يتصدر العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي أصلاً، التونسي مولداً ونشأةً، والمولود في غرة رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة للهجرة في مدينة تونس، مشهد الفكر الإنساني بوصفه مؤسساً حقيقياً لعلم الاجتماع وباحثاً فذاً في فلسفة التاريخ وعلم العمران البشري، لم يكن ابن خلدون مؤرخاً تقليدياً يكتفي بسرد الأنباء وجمع الروايات المتواترة، بل كان عالماً ومفكراً استثنائياً غاص في بواطن الأحداث والظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مستنداً إلى منهج استقرائي صارم يعتمد على ملاحظة طبائع الأشياء ومقتضيات الأحوال وتطور المجتمعات البشرية بشكل منطقي، ولقد أحدثت مقدمته الخالدة قطيعة معرفية كبرى مع الفكر التاريخي السائد في عصره، مؤسسةً بذلك لبراديغم علمي جديد يفسر الظواهر الاجتماعية في ضوء بنياتها التحتية والاقتصادية والسياسية بمعزل عن الأوهام والأساطير والحس المشترك.
تتجلى مكانة ابن خلدون الرفيعة كعالم ومفكر في قدرته الفائقة على استنباط القوانين الحاكمة لحركة الدول والمجتمعات ونشوئها وازدهارها ثم انحدارها وانهيارها، وهي رؤية تجاوزت بكثير المعرفة الإخبارية الضيقة نحو آفاق التحليل البنيوي العميق؛ فلقد أدرك مبكراً أن التاريخ في ظاهره لا يعدو أن يكون أخباراً عن الأيام والدول وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل لطبائع الكائنات والعمران، مما جعله سبّاقاً إلى اكتشاف نظريات في الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع السياسي لم تتبلور في الفكر الغربي إلا بعد قرون طويلة مع أمثال آدم سميث وكارل ماركس وغيرهم، وتكمن عبقرية ابن خلدون في صياغته لنسق تحليلي متكامل يربط بين القوة والصراع والرهانات الاقتصادية وبين شكل الدولة وطبيعة السلطة، ليصبح بذلك مرجعاً أساسياً لكل باحث جاد في علوم الإنسان والمجتمع والاقتصاد.
ومن المعلوم أن فرض الضرائب الباهظة والجبايات الجائرة يمثل أحد أخطر المنعطفات المدمرة التي تؤدي حتماً إلى تقليل العمل وتثبيط الهمم وهدم صرح العمران البشري بأسره، فعندما تُثقل الدولة كاهل الرعاة والمنتجين بضرائب فادحة تتجاوز طاقة الاحتمال وتلتهم الأرباح المتوقعة، يصاب الأفراد بحالة من اليأس وفقدان الأمل في جني ثمار جهدهم واستثمار أموالهم، وهذا الانقباض النفسي والاقتصادي يدفع المكلفين تدريجياً إلى العزوف عن الإنتاج والنشاط الاقتصادي وتقليل ساعات العمل إلى الحد الأدنى، لأن العائد المتوقع يصبح ضئيلاً للغاية ولا يغطي تكاليف الإنتاج ولا المخاطر المرتبطة به، ومن هنا تنطلق حلقة مفرغة مدمرة تتراجع فيها الأنشطة التجارية والزراعية والصناعية، وتتآكل القاعدة الإنتاجية للمجتمع شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى مرحلة الشلل التام، وهذا ما يعكس ترابطاً وثيقاً بين السياسات الجبائية الجائرة وانهيار حافز العمل والإنتاج لدى عموم الرعاة.
يحمل مفهوم العمران عند ابن خلدون أبعاداً عميقة تتجاوز بكثير مجرد الدلالة المعمارية المادية المتمثلة في تشييد المباني والقصور وتعمير المدن، ليمتد ليشمل دلالة تنموية ومجتمعية شاملة وحية، فعندما يتحدث ابن خلدون عن العمران البشري، فهو يقصد ذلك التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المترابط الذي تتفاعل فيه الجماعات البشرية لإنتاج شروط حياتها المادية والروحية، وتطوير الصنائع والمهن والعلوم والأسواق والمؤسسات التي تكفل استمرارية المجتمع وتطوره، والعمران هو مجمل شبكة العلاقات الاجتماعية والإنتاجية التي تجمع بين البدو والحضر، وهي بيئة متكاملة تتجسد فيها طاقة الإنسان الإبداعية وقدرته على ترويض الطبيعة واستثمار مواردها لبناء الحضارة. وبهذا المعنى، يصبح العمران تعبيراً عن حالة النضج الاجتماعي والتطور التاريخي لشعب من الشعوب، وليس مجرد تجمع ديموغرافي أو حيز عمراني جامد يخلو من الروح الإنتاجية والتنظيمية.
