يبدأ كل تحليل نقدي جاد للمجتمع المعاصر من ملاحظة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها؛ فأغلب الأشياء التي من حولنا لم تعد تُقاس بما تنفعنا به فعلياً، بل بما يمكن مبادلته بها في السوق. الكتاب، اللوحة، الفكرة، بل حتى العلاقة الإنسانية نفسها، كل هذه الأشياء التي وُجدت أصلاً لتلبية حاجة إنسانية مباشرة، تفقد تدريجياً معناها الجوهري لتتحول إلى مجرد “قيمة تبادلية” مجردة، قابلة للتسعير والمقارنة والبيع، هذه الظاهرة التي يسميها الفكر النقدي “التسلُّع”، ليست مجرد وصف اقتصادي جاف، بل تشخيص فلسفي عميق لما يحدث حين يبتلع منطق السوق كل مناحي الحياة، حتى تلك التي كانت يوماً بمنأى عن الحساب والربح، كالمعرفة والعلم ذاته.
وهذا التشخيص يعود في جذوره إلى كارل ماركس وفريدريك إنجلز، اللذين طوّرا مفهوم “فيتيشية السلعة” ليصفا كيف تتحول العلاقة الاجتماعية بين البشر المنتجين إلى علاقة تبدو وكأنها بين أشياء لها إرادتها الخاصة، فالسلعة كما يشرحها ماركس، ليست فقط منتَجاً مادياً، بل هي تحمل في داخلها علاقة عمل إنساني مُختزَلة ومُخفاة، بحيث يبدو للناظر أن قيمة الشيء صفة كامنة فيه، لا نتاج جهد اجتماعي بذله من أنتجه، وهذا الإخفاء هو جوهر الاغتراب؛ فالعامل الذي ينفصل عن نتاج عمله، والمجتمع بأسره يبدأ برؤية علاقاته الإنسانية من خلال مرآة الأشياء المسلَّعة، لا من خلال الروابط الحقيقية التي تصنعها.
ومن قلب هذا التقليد الماركسي، برز ثيودور أدورنو كأحد أهم الأصوات الفلسفية في القرن العشرين، فيلسوفاً وعالم اجتماع وناقداً موسيقياً ألمانياً، وُلد عام 1903 وتوفي عام 1969، فلم يكن أدورنو مجرد تلميذ وفيّ لماركس، بل مفكراً أعاد صياغة أدواته النقدية بالكامل ليناسب مجتمعاً رأسمالياً متأخراً لم يعرفه ماركس نفسه، مجتمعاً لم تعد فيه الهيمنة تُمارَس بالقوة المباشرة وحدها، بل عبر آليات أكثر نعومة وخفاءً مثل الثقافة الجماهيرية، والإعلام، والصناعة الترفيهية التي تُخدّر الوعي النقدي بدل أن تُوقظه.
تكمن أهمية أدورنو الفلسفية في نقده الجذري لما سماه “العقل الأداتي”، أي ذلك العقل الذي لا يهتم بالغايات الإنسانية النبيلة، بل يختزل كل شيء إلى حساب وسيلة وغاية، ربح وخسارة، وهذا النقد، الذي طوّره مع ماكس هوركهايمر في كتابهما المشترك الشهير “جدلية التنوير”، لم يكن مجرد إضافة أكاديمية لتراث ماركس، بل تحولاً منهجياً غيّر وجه الفلسفة النقدية بأكملها، إذ ربط بين التحليل الاقتصادي-السياسي وتحليل الثقافة والوعي الجمعي في نسيج واحد متكامل، رافضاً الفصل التقليدي بين “البنية التحتية” الاقتصادية و”البنية الفوقية” الثقافية.
وقد لعب أدورنو دوراً مركزياً وهاماً في تأسيس ما يُعرف اليوم بـ”مدرسة فرانكفورت”، ذلك التيار الفكري الذي انطلق من معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت منذ الثلاثينيات، وضمّ إلى جانبه ماكس هوركهايمر وهربرت ماركوز ووالتر بنيامين، قبل أن يرثه جيل لاحق قاده يورغن هابرماس. اضطر أعضاء المدرسة، بصفتهم يهوداً ألماناً في غالبيتهم، إلى الهجرة هرباً من النازية، فأعاد هوركهايمر تأسيس المعهد في نيويورك ثم لوس أنجلوس، قبل أن يعود الجميع إلى ألمانيا بعد الحرب، وكانت هذه التجربة القاسية مع الفاشية والمنفى قد تركت أثراً عميقاً في تشاؤم أدورنو الفلسفي، وفي قناعته بأن العقل الحديث، بدل أن يحرر الإنسان، انقلب أداة لهيمنته على ذاته وعلى الطبيعة معاً.
