفاءً بذاتها — الاستقلال عن الطبقات واحد، ومصدر تمويله هو ما تغيّر.
الكشف الأشد مرارة جاء في يونيو 1967. الهزيمة العسكرية السريعة أمام إسرائيل تجاوزت هزيمة الجيوش لتُصبح انهيار المشروع الأيديولوجي برمّته. صادق جلال العظم، في كتابه الصادر مباشرة بعد الهزيمة، كان أول المفكرين العرب الذين جاهروا بالحقيقة المرّة: الهزيمة ليست مؤامرة خارجية بل إفراز داخلي؛ إفراز لبنى مجتمعية لم يلمسها النظام “التحديثي” في عمقها.[4]
كشفت النكسة، أبعد من ضعف الجيوش، زيف الحداثة المُدّعاة: دولة تستخدم لغة القرن العشرين وتشتغل بمنطق القرن السابع عشر. والمشكلة الأعمق أنها كانت سلطوية باسم الحداثة تحديداً. ارتبطت “العلمانية” في الذهن الشعبي بتجربة القمع المباشر وبالخسارة الاقتصادية لملايين الناس، فأصبحت المصطلح الذي يُفسَّر في اللاوعي الجمعي على أنه مرادف للاستبداد، لا للتحرر. هذا الارتباط الشرطي التاريخي هو أحد أثمن الهدايا التي قدّمتها الأنظمة العسكرية التحديثية لخصومها الإسلاميين من حيث لم تقصد.
تجريف المجتمع المدني وتأميم الحقل النقابي
لم يكتفِ هذا النمط من الحكم بإنتاج أيديولوجيا رسمية. مضى أبعد من ذلك، وأعاد هندسة البنية التنظيمية للمجتمع ذاتها. استهدف ما يسمّيه غرامشي “المجتمع المدني”، ذلك الفضاء من المؤسسات والروابط الوسيطة بين الفرد والدولة والتي هي، في تحليله، التربة الحقيقية لبناء الهيمنة أو لمقاومتها.[5] لكن المشروع هنا اقتصر على تجريف هذا الفضاء وإفراغه من كل محتوى مستقل ليُشغَل بالإكراه بدلاً من ذلك، لا على بناء هيمنة جديدة قائمة على إقناع حقيقي.
ثمة فارق جوهري ينبغي رؤيته هنا. في نظرية غرامشي، الهيمنة الراسخة سيطرة تنبع أساساً من القدرة على بناء توافق حقيقي عبر مؤسسات المجتمع المدني: مدارس، نقابات، صحافة، جمعيات أهلية تُشكّل وعي الناس وتُقنعهم برؤية العالم التي تخدم الطبقة المسيطرة. ما فعلته الأنظمة العربية كان العكس تماماً: حاولت الاستيلاء على هذه المؤسسات وتحويلها إلى أدوات دعاية، فأنتجت بذلك هيمنة مزيّفة تحت قشرتها إكراه خالص. ولأن الإكراه لا يُنتج توافقاً حقيقياً، بقيت شرعية هذه الأنظمة هشة وتائهة، تتصدع عند أول هزّة.
عملياً: جرى تأميم النقابات العمالية في مصر والعراق وسوريا. حُلّت إداراتها المنتخبة، وأُلحقت بالحزب الحاكم، وتحوّل دورها من تمثيل مصالح العمال إلى نقل توجيهات السلطة بلسان “عمالي” الشكل. في مصر الناصرية، تحوّل “الاتحاد الاشتراكي العربي” إلى ما أسماه الباحثون في حينه “حزاماً ناقلاً معكوساً”: عكس اتجاه التمثيل الحزبي المفترض، فأوصل أوامر القيادة إلى القاعدة في صورة “إرادة شعبية” بدل أن يوصل مطالب القاعدة إلى القيادة. الاتحادات المهنية والنوادي الثقافية وجمعيات المجتمع المدني مرّت بالمسار ذاته. خضعت لآلية أكثر ذكاءً وأشد أثراً من القمع المباشر: احتُوي قادتها، وفُرضت عليها تبعية شكلية للحزب الحاكم، وحُرمت من القدرة الفعلية على تمثيل قواعدها باستقلالية حقيقية. بقي الشكل وضاع المضمون؛ بقيت الواجهات المؤسسية وتبخّرت الحياة الداخلية.
