من العمل المأجور إلى الإنتاج المعرفي: أفق تشكيل نمط إنتاج جديد

🖨️ طباعة هذه المقالة

تشهد بنية العمل في الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة اليوم تحولات عميقة بفعل الأتمتة وتوسع البرمجيات والتحوّل الرقمي. فلم تعد كثافة اليد العاملة عاملاً رئيسيا في الإنتاج، بل أصبحت الكفاءة التقنية والإنتاجية الرقمية محوراً حاسماً للتنظيم الصناعي. هذا التحول يعيد رسم حدود الطبقة العاملة التقليدية، ويطرح أسئلة جديدة حول توزيع العمل، والعلاقات الإنتاجية، وامتداد دور الإنسان في العملية الإنتاجية. تهدف هذه الدراسة إلى تتبّع هذه التحولات من خلال تحليل بيانات تشغيلية وإحصائية من الصناعات التقليدية في دول المركز، مع إبراز الاتجاهات الطويلة الأمد لتقلّص حجم الطبقة العاملة الصناعية.

فئات العمل المعرفي الجديدة

يمكن القول إن المبرمجين، ومحللي البيانات، والعلماء، أصبحوا يشكّلون اليوم فئة حديثة نسبياً من القوى الإنتاجية داخل الرأسمالية المعاصرة. ما يميّز هذه الفئة ليس فقط طبيعة العمل الذي تؤديه، بل طبيعة أدوات الإنتاج ذاتها. فهذه الأدوات لم تعد مادية بالمعنى الصناعي التقليدي—آلة، مصنع، خط إنتاج—بل أصبحت أدوات معرفية خالصة، تتمحور حول التحكم بالبيانات، وتصميم الخوارزميات، وإدارة التدفقات الرقمية التي تؤثر مباشرة في الأسواق واتجاهات الاستهلاك وأنماط الطلب.

في هذا السياق تحديدًا تُظهر البيانات الحديثة نمواً لافتاً في اعداد العاملين الحرّين داخل القطاعات المعرفية، ولا سيما في سوق العمل الأمريكي، حيث لعب العمل المستقل دوراً متصاعداً في إعادة تشكيل بنية الوظائف المعرفية. فوفقاً لتقرير Upwork Freelance Forward 2023، بلغ عدد العاملين الحرّين في الولايات المتحدة نحو 64 مليون شخص في عام 2023، أي ما يعادل قرابة 38% من إجمالي القوى العاملة، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ بدء السلسلة الإحصائية، مع زيادة تُقدَّر بنحو 4 ملايين عامل مقارنة بعام 2022.
ما يلفت الانتباه هنا هو أن التقرير يشير إلى أن حوالي 47% من هؤلاء العاملين الحرّين—أي ما يقارب 30 مليون شخص—قدّموا خدمات معرفية عالية المستوى، مثل البرمجة، وتكنولوجيا المعلومات، والتسويق الرقمي، واستشارات الأعمال خلال عام 2023. هذه الأرقام، ببساطة، تعكس ارتفاعاً ملموساً في وزن المهارات المعرفية داخل الاقتصاد الحرّ، لا بوصفها نشاطاً ثانوياً، بل كجزء بنيوي من سوق العمل.

وتدعم بيانات أحدث هذا الاتجاه. ففي إطار Future Workforce Index 2025، تشير التقديرات إلى أن 28% من العاملين المعرفيين في الولايات المتحدة يعملون حالياً بشكل مستقل أو حرّ، وهو ما يعادل أكثر من 20 مليون عامل معرفي مستقل. هذا التحوّل لا يعبّر فقط عن خيار فردي للعمل الحرّ، بل عن نمط متنامٍ من الاستقلالية في الوظائف المعرفية، خصوصاً في المجالات التقنية والمعرفية المتقدمة. ويضيف التقرير أن هؤلاء العاملين حقّقوا إيرادات مجمّعة بلغت نحو 1.5 تريليون دولار في عام 2024، وهو رقم يعكس ليس فقط ازدياد عددهم، بل أيضاً ثقلهم الاقتصادي المتصاعد داخل سوق العمل المعرفي.. [1]

تشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن العمل الحرّ في القطاعات المعرفية لم يعد ظاهرة هامشية أو انتقالية، بل بات جزءاً من اتجاه أوسع نحو توسيع مشاركة المهارات التقنية والمعرفية في الاقتصاد الحرّ. فهو يشكّل نسبة معتبرة من القوى العاملة المعرفية، خصوصاً في سياق التحوّلات الرقمية المتسارعة وتوسّع منصات العمل الحرّ. كما يعكس ارتفاع نسب البرمجة، وتحليل البيانات، والخدمات المعرفية الأخرى داخل هذا النمط من العمل، دوراً متزايداً لهذه الفئات خارج أطر التوظيف التقليدي، ودون الارتباط المباشر بعلاقات العمل الصناعية الكلاسيكية.. [2]

 

الكود البرمجي كأداة إنتاج

في هذا السياق، نلاحظ لم يعد الكود البرمجي مجرد أداة تقنية مساعدة ضمن عملية إنتاج أوسع، بل أصبح، في ذاته، وسيلة إنتاج مركزية. فالكود لا يسهّل الإنتاج فحسب، بل ينظّم ويوجّه العملية الإنتاجية الرقمية برمّتها. من يمتلك المعرفة البرمجية يمتلك، في الوقت نفسه، قدرة على تحديد إيقاع السوق الرقمي، وآليات تداول المنتجات الرقمية، سواء تعلّق الأمر بتطبيقات، أو منصات، أو قواعد بيانات.

يشير ذلك إلى تحوّل نوعي في طبيعة أدوات الإنتاج. فالعامل لم يعد، كما في النمط الصناعي التقليدي، يبيع قوة عمله مباشرة ضمن علاقة زمنية محدّدة، بل أصبح يبيع نتاجه المعرفي والرقمي بصورة مستقلة نسبياً. يحدث هذا أحياناً خارج إطار العمل المأجور التقليدي، سواء عبر منصات العمل الحرّ أو من خلال مشاريع رقمية فردية. هنا، لا يُقاس العمل بعدد الساعات، بل بقيمة المنتج الرقمي ذاته وإمكاناته في التداول وإعادة الاستخدام.

بهذا المعنى، يغدو الكود البرمجي أداة قوة إنتاجية ومعرفية في آن واحد. فهو يتيح لمن يمتلكه إمكانية التأثير في العملية الإنتاجية نفسها، وإعادة تشكيل طرائق إنشاء المنتجات الرقمية وتوزيعها. وفي الوقت ذاته، يبرز الدور المركزي للمعرفة التقنية بوصفها عنصراً حاسماً في إدارة وتوجيه الإنتاج الحديث، لا مجرد مهارة مساندة.

إنتاج معرفي ضمن سياق مفتوح

يبيع هؤلاء المنتجون المعرفيون نتاجهم الرقمي أو خدماتهم الفكرية بأشكال متعددة: برمجيات، تطبيقات، خوارزميات لتحليل البيانات، محتوى تعليمي رقمي، أو استشارات معرفية متخصصة. وما يميّز هذا النمط من الإنتاج، ببساطة، أنه يتمتّع بدرجة من الاستقلالية عن الأطر التقليدية للعمل المأجور. فهو يعتمد على مهارات معرفية عالية، وعلى قابلية لإعادة إنتاج القيمة الرقمية دون الحاجة إلى استثمارات مادية ضخمة، كما هو الحال في الصناعات التقليدية.

على سبيل المثال، يمكن لمبرمج أن يطوّر مكتبة برمجية مفتوحة المصدر تُستخدم من قِبل ملايين المطوّرين حول العالم، دون أن يكون مرتبطاً بعلاقة عمل مباشرة مع مؤسسة واحدة. وبالمثل، يستطيع محلل بيانات تقديم خوارزمية توقّعات اقتصادية لعدد من الشركات، دون أن يكون موظفاً رسمياً لدى أيٍّ منها. كذلك، يبيع مطوّرو تطبيقات الهواتف المحمولة أو مصممو أنظمة الذكاء الاصطناعي منتجاتهم مباشرة عبر منصات مثل GitHub أو Upwork أو App Store، ما يجعل تأثيرهم في السوق قائماً على قيمة المعرفة والابتكار الرقمي، لا على عدد ساعات العمل المأجور.