وإن الدلالة التي يقصدها ابن خلدون بمفهوم العمران هي تلك الكلية الديناميكية التي تدمج الإنتاج الاقتصادي بالتنظيم السياسي والأخلاقي والاجتماعي للمجتمع البشري، فالعمران عند العلامة ابن خلدون هو المحصلة الكلية لتفاعل الإنسان مع محيطه الجغرافي والاجتماعي بهدف تحقيق المعاش والتعاون وتأمين البقاء وتطوير أسباب الرفاه والاستقرار، وهذا العمران ليس معطى ثابت، بل هو كائن حي ينمو ويزدهر إذا توافرت له شروط العدالة والإنصاف والأمن، ويتداعى وينهار ويخرب إذا تعرض للظلم والتعسف وجباية الأموال بغير حق، ومن ثم فإن أي قراءة فاحصة للنص الخلدوني تكشف بوضوح أن انهيار العمران ليس سوى النتيجة الحتمية لخراب الذمم وضياع الحوافز الاقتصادية وانسداد آفاق العمل والإنتاج أمام الأفراد والجماعات، مما يؤدي في النهاية إلى تفكك الروابط المجتمعية وسقوط الكيانات السياسية برمتها.
يؤدي تراجع الحوافز الاقتصادية وارتفاع معدلات الضرائب إلى الإضرار البالغ بالاقتصاد على المدى الطويل عبر مسار تنازلي مدمر لا يمكن احتواؤه بالوسائل الزجرية أو الإكراهية؛ فحين يتعرض المنتجون وأصحاب الأموال لضغوط جبائية قاسية وغير عادلة، تفشل توقعاتهم الاستثمارية وتتلاشى أرباحهم، مما يضطرهم إلى هجر قراهم ومزارعهم وورشهم وصنائعهم بحثاً عن النجاة أو تقليصاً للخسائر، ويؤدي هذا الهجر الجماعي للأنشطة الإنتاجية إلى تقلص حاد في حجم القاعدة الضريبية نفسها، فتعمد الدولة ـ خطأً ـ إلى زيادة مبالغ الإتاوات والضرائب الفردية على من تبقى من المكلفين لمحاولة تعويض العجز المتزايد في الإيرادات العامة، وهذا الإجراء التعسفي يضاعف من الأزمة ويُعمق الركود، فتستمر الإحصاءات الضريبية والإيرادات في التراجع المستمر بينما ترتفع معدلات الضرائب النظرية فرداً فرداً، حتى تصل الأمور إلى طريق مسدود تتدمر فيه الحضارة ويخرب العمران بأسره لتنضب موارد الدولة نهائياً.
وتتأرجح ماهية الضرائب في الفكر الاقتصادي والسياسي بين كونها أداة تطوير وعمران عادلة أو أداة خراب ودمار شامل للمجتمع والدولة على حد سواء. فالضرائب بطبيعتها المفروضة وفق قواعد العدالة والاعتدال يفترض أن تكون وسيلة لتوفير الموارد اللازمة لبناء البنية التحتية، وتمويل المرافق العامة، وحماية الأمن، وتحفيز الاستثمار بما يعود بالنفع العام على الاقتصاد والمجتمع ويشجع الأفراد على بذل المزيد من الجهد والإنتاج. غير أن الضرائب قد تتحول إلى أداة خراب محضة وتصبح عائقا رئيسياً أمام التنمية متى تجاوزت الحدود المعقولة وتحولت إلى جبايات تعسفية تفتك برؤوس الأموال وتسرق ثمار الكد البشري. والفارق الجوهري يكمن هنا في السياسة المالية المتبعة؛ فإما سياسة قائمة على رعاية المصالح وتحفيز الاستثمار وحماية الحوافز، وإما سياسة عمياء قائمة على الاستنزاف والإكراه الذي يخرب الذمم وتدمر العمران وتؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الدولة وتلاشي سلطانها.
