العراق بين اختبارات التحوط تجاه الحرب الإيرانية الإسرائيلية ومآزق التخطيط الاستراتيجي

🖨️ طباعة المقال

   الأكاديميون العراقيون قلب العراق النابض وعقله المبصر بما حازوا عليه من معارف وعلوم ورؤى استراتيجية تخص واقع دولتهم ومصير شعبهم، وبما يختزنون في جعبتهم من آليات التفكير النقدي للممارسات والسلوكيات السياسية وطرق إدارة شؤون دولتهم داخلياً وخارجياً في ظل شيوع الكثير من الأخطاء الفادحة والعقبات البنيوية المنفعلة والدخيلة المفروضة بالشكل الذي هدد ويهدد العراق كحضارة ودولة وجغرافيا في الحاضر والمستقبل حيث المساس والمتضرر الأكبر؛ حياة الشعب ومصالحه وأمن مجتمعه واستقراره، ولكن العجب العجاب في هذا البلد أن مالكي الرؤية والألية والمشروع مستبعدون لصالح خلو الساحة لغير المؤهل عديم الخبرة بالقيادة والسياسة وفن التوازن وفك عقد ترابطات الجيبوليتيك وتداخلات المصالح الإقليمية والدولية، والتنصّل من هيمنة الأقوى على أبن الوصاية الغير محتاج للوصاية أصلاً ، بما يمتلكه من معطيات قوة ومقدرة على التوظيف والتأثير الاستراتيجي في المحيط الغير مفعّل لعلة غياب الإرادة والتحرّك السياسي المسبق والتفكير على المدى الاستراتيجي البعيد، ليبقى العراق في دائرة  المنفعل لا الفاعل، وهذا الحال اليوم في ظل الحرب الإيرانية – الأمريكية التي من المفترض التجهز لمسبق لها لتجنيب العراق من يمكن أن يصادفه من هزات اقتصادية واجتماعية عنيفة تمس الأمن الوطني العراقي.

توصيفاً وتأريخاً بإيجاز: بدأت الحرب الإيرانية-الإسرائيلية – الأمريكية فعلياً في 28 فبراير 2026 بهجوم مشترك أمريكي-إسرائيلي واسع النطاق على إيران، استهدف قيادات عسكرية وقواعد صاروخية ومنشآت نووية، وأسفر عن استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي الذي رابط بمكتبه إلى جانب مئات الضحايا، ولا تزال الحرب مستمرة وسط استمرار الضربات الإسرائيلية على طهران وما يقابلها من ردود إيرانية بالصواريخ الباليستية والمسيّرات على إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة، بما في ذلك دول الخليج، وما لهذا من تداعيات تمثل بعضها بإغلاق جزئي لمضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، وانتشار الاشتباكات إلى لبنان وسوريا والعراق.

قطب الرحى هاهنا هو (العراق) الدرع الجيبوليتيكي الذي تحتمي به إيران بعد سقوط الرئيس بشار الأسد واستحواذ الجغرافيا السورية لغير حلفاء إيران واضعاف حزب الله وخروجه عن المعادلة كعنصر مؤثر، حيث قاد تماسك ذرات التراب العراقي الإيراني إلى تمدد الدماء وعناق مصير بين البلدين المتجارين، العراق كدولة مجاورة لإيران ومركز للوحدات الشعبية المقاومة، هذا يمثل اختباراً حاسماً لاستراتيجية “التحوط” (Hedging) التي اعتمدها منذ سنوات عبر اعتماد التوازن بين التقارب مع إيران (اقتصادياً وسياسياً) والعلاقات مع الولايات المتحدة والدول الخليجية (أمنياً واقتصادياً)، هذا التحوط يُختبر الآن من المدى القصير بالضغط العسكري المباشر، والمدى البعيد بإعادة تشكيل النظام الإقليمي بعد تصاعد العمل الأمريكي الأوربي الإسرائيلي لإضعاف إيران المحتمل.

