يقف التحليل السابق عند عتبة الدولة بوصفها منظومة بونابرتية تتمتع باستقلالية مطلقة عن الطبقات، تحتكر الفائض وتُوزّعه دون أن تخضع لسيادة أي منها. غير أن هذا الاستقلال لا يتشكّل في فراغ مؤسسي بمعزل عن المجتمع؛ إنه يُعاد إنتاجه يومياً في جسد المجتمع ذاته. الدولة الريعية لا تكتفي باحتكار الفائض المالي، بل تُعيد هيكلة البنى الطبقية والروابط الاجتماعية وأنماط الوعي الجمعي على نحو يُعطّل أي قدرة تنظيمية للقوى المستغَلة قبل أن تتبلور. بمعنى آخر: الريع سلاح مزدوج يعمل في الاقتصاد وفي الوعي معاً، يُفتّت الكتل الطبقية المحتملة من جهة، ويُحكم القفص الأيديولوجي الذي يمنع هذه الكتل من رؤية تفتّتها من جهة أخرى.
الأسئلة التي يطرحها هذا المحور مباشرة: كيف يُقطّع الريع الكتل الطبقية ويُفرز بدلاً منها شرائح طفيلية بلا مشروع إنتاجي؟ بأي آلية يُستعاض عن المواطنة الدستورية بشبكات الزبائنية والولاء؟ وما الذي يجعل الجماهير في نهاية هذا المسار تُجيب عن أسئلة الاستغلال المادي بلغة الدين والهوية الطائفية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة بالتسلسل هي ما يبنيه هذا المحور، قبل أن يختمه بتشريح ظاهرة الوعي الزائف بوصفها الحصيلة الأيديولوجية لكل ما سبق.
تفتيت الكتل الطبقية ونشوء الشريحة الطفيلية
ثمة فارق جوهري بين رأسمالية تُنتج طبقاتها من خلال الصراع حول فائض القيمة، ورأسمالية ريعية تُوزّع طبقاتها من خلال قنوات إنفاق الدولة. في الحالة الأولى، تتشكّل البرجوازية في مواجهة العمال داخل علاقة إنتاج تنافسية تُرسّخ مصلحتها الموضوعية في إرساء حكم القانون وحماية الملكية الخاصة واستقرار المؤسسات. الدولة في هذا السياق أداة، وإن أداة مُحيِّزة، تخدم مصالح الطبقة المنتجة المسيطرة. أما في الحالة الثانية، فلا تنشأ طبقة من أسفل الهرم الإنتاجي. تُصنعها الدولة من أعلى، عبر توزيع العقود والرخص والوكالات التجارية والامتيازات الاحتكارية. الأداة تسبق الطبقة وتصنعها وتحدد شروط بقائها.
هذا ما يُرسّخه نزيه أيوبي في تحليله المادي للدولة العربية: الفائض الريعي لم يُفرز طبقة رجال أعمال وطنيين بالمعنى الكلاسيكي، بل أنتج شريحة كومبرادورية ترتبط وجوداً بحاجة الدولة إلى وسطاء استهلاكيين.[1] سوق الاستيراد لا يحتاج مصنعاً ولا يحتاج تقنية ولا يحتاج طبقة عاملة منتجة. يحتاج فقط امتيازاً حكومياً وشبكة توزيع. بهذا تنشأ “برجوازية” لا مصلحة لها في التصنيع ولا في منافسة السوق الحرة، بل مصلحتها الوجودية في إبقاء بنية الاحتكار قائمة وحارسها السياسي في الحكم.
غير أن الصورة لا تكتمل بمجرد رسم ملامح هذه الشريحة. الأجدى أن نسأل: لماذا فشلت كل محاولات بناء برجوازية وطنية منتجة في المنطقة العربية؟ تجربة المشروع الناصري والقومية العربية في عقدَي الخمسينيات والستينيات مثيرة للتأمل. حين لجأت الدولة إلى التأميم ورسمت لنفسها دور المنتج الكبير، لم تبنِ قاعدة صناعية تشبه التجارب الاشتراكية في أوروبا الشرقية أو التجارب التنموية في شرق آسيا، بل أنتجت طبقة إدارية-عسكرية تُسيطر على القطاع العام دون أن تمتلك حوافز الابتكار أو الاستثمار الإنتاجي. حين أفلت هذه التجارب لاحقاً تحت ضغط الأزمات الاقتصادية وشروط صندوق النقد الدولي، لم تُخلّف فراغها لبرجوازية تنموية خاصة بل لشريحة كومبرادورية جاهزة لالتقاط عائدات الخصخصة وتوظيفها في قنوات الوساطة والريع. فشل المشروع التنموي لم يكن حادثاً عارضاً؛ كان حصيلة طبيعية لبنية اقتصادية ظلت تبتعد عن الإنتاج الحقيقي وتنجذب نحو الفائض الخارجي.
