يبرز الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير (1918-1990) كأحد أهم أقطاب البنيوية الماركسية في القرن العشرين؛ حيث أعاد قراءة كارل ماركس برؤية نقدية تفكك المفاهيم الجاهزة وتزيح عنها الطابع الأيديولوجي، فقد عُرف ألتوسير بصرامته النظرية ومحاولته الدائمة لمنح الماركسية وضعاً علمياً يفصلها عن النزعات الإنسانية الساذجة، مركّزاً على دراسة البُنى المجتمعية وآليات الهيمنة عبر أجهزة الدولة الأيديولوجية، وفي غمرة انشغالي بالقراءة والبحث في كتابه العميق “أن تكون ماركسياً في الفلسفة”، استوقفني ملحقٌ غنيٌّ ملتصقٌ بنهاية العمل حمل عنواناً مثيراً للدّهشة والمساءلة: “هل لأيِّ كانَ أن يتفلسف؟”، ولقد شكّل هذا العنوان، بما يحمله من استفزاز معرفي، دافعاً حيوياً للغوص في طياته واستنطاق أطروحته التي تتقاطع وتتمايز في آنٍ واحد مع الفكر الفلسفي الوجودي، فاتحاً الباب أمام مراجعة جذرية لطبيعة الفعل الفلسفي وهويته في العصر الحديث.
وإن التساؤل المبدئي الذي يفرض نفسه عند تصفح الصفحة (237) من الكتاب يتعلّق بما إذا كانت الفلسفة قد تحوّلت إلى ميدانٍ تخصُّصي مغلق لمجرد صعوبة لغتها وتعقيد مصطلحاتها؛ حيث يشير ألتوسير إلى أن هذا الانطباع ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج سيرورة تاريخية جعلت الفلسفة تبدو كقلعة حصينة لا يدخلها إلا من ممتلك مفاتيح رطانة خاصة، ولكن المفارقة تكمن في أن التخصُّص هنا لا يشبه تخصص العلوم الطبيعية كالفيزياء أو الرياضيات، بل هو تخصص ناتج عن “أيديولوجيا احترافية” تحاول حماية الفضاء الفلسفي من النقد العام، لأن الفلسفة في جوهرها ليست مجرد تجميع لمعارف تقنية معقدة، بل هي موقف واعي وممارسة نظرية ترتبط بالصراع الاجتماعي والسياسي، وبالتالي فإن اللغة المعقدة تصبح أحياناً حجاباً يخفي ورائه انحيازات طبقية أو أيديولوجية محددة ترغب في عزل الفلسفة عن الجماهير وعن هموم الإنسانية المشتركة.
وعند الانتقال إلى تفكيك هذه البنية التخصصية في الصفحة (238)، نجد أن ألتوسير يطرح مسألة أولى تتعلق بـ “الارتجال الفلسفي”، وهي مسألة مهملة لكنها حاسمة لكونها تمس طبيعة الفلسفة ذاتها، وذلك لأن الفكرة الشائعة بأن أي إنسان يمكنه أن يدلي بدلوه الفلسفي بمجرد التفكير السطحي هي فكرة يرفضها ألتوسير بوضوح، فالصعوبة لا تكمن في المفردات بل في “الممارسة النقدية الصارمة”؛ حيث يتبين لنا هنا أن الفلسفة ليست ترفاً فكرياً أو رصاً لكلمات رنانة، بل هي عمل تفكيكي منظم يتطلب وعياً بالبنى التحتية التي تحكم إنتاج الأفكار، وهذا المنظور يجعلنا نتساءل إن كانت الصعوبة اللغوية هي مجرد وسيلة دفاعية تبنتها «الفلسفة الأكاديمية» لحماية نفسها من التماهي مع الخطاب اليومي العامي، أم أنها أداة ضرورية للوصول إلى دقة معرفية تفصل العلم عن الأيديولوجيا الشائعة في المجتمع.