يذهب أدورنو أبعد من ماركس حين يؤكد، كما توضح الباحثة جيليان روز في دراستها عنه، أن المجتمع ووعي المجتمع “أصبحا مسلَّعين بشكل متزايد”، بل يصفهما في بعض المواضع بأنهما “مسلَّعان بالكامل”. وهذا التسلُّع الشامل يعني أن الهيمنة هي عملية التبادل التي باتت تسيطر على المؤسسات والسلوك الإنساني إلى درجة تمنع تشكّل أي وعي نقدي مستقل، فيصبح الوعي قادراً فقط على وصف الأشياء كما تبدو، لا على مساءلة جوهرها الحقيقي، لكن أدورنو نفسه يدرك المفارقة الكامنة في هذه الأطروحة؛ فلو كان التسلُّع كاملاً حقاً، لما أمكن لأحد، بمن فيهم أدورنو ذاته، أن يعرف ذلك أو يكتب عنه، ولهذا يُبقي دوماً على احتمال، ولو ضئيل، لتفكير يتجاوز هذا الإغلاق التام.
ويشرح أدورنو هذا التسلُّع المتصاعد عبر تحليل العلاقة المتغيرة بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية للسلع، فالسلعة كما وضّح ماركس أصلاً، تحمل قيمتين متلازمتين؛ منفعة مباشرة تلبي حاجة إنسانية، وقابلية للتبادل مع سلع أخرى. لكن في مجتمع الرأسمالية المتأخرة، كما ترصد جيليان روز في قراءتها لأدورنو، فقدت القيمة الاستعمالية “بداهتها التلقائية الأخيرة”، واستولت القيمة التبادلية البحتة على وظيفتها بشكل خادع، حتى في مجال السلع الثقافية ذاتها. فالكتاب لم يعد يُقرأ لأنه يمنح فهماً أو متعة، بل لأنه يحمل قيمة تسويقية يمكن قياسها وعرضها، وهذا الانقلاب في العلاقة بين المنفعة والتبادل هو جوهر ما يسميه أدورنو “السيطرة الكلية”.
من هنا يبرز مفهوم فلسفي دقيق يستحق التوقف عنده وهو النقد “ما بعد الفردي”، وهو منظور يتجاوز البنية التقليدية التي تضع الفرد المستقل مركزاً للتحليل الفلسفي والاجتماعي. فحين يزداد التسلُّع، لا تعود الذات الفردية كياناً مستقلاً يقاوم أو يختار بحرية، بل تصبح، كما تشرح روز، جزءاً من “جماعية ما بعد فردية” تُخطَّط وتُدار من الخارج، أقرب إلى نموذج المجتمع القبلي المُدار جماعياً منه إلى نموذج الفرد الليبرالي الحر المستقل بإرادته، وهذا لا يعني أن أدورنو يُلغي الفردية كلياً، لكنه يشكك في براءتها المفترضة، ويكشف كيف أن ما يبدو اختياراً فردياً حراً قد يكون في الحقيقة نتاجاً لبنية جماعية تسبقه وتشكّله.
وترتبط هذه الفكرة بجوهر أطروحة التسلُّع ارتباطاً وثيقاً؛ فإذا كان الفرد نفسه نتاجاً لعملية اجتماعية شاملة لا يتحكم بها، فإن أزمة التسلُّع لا تقتصر على الأشياء المادية التي نستهلكها، بل تمتد لتشمل الذات المفكرة ذاتها، التي تفقد استقلاليتها النقدية شيئاً فشيئاً، وهذا هو بالضبط ما يجعل أطروحة أدورنو أشد قتامة من التحليل الماركسي الكلاسيكي؛ فالتسلُّع عند ماركس يصيب علاقات الإنتاج والملكية، أما عند أدورنو فإنه يتغلغل إلى صميم بنية الوعي والتفكير نفسه، فيصبح العقل ذاته، الذي يُفترض أن يكون أداة التحرر، جزءاً من آلية الهيمنة التي ينبغي أن يقاومها.
وإذا انتقلنا من هذا التشخيص الفلسفي العام إلى تطبيقه على حقل بعينه، يبرز سؤال بالغ الأهمية لنا وهو ماذا يحدث حين يصبح العلم نفسه، ذلك الحقل الذي يُفترض أنه ملاذ العقل النقدي الأخير، سلعة تخضع لمنطق السوق؟
هنا تتحول الجامعة من فضاء للتفكير الحر إلى ما يصفه الباحث ستار جبار رحمن بأنها “وحدة إنتاج” تخضع “لحسابات الربح والخسارة”؛ حيث لم يعد الباحث “فاعلاً مستقلاً يسعى للفهم النقدي”، بل تحول إلى “موظف أداء” يُقاس نجاحه بعدد المنشورات وحجم التمويل الذي يجلبه، لا بعمق أسئلته أو أصالة أفكاره.
