يقتضي أي تحليل ماركسي لمسألة الطبقة العاملة أن يبدأ بتحديد موقعها البنيوي داخل عملية التراكم. فالطبقة، في المنظور الماركسي، ليست مجرد فئة مهنية أو توصيفاً اجتماعياً عاماً، بل علاقة موضوعية تتحدد من خلال موقعها في نمط الإنتاج. لذلك، فإن فهم الطبقة العاملة لا ينفصل عن فهم آلية إنتاج القيمة، وتوزيعها، والاستيلاء عليها.
في الصياغة الأولى التي عرضها كارل ماركس وفريدريك إنجلز في البيان الشيوعي، تُعرَّف الطبقة العاملة انطلاقاً من علاقتها بوسائل الإنتاج: هي فئة لا تملك وسائل الإنتاج وتضطر إلى بيع قوة عملها مقابل أجر. بهذا المعنى، يشكّل بيع قوة العمل نقطة الانطلاق في تحديد الانتماء الطبقي، ويغدو المجتمع الرأسمالي منقسماً بين مالكي رأس المال وبائعي قوة العمل.
غير أن التحليل يكتسب عمقاً أكبر عند الانتقال إلى المستوى الاقتصادي الدقيق الذي بسطه ماركس في رأس المال، حيث تُفهم الطبقة العاملة ضمن دينامية إنتاج القيمة وفائضها. هنا لا يُنظر إلى العامل فقط بوصفه مأجوراً، بل بوصفه عنصراً فاعلاً في عملية تحويل المال إلى رأسمال متراكم. أي أن موقعه لا يُقاس بعلاقته الشكلية بالأجر، بل بدوره داخل دورة الإنتاج الرأسمالي.
هذا التحديد المزدوج يمهّد لإشكالية أساسية في دراسة الطبقة العاملة المعاصرة: فليست كل مواقع العمل تؤدي الوظيفة ذاتها في عملية التراكم، وليست كل الأجور تنبع من الموقع نفسه داخل بنية الإنتاج. ومن هنا تظهر الحاجة إلى تحليل دقيق يميّز بين البنية القانونية لعلاقة العمل (عقد الأجر) والبنية الاقتصادية العميقة (إنتاج القيمة).
تكمن أهمية هذا التمهيد في أنه يسمح بتفادي الخلط بين البعد السوسيولوجي للطبقة — بوصفها فئة واسعة من المأجورين — والبعد الاقتصادي البنيوي الذي يحدد موقعها في آلية الاستغلال. فالطبقة العاملة ليست مفهوماً وصفياً محايداً، بل أداة تحليل تكشف التناقض المركزي في الرأسمالية: التوتر بين العمل بوصفه مصدر القيمة، ورأس المال بوصفه مستحوذاً عليها.
في ضوء ذلك، تصبح دراسة أوضاع العمل في السياقات المختلفة — الصناعية، الخدمية، الرقمية، أو الريعية — مسألة تتجاوز توصيف المهن أو أنماط التوظيف، لتصل إلى سؤال أعمق: أين يُنتج الفائض؟ ومن يسيطر عليه؟ وكيف يُعاد توزيعه؟ هذه الأسئلة ستشكل الأساس النظري لفهم تحولات الطبقة العاملة.
مفهوم العمل المنتج
العمل المنتج عند ماركس هو المفتاح لفهم الطبقة العاملة كقوة قادرة على التغيير. ببساطة، العمل المنتج هو ذلك الذي يُباع كرأسمال متغير ويُعاد إنتاجه ليخلق فائض قيمة مباشرة للرأسمالي، أي قيمة تفوق أجر العامل نفسه، كما ورد في نظريات فائض القيمة. المثال الكلاسيكي هو عامل المصنع الذي ينتج سيارة تباع في السوق بربح يفوق أجره، هنا يُستولى على ما يسمى بالعمل الفائض لصالح الرأسمالي. يمكن القول إن هذا يوضح جوهر العملية الرأسمالية: العامل لا يبيع مجرد قوة عمله، بل يخلق قيمة إضافية يتم تحويلها إلى رأس مال أكبر، فتتجلى العلاقة الجدلية بين الإنتاج والفائض والسلطة الاقتصادية.
في هذا السياق، من الضروري فهم الفرق بين قيمة الاستخدام (use-value) وقيمة التبادل (exchange-value). المنتج الفعلي لا يخلق قيمة للاستخدام فقط، بل قيمة يمكن تحويلها إلى مال يزيد من تراكم رأس المال، أي ما يسميه ماركس M′، أي نقود أكثر. هذا التمييز الدقيق هو الذي يجعل العامل المنتج محور أي تحليل ثوري أو صراع طبقي، لأنه يقع في قلب التناقض بين رأس المال والعمل.