غير أن العلاقة التي تربط هؤلاء المنتجين بالسوق أو بالمنصات الرقمية الكبرى تظل مسألة مفتوحة على أكثر من احتمال. فمن جهة، قد تعمل هذه المنصات بوصفها أدوات توزيع تتيح للمنتجين الوصول إلى جمهور أوسع. ومن جهة أخرى، يمكن أن تتحوّل إلى قوى وسيطة تتحكّم في آليات تداول القيمة الرقمية، وتفرض شروطاً تحدّ من الاستقلالية الفعلية لهؤلاء المنتجين.
في هذا السياق، يبرز السؤال المركزي دون حسم: هل يشكّل هؤلاء المنتجون امتداداً متحوّلاً لنمط الرأسمالية التقليدية، أم أنهم يمثّلون تكوينات طبقية جديدة لم تتبلور معالمها بعد؟ هذا الغموض، في حد ذاته، يفتح المجال لتحليل ديناميات القوة بين المعرفة الرقمية، وأدوات الإنتاج، والأسواق، ويشير إلى أن التحوّلات الجارية في الإنتاج المعرفي ليست مجرد تحوّلات كمية أو اقتصادية، بل تغيّرات نوعية في بنية الإنتاج والعلاقات الاجتماعية المرتبطة به.

بيع المنتج مقابل قوة العمل

في التحولات الحديثة لسوق العمل المعرفي، يبرز تمييز جوهري بين نمطين من التبادل الاقتصادي: بيع قوة العمل كما استقر تاريخياً في الرأسمالية الصناعية، وبيع المنتج الرقمي أو المعرفي بوصفه وحدة القيمة الأساسية. فعدد متزايد من المبرمجين، وعلماء البيانات، ومطوري البرمجيات، يعملون اليوم لحسابهم الخاص، ويقومون بتسويق نتاجهم المعرفي مباشرة، بدل أن يكون التبادل قائماً على عدد ساعات العمل المأجور أو الارتباط بعقد عمل تقليدي.

على سبيل المثال، مطوّر تطبيقات يطلق منتجاً رقمياً عبر المنصات الإلكترونية يستطيع تحقيق عوائد متكررة استناداً إلى المبيعات أو تراخيص الاستخدام، دون أن يكون خاضعاً لإشراف مباشر من صاحب رأس مال أو مرتبطاً بهيكل إداري ثابت. هنا، لا يُباع الزمن بوصفه وحدة تبادل، بل يُسوَّق المنتج الرقمي نفسه، بما يحمله من إمكانية التكرار والتوسع.

هذا التحول يُعيد صياغة طبيعة التبادل الاقتصادي ذاتها. فالمنتج يغدو محور القيمة، لا الجهد المبذول في أداء مهام محدّدة ضمن إطار زمني معيّن. ويمكن القول إن هذا النمط من الإنتاج يوسّع مفهوم العمل، بحيث تصبح القدرة على الإبداع المعرفي، وتصميم أدوات رقمية قابلة للتداول، أكثر أهمية من بيع قوة العمل بصيغتها التقليدية. العمل هنا لا يُقاس فقط بما يُنجَز في لحظة معينة، بل بما يمكن إعادة إنتاجه وتداوله لاحقاً.

ومع ذلك، يظل الموقع الطبقي لهؤلاء المنتجين مسألة مفتوحة على التحليل. فلا يمكن الجزم بأن هذه الأدوار تمثل قطيعة تامة مع النظام الاقتصادي القائم، ولا يمكن في الوقت ذاته اختزالها في كونها مجرد امتداد بسيط له. الفهم الدقيق لهذا الموقع يقتضي النظر إلى العلاقة المركّبة بين المنتجين الرقميين، والمنصات التي تتداول منتجاتهم، والأسواق التي تُحدِّد شروط القيمة. وهو ما يستدعي التركيز على السيطرة على أدوات الإنتاج والمعرفة الرقمية، لا الاكتفاء بتحليل شكل التعاقد أو غياب الأجر الزمني المباشر.

الاستقلال الظاهري

يبدو استقلال العامل المعرفي في الإنتاج الرقمي، في كثير من الحالات، استقلالاً شكلياً أكثر منه فعلياً. فعلى الرغم من غياب العلاقة التعاقدية التقليدية، يواجه هؤلاء العاملون تقلبات حادة في الدخل، وتكاليف مرتفعة للأدوات الرقمية، إضافة إلى غياب شبكات الحماية الاجتماعية الكلاسيكية، مثل التأمين الصحي أو أنظمة التقاعد. على سبيل المثال، قد يحقق مبرمج حر عوائد جيدة من مشروع واحد ناجح، ثم يواجه فترات طويلة من التراجع أو انقطاع الطلب، ما يجعل وضعه الاقتصادي هشاً مقارنة بالعامل المأجور التقليدي.