أولاً: المنظور قصير المدى: اختبارات التحوط الفورية:

من باب المتابعة والترقب للخطوات، شهدت أيام الحرب الأولى أدانه من قبل الحكومة العراقية للضربات الإسرائيلية الغادرة ووسمتها بـ  “العدوان غير المبرر” على إيران، ثم أعلنت ثلاثة أيام حداد على السيد الخامنئي شهيد الأمة الإسلامية الحقة، ودعت إلى وقف التصعيد والعودة إلى الحوار، ثم عقد مجلس الأمن الوطني اجتماعاً طارئاً أمر فيه الأجهزة الأمنية بمنع أي جماعة من التسلل إلى إيران أو استخدام الأراضي العراقية لأعمال عدائية، مع تعزيز الحدود مع إيران (خاصة في إقليم كردستان) وفق اتفاقية 2023 الأمنية، كما أوقفت قوات الأمن محاولات  الاقتراب من السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ببغداد، ولكن هذا لم يمنع بعض شرائح المجتمع العراقي بحكم التداخل الاجتماعي والديني والسياسي من الانضمام للحرب، وادّعت 16 هجوماً بمسيّرات على “قواعد العدو في العراق والمنطقة” يوم 28 فبراير، بما في ذلك مطار أربيل وقواعد في البصرة والناصرية، ليهدد بعضها بـ”حرب استنزاف طويلة” لإخراج الأمريكيين من المنطقة، ما أدى إلى ضربات مضادة (أمريكية-إسرائيلية محتملة) على مواقع المقاومة العراقية في جرف الصخر والقائم (ديالى) ونينوى، أسفرت عن شهداء في عصائب أهل الحق وغيرها، بالنتيجة التحوط الذي سنته الحكومة سياسياً وعسكرياً وأمنياً واجه واقع حدّ من نجاحه، رغم أن هدفه تجنيب العراق والعراقيين ويلات الحرب، المهم أن هذه الأحداث تختبر التحوط  العراقي بثلاث طرق:

أولاً: انتهاك السيادة: العراق أمام قدر حتمي فقد أظهرت الضربات على أراضٍ عراقية (دون إعلان رسمي) واستهداف الصواريخ الإيرانية للقواعد الأمريكية في أربيل تُظهر أن الحياد الرسمي لا يحمي الأراضي العراقية، تبقى القوة لغة من لا لغة له بمعتقدي السياسي.

ثانياً: الانقسام الداخلي: الاحتجاجات في المنطقة الخضراء ونجف تدعم إيران، مقابل جهود الحكومة للسيطرة، أبرز محدودية خيارات الدولة في التعامل مع فئات مدمجة في المنظومة الأمنية، رغم أن موقفها مدعاة شرف وفخر، حيث يختلف منطق أمن الدولة بين الفاعل الرسمي والفاعل الثانوي.

ثالثاً: الخطر الاقتصادي الفوري: تهديد إغلاق مضيق هرمز (يمر عبره 90% من صادرات النفط العراقية) يهدد بانهيار الموازنة (أكثر من 90% من الإيرادات نفطية)، عقدت وزارة النفط اجتماعاً طارئاً لبحث طرق تصدير بديلة، لكنها محدودة.

بالنتيجة، إنّ التحوّط قصير المدى يتحوّل إلى “اختبار بقاء”، حيث يُجبر العراق على اختيار بين السيطرة على الداخل للحفاظ على علاقاته الغربية أو السماح بالتصعيد (الذي يُعرّضه لضربات مباشرة).

ثانياً: المنظور بعيد المدى وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية:

منذ عام 2023 بدأت جميع السيناريوهات السلبية تتحقق بداية باغتيال السيد نصر الله ودخول حزب الله بمرحلة الضعف مروراً بسقوط الأسد، لذا لا يجب التقليل من شأن دراسة السيناريو السلبي في سياق وضع العراق في خضم الحرب الدائرة، والفرضية تقول: إذا استمرت الحرب أسابيع كما أعلن ترامب ونتنياهو أو أدّت إلى تغيير نظام طهران، فإن العراق يواجه تحولاً جيوسياسياً عميقاً. وبالفعل إن ضعف إيران (تدمير قدراتها الصاروخية والبحرية) يُضعف “محور المقاومة”، مما يقلل النفوذ الإيراني في العراق ويفتح فرصاً لإعادة توازن القوى، لكن الفراغ قد يُعيد تنظيم داعش أو يُعزز النفوذ التركي أو السعودي، الذين تقول المصادر الخاصة أنهم دخلوا بمفاوضات مع الأمريكي لقلب الأوضاع …. الخ. والجدير بالذكر هنا أن التحوط طويل الأمد سيواجه تحديات مفصلية نوجزها بما يلي:

أولاً: السيادة والأمن: عدم ضبط الداخل أمنياً والخروج عن توجيهات الدولة والجيش العراقي يحول العراق إلى “ساحة وكالة”، مما يُفقده القدرة على الحياد الحقيقي، لذا  يجب العمل تحت قيادة ورقابة الجيش الوطني العراقي لأن بذلك مصلحة العراق والعراقيين، حيث إن قوة أقطاب الحرب غير متكافئة والعراق يعاني من قلة عتاد عسكري ليست لصالحه.