يركز هذا القسم على التناقض الجوهري بين التعريف “الأوسع” للطبقة العاملة (كل المأجورين الذين يبيعون قوة عملهم، حسب “البيان الشيوعي”) والتعريف “الأضيق” كـ”الطبقة المنتجة” (التي تولد فائض قيمة مباشرة، كما في “رأس المال”). هذا الفرق ليس شكلياً، بل ديالكتيكي: التعريف الأضيق يعكس جوهر الرأسمالية كإنتاج فائض قيمة (surplus value)، حيث يُستغل العامل مباشرة لتنمية رأس المال (M-C-M’). في الدول الريعية، يبرز هذا الفرق بوضوح، إذ يُمول الموظفون “غير المنتجين” من الريع دون إنتاج فائض قيمة، مما يجعلهم “طبقة مدمجة” وليست نواة ثورية. هذا يطرح سؤال البحث: هل المنتجون هم الوحيدون القادرون على قلب الرأسمالية؟[1]
“من ناحية أخرى، يضيق مفهومنا للعمل المنتج. الإنتاج الرأسمالي ليس مجرد إنتاج سلع، بل هو أساساً إنتاج فائض قيمة. ينتج العامل، ليس لنفسه، بل للرأس المال. لم يعد يكفي، إذن، أن ينتج ببساطة. يجب أن ينتج فائض قيمة. العامل المنتج وحده هو الذي ينتج فائض قيمة للرأسمالي، وبالتالي يعمل لتوسع الرأس المال ذاتياً. إذا أخذنا مثالاً من خارج مجال الإنتاج المادي، فإن معلم المدرسة هو عامل منتج عندما، بالإضافة إلى تلقين رؤوس تلاميذه، يعمل كحصان لإثراء صاحب المدرسة. أن هذا الأخير قد استثمر رأس ماله في مصنع تعليمي بدلاً من مصنع نقانق لا يغير العلاقة. لذا، يشمل مفهوم العامل المنتج ليس مجرد علاقة بين العمل والتأثير المفيد، بين العامل ومنتج عمله، بل أيضاً علاقة إنتاج اجتماعية محددة، علاقة نشأت تاريخياً وتختم العامل كوسيلة مباشرة لخلق فائض قيمة. أن يكون المرء عاملاً منتجاً، إذن، ليس حظاً، بل مصيبة.” [2]
الفرق عن العمل غير المنتج
العمل غير المنتج يختلف تماماً. ببساطة، هو العمل الذي يُموّل من فائض موجود مسبقاً ولا يساهم مباشرة في تراكم رأس المال. أمثلة ذلك تشمل الخدمات الإدارية أو موظفي الدولة الذين يُمولون من الريع أو الإيرادات القائمة. ماركس يوضح في رأس المال أن “العمل المنتج وحده هو الذي يخدم الرأسمال مباشرة كوسيلة لإنماء قيمته ذاتياً”. هذا الفرق ليس ثانوياً؛ فهو يحدد من يكون في قلب عملية الاستغلال ومن يدعم النظام فقط دون أن يسهم في خلق فائض.
على سبيل المثال، الخادم المنزلي الذي يعمل لصالح عائلة ثرية يستهلك فائضاً موجوداً ولا يخلق قيمة جديدة؛ بالمقابل، العامل في المصنع أو في الخدمات اللوجستية يخلق قيمة قابلة للبيع وتحويلها إلى ربح إضافي. الفرق بين المنتج وغير المنتج يحدد موقع الفرد في الصراع الطبقي، ويبيّن من يمتلك القدرة على التأثير في النظام ومن مجرد مستفيد منه.
في عصر الخدمات الرقمية والاقتصاد الريعي، يتفاقم الجدل: العمال في البرمجة أو النقل قد يُنتجون فائض قيمة (كسلعة رقمية تباع)، بينما الموظفون الحكوميون “غير منتجين” (يُمولون من الريع). هذا يعيد تعريف الصراع الطبقي، حيث يفقد “غير المنتجين” دورهم الثوري بسبب ارتباطهم بالدولة كـ”رأسمال جماعي”، مما يؤدي إلى “بطالة مقنعة” ودفاع عن الوضع القائم. التحليل العميق يظهر كيف يحول الريع الطبقة العاملة إلى “مشوهة”، حيث يُعاد توزيع الفائض دون إنتاج جديد.[3]
في العودة للنصوص الكلاسيكية ومحاولة فك الالتباس، ومحاولة فهم تلك النصوص ضمن سياقها بعيدا عن الجمود العقائدي او محاولة الاتجازء، ففي البيان الشيوعي الصادر عام 1848 يستخدم ماركس مصطلحات مثل العمال والطبقة العاملة والبروليتاريا والـworking class والـproletarians والـArbeiterklasse بشكل متكرر وواسع. النص في هذه المرحلة وثيقة سياسية دعائية ثورية موجهة إلى الجماهير، فالهدف منه تعبئة الطبقة العاملة وتوحيدها كقوة سياسية ضد البرجوازية. لذلك يبقى التعريف عاماً وشاملاً لكل من يعيش من بيع قوة عمله، سواء كان منتجاً أم غير منتج، دون الخوض في تمييز اقتصادي دقيق بين أنواع العمل.