في الوقت نفسه، يظل الارتباط بالسوق والمنصات الرقمية—سواء كانت منصات بيع التطبيقات، أو مواقع العمل الحر، أو شبكات توزيع المحتوى—عاملاً حاسماً في نجاح المنتج المعرفي. فإمكانية الوصول إلى جمهور واسع، وتحديد أسعار المنتجات، وإدارة انتشارها، تعتمد بدرجة كبيرة على هذه الوسائط. بذلك، يصبح الاستقلال الفعلي مشروطاً بالبنية المؤسسية للسوق الرقمي، لا مجرد خيار فردي أو مهارة تقنية.

يشير هذا الوضع إلى تحوّل في طبيعة الاعتماد الاقتصادي نفسه. فالاستقلال لم يعد مطلقاً كما يوحي شكل العمل الحر، بل بات مرتبطاً بمجموعة من العوامل: المهارات التسويقية، والقدرات التنظيمية، والوصول إلى أدوات إنتاج رقمية متقدمة. وفي هذا السياق، يترك التحليل مساحة مفتوحة للتساؤل حول ما إذا كانت هذه الأدوار تسهم في تراكم قوة اقتصادية ومعرفية داخل تكوينات اجتماعية جديدة، أم أنها تعيد إنتاج أنماط تبعية مختلفة دون أن تُحدث قطيعة بنيوية مع العلاقات القائمة.

تحول السيطرة من الزمن إلى النتيجة

في الاقتصاد الرقمي، لم تعد السيطرة على العمل مرتبطة بعدد ساعات الإنتاج أو بمدة التواجد في موقع العمل، كما كان الحال في الصناعات التقليدية. بل انتقلت السيطرة إلى مستوى النتائج النهائية للعمل: المنتج الرقمي نفسه. تطبيقات، خوارزميات، قواعد بيانات، أو محتوى معرفي قابل للتوزيع. على سبيل المثال، قد يقضي مطوّر برمجيات مستقل أسبوعاً كاملاً في إنجاز مشروع محدّد، لكن تقييم عمله وقيمته الاقتصادية لا يُقاسان بعدد الساعات، بل بعدد المستخدمين، أو مرات التحميل، أو حجم الإيرادات الناتجة عن التراخيص.

يعكس هذا التحول إعادة تنظيم عميقة لأسس إدارة الإنتاج والعمل. فالمعيار لم يعد الالتزام بالزمن المأجور، بل الكفاءة، والإبداع، والقدرة على تحقيق نتائج ملموسة قابلة للتداول. كما أن التحكم في النتائج يتيح للعامل إعادة إنتاج القيمة الرقمية مرات متعددة، دون الحاجة إلى زيادة ساعات العمل أو توسيع عدد العاملين، ما يعزز إمكانات التأثير في السوق الرقمي.

ومع ذلك، لا يفضي هذا التحول تلقائياً إلى استقلال طبقي أو تحرر اقتصادي. فالسيطرة على المنتج الرقمي، رغم ما تمنحه من قوة معرفية واقتصادية محتملة، لا تحدد بذاتها موقع المنتج داخل البنية الاجتماعية أو الاقتصادية الأوسع. كما أنها لا تعني بالضرورة انفكاكه عن أسواق ومنصات الإنتاج الرقمية، التي تظل طرفاً فاعلاً في تحديد شروط التداول والقيمة.

انحسار العمل الصناعي في المركز

الأتمتة وتوسع البرمجيات أسهما بشكل واضح في تقليص الحاجة إلى العمال الصناعيين في الدول المتقدمة، مما أدى إلى تقلّص حجم الطبقة العاملة التقليدية بشكل ملموس. ببساطة، لم تعد الصناعات في مراكز الرأسمالية التقليدية تعتمد كما في السابق على كثافة اليد العاملة، بل أصبح التركيز على الكفاءة التقنية والقدرة على إدارة خطوط الإنتاج الرقمية والمبرمجة. هذا التحوّل ليس مسألة تغيير أدوات الإنتاج فقط، بل يعكس تحولاً نوعياً في بنية العمل نفسها: فقد أصبح العامل التقليدي أكثر محدودية في دوره مقارنة بالماضي، حيث يمكن للآلات والبرمجيات القيام بالمهام التي كانت تتطلب عشرات أو مئات العمال.