ثانياً: الاقتصاد: إعادة بناء الاعتماد على الخليج (السعودية والإمارات) أو أوروبا، مقابل خسارة التجارة مع إيران، كما إن إغلاق هرمز المطول يُجبر على تنويع الطرق (خطوط أنابيب كردستان أو الأردن)، لكن ذلك يستغرق سنوات، وكان يتوجب التحرك المسبق في هذا الشأن ولكنه الانشغال بتوازنات الداخل الذي يستنزف طاقات الدولة ويغير مسارات ومديات الاستراتيجيات المفترض وضعها واتباعها لتفادي المآزق الحرجة المفاجئة.

ثالثاً: التوازنات الإقليمية: على فرض أرادت الحكومة القادمة تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة (التي سحبت قواتها جزئياً في يناير 2026 لكنها تبقى في كردستان) والدول الخليجية، مقابل تقلص النفوذ الإيراني، فإن هذا يتطلب مواجهة الرأي العام المتعاطف مع إيران التي بمنظورهم تدافع عن قضية ما فوق وطنية.

بالنتيجة، إن التحوط بعيد المدى لم يعد كافياً بحكم حاجة العراق إلى “استراتيجية توازن نشط” تجمع بين السيطرة الداخلية والانفتاح الاقتصادي، وإلا سيواجه خطر التحوّل /نحو واقع أسوأ/ إقليمياً.

ثالثاً: أسئلة التخطيط الاستراتيجي العراقي:

يجب على صناع القرار في بغداد (الحكومة، البرلمان، الأجهزة الأمنية) طرح هذه الأسئلة فوراً لصياغة رؤية وطنية:

أولاً: التخطيط الاستراتيجي قصير المدى: أن هذا المدى خلال الأسابيع والشهور القادمة ويتمحور ول إيجاد أليات مناسبة للتعامل مع الواقع الطارئ الذي يطرح أسئلة ملحة وعاجلة ستظهر مدى رجاحة وكفاءة وفاعلية التخطيط الاستراتيجي العراقي وهي:

  1. كيف نضبط الداخل دون صدام أهلي داخلي؟
  2. ما هي آليات الرد على انتهاكات السيادة (ضربات على أراضٍ عراقية) مع الحفاظ على الحياد الدبلوماسي؟
  3. كيف نحمي الصادرات النفطية إذا استمر إغلاق هرمز أو البحر الأحمر، وما هي الاحتياطيات المالية اللازمة لمواجهة انهيار الإيرادات؟
  4. هل نطلب ضمانات أمريكية أو خليجية لحماية الحدود والمنشآت الحيوية مقابل تقييد حركة الفاعلين على الساحة الشعبية العراقية؟

 

ثانياً: التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى: يتمثّل بإيجاد أجوبة على الأسئلة المحوري الأتية وتضمينها كرؤية استراتيجية بعيدة المدى تحقق النفع والأمن القومي العراقي وهي:

  1. هل نُعيد هيكلة المنظومة الأمنية بإدماج كامل لقوى المقاومة تحت قيادة الدولة في حال تمكن التحالف الدولي من إضعاف إيران؟
  2. ما هي الشراكات الاقتصادية البديلة (مع السعودية، تركيا، أوروبا) لتقليل الاعتماد على إيران والخليج؟
  3. كيف يستغل العراق هوة الفراغ الإيراني في حال حصل لتعزيز السيادة في كردستان والمناطق الحدودية دون إثارة نزاعات مع أنقرة أو طهران المتبقية؟
  4. هل ينخرط العراق في تحالفات إقليمية جديدة (مثل تحالف خليجي-عراقي) أم يبقى على الحياد التقليدي؟
  5. ما هي سيناريوهات الفراغ في إيران (تغيير نظام أو فوضى) وتأثيرها على العراق، وكيف نُعدّ خطط طوارئ لمنع عودة داعش أو تصدير الاضطرابات؟