خارج هذا التأميم الرسمي، عمل جهاز مختلف في الخفاء يؤدي الوظيفة ذاتها: المخابرات. ما أسهم في تفكيك المجتمع المدني العربي بصورة ربما كانت أعمق من التأميم القانوني هو انتشار الرقابة الأمنية في كل فضاء من فضاءاته. حين يُدرك المواطن أن كل جمعية، كل مقهى فكري، كل محاضرة جامعية يُحتمل أن يكون فيها مُخبر، يبدأ تفكك النسيج الاجتماعي الأفقي من الداخل قبل أن تضربه قوة خارجية. الروابط بين المواطنين تنقطع، والعلاقات الرأسية مع الدولة تحل محلها. هذا ما يُسميه العلماء “الذرّية الاجتماعية”: مجتمع تحوّل من شبكة أفقية متينة إلى ذرّات منفردة لا تتجرأ على التلاقي. الوعي السياسي المستقل لا يولد في مجتمع كهذا.
الفضاء الأكاديمي لم يُستثنَ. الجامعات في النموذج القومي العربي تحوّلت إلى جهاز إنتاج بيروقراطي للشهادات لا إلى مراكز لإنتاج المعرفة النقدية الحرة. الأساتذة خضعوا لرقابة دقيقة، وبعضهم لجأ إلى الرقابة الذاتية طوعاً قبل أن تُفرض عليه. من رفض الامتثال واجه الاعتقال أو النفي أو الإسكات المنظّم. نتيجة ذلك كانت هجرة النخب الفكرية المستقلة بصورة مستمرة: العقل العربي الناقد صُدِّر إلى المنفى بينما بقي داخل البلاد نموذج المثقف الوظيفي المُدجَّن. هذا تشخيص لبنية لا نقد للأفراد: حين تُغلق الأنظمة فضاء الإنتاج الفكري الحر، تُصادر إمكانية إنتاج وعي نقدي ذاتي قادر على الإصلاح قبل الانهيار.
الأثر التراكمي لكل هذا لم يظهر فورياً. ظهر عبر جيلين أو ثلاثة. كل جيل يرث من سابقه مجتمعاً أفقر في خبرته التنظيمية المستقلة، وأعجز عن إنتاج قيادات نابثة من القاعدة. حين اهتزت الأنظمة في موجات الربيع العربي، لم يجد الفضاء العام فيها سوى فراغ مؤسسي هائل. طاقة احتجاجية هائلة بلا أطر تنظيمية قادرة على استيعابها وتحويلها إلى برامج سياسية قابلة للتنفيذ. تفسير إخفاق هذه الثورات الأدق والأشد قسوة يكمن في عقود من التجريف المنظَّم لكل بنية كانت يمكن أن تحمل هذا الوعي وتحوّله إلى فعل منظّم، لا في “غياب الوعي السياسي” أو “الثقافة العربية”.
الفراغ الذي خلّفه هذا التجريف لن يبقى فراغاً طويلاً.
التناقض البنيوي بين التحديث الفوقي والتحتية العشائرية
ثمة طبقة أعمق من الإخفاق لا يكفي رصد الاستبداد وحده لفهمها. الأنظمة العلمانية الفوقية وقعت في انفصام بنيوي نابعٍ من داخل منطقها الخاص. تبنّت دساتير مكتوبة وقوانين وضعية مستوردة من الموروث الاستعماري أو من التقنين القانوني القاري، وأعلنت رسمياً مشروع الدولة الحديثة ذات الحقوق والحريات. لكن البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية الفعلية أبقتها على حالها: علاقات عشائرية وقبلية تحكم توزيع المناصب والثروات بمعزل تام عن القانون الرسمي المُعلَن، واقتصاد ريعي تعتمد فيه شرائح واسعة اعتماداً عضوياً على عطايا الدولة وتوزيعاتها لا على نشاطها الإنتاجي المستقل.