لكن الشريحة الطفيلية لا تقتصر على قمة هرم رجال الأعمال. الريع يصنع طبقاتٍ بأكملها: موظفو القطاع العام المتضخّم الذين يتلقون أجوراً دون إسهام إنتاجي حقيقي، والمتعهدون الصغار الذين يعيشون على المناقصات الحكومية، والنخب العسكرية التي تُدير مؤسسات اقتصادية بالاستناد إلى السلطة لا إلى الكفاءة. لا تملك هذه الشرائح مصلحة مشتركة في تطوير قوى الإنتاج. تملك مصلحة مشتركة واحدة فقط: استمرار النظام الذي يُتيح لها البقاء.
وثمة بُعد إضافي نادراً ما يُستوفى حقه في التحليل. في دول الخليج تحديداً، أفرز الريع النفطي نظاماً يجمع بين شريحتين لا تكادان تتلامسان: المواطنون المستفيدون من الريع بصورته المباشرة، والعمالة الوافدة التي تُشكّل في بعض دول المنطقة ما يتجاوز ثلاثة أرباع القوى العاملة. يعمل هؤلاء العمال المهاجرون وفق نظام الكفالة الذي يُلغي بنيوياً أي إمكانية للتنظيم النقابي أو المطالبة بالحقوق السياسية أو تكوين وعي طبقي مشترك مع نظرائهم من المواطنين. نظام الكفالة ليس استثناء قانونياً قابلاً للإصلاح؛ هو التعبير المؤسسي عن حاجة الدولة الريعية إلى قوة عمل رخيصة ومنضبطة ومؤقتة لا تدّعي حقوقاً ولا تُكوّن روابط أفقية. نتيجته بنية طبقية مُعطَّلة مزدوجة: طبقة عاملة مهاجرة عاجزة سياسياً، وشريحة وطنية مُستلبة ريعياً، وكلتاهما بمنأى عن الوعي الطبقي.
يُوثّق خلدون النقيب هذا النمط في تحليله لمجتمعات الخليج: الريع النفطي أفضى إلى ما يمكن تسميته “التحييد الطبقي”، أي تحويل التوترات الاجتماعية المحتملة إلى توافقات مؤقتة عبر توزيع حصص الثروة، دون أن يمسّ هذا التوزيع البنية التحتية لعلاقات الإنتاج من أساسها.[2] الحصيلة واضحة بلا تزويق: لا طبقة عاملة صناعية ذات وزن وتنظيم، لا برجوازية وطنية منتجة لها مصلحة في سيادة القانون، لا فلاحة مستقلة قادرة على المطالبة بإصلاح الأرض وبنى الإنتاج الزراعي. ما يبقى هو شرائح متعددة تتنافس على ريع الدولة لا على فائض الإنتاج. وحين يغيب الفاعل الاجتماعي، يغيب البديل معه.
العلاقات الزبائنية كبديل للمواطنة السياسية
المواطنة علاقة أفقية بامتياز. تضع المواطنين في علاقة متساوية مع الدولة، دون وساطة الانتماء القبلي أو الطائفي أو الولاء السياسي الضيق. الزبائنية علاقة عمودية بالكامل: تربط الفرد بالدولة عبر سلسلة من الوسطاء: الشيخ، المسؤول، الوجيه القبلي، يُدير كل منهم شبكة توزيع ريعي مقابل ولاء سياسي. هذا ليس فساداً طارئاً يمكن إصلاحه بحملة تطهير مؤسسي. هو التنظيم الاجتماعي الطبيعي للدولة الريعية؛ الشكل الذي تأخذه بالضرورة حين تكون الثروة ريعاً لا ضريبة، وحين يكون الوصول إليها امتيازاً ممنوحاً لا حقاً مكتسباً.