أما في رأس المال الصادر عام 1867 فيظهر ماركس مصطلح labourer أو productive labourer أو produktiver Arbeiter بشكل بارز، خاصة في السياقات الاقتصادية التحليلية. النص هنا كتاب علمي يفكك آليات الإنتاج الرأسمالي ويشرح كيفية توليد فائض القيمة وتراكم الرأسمال، لذا يصبح التعريف أكثر دقة وانحصاراً: العامل المنتج هو من ينتج فائض قيمة مباشرة للرأسمالي. ويظهر تمييز واضح بين productive labourer وunproductive labourer، ويتكرر هذا التمييز عشرات المرات في الفصول المتعلقة بفائض القيمة والتراكم.
الفرق بين النصين ليس عشوائياً ولا يعود فقط إلى اختلاف لغوي. السبب الأساسي هو اختلاف الغرض والسياق: البيان نص تعبوي ثوري يحتاج إلى مصطلحات عامة موحدة تجمع الجماهير، بينما رأس المال نص تحليلي علمي يتطلب دقة اقتصادية لشرح آليات الاستغلال. كذلك يعكس الفرق تطور النظرية نفسها؛ ففي عام 1848 كانت أفكار ماركس لا تزال في طور التكوين، أما في 1867 فقد نضجت نظرية القيمة وقوة العمل والفائض القيمة بشكل كبير، مما سمح بإدخال تمييزات أكثر تحديداً.
في الألمانية الأصلية يظل Arbeiter مصطلحاً مشتركاً في كلا النصين، لكن الترجمات الإنجليزية اختارت worker في البيان لأنه أكثر شمولاً وعامية، بينما فضلت labourer في رأس المال لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم labour في نظرية القيمة. هذا التحول في المصطلحات دليل على انتقال ماركس من مرحلة الدعوة الثورية العامة إلى مرحلة التحليل العلمي العميق للرأسمالية.
لماذا غالباً لا تكون الفئات العاملة غير المنتجة ثورية في الدول الريعية؟
تُعدّ هذه المسألة من الإشكاليات المركزية في تحليل الدولة الريعية، خاصة في البلدان المعتمدة على النفط والغاز مثل السعودية والكويت والعراق. فوفق التحليل الماركسي الكلاسيكي عند كارل ماركس، يُفترض أن تكون الفئات الأكثر عرضة للاستغلال هي الأكثر قابلية للثورة. غير أن الواقع في الاقتصادات الريعية يُظهر صورة أكثر تعقيداً؛ إذ تبدو قطاعات واسعة من الموظفين الحكوميين والعاملين في الجهاز الإداري أقل ميلاً إلى التغيير الجذري.
هنا تبرز ضرورة التمييز النظري. فالنظر إلى الطبقة العاملة اعتماداً على تعريفٍ مبسّط يقول إن كل من يبيع قوة عمله مقابل أجر هو بالضرورة جزء من طبقة ثورية، هو فهم سطحي للطبقة ككيان اجتماعي. الطبقة، في المنظور المادي التاريخي، ليست مجرد موقع قانوني في سوق العمل، بل علاقة اجتماعية متحركة، يتحدد تماسكها عبر الوعي الطبقي المتشكّل داخل علاقات الإنتاج، وعبر موقعها من عملية إنتاج فائض القيمة. بعبارة أوضح، ليس البيع الشكلي لقوة العمل هو ما يمنح الطبقة بعدها التاريخي، بل موقعها في إنتاج الفائض وكيفية إدراكها لذلك الموقع.
لفهم موقع الفئات غير المنتجة في الدولة الريعية، ينبغي تفكيك بنيتها الاقتصادية أولاً. ففي هذه الدول لا تعتمد المالية العامة أساساً على الضرائب، بل على إيرادات خارجية (نفط، غاز، تحويلات سيادية). هذا يعني أن الدولة تتحول إلى الموزّع المركزي للثروة. الموظفون الحكوميون، والإداريون، والعاملون في القطاعات الخدمية العامة يعيشون من إعادة توزيع هذا الريع عبر رواتب مستقرة نسبياً، بدلات، دعم سكني، وتأمينات اجتماعية.