الضرائب التناسبية هي ذلك النظام المالي العادل والمدروس الذي يربط مقدار الجباية بحجم الإنتاج الحقيقي والقدرة الفعلية للمكلف، بحيث تتناسب طردياً مع حجم الربح المحقق دون جور أو تعسف. وهذا النمط من الضرائب يتناقض كلياً مع نظام الضرائب الثابتة أو المجحفة التي لا تفرق بين عام غلة وعام جدب ولا تأخذ بعين الاعتبار تقلبات المحاصيل وظروف الإنتاج الاقتصادية. وفي هذا السياق، يبرز بوضوح ما أورده الباحث Koehler Benedict في تحليله لجهود أبي يوسف في كتابه “كتاب الخراج”، حيث يذكر المؤلف في الاقتباس المختار “أظهر “كتاب الخراج” أن النتائج غير العادلة ناتجة عن نظام ضريبي غير مرن لم يأخذ في الاعتبار المحصول السنوي. وقد جادل أبو يوسف بأن النظام الضريبي الحالي يضر حتماً بدافعي الضرائب لأن محصلي الضرائب كان لديهم خيار بين جباية الضرائب إما نقداً أو عيناً (حيث يسوي المزارع الالتزامات الضريبية بتسليم حصة من المحاصيل). هكذا في السنوات التي كانت فيها المحاصيل جيدة، كان محصلو الضرائب يطلبون حصة من المحاصيل، ولكن في السنوات التي كانت فيها المحاصيل سيئة، كان يصرون على الدفع نقداً. ونتيجة لذلك، توقع المزارعون أن النظام الضريبي سيقف ضدهم، بغض النظر عما إذا كانت المحاصيل غنية أو فقيرة”. ويقصد الباحث Koehler من النص السابق توضيح الآلية المؤسسية التي كان النظام الضريبي القديم من خلالها يستغل تقلبات السوق والزراعة للإيقاع بالمزارعين وسلبهم أرزاقهم، مما يؤكد ضرورة التحول نحو قواعد تناسبية ومرنة تحمي حوافز المنتج وتضمن استدامة الموارد العامة للدولة.
وتتداخل المالية العامة والنظام الاجتماعي والاقتصادي في سياق بنيوي واحد لا يقبل التجزئة؛ حيث ترتبط السياسات الضريبية ارتباطاً وثيقاً ببنية المجتمع واستقرار مؤسساته وسلامة مساره التنموي، فالنظام المالي للدولة ليس مجرد تقنيات حسابية أو أدوات لجمع الأموال لإدارة شؤون الحكم، بل هو العصب الحساس الذي يحدد طبيعة العلاقات الاجتماعية ويؤثر بعمق في سلوك الأفراد وتوجهاتهم الإنتاجية والأخلاقية. فعندما تقوم المالية العامة على أسس من العدالة والإنصاف ومراعاة أحوال الرعاة، فإنها تسهم بشكل فعال في ترسيخ التضامن الاجتماعي وتشجيع الاستثمار وتوسيع قاعدة العمران البشري وتوطيد أركان الأمن والاستقرار السياسي، أما عندما تنحرف المالية العامة نحو الجباية الجائرة والتعسف الضريبي، فإنها تتحول إلى عامل تخريب اجتماعي يمزق النسيج الأهلي، ويقضي على روح المبادرة والثقة بين المواطن والدولة، مما ينعكس سلباً على مجمل مجريات الحياة الاقتصادية والاجتماعية ويهدد كيان المجتمع بأسره بالانقسام والتصدع.
من المعلوم أيضاً أن الاقتصاد يؤثر بصورة مباشرة وعميقة في المجتمع وفي تكوين الفرد النفسي والمادي، صانعاً وعيه ومحددات خياراته ودرجة اندماجه في مسيرة الحضارة والتنمية. فالظروف الاقتصادية السائدة، وما تتضمنه من عدالة في توزيع الثروات وتوافر لفرص العمل أو غيابها، ترسم ملامح الحياة اليومية للأفراد وتحدد طموحاتهم وقدرتهم على الإبداع والعطاء. عندما يكون الاقتصاد مزدهراً وقائماً على الحوافز والعدل، يشعر الفرد بالأمان والاستقرار، وبالتالي تتفتح طاقاته الخلاقة للمساهمة في بناء المجتمع وتطوير الصنائع والعلوم. وفي المقابل، فإن الأزمات الاقتصادية الناجمة عن السياسات الجبائية المدمرة تخلق حالة من القلق المزمن والشعور بالعجز وفقدان الجدوى لدى الأفراد، مما يدفعهم إلى الانكفاء أو الهجرة أو الانحراف عن مسار العمل المنتج، ومن هنا يظهر بجلاء لنا أن البنية الاقتصادية ليست بمعزل عن البنية النفسية والاجتماعية للإنسان، بل هي الحاضن الأساسي الذي يشكل وعيه ويحدد مستقبله ومصيره ضمن الجماعة البشرية.