في المقابل، يظهر الفكر الفلسفي الوجودي ليقدم مقاربة مغايرة ومكملة في آنٍ واحد لشهادة ألتوسير؛ فالوجودية تفترض أن التجربة الإنسانية المباشرة هي المنطلق الأساسي للتفلسف بالنسبة للوجوديين، ليس هناك حاجة للغة أكاديمية جافة من أجل فهم القلق، الحرية، أو الموت، بل إن كل إنسان يعيش هذه الخبرات يمتلك القدرة الذاتية على التفلسف والمساءلة الإنسانية، وإن هذا التقاطع يضعنا أمام مواجهة فكرية؛ حيث يرى ألتوسير في الصفحة (239) أن هناك سلطة أو إلهاماً رئيسياً في مؤلفات الفلاسفة الأكاديميين يحتاج إلى تعرية وتفكيك نظرى صارم، فالتفلسف ليس مجرد تعبير عن المشاعر الوجودية الذاتية، بل هو اتخاذ موقف نظري محدد وصريح داخل حقل صراعي يمتد تاريخياً ليشمل صراع الطبقات وصراع الأفكار الكبرى التي صاغت وعي البشرية عبر العصور المختلفة.
يقودنا هذا التحليل مباشرة إلى تساؤل جوهري آخر يطرحه ألتوسير ويلح عليه الفلاسفة عبر التاريخ؛ لماذا يشعر الفلاسفة بالحاجة الدائمة إلى التخلص من الفلسفات الموجودة والسابقة عليهم؟
ففي الصفحة (242) يوضح لنا ألتوسير أن الفلاسفة يشعرون بحاجة ملحة للتخلص من “الفلسفات المترسخة”، لأنهم يعتقدون أنها تحمل أخطاءً أو أوهاماً ناجمة عن بواعث معينة حسية أو دينية أو حتى علمية قاصرة، الفيلسوف لا يبدأ عمله من الفراغ، بل يبدأه دائماً بعملية هدم ونقد للمنظومات المعرفية التي سبقت زمانه وجمدت الوعي الإنساني، وهذه الرغبة العارمة في التخلص من الفلسفات السابقة ليست مجرد رغبة في التميز الشخصي أو إثبات الذات، بل هي ضرورة حتمية تفرضها حركة التاريخ وتطور العلوم الطبيعية والإنسانية التي تكشف زيف الأيديولوجيات القديمة المستترة خلف أقنعة فكرية.
وإن محاولة الفيلسوف للتخلص من الإرث السابق، ترتبط بمحاولة الفلسفة الدفاع عن صرح العلوم والوقوف ضد النزعة الذاتية التي سادت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لأن الفيلسوف دائماً يجد نفسه محاصراً بـ “أيديولوجيا التدخل الفلسفي” التي تحاول فرض وصايتها على العلم الإنساني، ولذلك يصبح التخلص من هذه الفلسفات وسيلة وحيدة لتحرير العقل البشري، ويتضح هنا أن الهدم الفلسفي هو في حقيقته فعل بناء وتأسيس، يهدف إلى خلق مساحة نظرية جديدة قادرة على استيعاب التحولات الكبرى في المعرفة الإنسانية، وهذا الصراع المستمر ضد الفلسفات القائمة يعكس حيوية الفكر الفلسفي ورفضه المطلق للجمود والنظرية المغلقة التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة وتتجاهل التغير المستمر في بنية الواقع.
من جهة أخرى، نجد أن الوجودية تتفق مع هذا التوجه التحرري لكن بدوافع مختلفة تماماً؛ فالتخلص من الفلسفات النسقية القديمة عند الوجوديين هو سبيل لتحرير الفرد من الأطر الشمولية التي تلغي خصوصيته وفرادته، فالفلسفات التقليدية، من منظور وجودي، قد حوّلت الإنسان إلى مجرد ترْس في آلة نظرية ضخمة، ومن هنا نرى كيف يتقاطع ألتوسير والوجودية في السعي نحو تحطيم الأوثان النظرية المترسخة. إلا أن ألتوسير، في تحليله بالصفحة (244)، يرى أن الأزمة الحقيقية للفلسفة تكمن في “الممارسة الذاتية” للفيلسوف؛ حيث يحاول الفيلسوف التخلص من الفلسفة ذاتها ليقترب من شيء آخر، من حقيقة أعمق يظن أنها تقع خارج حدود الممارسة الفلسفية التقليدية الجافة التي تحولت إلى مجرد تكرار للمقاولات المذهبية القديمة.