القاعدة المادية لا تُستبدل بدستور مكتوب. الدستور العلماني يبقى حبراً على ورق ما لم تنشأ مصالح طبقية حقيقية تجعل صونه ضرورة وجودية لا مجرد نص احتفالي. ما أنتجته البنية الاقتصادية للأنظمة القومية كان في معظمه عكس ما أُعلن. نموذج التصنيع بالإحلال محل الاستيراد الذي اعتمدته مصر الناصرية وبعثية سوريا والعراق أسّس صناعات محمية بالجمارك وغير قادرة على المنافسة خارج الأسواق المحلية، وحوّل جهاز الدولة إلى صاحب عمل أول بلا منافس. ملايين الخريجين الجامعيين التحقوا بالوظيفة الحكومية لا بقطاع منتج يُراكم القيمة. القطاع العسكري، بدلاً من أن يبقى جهاز حماية وطنية، تضخّم ليصبح امبراطورية اقتصادية بمفردها: تُقدّر بعض المصادر سيطرة الجيش المصري اليوم على نحو ثلاثين إلى أربعين بالمئة من الاقتصاد المدني، وإن كانت التقديرات المتاحة تتفاوت تفاوتاً واسعاً بحسب الجهة المُصدرة لها.[6] أياً يكن الرقم الدقيق، فإن الاتجاه العام غير مختلف عليه: نموذج بدأ تشييده في عهد ناصر تحوّل إلى مآل بنيوي يصعب تفكيكه.
التناقض لا يتوقف عند الاقتصاد. النظر إلى بنية الجهاز الأمني، لا إلى مجرد أصل الحاكم الجغرافي، هو ما يكشف هذا التناقض بدقة. في سوريا، بُنيت الحلقة الصلبة للجهاز الأمني والعسكري -سرايا الدفاع، الحرس الجمهوري، فروع المخابرات الحساسة- على ثقل نوعي غير متناسب لأبناء الطائفة العلوية المنحدرين من الساحل السوري، وهذا موثّق في أدبيات واسعة عن النظام السوري. في العراق، اتّبع صدام حسين النمط ذاته بحرفية لافتة: قبيلة “البو ناصر” التكريتية التي ينتمي إليها، وتحديداً عشيرة آل التكريتي والمجيد، احتكرت عملياً قيادة جهاز الأمن الخاص والحرس الجمهوري الخاص، بحيث كان الانتماء القبلي شرطاً غير معلن لكنه حاسم للوصول إلى الحلقة الأمنية الأضيق حول الرئيس. الحالتان السورية والعراقية إذن دليل بنيوي حقيقي لا مجرد تفصيل سيرة ذاتية: دولة حديثة الشكل بجهاز أمني تقليدي القرابة في جوهره. الحالة المصرية مختلفة نوعياً، وينبغي عدم إقحامها في النمط ذاته: نظام ناصر، رغم انحداره الشخصي من قنا الصعيدية، لم يبنِ جهازه الأمني على شبكة إقليمية أو قرابية موازية؛ ضمّ الضباط الأحرار قيادات من كل الأقاليم المصرية دون تمايز بنيوي شبيه بما شهدته دمشق وبغداد. الدرس الأدق إذن تفاوتي لا تعميمي: أخفت بعض الأنظمة القومية العربية شبكة قرابية ببنية مؤسسية صريحة (سوريا والعراق)، بينما اتكأ بعضها الآخر (مصر) على مركزية الجهاز البيروقراطي والحزبي وحده دون وسيط قبلي. هذا التفاوت نفسه هو ما يمنح مفهوم “النيوباتريمونيالية” (Neopatrimonialism) دقته التحليلية: استخدام الأشكال المؤسسية الحديثة كغطاء لممارسة السيطرة الشخصانية أو القرابية التقليدية، بدرجات متفاوتة الوضوح من حالة إلى أخرى، لا بنمط واحد يُسقَط على الجميع بالتساوي.[7]
فالمثقف العربي المحدَّث لا يحيا حداثته فعلاً، بل يؤدّيها.. حداثته ملفوظة بلا أرضية اجتماعية تحمله، خطاب بلا طبقة وراءه. وما يصح على المثقف يصح على الدولة: حداثتها الشكلية تطفو فوق تحتية ما قبل مدنية لم تمسّها بالتحول الجوهري. ومن أشد مظاهر هذا الانفصام مفارقةً ظاهرة التعليم الجماهيري: توسعت الجامعات، وتضاعفت أعداد الخريجين، لكن سوق العمل لم يتوسع بالنسبة ذاتها. أُنتجت أجيال من حاملي الشهادات العاطلين عن العمل أو العاملين في وظائف دون مستوى تأهيلهم. هذه الفئة تحديداً، التي يُشير إليها بعض الباحثين بـ”المثقفين المحبَطين”، ستُشكّل لاحقاً كتلة ديموغرافية حاشدة في طليعة الحركات الإسلامية الراديكالية، لا لأن الإسلام يُجيب على أسئلتهم الميتافيزيقية، بل لأنه الهوية المتاحة الوحيدة لمَن أغلق النظام أمامه كل بديل.