ما يجعل الزبائنية أشد خطورة من مجرد الفساد الإداري هو أثرها البنيوي في تشكيل الهوية السياسية ذاتها. حين يُوزَّع الريع عبر شبكات القبيلة والطائفة والانتساب الحزبي، يتعلم الفرد تدريجياً أن مصلحته الفردية لا تُقرأ بمفردها؛ هي مرتبطة بجماعته القرابية أو الطائفية أو المناطقية. يتحول الصراع تلقائياً: من “نحن الفقراء” في مواجهة “هم أصحاب الامتياز”، إلى “نحن قبيلة X” في مواجهة “هم قبيلة Y”. التفتيت عمودي لا أفقي. وهذا هو المقصود بالضبط.
قبل النفط، كانت شبكات الرعاية والولاء القبلي في المنطقة تقوم على معادلة مختلفة: الزعيم يحتاج قبيلته للبقاء في وجه الخصوم، والقبيلة تحتاج الزعيم للدفاع عن مصالحها. الولاء كان تبادلياً ومحكوماً بشروط موضوعية. النفط قلب هذه المعادلة رأساً على عقب. الدولة الريعية لا تحتاج أي مجموعة بعينها للبقاء؛ لديها ثروة خارجية مستقلة عن أي طبقة أو قبيلة. ما تحتاجه فقط هو أن توزّع بما يكفي لمنع تشكّل تحالفات ضدها. بذلك تتحول الزبائنية من علاقة تبادلية إلى آلية سيطرة نقية: الدولة تمنح الولاء الذي تُمليه، والعميل يأخذ من الفتات ما يُتيح له البقاء.
يُفسّر أيوبي هذه الديناميكية عبر مفهوم “الدولة المتضخمة”: الدولة العربية وسّعت جسمها البيروقراطي إلى حد استيعاب شرائح واسعة من المجتمع داخل منظومة التوظيف الحكومي والإعانات والدعم المباشر، مما حوّل قطاعات كاملة من السكان إلى عملاء مباشرين للدولة لا مواطنين مستقلين.[3] الاستيعاب لم يُنتج مواطنين؛ أنتج مستفيدين. والمستفيد لا يُطالب بإصلاح المنظومة التي تُمسك بتلابيبه، بل يُفاوض داخلها على حصته ويُوالي من يضمنها له.
هذا الشكل من الحكم يتقاطع مع ما صاغه علم الاجتماع السياسي تحت مفهوم “الأبوية الجديدة” (Neo-patrimonialism): الجمع بين السلطة التقليدية ذات الطابع الشخصي والعلاقات الحميمة بين الحاكم والمحكوم، وبين الأجهزة البيروقراطية الحديثة والقوانين المكتوبة، دون السماح لأي منهما بأن يهيمن على الآخر كلياً. هذا الجمع يصنع دولة هجينة مرنة: شكلية في بنيتها القانونية لكنها تعمل بمنطق الزبائنية في ممارستها اليومية. مرونة الهجين هي سر صموده؛ فالمحاكم موجودة لكنها تنحاز، والانتخابات تُجرى لكنها مُهندَسة، والأحزاب قائمة لكنها مُحتواة.
الزبائنية لا تُكمّل الهيمنة بل هي آليتها الأساسية. الدولة الريعية لا تحتاج إلى قمع كل معارض ومراقبة كل نشاط مدني؛ تحتاج فقط إلى أن تظل المرجع الوحيد لمن يريد فرصة عمل أو سكناً أو ترخيصاً تجارياً أو قبولاً جامعياً. حين تتحكم الدولة في توزيع هذه الموارد الأولية عبر شبكات الولاء، يصبح الولاء السياسي وجه العملة الآخر للبقاء الاقتصادي. ليس تعسّفاً؛ إنه منطق.
ولو أراد المرء أن يُجرّد هذه المعادلة: المواطنة تمنح الفرد حقاً على الدولة، أما الزبائنية فتجعل الدولة تمنحه أو تمنع عنه. الفارق ليس قانونياً بحتاً؛ هو فارق في الذاتية السياسية. من يمتلك حقاً يُطالب به، ومن يعيش على منّة يتملّق.
الاستقطاب الأيديولوجي والهوياتي كصمام أمان للسلطة
لا تُدار السيطرة بالمال والتوظيف وحدهما. ثمة أداة أشد إحكاماً: إبقاء الفضاء العام ملتهباً باستقطابات لا تهدأ. السلطة الريعية لا تحتاج إلى إقناع الجماهير بسياساتها الاقتصادية؛ تحتاج فقط أن تبقى هذه الجماهير مشغولة بمعارك هوياتية مشتعلة: علماني ضد إسلامي، سني ضد شيعي، قومي ضد انفصالي.