ويلتقي تحليل رحمن مع أطروحة أدورنو في نقطة جوهرية؛ فكلاهما يصف كيف تفقد المعرفة استقلاليتها حين تخضع لمنطق التبادل. فالمعرفة، بحسب الباحث ستار، تحولت “من فعل إنساني حرّ يهدف إلى فهم العالم” إلى “سلعة قابلة للتداول، مسعّرة وفق آليات السوق وقوانين الملكية الفكرية”. هذا الوصف يعيد إنتاج، بلغة معاصرة تخص المؤسسة الأكاديمية تحديداً، ما وصفه أدورنو عموماً عن السلع الثقافية؛ حيث فقدان القيمة الاستعمالية الأصيلة لصالح قيمة تبادلية بحتة تحكمها التصنيفات الدولية وبراءات الاختراع، لا الفهم العميق أو النفع الإنساني المباشر.
هذا التقاطع بين ماركس وأدورنو وستار ليس مصادفة، بل يعكس منهجاً مشتركاً يمكن تسميته “نقد الأيديولوجيا”؛ فكلاهما يرفض تأسيس مفاهيمه كمبادئ أولى ثابتة لا تُناقش، بل يشتق أدواته النقدية من داخل التناقضات الفعلية للواقع الاجتماعي نفسه. أدورنو أطلق على منهجه اسم “الطريقة المحايثة”، وهي طريقة لا تفرض معياراً خارجياً جاهزاً على الظاهرة، بل تكشف تناقضاتها الداخلية من خلال مواجهة النظريات المختلفة ببعضها البعض، لتُنتج في النهاية بصيرة أعمق من أي نظرية منفردة، فهذه الطريقة تشترك مع نقد ماركس للأيديولوجيا في هدفها، لكنها تختلف عنه في أنها لا تفترض وجود طبقة بعينها، كالبروليتاريا، تملك وحدها مفتاح المعرفة الحقيقية غير المشوَّهة.
ويمكن القول إن ستار في تحليله للجامعة المعاصرة، يطوّر هذا الميراث النقدي عبر تطبيقه على سياق لم يُعطَ حقه الكافي من التحليل عند أدورنو نفسه؛ مؤسسة العلم والبحث الأكاديمي في عصر العولمة النيوليبرالية. فحين يصف كيف تُهمَّش “الدراسات النظرية والفلسفية” لصالح أبحاث “قابلة للتطبيق التجاري”، وكيف يتحول الباحثون في الجنوب العالمي إلى مستبعدين من دائرة “المعرفة المتقدمة” بسبب فجوة التمويل، فإنه يمنح أطروحة التسلُّع الأدورنوية بُعداً جيوسياسياً واقتصادياً معاصراً لم يكن حاضراً بالوضوح ذاته في النصوص الفرانكفورتية الكلاسيكية، التي كتبت أساساً من قلب المركز الرأسمالي الغربي لا من أطرافه.
وفي مواجهة هذا الواقع القاتم، يترك أدورنو لنا موقفاً فلسفياً يستحق التأمل، لخّصه في عبارته الشهيرة: “التاريخ العالمي يجب أن يُفَسَّر ويُرْفَض”. فالتاريخ يجب أن يُفسَّر لأنه المنظور الوحيد الذي يمكن من خلاله فهم كيف تشكّل المجتمع والفكر معاً عبر الزمن؛ ويجب أن يُرفَض في الوقت نفسه لأن هذا التاريخ لا يسير نحو غاية تحررية محتومة، بل طوّرت الرأسمالية عبره وسائل جديدة للاستعباد لا للتحرر. هذه الجدلية بين الفهم والرفض هي بالضبط ما يميّز الموقف النقدي الأصيل عن اليأس الكامل من جهة، والتفاؤل الساذج بحتمية التقدم من جهة أخرى.
وهذا المسار الفكري الطويل، من فيتيشية السلعة عند ماركس، إلى التسلُّع الكلي عند أدورنو، وصولاً إلى نقد ستار لمصير العلم في الجامعة المعاصرة، يبدو لنا أن مواجهة طوفان التسلُّع الشامل لا تبدأ بإنكاره أو الهروب منه، بل بفضحه ومساءلته باستمرار، حتى وهو يبتلع أدوات مقاومته ذاتها. فالوعي النقدي، مهما ضاقت مساحته تحت ضغط منطق السوق، يظل يحمل، كما أصرّ أدورنو نفسه، إمكانية موضوعية لتجاوز الشرط الذي أنتجه، وهذه الإمكانية، وإن بدت هشة أمام ضخامة الآلة التي تواجهها، تبقى الرهان الوحيد الذي يستحق أن يُراهَن عليه في زمن تحوّلت فيه المعرفة ذاتها، أعز ما نملك، إلى سلعة تُباع وتُشترى.
مصادر تم الرجوع إليها:
– Rose, Gillian. The Melancholy Science: An Introduction to the Thought of Theodor W. Adorno. London: The Macmillan Press LTD, 1978.
– رحمن، ستار جبار. “العلم كسلعة: المؤسسات الأكاديمية في عصر السوق.” رؤى شرق أوسطية. المركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط. 15 مارس 2026. www.ecmes.academy.
– Flynn, Jeffrey. “Critical Theory (Frankfurt School).” Stanford Encyclopedia of Philosophy. First published December 12, 2023. https://plato.stanford.edu/entries/critical-theory/.