هذا الارتباط يولّد علاقة مصلحية مباشرة مع استمرار النظام. فأي اضطراب سياسي واسع قد يعني خفض الرواتب، تجميد التوظيف، أو خصخصة القطاعات العامة. وهنا تتكوّن معادلة شبه تلقائية: الاستقرار يساوي ضمان الدخل. لذلك يميل هذا القطاع إلى الدفاع عن الوضع القائم، حتى لو كان يعاني من اختلالات بنيوية، لأنه يرى في التغيير مخاطرة تمسّ مصدر عيشه المباشر.
في التمييز الماركسي بين العمل المنتج وغير المنتج، يُعرَّف العمل المنتج بأنه ذاك الذي يُنتج فائض قيمة داخل عملية التراكم الرأسمالي. أما في الاقتصادات الريعية، فجزء كبير من القوة العاملة لا يُنتج فائضاً صناعياً، بل يتقاضى أجره من فائض متأتٍ من الخارج. هذا الموقع يجعل هذه الفئة أقرب إلى ما وصفه نيكوس بولانتزاس بـ”الطبقة الوسطى الجديدة” — فئة مدمجة في أجهزة الدولة، تؤدي أدواراً تنظيمية وإدارية، لكنها لا تعيش التناقض المباشر مع رأس المال الصناعي كما هو الحال في المصنع الكلاسيكي.
بمعنى آخر، ليست في مواجهة مباشرة مع مالك وسائل الإنتاج، بل هي جزء من جهاز إعادة توزيع الفائض. هذا التموقع البنيوي يخفف من حدّة التناقض بينها وبين النظام، ويجعل وعيها الطبقي ملتبساً، متردداً بين الدفاع عن الامتيازات القائمة والمطالبة بإصلاحات جزئية.
تستخدم الدولة الريعية التوظيف العام كآلية مزدوجة: امتصاص البطالة من جهة، وشراء الولاء الاجتماعي من جهة أخرى. فالتوسع في الجهاز البيروقراطي لا يخدم الإدارة فحسب، بل يؤدي وظيفة استقرار سياسي. كل وظيفة حكومية جديدة تقلّص احتمال تشكّل معارضة راديكالية منظمة. وهنا تتحول الدولة إلى ربّ عمل جماعي، وتصبح العلاقة معها أقرب إلى علاقة تبعية منه إلى علاقة صراع.
إضافة إلى ذلك، تتكوّن لدى هذه الفئة ثقافة محافظة نسبياً، لأن مكانتها الاجتماعية مرتبطة مباشرة بمؤسسات الدولة. فهي ترى في الدولة مصدراً للترقي الاجتماعي والتعليم والخدمات. ومن ثم يصبح الدفاع عن الدولة دفاعاً عن موقعها داخل السلم الاجتماعي، لا عن بنية طبقية مجردة.
لا يعني ذلك أن هذه الفئات غير قابلة للاحتجاج مطلقاً. فعند الانخفاض الحاد في أسعار النفط، أو عند العجز المالي وفرض سياسات تقشفية، يمكن أن تتحول من فئة مستفيدة إلى فئة متضررة. عندها يزداد استعدادها للاحتجاج. غير أن سقف مطالبها غالباً ما يظل إصلاحياً: استعادة الرواتب، تحسين شروط العمل، أو توسيع الامتيازات. أي أنها تسعى إلى تحسين شروط اندماجها في النظام، لا إلى إعادة هيكلته جذرياً.
وهنا يكمن الفارق الجوهري. طالما بقيت علاقتها بالريع قائمة، فإن أفقها السياسي يظل محكوماً بمنطق الحفاظ على موقعها داخل بنية التوزيع، لا بمنطق تجاوز البنية ذاتها. في هذا السياق، يتضح أن المسألة ليست أخلاقية أو نفسية، بل بنيوية تاريخية: الوعي الطبقي لا يتولد آلياً من بيع قوة العمل، بل من الموقع الفعلي داخل عملية إنتاج الفائض والصراع حوله.
وهكذا، تكشف الدولة الريعية عن مفارقة لافتة: قد يتوسع عدد من يبيعون قوة عملهم، لكن دون أن يتوسع بالضرورة الفاعل الطبقي القادر على بلورة مشروع تحرري شامل. وهذه المفارقة تستحق أن تُقرأ بوصفها تعبيراً عن تحوّل في شكل التراكم ذاته، لا مجرد خلل في وعي الأفراد.
[1] https://www.bresserpereira.org.br/books/technobureaucratic-capitalism/19-chapter-19-productive-and-unproductive-labor.pdf
[2] https://www.marxists.org/archive/marx/works/1867-c1/ch16.htm
[3] https://alsifr.org/service-workers-era-monopoly-capital