على سبيل المثال، تشير بيانات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن حصة قطاع الصناعة من إجمالي العمالة تراجعت بشكل مستمر منذ السبعينيات. ففي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، كانت الوظائف الصناعية تمثل أكثر من 20–30٪ من إجمالي العمالة في أوائل السبعينات، لكنها انخفضت إلى نحو 11–12٪ بحلول أوائل الألفية الثالثة. نفس الاتجاه لوحظ في ألمانيا واليابان، حيث أدّت الأتمتة المكثفة في الصناعات الثقيلة مثل صناعة السيارات والآلات الدقيقة إلى تقليص عدد العمال بشكل ملحوظ، إذ حلّت الروبوتات والمعدات الرقمية محل الوظائف التقليدية..[3]

تشير بيانات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن حصة قطاع الصناعة من إجمالي العمالة انخفضت بشكل مستمر منذ السبعينيات، مع تفاوت طفيف بين القطاعات. على سبيل المثال:

البلد أوائل السبعينيات أوائل الألفية الثالثة القطاع الرئيسي الأمثلة
الولايات المتحدة 25–30٪ 12٪ السيارات، الصلب، الإلكترونيات
المملكة المتحدة 22–28٪ 11٪ الصناعات الثقيلة، النسيج
ألمانيا 25٪ 13٪ السيارات، الآلات الدقيقة
اليابان 27٪ 14٪ السيارات، الإلكترونيات

 

في قطاع السيارات، أدى اعتماد الروبوتات في خطوط التجميع إلى خفض الحاجة لمئات العمال الذين كانوا يشغّلون سابقاً مهام التجميع اليدوي. في صناعة الإلكترونيات، أسهمت خطوط التجميع الآلية وأنظمة البرمجة الرقمية في تقليص العمالة التقليدية بشكل كبير، بينما أصبح دور العامل يتركز في المهام الفنية والإشرافية المحددة. حتى في الصناعات كثيفة العمالة تاريخياً مثل النسيج، أحدثت تقنيات القطع المبرمجة والخيوط الذكية انخفاضاً ملموساً في عدد العمال مع زيادة الإنتاجية.

في قطاع الإلكترونيات أيضاً، أدى استخدام خطوط التجميع الآلية وبرمجيات التحكم الرقمية إلى تقليص الحاجة لعمال التجميع اليدوي، فيما تحول دور العامل إلى وظائف إشرافية وفنية محدودة العدد. حتى في صناعات مثل النسيج، التي كانت تعتمد تاريخياً على كثافة اليد العاملة، أفضت التقنيات الحديثة مثل الخيوط الذكية وأنظمة القطع المبرمجة إلى خفض كبير في العمالة التقليدية، مع زيادة إنتاجية المصانع نفسها.

يمكن القول إن هذه التحولات تعكس توجهاً طويل الأمد لتقليص حجم الطبقة العاملة التقليدية في مراكز الرأسمالية المتقدمة: فالأتمتة والبرمجيات لم تحل محل الوظائف فحسب، بل أعادت توزيع العمل داخل المصانع، بحيث تقلص دور الإنسان إلى وظائف متخصصة ذات كثافة جسدية منخفضة، مع اعتماد متزايد على المهارات التقنية والإشراف الرقمي. هذه الظاهرة تؤكد أن التحولات التكنولوجية اليوم ليست مجرد تحسين للكفاءة، بل إعادة تشكيل بنية العمل التقليدي بأكمله، مما يجعل من الطبقة العاملة الصناعية التقليدية أقل عدداً وأكثر تخصصاً من أي وقت مضى.

هشاشة العمل الجديد

ظهور أنماط العمل المرن، وعقود المنصات الرقمية، والعمل المؤقت، أعاد تشكيل مواقع العمل ليصبح أقل استقراراً وأكثر فردانية. لم يعد مكان العمل فضاءً جماعياً ثابتاً، بل أصبح شبكة متقطعة من المشاريع والعقود القصيرة، تُدار عبر تطبيقات ومنصات رقمية، وتُنسَّق العلاقة بين العامل والإنتاج وفق شروط استخدام وخوارزميات تقييم دقيقة.