تكمن الأهمية الكبرى للعمران في كونه الحاضنة الفعليّة لكل مظاهر التقدم البشري والنشاط الحضاري والثقافي والإنتاجي الذي يضمن استمرارية وتطور المجتمعات عبر التاريخ؛ فالعمران ليس مجرد فضاء مادي ساكن، بل هو الديناميكية الاجتماعية (المتكاملة) التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو الدولة وازدهار اقتصادها وارتفاع كفاءة مؤسساتها، فكلما كان العمران مزدهراً وغنياً بأنشطته وصنائعه، كلما توفرت للدولة الموارد المالية الضخمة من خلال ازدهار الأسواق والتبادل التجاري والإنتاج الزراعي والصناعي دون الحاجة للجوء إلى الجباية القهرية أو الضرائب الباهظة، وإن نمو الدولة وازدهارها الاقتصادي هما وجهان لعملة واحدة تتمثل في سلامة العمران وصلاح أحواله، فالدولة القوية هي تلك التي ترعى عمرآنها وتحافظ على رواده وتوفر لهم بيئة من العدالة والاطمئنان، بينما الدولة الضعيفة والمنهارة هي التي تتسبب بسياساتها الجائرة في تخريب عمرآنها وتقويض أسس اقتصادها بيدها.
ويؤكد التحليل الخلدوني أن هناك ترابطاً جدلياً لا يفصم عروته بين السياسات الاقتصادية والمالية للدولة وبين استمراريتها وبقائها ككيان سياسي واجتماعي قادر على أداء وظائفه الأساسية، فعندما تغيب الرؤية الاستراتيجية عن إدارة المالية العامة وتطغى نزاعات الجباية العمياء والتعسف المالي، تبدأ الدولة في التآكل من الداخل بفعل تراجع الإيرادات وانكماش الأنشطة الاقتصادية وتفكك الروابط المجتمعية، وفي هذا السياق يمكن فهم ما أورده الباحث Koehler في كتابه “الإسلام المبكر وميلاد الرأسمالية” بقوله إن النهج القائم على الحوافز في المالية العامة – والذي يوضح أن زيادات الضرائب أعطت عوائد تناقصية، وأن عائدات الضرائب ارتفعت من خلال وضع حوافز للاستثمار – لم يعد مثيراً للجدل بحلول الوقت الذي كتب فيه ابن خلدون “المقدمة” – حيث أوضح أنه عندما يقوم دفع الضرائب بمقارنة النفقات والضرائب مع دخلهم ومكاسبهم وفقدان كل الأرباح، فإنهم يفقدون كل الأمل. والباحث هنا يقصد التأكيد على أن الحكمة التاريخية والاقتصادية قد استقرت طويلاً قبل عصر ابن خلدون وتجسدت في كتابات المفكرين على أن استنزاف طاقات المنتجين عبر الضرائب المفرطة يأتي بنتائج عكسية تماماً على خزانة الدولة نفسها، وهو ما صيغ ببراعة في الفكر الخلدوني لاحقاً.
التفاعل المستمر بين الحاكم والمحكومين عبر بوابة الضرائب والمالية العامة يشكل المحرك الأساسي لديناميكية الصعود والافول التي تحكم الدول والحضارات البشرية على مر العصور. فالحاكم الرشيد هو من يعي تماماً أن ثروته الحقيقية تكمن في ازدهار رعاياه وسلامة عمرانهم وليس في كمية الأموال التي ينتزعها قهراً من جيوبهم عبر الجباية والضرائب الباهظة. وفي هذا الصدد، يتجلى لنا أنه “يمكن زيادة مالية الحاكم وتحسين موارده المالية، فقط من خلال الإيرادات من الضرائب. ولا يمكن تحسين ذلك إلا من خلال المعاملة العادلة للأشخاص ذوي الممتلكات والاهتمام بهم، بحيث ترتفع آمالهم، ويكون لديهم الحافز لبدء جعل رأس مالهم يثمر وينمو. وهذا بدوره يزيد من إيرادات الحاكم في الضرائب”، ويقصد مؤلف الكتاب من هذا القول تلخيص القاعدة الذهبية للاقتصاد السياسي الشرعي والتنموي، وهي أن العدالة الضريبية وحماية ملكية الأفراد وتحفيزهم على الإنتاج والاستثمار ليست مجرد قيم أخلاقية أو إنسانية رفيعة فحسب، بل هي الشرط الاقتصادي والمادي الوحيد الكفيل بتعظيم حصيلة الدولة وضمان نموها واستقرارها على المدى الطويل.