النتيجة بصورتها العامة: حرب (إيران)- (أمريكا/إسرائيل ….)، ليست مجرد صراع بعيد، بل هي اختبار وجودي لاستراتيجية التحوط العراقية، على المدى القصير هناك هشاشة الحياد أمام أنخراط فصائل المقاومة والضربات المباشرة ضد العراق، بينما بعيد المدى يفتح نافذة لإعادة بناء الدولة إذا استغل العراق ضعف الفواعل الإقليمية التي كانت تتدخل بشؤونه، والإجابة على أسئلة التخطيط الاستراتيجي ليست خياراً بل ضرورة لتحويل التهديد إلى فرصة سيادية واقتصادية، وتكمن مغبة الفشل في ذلك باحتمالات تحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية لسنوات قادمة، (والحل) أمام العراق يتمثل  بالسيطرة الداخلية والتنويع الاقتصادي لكونهما مفتاح البقاء في النظام الإقليمي الجديد.

 

 

 

 

رابعاً: توصيات الورقة البحثية:

أولاً: تعزيز الاندماج القانوني عبر تنفيذ قانون الحشد (2016) بصرامة، مع إعادة هيكلة سريعة تحت قيادة الجيش الوطني بما في ذلك التعيينات على أساس العراق أولاً .. العراق هويتي ودولتي .. العراق فقط.

ثانياً: آليات الرد على انتهاكات السيادة شكاوى رسمية في مجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية، مع دعوة لوساطة خليجية (السعودية والإمارات) لضمان احترام السيادة.

ثالثاً: نشر قوات عراقية إضافية على الحدود مع إيران وسوريا، مع اتفاقيات مراقبة جوية مشتركة مع الأردن أو تركيا للكشف المبكر.

رابعاً: الحفاظ على الحياد عبر التركيز على “الدفاع الذاتي” فقط، مع تجنب التصريحات الدبلوماسية التحريضية، وفي حال استمرت الضربات، يمكن دراسة طلب تدخل الأمم المتحدة لمناطق آمنة في حال تفاقم الأمور، وهذا شأن عراقي سيادي بحت، من المحتمل رفضه بقوة.

خامساً: حماية الصادرات من خلال تنويع طرق التصدير عبر إعادة تفعيل خط أنابيب كركوك – جيهان عبر تركيا (سعة 1 مليون برميل يومياً، مع مفاوضات فورية لإصلاحه)، واستخدام بدائل خليجية مثل اتفاقيات مع السعودية لنقل عبر خطوطها (مثل بترولاين، سعة 5 ملايين برميل يومياً)، أو عبر الأردن إلى عقبة، كذلك زيادة التخزين عبر بناء احتياطيات إضافية في البصرة (هدف 10 ملايين برميل خلال أسابيع)، وهذه مقترحات شبه عامة.

سادساً: معضلة الاحتياطات المالية: العراق يحتاج 70-80 تريليون دينار (حوالي 53-61 مليار دولار) لتغطية عجز متوقع في 2026 إذا انخفضت الأسعار إلى 55-62 دولاراً للبرميل، وهنا قد يكون الاقتراض من المنظمات الدولية صندوق النقد مثلا أمر لا بد منه رغم القروض المسبقة.. هذه قضية عاجلة يجب دراستها من قبل وزارة المالية ورئاسة الوزراء بمنتهى الدقة والسرعة.

سابعاً: الشراكات ضرورية لتنويع الاقتصاد مستقبلاً بأتجاهات ومجالات متعددة:

أولاً: استثمارات في الكهرباء مع السعودية (ربط الشبكات، قيمة 6 مليار دولار) والبنية التحتية، مع اتفاقيات تجارية لتقليل الاعتماد على الغاز الإيراني.

ثانياً: مع تركيا: طريق التنمية (17 مليار دولار، يربط البصرة بأوروبا عبر تركيا)، مع اتفاق “نفط مقابل ماء” لإصلاح خطوط الأنابيب.

ثالثاً: مع أوروبا: اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي للطاقة (مثل صفقة توتال إنرجيز بـ27 مليار دولار للغاز)، واستثمارات في الزراعة والصناعة، بهدف زيادة الإيرادات غير النفطية بنسبة 30% خلال 10 سنوات.

 

 

 

 

 

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 5 من 5 (4 صوت)
📂 التصنيفات: تحليلات, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.