هذا التناقض الظاهري ينقلنا إلى الإشكالية الثالثة والمعقدة وهي: هل مهمة الفيلسوف الحقيقية هي الابتعاد عن الفلسفة أم الاقتراب منها والاندماج في بنيتها؟
يشير ألتوسير في الصفحة (241) إلى مفارقة مذهلة تخص “خطاب الفيلسوف”؛ حيث يتساءل عن الكيفية التي يتكلم بها الفيلسوف وعن المنطقة التي يتحدث منها حقاً، وإن الفيلسوف الحق، بحسب النص، يتحرك دائماً في منطقة حدية، فهو يبحث عن “الأصل الفكري للأشياء”، وهذا البحث يفرز بالضرورة حالة من الاغتراب عن الخطاب العام وحتى عن الخطاب الفلسفي المؤسساتي السائد، والفيلسوف يبتعد عن الفلسفة بوصفها مؤسسة أيديولوجية رسمية، ليقترب منها بوصفها ممارسة نقدية حية تهدف إلى تغيير العالم لا مجرد تفسيره بأدوات قديمة.
وإن الابتعاد والاقتراب هما وجهان لعملة واحدة في الممارسة الألتوسيرية الحذرة والمبدعة؛ فالابتعاد عن “الفلسفة النظرية البحتة” المترسخة في الجامعات هو الخطوة الأولى للاقتراب من “جوهر الفلسفة” كأداة صراع أيديولوجي ونظري، ففي الصفحة (244)، يصف ألتوسير هذا النزاع الداخلي للفيلسوف بأنه معركة ضد الذات وضد الأوهام التي تنتجها الفلسفة نفسها، والفيلسوف يبتعد عن الأقنعة لكي يواجه الحقيقة العارية للواقع الاجتماعي، وهذا الاقتراب الحقيقي لا يمكن أن يتم إلا عبر مسافة نقدية تفصل الفيلسوف عن المنظومات العقائدية التي تحاول استيعابه وتدجينه، وهذا التذبذب الواعي والمنظم بين الابتعاد والاقتراب هو ما يمنح التفلسف طابعه الديناميكي المتطور الذي لا يستقر على حال أبداً.
وفي السياق الوجودي، يتجلى هذا الاغتراب الفلسفي في فكرة “المسافة النقية” التي يجب على الإنسان أن يحافظ عليها تجاه المواعد والأعراف الجاهزة لكي يعيش بـ “أصالة”، فالاقتراب من الفلسفة عند الوجودي يعني عيش التجربة الإنسانية بكل عمقها وتناقضاتها، بينما الابتعاد يعني رفض النسق الأكاديمي الصارم الذي يخنق التجربة الروحية الحية. بالتالي، يلتقي المنظوران عند فكرة أن الفيلسوف ليس موظفاً معرفياً يكرر النصوص، بل هو كائن يعيش في توتر دائم مع محيطه الفكري. وهذا التوتر الحاد، الموصوف في الصفحة (241) كبحث عن “المعاني المفقودة”، هو المحرك الأساسي للدهشة الفلسفية التي تدفع العقل البشري لتجاوز المألوف وإعادة ابتكار أدواته المعرفية باستمرار.
إن استقراء نص ألتوسير في الصفحة (240) يكشف لنا عن الطبيعة المزدوجة للفيلسوف؛ فهو يظهر كشخص يمتلك وعياً حاداً بالتاريخ وبموقعه الإنساني فيه، مما يجعله قادراً على كشف “الروابط الخفية” بين الأفكار والمصالح الطبقية، فالفيلسوف لا يدافع عن الفلسفة من أجل الفلسفة، بل يدافع عن وظيفتها التحررية في مواجهة محاولات التزييف والتعمية النظرية، وهذا الدور يفرض عليه أن يكون مبدعاً وليس مقلداً، شجاعاً في طرح التساؤلات حتى لو أدت تلك التساؤلات إلى خلخلة يقينياته الشخصية ومكانته الاجتماعية والمهنية داخل المؤسسة الأكاديمية التي ينتمي إليها ويعمل في إطارها التقليدي.