وتتجلى عبقريّة ابن خلدون في استشرافه المبكر لقانون تناقص العوائد الضريبية في المالية العامة، وهو المبدأ الاقتصادي العريق الذي يقضي بأن رفع معدلات الضرائب إلى ما بعد حد معين يؤدي حتماً إلى نتائج عكسية تماماً تتمثل في تراجع إجمالي الإيرادات العامة للدولة، ويعود هذا التراجع إلى أن تفاقم العبء الضريبي يقتل روح المبادرة لدى الأفراد، ويدفعهم نحو البطالة المقنعة، أو تقليص حجم الأعمال، أو الهروب برؤوس أموالهم نحو مجالات غير خاضعة للجبايات الجائرة، فعندما يفقد المكلفون الأمل في تحقيق أي ربح مجزٍ بعد اقتطاع الضرائب الباهظة، فإنهم ينكفئون عن النشاط الاقتصادي بأسره، مما يؤدي إلى جفاف منابع الدخل وتلاشي الوعاء الضريبي الذي تعتمد عليه الدولة في تسيير أمورها ومرافقها، وهذا الانهيار في الإيرادات يدفع الحكومات غير الحكيمة عادةً إلى ارتكاب خطأ مميت تتمثل في زيادة معدلات الضرائب الفردية مجدداً لتعويض العجز، مما يُسرع من وتيرة الخراب ويسقط الدولة في هاوية الإفلاس والانهيار الشامل.
وإن الفهم العميق للعلاقة بين الاقتصاد والسياسة في الفكر الخلدوني يفتح أمامنا آفاقاً واسعة أمام صانعي القرار والسياسات الاقتصادية المعاصرة لتبني مقاربات عقلانية وعادلة تقوم على أساس تحفيز الاستثمار وحماية حقوق المنتجين والمواطنين؛ فالنمو الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق أبداً بالجباية التي ترهق كاهل الطبقات العاملة والمنتجة وتدمر البنية التحتية للمجتمع، بل يتحقق بتوفير بيئة مواتية للأعمال، وتثبيت قواعد العدالة القانونية والاقتصادية، وتبني ضرائب تناسبية مرنة تتفاعل بإيجابية مع دورات الإنتاج وأحوال الأسواق. وحماية العمران وتنميته المستدامة هما الصمام الوحيد لاستقرار أي دولة وبقائها، وبدون ذلك تتحول السياسات المالية إلى معاول هدم تخرب صرح الحضارة، مؤكدة بذلك صحة الأطروحات الخلدونية التي لا تزال تحتفظ بكل بريقها وقيمتها التحليلية حتى يومنا هذا في مختلف المجتمعات الإنسانية.
انهيار الحصيلة الضريبية وخراب العمران يمثل التجسيد المادي الأوضح لفقدان التوازن بين طموحات الدولة في الجباية وبين القدرات الاقتصادية الحقيقية للمجتمع على الإنتاج والاحتمال؛ فعندما تتغلب نزاعات الاستبداد المالي على قواعد العدل والحكمة السياسية، تفقد الدولة شرعيتها الاقتصادية والاجتماعية وتدخل في نفق مظلم من الأزمات المتلاحقة التي تنتهي حتماً بسقوط السلطة وتفكك الكيان السياسي، وإن الدرس الخلدوني الخالد يكمن في أن ازدهار الدول مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى رعاية الحكام لمصالح رعاياهم وحماية حوافزهم الاقتصادية وتهيئة الظروف المواتية لنمو العمران وتطور الصنائع والعلوم، ومن ثم فإن أي سياسة اقتصادية رشيدة يجب أن تنطلق من إدراك أن الإنسان المنتج هو الثروة الحقيقية والبوابّة الوحيدة لكل تنمية مستدامة، وبأن العدالة الضريبية هي الأساس الراسخ الذي تقوم عليه سعادة الشعوب وبقاء الدول وازدهارها عبر التاريخ الإنساني الطويل.
مصادر تم الرجوع إليها:
– Koehler, Benedict. Early Islam and the Birth of Capitalism. Lanham: Lexington Books, 2014, 141–143.
– قسطاني، بن محمد. “ابن خلدون: براديغم تركيبي لحضارة شبه مكتملة.” مجلة حكمة، 17 نوفمبر 2020. https://hekmah.org/%d8%a7%d8%a8%d9%86-%d8%ae%d9%84%d8%af%d9%88%d9%86-%d8%a7%
d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%a8%d9%8a%d8%a9/