على سبيل المثال، يعمل مبرمج عبر منصة عمل حر على سلسلة مهام منفصلة، لكل منها أجر وشروط مختلفة، دون ضمان لاستمرارية الدخل أو تراكم حقوق مهنية طويلة الأمد. هذا النمط من العمل يعكس تحولاً جوهرياً في العلاقة بين العامل ووسائل الإنتاج: لم تعد الآلة أو المصنع المشترك مركزية، بل أدوات رقمية فردية—حاسوب، برمجيات، اتصال بالشبكة—يمتلكها العامل اسمياً، لكنه يعتمد في تفعيل قيمتها الاقتصادية على الوصول إلى الأسواق والمنصات الرقمية الكبرى.

هذه الهشاشة لا تقتصر على الدخل فحسب، بل تشمل أيضاً العزلة المهنية التي يفرضها العمل الفردي، ما يحدّ من إمكانية بناء وعي جماعي، أو تطوير أشكال تنظيم مهني مشتركة. التضامن المهني هنا يتحول من علاقة مباشرة بين العمال في موقع إنتاج واحد، إلى محاولات متفرقة للتواصل عبر الفضاءات الرقمية، محدودة التأثير وغير مستقرة.

ضعف التأثير السياسي

نتيجة لتشتت مواقع العمل وتنوع أشكالها الجديدة، تضعف القدرة على الفعل الجماعي المنظم، حتى مع استمرار الحاجة للعمل وبقاء أشكال الاستغلال الاقتصادي. فالمنتج الرقمي، على سبيل المثال، لا يجتمع مع غيره في فضاء إنتاجي واحد، ولا يخضع لإيقاع عمل موحّد، بل ينشط ضمن شبكات متفرقة من العقود والمشاريع المؤقتة، لكل منها شروطه وخوارزمياته الخاصة، ما يؤدي إلى تجزئة المصالح وتراجع إمكانات التنسيق السياسي أو النقابي.

هذا التشتت يمتد إلى المجال السياسي الأوسع: فغياب التنظيم المستقر يقلل من فرص بلورة مطالب جماعية واضحة، أو ممارسة ضغط فعّال على السياسات العامة المتعلقة بالعمل، الحماية الاجتماعية، أو حقوق المنتجين الرقميين. تصبح العلاقة بين العامل والسلطة السياسية أكثر فردانية، تُدار عبر احتجاجات جزئية ومحدودة، بدل أن تتجسد في حركة اجتماعية قادرة على التأثير البنيوي.

مع ذلك، ضعف التأثير السياسي لا يعني غياب الحاجة الموضوعية للعمل أو نهاية علاقات الاستغلال، بل يشير إلى تحوّل في شروط الفعل السياسي نفسه. الأشكال الجديدة للعمل تتطلب أشكالاً جديدة من التنظيم والتمثيل لم تتبلور بعد، ما يترك السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا الضعف مرحلة انتقالية مؤقتة أم سمة بنيوية مستمرة في أنماط العمل المعاصرة.

منطق البحث عن العمل الأرخص

تاريخياً ومعاصراً، يقوم التوسع الرأسمالي على السعي المستمر لتخفيض كلفة العمل، بوصفها أحد المكونات الأساسية في عملية الإنتاج. ببساطة، أي صناعة كثيفة العمالة تبحث عن بيئة تمكنها من خفض المصاريف دون المساس بالإنتاجية. في هذا الإطار، تميل الصناعات إلى الانتقال من مراكز الاقتصاد العالمي إلى بلدان المحيط، حيث الأجور أقل، وشروط العمل أكثر هشاشة، والحماية القانونية والتنظيم النقابي أضعف.

على سبيل المثال، شهدت صناعات النسيج، الإلكترونيات التجميعية، وبعض مراحل الإنتاج الصناعي الرقمي إعادة تموضع واسعة نحو آسيا، وأجزاء من إفريقيا وأمريكا اللاتينية. في هذه السياقات، يصبح العامل جزءاً من سلسلة إنتاج عالمية، بينما تظل القيمة الأعلى—التصميم، البرمجة، الإدارة، الملكية الفكرية—متمركزة في المراكز الاقتصادية المتقدمة. بهذا الشكل، يزداد التفاوت البنيوي بين المركز والمحيط، ليس فقط على مستوى الأجور، بل أيضاً في السيطرة على المعرفة وأدوات الإنتاج.