وبالعودة إلى الأطروحة المركزية للملحق الألتوسري هذا، نجد أن سؤال “هل لأيِّ كانَ أن يتفلسف؟” يتلقى إجابة مركبة وحذرة من لويس ألتوسير. نعم، يستطيع أي إنسان أن يتفلسف إذا تمكن من كسر حاجز “الأيديولوجيا السائدة” وتجاوز العوائق اللغوية والمؤسساتية التي تفرضها النخب الفكرية الحاكمة، لكن هذا التفلسف المتاح للجميع ليس مجرد ثرثرة عابرة أو تبنٍّ لآراء عشوائية، بل هو انتقال من حالة الوعي العفوي الزائف إلى حالة الوعي الفكري النقدي الصارم، فالفلسفة إذن هي حق مشاع للإنسانية، لكنه حق يُكتسب بالجهد المعرفي والممارسة الواعية والنقد الذاتي المستمر الذي يفكك الأوهام اليومية المترسخة.
وقد تأسست الفلسفة الماركسية البنيوية، كما يعرضها ألتوسير، على مفهوم “القطع المعرفي”، وهو المفهوم الذي يظهر بوضوح عند تحليل محاولات الفلاسفة التخلص من الماضي المعرفي، وهذا القطع يعني أن الفلسفة المتطورة لا تنسخ القديم بل تحدث قطيعة جذرية معه لكي تؤسس لأفق نظري جديد تماماً؛ ومن هذا المنطلق، يصبح التفلسف عملية ثورية مستمرة تتطلب الاندهاش الدائم من البديهيات، والقدرة على رؤية التناقضات العميقة الكامنة تحت سطح الواقع المستقر ظاهرياً، مما يجعل الفلسفة أداة حية للتغيير والتحرر المعرفي والاجتماعي الشامل.
وإن مقارنة هذه الرؤية الألتوسيرية بالأطروحات الوجودية تبين لنا أن التفلسف هو في نهاية المطاف صرخة وعي إنسانية في وجه الاغتراب والجهل الممنهج، سواء كان هذا الوعي يمر عبر تفكيك البنى الاجتماعية والاقتصادية عند ألتوسير، أو عبر سبر أغوار الذات الإنسانية الفردية عند الوجوديين، فإن النتيجة الحتمية واحدة؛ الفلسفة هي ممارسة الحرية في حقل الفكر والعمل، والفيلسوف هو ذلك الكائن الذي يرفض السقوط في فخ الطمأنينة الزائفة، ويختار العيش في التساؤل الدائم، محاولاً باستمرار تقريب المسافة بين الفكر النقدي الصارم وممارسات الحياة اليومية المعقدة.
وفي الختام، يظهر لنا ملحق كتاب “أن تكون ماركسياً في الفلسفة” كملحق بالغة الأهمية يعيد صياغة الأسئلة الفلسفية التقليدية بروح نقدية معاصرة ومنهجية واضحة، وإن لويس ألتوسير، عبر تحليلاته العميقة والمقنعة الممتدة في كتابه وملحقه، يثبت لنا أن الفلسفة لم ولن تكون يوماً مجرد ميدان تقني معزول خلف جدران اللغات المعقدة المصطنعة، بل هي ساحة صراع فكري مفتوحة وجوهرية تهم كل إنسان يسعى لفهم حقيقة وجوده ودوره التاريخي، ويمكنني القول بأن هذا النص قد نجح في إثارة دهشتي واهتمامي، ولقد تبين لي أن فعل التفلسف هو مغامرة إنسانية كبرى، تتطلب الشجاعة الفكرية والالتزام الأخلاقي والنقدي لتفكيك البنى القائمة وصناعة مستقبل معرفي أكثر تحرراً وعدالة لجميع البشر.
ألتوسير، لويس؛ أن تكون ماركسياً في الفلسفة؛ تحرير والتعليق عليه: ج م غوشغاريان؛ ترجمة إلياس شاكر. بيروت: دار الفارابي، ص. ٢٣٧-٢٤٤.
