قراءة في كتاب (هندسة التنافس السياسي في إيران): ما هي ضوابط صنع السياسات العامة في إيران؟

🖨️ طباعة المقال

 صدر حديثاً عن دار أمجد للنشر والتوزيع في المملكة الأردنية الهاشمية الطبعة الأولى لكتاب هندسة التنافس السياسي في إيران، للدكتور ساعود جمال ساعود، المتخصص بالدراسات السياسية، جامعة دمشق السورية، حاول فيه حل أحد ألغاز السياسة الإيرانية الداخلية المتمثلة بكيفية ضبط التنافس السياسي في إيران وآليات حدوثه ومديات تأثيره في صنع السياسيات العامة وحدوده من حيث المسموح وغير المسموح للتيارين المتناوبين في الحكم الإصلاحي والمحافظ، ويطرح الكتاب سؤال جوهري مفاده: هل التنافس السياسي بين المحافظين والإصلاحيين على السلطة في إيران حقيقي أم مزيف؟ ما أثر التنافس بين التيارين الذين يمتلكان خلفيات ورؤى متباينة في الجوانب كافة حول تطوير الدولة الإيرانية على صنع السياسات العامة؟ هل هناك ضوابط ناظمة أو قيود لصنع السياسات العامة لا يستطيع التيارين المحافظ والإصلاحي مهما كانت رؤيتهما تجاوزها؟ أسئلة تثير فضول الباحثين، وتدفعهم للبحث وتقصي الوقائع والحقائق، بحثاً عن أجوبة توصل العقول إلى المعرفة الحقة، بعيداً عن الصور النمطية التي تصدّرها وسائل الإعلام الإيرانية حول حيثيات المشهد الديمقراطي في إيران.

تبرز أهمية عملية التنافس السياسي في صنع السياسات العامة في إيران في وصول أنصار التيارين إلى الجهات الصانعة للقرار السياسي، والتي تتم عن طريق قنوات التنافس بين أحزاب التيارين المحافظ والإصلاحي كالوصول إلى مجلس الشورى مثلاً عن طريق الانتخابات النيابية التي تلعبُ دوراً محورياً في صنع السياسات العامّة، وقد يحدث هنا أن يستخدم التياران ثقلهما العددي في تمرير بعض القرارات دون الأخرى، فيكون لذلك أثرٌ ما على السياسات العامة سواءً الداخلية منها أو الخارجية. ومن جهة أخرى يمتلك كل التيارين المحافظ والإصلاحي رؤيةً سياسية مغايرة لبعضها بخصوص كيفية تطوير الدولة الإيرانية في مختلف الجوانب، تتم ترجمتها في برامجهما السياسية لمرشحيهم لا سيما في الانتخابات الرئاسية، كما أن الرؤساء من مرشحي التيارين المحافظ والإصلاحي، يقومون باختيار فرقهم الوزارية على أساس الانتماء السياسي، وعلى هذا الأساس يستطيعون التأثير في السياسات العامة.

يأتي هذا الكتاب بوصفه محاولة، للتعمّق في تحليل أثر التنافس المحتدم بين التيارين المحوريين في إيران على عملية صنع السياسات العامة الإيرانية، كاشفاً النقاب عن الجذور التاريخية والخلفيات الفكرية التي صقلت مواقفهما المتباينة في قضايا السياسة الداخلية والخارجية والاقتصاد، وكما يكشف الكتاب بين صفحاته كيفية تجسّد هذه المنافسة في قنوات متعددة، أبرزها الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وكيف تؤثر رؤاهما المتعارضة على القرارات التي تمس حياة المواطن الإيراني.

تكمن حساسية ودقة هذا الموضوع في امتلاك كل تيار رؤية سياسية مغايرة بخصوص كيفية تطوير الدولة الإيرانية في مختلف الجوانب، وتَرجمة هذه الرؤى في برامجهما السياسية لمرشحيهم، خاصة في الانتخابات الرئاسية، ويستطيع الرؤساء، بناءً على انتمائهم السياسي، التأثير في السياسات العامة من خلال اختيار فرقهم الوزارية، كما أن النموذج الديمقراطي الذي تتبنّاه إيران، والمعروف بالديمقراطية الدينية، يسمح بهذا التنافس ويشجع على المشاركة السياسية في إدارة شؤون الدولة الإيرانية، مما يسمح للمتنافسين بتطبيق برامجهم السياسية المختلفة عن بعضها في المجالين الداخلي والخارجي، ليصبح الحديث مباحاً في حال كان متاحاً، عن قابلية تأثير التنافس السياسي بين المحافظين والإصلاحيين على عملية صنع السياسات العامة في إيران.