والمعضلة أن هذا الاستقطاب ليس مجرد توظيف بارد وحسابي من النخبة. إنه توافق بنيوي أعمق من التخطيط الواعي. كلما عمّق الشقُّ الطائفي أو الديني التفرقةَ داخل المجتمع، كلما أُزيل الأساس المادي لأي تحالف طبقي عريض يُهدد النخبة. الطبقة العاملة السنية والطبقة العاملة الشيعية ترزحان تحت نفس ظروف البطالة وانعدام الفرص، لكنهما تتصارعان في حروب رمزية لا تمس علاقات الإنتاج بأي شيء. هذا هو التحييد الاجتماعي في أبهى صوره.
خطأ شائع ينبغي تصحيحه هنا: الهويات الطائفية في العالم العربي ليست اختراعاً حديثاً. الخلافات اللاهوتية والممارسات الطقوسية المختلفة بين السنة والشيعة قديمة قِدَم الانقسام الإسلامي الأول. لكن السؤال ليس عن قِدَم هذه الهويات بل عن توظيفها السياسي الحديث. قبل عام 1979، كانت الهويات الطائفية موجودة لكنها محتواة داخل أطر سياسية قومية أوسع: البعثية، الناصرية، الأحزاب الشيوعية، الحركات الوطنية، كلها قدّمت هويات سياسية أفقية تتجاوز الانتماء المذهبي. الثورة الإيرانية عام 1979 غيّرت هذا كله. وجدت المملكة العربية السعودية نفسها أمام تهديد وجودي: دولة ثيوقراطية شيعية ثورية ذات طموحات تصديرية. الرد لم يكن عسكرياً فقط بل أيديولوجياً: ضخ مليارات الدولارات في شبكات دينية سلفية عالمية تُعيد صياغة الإسلام السني وفق نمط يُكرّس الطائفية بوصفها أولوية سياسية. ما كان خلافاً لاهوتياً صار سلاحاً في حرب باردة، والنفط موّل تحويله إلى صناعة.
كتب غرامشي في تحليله للهيمنة أن الطبقة السائدة لا تُسيطر بالإكراه وحده، بل عبر إنتاج توافق اجتماعي يجعل النظام القائم يبدو طبيعياً أو لا مفرّ منه[4]. غير أن السياق الريعي العربي يمنح هذه الأطروحة بُعداً إضافياً: التوافق لا يُصنع هنا عبر الإقناع الأيديولوجي المباشر بصواب النظام، إذ لا أحد يُقنع الجماهير أن الفساد عدالة أو أن التفاوت طبيعي، بل عبر إشغال طاقتها السياسية بحروب رمزية تُقنعها أن عدوها الأول هو المختلف دينياً أو طائفياً، لا المختلف في توزيع الثروة.
أدّت وسائل الإعلام دوراً محورياً في هذا التوجيه، ولا يُعقل إغفال الدور المنهجي لثورة الفضاء في التسعينيات في ترسيخه. حين أطلقت قطر قناة الجزيرة عام 1996 وردّت السعودية بتأسيس العربية عام 2003، لم تكن هذه مجرد خطوات إعلامية محايدة. الخيارات التحريرية لهذه القنوات، المتمثلة في الاشتغال المهووس بالصراعات الطائفية والمذهبية وإغفال النزاعات العمالية وقضايا التوزيع الاقتصادي، تُشكّل بنية تحتية ناعمة لإنتاج الوعي الزائف على مستوى قاري. ليس ضرورياً أن يكون ذلك مؤامرة مدبّرة؛ يكفي أن تنسجم المصالح الإعلامية للممولين مع مصلحة النخب السياسية في إبقاء الفضاء العام مشغولاً بالهوية لا بالاقتصاد السياسي.
الفضاء العام مشغول بسؤال “من نحن؟” فلا وقت للسؤال المادي الأخطر: “من يمتلك الفائض ومن يستهلكه؟” النتيجة البنيوية هي ما يمكن تسميته “تقطيع الوعي الجمعي”: بدلاً من وعي أفقي يجمع الفقراء عبر الخطوط الطائفية والمناطقية والإثنية، ينشأ وعي عمودي يجمع أبناء الطائفة الواحدة عبر الخطوط الطبقية. الأغنياء السنة والفقراء السنة في تضامن مُصطنع، والأغنياء الشيعة والفقراء الشيعة في تضامن مُصطنع مماثل. المستفيد الوحيد من هذا الترتيب ليس أيّاً من هذه الطوائف، بل النخبة التي تتقاسم فيما بينها المال والسلطة دون أن تتشارك أياً منهما مع فقراء طائفتها.