هذا المنطق لا يقتصر على الصناعات التقليدية، بل يمتد إلى الاقتصاد الرقمي، حيث تُجزّأ عمليات الإنتاج إلى مهام يمكن نقلها أو التعاقد عليها عن بُعد، مستفيداً من فروقات الأجور عالمياً. غير أن هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية: هل تمثل هذه الديناميات استمراراً للأنماط التاريخية نفسها بصيغ جديدة، أم أنها مقدمة لتحولات أعمق في بنية الإنتاج والعمل لم تتضح نتائجها بعد؟

إعادة تقسيم العمل عالمياً

تقوم الرأسمالية المعاصرة بإعادة تنظيم معمّق لتقسيم العمل على المستوى العالمي، بحيث يحتفظ المركز الرأسمالي بالأنشطة ذات القيمة الأعلى: إنتاج المعرفة، تطوير التكنولوجيا، التحكم بالملكية الفكرية، وإدارة الشبكات الإنتاجية. في المقابل، يُناط ببلدان المحيط وشبه المحيط الجزء الأكبر من العمل الشاق والتنفيذي، سواء في الصناعة التقليدية أو في مراحل الإنتاج الرقمي الأقل قيمة، مثل التجميع، الصيانة، أو تنفيذ المهام الجزئية منخفضة الأجر.

هذا التقسيم لا يمثل قطيعة مع الأنماط التاريخية السابقة، بل يعيد إنتاجها بصيغ أكثر تعقيداً. فالتحكم بالمعرفة لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يشكل أداة قوة تمكن المركز من ضبط إيقاع الإنتاج، توزيع الأرباح، وشروط التعاقد. السيطرة هنا تأخذ شكلاً غير مباشر: ليس فقط عبر امتلاك المصانع، بل عبر احتكار المعايير، المنصات، والبرمجيات التي تنظم العمل عالمياً.

مع ذلك، يظل هذا الترتيب ديناميكياً وغير مستقر. فانتشار المهارات الرقمية في بلدان المحيط، وتزايد قدرة بعض الفاعلين على الدخول إلى مجالات الإنتاج المعرفي، يفتح تساؤلات حول حدود هذا التقسيم وإمكانات اختراقه. هل نحن أمام تثبيت جديد لانقسام عالمي قديم، أم أمام مرحلة انتقالية تعيد رسم علاقات القوة الطبقية على مستوى العالم؟ يبقى الجواب مرتبطاً بتطورات التكنولوجيا، سياسات الدول، وأشكال التنظيم الاجتماعي التي لم تتبلور ملامحها بعد.

العامل في المحيط كشرط لرفاه المركز

يرتكز رفاه المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، بدرجة كبيرة، على العمل المكثف والمنخفض الكلفة الذي يؤديه العمال في بلدان المحيط وشبه المحيط. ببساطة، لا يمكن فهم ارتفاع مستويات الاستهلاك، توفر السلع بأسعار منخفضة، واستقرار أنماط الحياة في المركز بمعزل عن التوزيع غير المتكافئ للعمل والقيمة عالمياً. العامل في الأطراف لا يساهم فقط في الإنتاج، بل يتحمل الجزء الأكبر من الأعباء الاجتماعية: انخفاض الأجور، هشاشة شروط العمل، وضعف الحماية الصحية والبيئية.

في هذا السياق، يظهر العامل في المحيط ليس كفاعل اقتصادي مستقل، بل كشرط بنيوي لاستمرار نموذج الرفاه في المركز. أي تحسن في إنتاجية العمل أو انخفاض كلفة السلع داخل الاقتصادات المتقدمة يقابله، غالباً، ضغط متزايد على قوة العمل في الأطراف. بذلك، يتحول عدم التوازن العالمي إلى علاقة اعتمادية متبادلة ظاهراً، لكنها غير متكافئة فعلياً، حيث تُصدّر المخاطر الاجتماعية إلى الخارج، بينما تبقى العوائد داخل المركز.