وتوضح متلازمة التمكّن السلطوي والرؤية التي تشكّل الجانب العقائدي حيال القضايا العامة، أن حساسية هذه القضية تنبع من تناوب التيارين المتنافسين، المحافظ والإصلاحي على الحكم، والتشارك في عضوية مؤسسات الدولة الإيرانية الرسمية وغير الرسمية، وامتلاكهما رؤيتين متغايرتين لإدارة الدولة، تصل في بعض الجوانب إلى درجة الخلاف المضبوط، كما هو الحال في مجالي السياسة الاقتصادية والسياسة الخارجية، مما يؤثر على صنع السياسات الداخلية والخارجية، هذا التنافس الذي يصفه الكتاب بأنه “تنافس نفوذ” في مراكز صنع القرار وليس صراعاً، يسهم في تحقيق التوازن الداخلي في إيران، رغم حرص القنوات الإعلامية والسياسية على تصوير ما بين التيارين بوصفه خلافاً يتعدّى الاختلاف، الأمر الذي يرسّخ الانطباع بديمقراطية التحركات السياسية داخلياً، وفق مشهد يخدم صورة إيران السياسية أمام الرأي العام الخارجي لا سيما الدول ذات التوجه الليبرالي، التي تركز في سياقات علاقاتها مع إيران على تصيّد ما أمكن من الثغرات السياسية، وهي النقطة التي تأخذها إيران بعين الاعتبار دافعة بالألة الإعلامية والسياسية، لتصدير ما أمكن من مشاهد وتحركات تخدم السمعة السياسية لإيران داخلياً، وتدفع عنها شرور الانتقاد خارجياً، مع الحرص من قبل المنظّر السياسي والديني الإيراني على إبراز الخصوصية العقائدية عبر سن وتبنّي نموذج خاص من الديمقراطية، تتناسب مع بنية المجتمع والشعب بتوجهاته وقناعاته بالمجالات كافة.

يمثّل هذا الكتاب محاولة حثيثة للوقوف على أهم المرتكزات التي تستند إليها عملية صنع السياسات العامة في إيران، والجهات الصانعة للسياسات العامة الرسمية وغير الرسمية، وشرح كيفية صنع السياسات العامة حسب ما حدّده الدستور الإيراني، ومن ثم ينتقل الكتاب إلى الجذور التاريخية لنشأة التيارين المحافظ والإصلاحي ومواقفهما السياسية، وأبرز الأحزاب التابعة لكلٍ منهما، كما ويوضّح الكتاب نقاط الاختلاف بين التيارين، ثم أبرز قنوات التنافس ومجالاته، ويكشف عن مميزات صنع السياسات العامة أثناء حكم أتباع كل تيار في المجالات التي تشهد خلافاً ظاهراً بينهما حولها، وصولاً إلى جوهر الكتاب حيث القيمة العلمية المضافة التي نرغب بالتركيز عليها ودراستها بشكل متكامل لا منفرد ، ألا وهي توضيح أبرز العوامل التي تحد من تأثير التيارين على صنع السياسات العامة في إيران، والتي تحتل مكانتها المحورية في هذا الكتاب من كونها المعيار الذي يُقيّم على أساسه ديمقراطية النظام السياسي في إيران من عدمها، في محاولة جادة للبعد عن الارتجالية وعشوائية الأحكام، والركون إلى بنائها على أسس علمية ومعطيات واقعية، تقر بها مناهج البحث العلمي في مجال العلوم الاجتماعية، لا سيما العلوم السياسية خاصة، وأقسم لو أن المنهج التجريبي ممكنٌ في هذا النوع من البحوث لما أدخرناه، ولكنها طبيعة العلم المدروس والموضوع المبحوث، المعطيات التي حكّمت استخدام الدليل والحدث والمعطى والرقم المستخدم، مع كم من الحرص الذهني والجهد العلمي على توخي الدقة، الأمر الذي تحكّمت به طبيعة المصادر المتوفرة، جرّاء عدم توفّر مصادر المعلومات الخاصّة، وصعوبة اللقاء بشخصيات رفيعة المستوى بعيداً عن التكاليف المادية والمعنوية، وهي مشكلة وعائق رائج عند عامة الباحثين.