حين يهتز بناء كهذا، لا تنتقل المجتمعات إلى “المرحلة التالية” من سلّم تطور خطي وهمي. تطفو إلى السطح الهويات الأولية التي ظلّت كامنة تحت طبقة الخطاب الرسمي طيلة العقود. كانت انهيارات الدول التي شهدها الفضاء العربي منذ التسعينيات وحتى اليوم كشفاً صادقاً عما كانت “الدولة الحديثة” في معظم هذه السياقات فعلياً، لا إعاقة مؤسفة لمسيرة تحديث جارية: قشرة مشروعية فوق بنية تقليدية لم تُمَس في عمقها. الانتقاد الثقافوي الذي يلوم “الموروث القبلي” أو “العقلية الدينية” على هذه الانهيارات يتجاهل بإصرار أن هذه الموروثات استمرت لأن الأنظمة السياسية ذاتها وجدت فيها أدوات سيطرة مريحة، وأبقت عليها حيث أرادت، وأعلنت الحداثة حيث لاءمها الإعلان.
إنتاج الارتداد الشعبي نحو السلفية كآلية دفاعية
الانفصام الذي تتبعناه في القسم الثالث من زاوية بنيوية اقتصادية-اجتماعية، ومسألة الشرعية المفقودة التي رُصدت في القسم الأول من زاوية الذاكرة الجمعية بعد 1967، يلتقيان الآن عند نتيجة واحدة لم تُستكمل بعد: لماذا امتلأ الفراغ الناتج عنهما بالذات بالإسلام السياسي، لا بأي بديل آخر ممكن؟ هذا هو السؤال الذي لم يُجب عليه القسمان السابقان، وهو ما يستحق تتبعاً مستقلاً هنا.
من هذا الانفصام البنيوي المتراكم، لا من الجينات الثقافية ولا من ميل “فطري” إلى الدين، ظهر الصعود الهائل للحركات الإسلامية في أواخر القرن العشرين. وصف هذا الصعود بأنه “ردة حضارية” أو “انتكاسة نحو الماضي” يُخطئ الآلية بالكامل. صعدت الحركات الإسلامية بسبب إخفاق الأنظمة الحداثية وأساليب سيطرتها بالذات، لا رغم وجود هذه الأنظمة فاعلة.