غير أن هذه العلاقة ليست ثابتة أو محصّنة من التصدع. تصاعد الأزمات البيئية، تنامي الاحتجاجات العمالية في بلدان المحيط، وانتقال بعض القدرات المعرفية خارج المركز، كلها عوامل تهدد هذا النموذج. يبقى السؤال الأساسي: هل سيستمر رفاه المركز قائماً على هذا الترتيب غير المتكافئ، أم أن التحولات الجارية ستفرض إعادة نظر شاملة في أسس الإنتاج والتوزيع؟

إعادة تعريف الطبقة العاملة

التحدي النظري الراهن يكمن في تجاوز التصورات الكلاسيكية الضيقة للطبقة العاملة، وبناء فهم مركّب يستوعب التحولات العميقة في بنية العمل المعاصر. اليوم، لم يعد المشهد أحادي الشكل، بل يتكوّن من طبقات متداخلة: عامل رقمي في قلب المركز الرأسمالي، عامل صناعي أو خدمي في بلدان المحيط، ومنتجون مستقلون يبيعون منتجاتهم أو خدماتهم المعرفية عبر المنصات الرقمية.

هذا التعدد لا يلغي المسألة الطبقية، بل يعيد طرحها بشروط أكثر تعقيداً، حيث تتخذ علاقات الاستغلال أشكالاً أقل مباشرة وأكثر تجريداً، دون أن تفقد جوهرها. ضمن هذا الإطار، لا يمكن اعتبار الانتماء الطبقي ثابتاً أو مستخلصاً آلياً من شكل العمل أو نمط التعاقد، بل كعلاقة اجتماعية تتحدد عبر الموقع من وسائل الإنتاج، آليات السيطرة على القيمة المتولدة، ودرجة التبعية للسوق والمنصات.

فالعامل الرقمي، رغم مظهر الاستقلال والمرونة، قد يخضع لمنطق رأسمالي أشد انضباطاً من العامل التقليدي، في حين يبقى العامل في المحيط جزءاً أساسياً من عملية تراكم عالمية لا تُنتج في المركز وحده.

الخاتمة:
تُظهر التحولات التقنية أن حجم الطبقة العاملة التقليدية في مراكز الإنتاج قد تقلّص بشكل واضح على مدى العقود الماضية، وأن طبيعة العمل نفسها تغيرت جذرياً. الأتمتة، البرمجيات، والتحول الرقمي لم تقلل الحاجة للعمال فحسب، بل أعادت توزيع المهام داخل المصانع ومراكز الإنتاج، مع زيادة الاعتماد على المهارات التقنية، الإشراف الرقمي، والقدرة على إدارة نظم الإنتاج المعقدة. هذا يجعل العامل أكثر تخصصاً وأقل كثافة جسدية، بينما يصبح إنتاج القيمة مرتبطاً بالمعرفة والقدرة على الابتكار والتكيف مع أدوات الإنتاج الحديثة.

هنا يبرز السؤال النظري المركزي: هل ما زلنا ضمن أفق نمط إنتاج سائد، وإن كان متحوّلاً ومجزّأ، أم أننا أمام تشكّل أولي لنمط إنتاج طبقي جديد في قلب المراكز، يترافق مع استمرار النسق التقليدي في الأطراف؟ الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن اختزالها في المؤشرات الاقتصادية أو الإحصاءات التشغيلية وحدها، بل ترتبط مباشرة بتطور الصراعات الاجتماعية، أشكال التنظيم، والفعل الجماعي. فالتغيرات في حجم الطبقة العاملة، توزيع المهام، وطرق إنتاج القيمة تشير إلى إعادة تشكيل العلاقات بين العامل ووسائل الإنتاج، ما يفتح المجال لإعادة التفكير في المفاهيم التقليدية للطبقة والعمل والاستقلالية الاقتصادية.

من هنا، يمكن القول إن فهم المرحلة الراهنة يتطلب النظر إلى البنية الجديدة للعمل بشكل متعدد المستويات: تقاطع القوى التقنية، تنظيمات العمل المستقلة، توزيع المهام بين المراكز والأطراف، والصراعات الاجتماعية الناشئة. هذه القراءة تمكننا من تقدير حدود المرحلة الحالية، وفهم إمكانات تجاوزها أو إعادة تشكيلها، عبر الفعل الجماعي، التنسيق الاجتماعي، واستثمار المعرفة التقنية والقدرات الإنتاجية الجديدة.

[1] https://investors.upwork.com/news-releases/news-release-details/upwork-study-finds-1-4-us-skilled-knowledge-workers-now-work?

[2] https://www.upwork.com/press/releases/upwork-study-finds-64-million-americans-freelanced-in-2023-adding-1-27-trillion-to-u-s-economy

[3] https://www150.statcan.gc.ca/n1/pub/75-001-x/2009102/article/10788-eng.htm

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 0 من 5 (0 صوت)
📂 التصنيفات: دراسات, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.