إن دراسة ما سبق ذكره من جوانب، تساعد على معرفة الحدود المسموحة والممنوعة للتيارات الإيرانية موضع البحث، في سياق تأثير التنافس بينهما بعد الوصول إلى مراكز صنع القرار عبر القنوات الشرعية المقرة دستورياً على صنع السياسات العامة، من منطلق اعتبار السماح للمتنافسين بتطبيق رؤاهم وبرامجهم الانتخابية، وفق الشاكلة التي يرون فيها مصلحة لإيران وتقدّمها داخلياً أو خارجياً، من الدلالات السياسية والدستورية على مدى الحرية والمشاركة بصنع القرار، هذه الحقوق التي تعتبر قوام أي تجربة ديمقراطية، قياساً بما تدرج عليه مجريات إدارة شؤون الدول في نماذج الدول الديمقراطية، وتحرّي ما إذا كانت عملية صنع السياسات العامة، عملية مستقلة بحدودها ومعاييرها وأسسها عن تجاذبات المتنافسين ومناكفاتهم وبرامجهم، وذلك لعلة التقلب الذي تُمنىَ به السياسية العامة في حال    كان من المتاح للتيار الحاكم أيّا كان تنفيذ رؤيته، وما سيعقبها في حال فوز التيار الأخر من تبدّل في بعض السياسات، بالإضافة إلى علةٍ منطقية، تفيد بأنّ الخضوع لضوابط ناظمة هي حالة شرعية طبيعية دستورية وسياسية تضمن الاستقرار والثبات الدستوري والسياسي، بما يعود بالمنافع العامة والخاصّة على الدولة والشعب الإيرانيين،  إذ يعتبر العمل على تقديم رؤية جديدة للتنافس السياسي في إيران، من أبرز أهداف الكتاب التي تُبرز ” الغائية العلمية” لهذا المدون، وذلك عبر السعي للكشف عن الضوابط أو الأطر الناظمة لكيفية صنع السياسات العامة الإيرانية، والتي هي بحقيقة الأمر (قيود) يمنع تجاوزها، وإن تم التلاعب بالمصطلحات عبر استخدام مفردة ” ضوابط ناظمة ” بدلاً من ” قيود”، ولكن القارئ المدقق سيعي أن ما ذكرته من ضوابط ناظمة هي قيود يُمنع تجاوزَها أيّا كانت الرؤية السياسية لأتباع وممثلي التيار الحاكم، إضافة إلى تقديم حكم على الوضع الديمقراطي في إيران في نهاية المطاف بالاعتماد على التنافس السياسي ومساحة الحرية المتروكة لتطبيق رؤاهم الخاصة كمعيار لذلك.

لتحقيق ما ذُكر من أهداف خُططَ لهذا الكتاب العمل على تحقيقها، فقد جرت هيكلية الكتاب وفق بنائه على عدّة فصول متسلسلة، يبدأ الفصل الأول بسبر أغوار الجذور التاريخية والتحولات الفكرية التي شكّلت كلاً من التيار المحافظ والإصلاحي في إيران، مروراً بتحليل مواقفهما السياسية الرئيسية ونقاط الاختلاف والالتقاء التي تحدّد مسار التنافس بينهما، ثم ينتقل الكتاب إلى استعراض القنوات التي يتم عبرها هذا التنافس، وكيفية تجسّد رؤى كل تيار في عملية صنع السياسات العامة على مستوى السلطتين التشريعية والتنفيذية، مع إبراز العوامل التي تحد من تأثيرهما.

وفي الختام، يقدّم هذا العمل تقييماً معمقاً قدر الإمكان، للواقع الديمقراطي الإيراني من منظور التنافس السياسي، ومدى الحرية الفعلية بصنع القرار، ليفتح أمام القارئ آفاقاً جديدة لفهم المشهد السياسي الإيراني المعقّد، وأختم بدعوة السادة الأكاديميين والباحثين في الشأن الإيراني إلى الغوص معنا في دهاليز وغرف صنع القرار في إيران، والوقوف على تفاصيل هذا التنافس الخفي والظاهر، واكتشاف كيفية تشكّل قرارات دولة إقليمية بحجم إيران، تطبق سياسة التقية السياسية والعسكرية بحذافيرها، كدافع لاستكشاف خفايا مجريات صنع السياسات في خضم الصراع المحتدم على السلطة وتوجيه السياسات بين التيارين المحافظ والإصلاحي.

 

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 5 من 5 (1 صوت)
📂 التصنيفات: أخبار, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.