هزيمة يونيو 1967 كانت النقطة التي تكسّر عندها خطاب الشرعية الأيديولوجية للأنظمة القومية العلمانية بصورة لا رجعة فيها. خسارة ستة أيام للأراضي والجيوش والمدن لم يكن بالإمكان تفسيرها ضمن منطق “مؤامرة خارجية” وحده. المثقف العربي الصادق أدرك أن الهزيمة سياسية وبنيوية بالقدر ذاته الذي كانت فيه عسكرية. الأيديولوجيا التي كانت تُقنع الناس بأن “الطريق إلى فلسطين يمر عبر الوحدة العربية” وأن “الوحدة العربية تمر عبر الاشتراكية” وأن “الاشتراكية تتجسد في القائد الملهم”، تلك الأيديولوجيا انكشف زيفها في لحظة واحدة دامية. والفراغ الذي خلّفه سقوطها فراغ محدد المعالم: فراغ في إجابة السؤال الوجودي العميق: لماذا نُهزم، ومن نحن، وإلى أين نسير؟
في هذا الفراغ بالذات عمل السادات بصورة مقصودة. بعد وصوله إلى السلطة عام 1970، اتخذ قراراً استراتيجياً لتفكيك اليسار الناصري وورثته الشيوعيين: أُطلق سراح الإخوان المسلمين الذين اعتُقلوا في عهد ناصر، ومُنحت الحركات الإسلامية الطلابية هامشاً للعمل في الجامعات على حساب التنظيمات اليسارية. الرهان كان توظيف الإسلاميين كمضادات حيوية ضد العدوى اليسارية. لكن السادات لم يُدرك أنه يُطعّم المريض بالداء ذاته؛ فالحركة التي رعاها ستُنهي حياته عام 1981 على يد جماعة الجهاد الإسلامي. الاقتصاد السياسي أتمّ ما بدأته السياسة: سياسة الانفتاح (al-Infitah) التي أطلقها السادات في منتصف السبعينيات فتحت الأبواب أمام الرأسمالية الاستهلاكية وأطلقت موجة خصخصة مشوّهة أفضت إلى تآكل متسارع للقطاع العام وتراجع حاد في الوظائف الحكومية وارتفاع حاد في التفاوت الاجتماعي. الشرائح الأوسع من السكان الحضريين الفقراء وجدت نفسها أمام دولة تتخلى عنها اقتصادياً دون أن تمنحها أي بديل سياسي.
أغلقت الأنظمة الأمنية كل فضاء للتعبير السياسي المعارض: أحزاب محظورة، صحافة مصادرة، اجتماعات ممنوعة، نقابات مؤمَّمة. بقي فضاء واحد يصعب إغلاقه كلياً دون تكلفة سياسية باهظة: المسجد. فضاء يغطي التراب العربي كله، يجمع كل شرائح المجتمع تحت سقف واحد، ويتمتع بمشروعية اجتماعية جماعية لا مثيل لها. اكتشفت جماعة الإخوان المسلمين في مصر وامتداداتها أن بناء شبكات الخدمات الاجتماعية في المناطق المهملة حكومياً، من مستشفيات ميدانية ومدارس خاصة وجمعيات ادخار للموارد، هو الطريق الأقصر نحو القاعدة الشعبية. يصف جيل كيبيل هذا النمط بما يقترب من “المجتمع المضاد” (counter-society): شبكة موازية من الخدمات والمؤسسات تُعيد بناء الروابط الاجتماعية التي فككتها الدولة الأمنية، لكن تُعيد بناءها تحت راية دينية لا مدنية.[8] الدولة الريعية فشلت في توزيع خيراتها بالتساوي، وتآكل دعمها الاجتماعي تدريجياً في الأطراف الريفية والأحياء الفقيرة الحضرية. ملأت الحركات الإسلامية الفراغ الذي خلّفته لأن أحداً غيرها لم يكن موجوداً أو قادراً على الملء.
عامل آخر أمدّ هذا الصعود بوقود بعيد المدى: الريع النفطي الخليجي. منذ الطفرة النفطية عام 1973، ضخّت المملكة العربية السعودية مليارات الدولارات في تمويل المراكز الدينية والمدارس الدينية ودور النشر الإسلامية في أنحاء العالم العربي، مُروّجةً للتفسير السلفي الوهابي بديلاً عن الإسلام الشعبي المحلي المتنوع. كان هذا استثماراً سياسياً في نموذج فكري يُحيّد الطبقات الفقيرة أيديولوجياً ويحوّل سخطها من مآخذ اقتصادية موجّهة نحو النظام إلى مطالبات هوياتية بتطبيق “الشريعة”، لا خيرية دينية بريئة. الإسلام السياسي الذي صعد كان إلى حد بعيد إنتاجاً حديثاً تموّله قنوات مالية محددة لأهداف سياسية محددة، أكثر مما كان تعبيراً عن إسلام تقليدي حيّ.