تزييف الوعي الطبقي وتحويل الصراع المادي إلى سجال لاهوتي
“الوعي الزائف” في الإطار الماركسي لا يعني الخطأ المعرفي البسيط، أي مجرد الجهل أو سوء الفهم، بل يعني تلك الحالة التي تُدرك فيها الطبقة المستغَلة وضعها من خلال قالب مفاهيمي مستعار من الطبقة السائدة. يُطوّر لوكاش هذه الفكرة في تحليله للوعي الطبقي: الطبقة المهيمنة تُنتج إطارها الأيديولوجي الخاص، ثم تُقدّمه بوصفه “الإطار الوحيد الممكن” للفهم، حتى تُجيب الطبقة المستغَلة عن أسئلتها الخاصة بأدوات مفاهيمية صاغها خصمها[5].
قبل الخوض في التطبيق العربي، ثمة خطأ قراءة شائع ينبغي تصحيحه. عبارة ماركس الشهيرة “الدين أفيون الشعوب” تُقرأ في الغالب بوصفها إدانة ساذجة للدين. العبارة في سياقها أعمق وأدق. النص الكامل يقول: “المعاناة الدينية هي في آنٍ واحد تعبير عن المعاناة الحقيقية واحتجاج عليها. الدين زفرة المخلوق المضطهد، قلب عالم بلا قلب، روح ظروف بلا روح. هو أفيون الشعوب.”[6] ماركس لا يُقرّر بساطةً أن المتدين جاهل أو مخدوع. يُقرّر أن الألم حقيقي والتعبير عنه ديني لأن الدين يوفر التعزية الوحيدة المتاحة في ظروف محددة. المشكلة ليست في شعور الألم، بل في أن التعبير الديني عن هذا الألم يُزيّح التشخيص عن مصدره المادي ويُحيله إلى الغيب. ما تفعله الدولة الريعية هو الإبقاء الممنهج على الشروط التي تجعل هذا الإزياح ضرورياً.
هذا بالضبط ما يُنتجه المناخ الريعي المتراكم. حين يرى الفرد تدهوره الاقتصادي كـ”تآمر الكفار” أو “تخلف ثقافي حضاري” لا كنتاج علاقات إنتاج معينة ومتعينة وقابلة للتغيير، يكون الوعي الزائف قد أكمل دورته. البطالة ليست نتاج غياب السياسة الصناعية؛ إنها “عقاب إلهي” أو “مؤامرة خارجية”. الفساد ليس نتاج البنية الزبائنية للريع؛ إنه “انحراف أخلاقي” عن قيم أصيلة مفقودة. غياب الحقوق السياسية ليس نتاج الاستبداد البونابرتي؛ إنه “ضرورة ثقافية خاصة” أو “اجتهاد في الحكم الإسلامي”. هذه ليست صياغات عشوائية؛ إنها الإجابات التي يُنتجها الوعي الزائف حين تجتمع له بنية ريعية وشبكة زبائنية وإعلام طائفي واحتكار مؤسسي للتفسير الديني.
من يُنتج هذا الوعي الزائف ويُعيد إنتاجه؟ هنا يُفيدنا مفهوم غرامشي عن “المثقفين العضويين”: كل طبقة اجتماعية تُنتج مثقفيها الذين يُعبّرون عن رؤيتها للعالم ويُنظّمون إرادتها السياسية. الطبقة العاملة تحتاج إلى مثقفيها العضويين لتحويل سخطها العفوي إلى وعي طبقي منظّم. ما تفعله الدولة الريعية هو إنتاج ما يمكن تسميته “المثقفين العضويين المضادين”: طبقة العلماء الدينيين المأجورين من خزينة الدولة، المُدرَّبين في مؤسسات تُشرف عليها الدولة، المُعيَّنين في مناصب يمنحها الحاكم. هؤلاء لا يخدمون رؤية الطبقة العاملة؛ يُعيدون بناء كل مطلب اجتماعي في إطار ديني يحوّله من حق قابل للمطالبة إلى ورع قابل للتأجيل. الفتوى ضد النقابات، والحكم الديني بتحريم الإضراب، والتحذير من الأحزاب “اليسارية الملحدة”، كلها أدوات في ترسانة هذه المؤسسة المضادة. ليست مصادفة أن هذه الفتاوى تصدر تلقائياً حين يهدد حراك عمالي أو سياسي مصالح الطبقة الحاكمة.