هذا التفسير المادي لا يُبرّر المحتوى السياسي الرجعي لهذه الحركات أو تحالفاتها الطبقية الموضوعية، مسائل يأتي تناولها في المحور التالي. لكنه يُصحح الإطار التحليلي الكلي بصورة جوهرية. وليفر روي، في تحليله الكاشف لإخفاق الإسلام السياسي، يضع يده على تناقض بنيوي عميق: مَن قادوا الحركات الإسلامية لم يكونوا علماء الدين التقليديين بل أبناء الجيل المحبَط من خريجي التقنية والهندسة والطب.[9] هؤلاء لم يُعيدوا اكتشاف الإسلام التقليدي، بل اخترعوا هوية إسلامية جديدة تُجيب على إخفاق الحداثة العلمانية بأسلوب حديث، تنظيمياً وخطابياً وتقنياً. بمعنى آخر: الإسلامية ليست نقيض الحداثة، بل هي نتاجها المشوّه؛ ظاهرة ولدت من رحم أزمة الحداثة لا رفضاً لها. إشكالية الأنظمة العلمانية الاستبدادية إنها حملت في داخلها تناقضاً ذاتياً مميتاً، فهي ذاتها من أنتج الإسلامية معارضةً له بقدر ما عرّت الدولة من أي شرعية حقوقية مستقلة. ديناميكيات سيطرة هذه الأنظمة، لا وعيها المقصود، هي ما أفضى حتماً إلى هذا الناتج الموضوعي: تغلق كل الأبواب وتبقي الباب الديني آخر منفذ، ثم تتفاجأ بمن يتدفق منه.
ما كشفه هذا المسار في مجمله هو أن “العلمانية” التي أُنجزت في الفضاء العربي كانت صورتها المقلوبة لا معناها الحقيقي: سلطة بلا طبقة، حداثة بلا قاعدة مادية، ودولة بلا مجتمع مدني يحملها. وإذا كان الإسلام السياسي قد صعد ليملأ هذا الحيز، يبقى السؤال الأحدّ: هل يمتلك الأدوات البنيوية الكافية لإنجاز ما عجزت عنه القيصرية العلمانية؟ الإجابة ليست في البلاغة الدينية، بل في الاقتصاد السياسي.
[1]Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, 105–106. مفهوم “الثورة السلبية” (rivoluzione passiva) يصف عملية تحديث تفرضها الدولة من فوق لاستباق ثورة شعبية من أسفل، بما يُنجز تحولاً شكلياً دون مساس بمضمون علاقات الإنتاج.
[2]Hamza Alavi, “The State in Post-Colonial Societies: Pakistan and Bangladesh,” New Left Review I/74 (July–August 1972): 59–65.
[3]Karl Marx, The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte (New York: International Publishers, 1963), 121–128. https://www.marxists.org/archive/marx/works/1852/18th-brumaire/
[4]صادق جلال العظم، النقد الذاتي بعد الهزيمة (بيروت: دار الطليعة، 1968). يرفض العظم في هذا الكتاب تفسير هزيمة حزيران بوصفها مؤامرة خارجية، ويردّها إلى عجز بنيوي داخلي متجذر في تنظيم المجتمع العربي ذاته؛.
[5]Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, ed. and trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York: International Publishers, 1971), 12–13.
[6]تتراوح التقديرات المتداولة لحصة الجيش المصري من الاقتصاد المدني تراوحاً واسعاً: من نحو 25% في التقديرات المتحفظة إلى ما بين 45% و60% بحسب منظمة الشفافية الدولية، مقابل تقديرات رسمية مصرية أدنى بكثير. لا يوجد رقم موحّد أو مصدر رسمي شفاف يحسم هذا التفاوت؛ الرقم المستخدم في المتن (30–40%) يقع ضمن النطاق الأكثر تداولاً في الأدبيات الصحفية والبحثية لا في إحصاء رسمي موثّق. ينظر: Middle East Eye ومعهد الشرق الأوسط (MEI) للتقديرات المتباينة.
[7]Kanan Makiya (writing as Samir al-Khalil), Republic of Fear: The Politics of Modern Iraq (Berkeley: University of California Press 1989) pp 9–13.
[8]Gilles Kepel, Muslim Extremism in Egypt: The Prophet and Pharaoh, trans. Jon Rothschild (Berkeley: University of California Press 1986) pp , 192–210.
[9]Olivier Roy, The Failure of Political Islam, trans. Carol Volk (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1994), 49–60.