والوعي الزائف في السياق العربي لا ينشأ من دعاية واحدة منظمة. يتشكّل عبر طبقات متراكمة من الوساطة الأيديولوجية. المؤسسة الدينية الرسمية، المأجورة بيروقراطياً من خزينة الدولة الريعية، تُنتج خطاباً يُضفي الشرعية على التفاوت القائم ويُحوّل الاحتجاج على الاستغلال إلى “فتنة” تضرب الوحدة الوطنية. المنهج المدرسي يُهيمن فيه التاريخ الديني على التحليل الاقتصادي للمجتمع. الإعلام يُعيد تقديم كل أزمة اقتصادية في إطار هوياتي صراعي. النتيجة ليست جماهير جاهلة؛ بل جماهير واعية تماماً بأسئلة خاطئة.
لكن لوكاش لم يمنح البنية الريعية حكماً نهائياً. الوعي الزائف يرتبط ببنية مادية بعينها، ومتى تصدّعت هذه البنية تصدّع معها. ما شهدناه في الربيع العربي، رغم إخفاقاته البنيوية اللاحقة، كان ومضات من هذا التصدع: لحظات قصيرة تخلّت فيها الجماهير عن الهوية الطائفية لصالح هوية السخط الاقتصادي المشترك. كان شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” يُخاطب البنية لا الهوية. وهذا وحده كان كافياً لإرباك النخب الحاكمة، التي أدركت خطورة الانتقال من حرب الهويات إلى حرب الطبقات.
غير أن المقارنة بين الحالات الوطنية المختلفة تكشف شيئاً أهم. تونس هي الحالة الاستثنائية الجزئية في الربيع العربي لا بسبب ثقافتها أو “استعدادها للديمقراطية”، بل لسبب مادي ومؤسسي محدد: وجود الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه كياناً نقابياً مستقلاً تأسس عام 1946 في قلب معركة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، وراكم منذ ذلك التاريخ أجيالاً من الخبرة التنظيمية عبر مواجهات متكررة مع بورقيبة ثم بن علي، وتمثيلاً يتجاوز نصف مليون عضو وقت الثورة، وحضوراً في كل ولاية. حين اندلع الحراك من سيدي بوزيد في ديسمبر 2010، وفّر الاتحاد للانتفاضة العفوية ما كانت تفتقر إليه تحديداً: البنية التنظيمية التي تحوّل السخط المشروع إلى حركة سياسية قادرة على الفعل والتفاوض.[7] مصر كانت أكبر حجماً وأوسع حضوراً في الشارع، لكنها افتقرت إلى هذه البنية الطبقية المستقلة، فكانت الانتفاضة عفوية دون تنظيم يستوعبها، وسرعان ما احتوتها قوتان كلتاهما تعمل بمنطق الهوية لا الطبقة: المؤسسة العسكرية والإخوان المسلمون.
إخفاق لحظات الربيع العربي لا يُثبت صواب الوعي الزائف دواماً. إنه يُشير إلى شيء مختلف: غياب التنظيم الطبقي القادر على استيعاب اللحظة الانتفاضية وتحويلها إلى مشروع بديل مستدام. هذه الفجوة بين الانتفاضة العفوية وأفق المشروع السياسي هي بالضبط ما يُهيّئ لها المساهمات القادمة.
[1]Nazih N. Ayubi, Over-Stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East (London: I.B. Tauris, 1995) , 162–167.
[2]خلدون حسن النقيب، الدولة والمجتمع في الخليج والجزيرة العربية: منظور مغاير (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)، 83–88.
[3]Ayubi, Over-Stating the Arab State, 162–164.
[4]Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, ed. and trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York: International Publishers, 1971), 12.
[5]György Lukács, History and Class Consciousness: Studies in Marxist Dialectics, trans. Rodney Livingstone (London: Merlin Press, 1971) , 50–52
[6]Karl Marx, Early Writings, trans. Rodney Livingstone and Gregor Benton (London: Penguin Books, 1992) , 244
[7]Hèla Yousfi, Trade Unions and Arab Revolutions: The Tunisian Case of UGTT (London: Routledge, 2017), 1–15. —
