العمل الجبهوي يُعد أداة استراتيجية في صراع القوى السياسية، حيث يُمثل تجمعاً بين أحزاب أو جماعات تشترك في أهداف معينة وتتناقض مع النظام القائم. ومع ذلك، في المشهد السياسي اليساري الراهن، يتزايد استخدام التحالفات بين القوى الديمقراطية واليسارية على أنها حل سحري للأزمات الداخلية التي تواجهها هذه القوى. ومع ذلك، وراء هذه “التحالفات” التي تُرفع بسرعة تحت شعارات فضفاضة مثل “الوطنية” أو “الديمقراطية”، غالباً ما تختبئ أحزاب وكتل سياسية ضعيفة تنظيمياً، فاقدة لأي تأثير جماهيري حقيقي. هذه التحالفات لم تعد تُعتبر مجرد أداة لتوحيد القوى ضد عدو مشترك، بل غالباً ما تتحول إلى وسيلة لستر الفشل التنظيمي والفكري لهذه القوى.
في هذا السياق، يعيدنا الرفيق فهد إلى النقطة الأساسية: ” قووا تنظيم حزبكم، قووا تنظيم الحركة الوطنية “. فالأولوية يجب أن تكون لبناء وتنظيم الحزب الماركسي، لأنه هو الذي سيساهم في تقوية الحركة الوطنية بشكل حقيقي. لا يمكن أن يتحقق تغيير جذري إذا لم يكن هناك حزب ماركسي قوي وفاعل، يمتلك رؤية استراتيجية واضحة وتنظيم صلب وواسع يتناسب مع طبيع الصراع والمهام السياسية الراهنة وقدرة على التواصل مع الجماهير وقيادة الصراع الطبقي. وهكذا، يصبح التحالف مجرد وسيلة للتمويه على غياب التنظيم الفعّال داخل القوى السياسية.
التحالفات، في الفكر الماركسي، ليست غاية بحد ذاتها، بل هي أداة مرحلية لتحقيق أهداف سياسية. ولكن عندما تصبح التحالفات مجرد محاولة للهروب من أزمة تنظيمية بنيوية أو اختزال لأهداف تكتيكية مؤقتة، فإنها تفقد القدرة على التأثير الحقيقي في تغيير ميزان القوى. إن غياب التنظيم المستقل والفعّال داخل هذه التحالفات يجعل منها مجرد وسيلة للتغطية على الفشل، بدلاً من أن تكون أداة نضال جماهيري حقيقي. وبالتالي، يصبح العمل الجبهوي في هذا السياق ملاذاً شكلياً يخفف من وطأة الأزمة، دون أن يسهم في بناء حركة سياسية جماهيرية حقيقية.
التحالفات كأداة مرحلية: تكتيك انتخابي أم غطاء للعجز التنظيمي؟
في الفكر الماركسي، يُفهم التحالف باعتباره أداة مرحلية تُستخدم وفقاً لظروف الصراع السياسي وتوازن القوى في كل مرحلة. لا يُنظر للتحالفات كهدف بحد ذاته، بل كوسيلة لتحقيق أهداف أكبر تتعلق بالثورة والتغيير الاجتماعي. لكن في الواقع السياسي الحالي، تحولت التحالفات إلى مجرد تكتيك انتخابي أو وسيلة للإبقاء على الحضور السياسي الهش للأحزاب اليسارية. عندما تصبح التحالفات مجرد وسيلة للبقاء الرمزي، أو أداة لتوجيه الضغوط الإعلامية دون بناء قاعدة جماهيرية حقيقية، فإنها تتحول إلى غطاء للأزمة البنيوية للأحزاب اليسارية.
تحالفات من هذا النوع لا تُبنى على أسس طبقية مستقلة أو استراتيجية واضحة، بل تُستخدم لإخفاء العجز عن بناء تنظيم جماهيري قادر على التأثير. مثل هذه التحالفات، رغم ما قد تبدو عليه من قوة ظاهرية، تبقى في جوهرها محكومة بالضعف الداخلي. وبالتالي، تصبح هذه التحالفات مجرد اتفاقات سطحية تفتقر إلى المحتوى الثوري الواضح، مما يُخلف أثراً سلبياً على الحركة السياسية ويؤدي إلى تضخم القيادة وهزالة القاعدة الجماهيرية، ما يجعلها شبيهة بـ”جنرالات بلا عسكر” — قيادة دون قاعدة تنظيمية حقيقية تدعمها.
ولذلك، يصبح من السذاجة السياسية أن يعتقد البعض أن حركة او حزب ضعيفاً تنظيمياً ومحدود النشاط الجماهيري، والذي يحقق نتائج انتخابية مخيبة، سيكون قادراً على بناء جبهة شعبية حقيقية، إلا إذا كانت هذه الجبهة مجرد “جبهة من ورق”. جبهة كهذه لا تستطيع أن تكون قوة فاعلة في الصراع الاجتماعي والسياسي، بل هي مجرد هيكل فارغ من أي محتوى طبقي أو سياسي.
أزمة التنظيم: الهروب نحو التحالفات عوضاً عن البناء الداخلي
الواقع القاسي في الساحة السياسية اليوم هو أن العديد من الأحزاب الثورية التي تدعو إلى التحالفات، ليست قوية تنظيمياً بل عاجزة عن بناء القاعدة الجماهيرية الضرورية. بدلاً من مواجهة الأزمة التنظيمية والوقوف على أسباب التراجع في النشاط الحزبي الفكري والتنظيمي والجماهيري، تتمثل إحدى أكبر المعضلات في استخدام التحالفات كأداة للهروب من الحقيقة: أين هي قواعدنا الشعبية؟ كيف نبني حزباً جماهيرياً؟ كيف نصيغ خطاباً ثورياً قادراً على الربط بين المهمات الديمقراطية والاجتماعية؟ في غياب هذه الإجابات، لا بل حتى الاسئلة تصبح التحالفات مجرد تعبير عن العجز البنيوي، وتُستخدم كستار لتحويل الأنظار عن الأزمة الداخلية.
تحالفات كهذه لا تنتج أي تغيير جذري، بل تساهم في توسيع الهوة بين القيادة الهشة والقاعدة الجماهيرية الضعيفة. كما تزداد هذه التحالفات هشاشة عندما تضم قوى سياسية هي كذلك لا تمتلك أي حضور تنظيمي أو جماهيري يُذكر، ما يؤدي إلى تضخم القيادة السياسية والوجود الافتراضي على حساب القاعدة الشعبية والفعل السياسي. هكذا، تصبح القوى المشاركة في التحالفات كجنرالات بلا عسكر، حيث تظل القيادة عائمة بلا جند حقيقيين أو تأثير فعلي في مجريات الأحداث.
التحالفات كطوق نجاة: الدفاع عن البقاء الرمزي
في حالة غياب البناء التنظيمي الفعّال، تصبح التحالفات أكثر من مجرد مسعى لتحقيق تغيير سياسي، بل أداة للبقاء الرمزي في الساحة السياسية. بدلاً من أن تُبنى هذه التحالفات على أسس جماهيرية حقيقية، فإنها تتحول إلى نوع من تعويض نفسي للأحزاب السياسية الضعيفة التي تعاني من فقدان التأثير الفعلي. في بعض الحالات، يُعتبر التحالف مجرد وسيلة للشعور بالوجود السياسي رغم افتقار الأحزاب إلى أي قدرة على التأثير الفعلي في الحركات الجماهيرية.
مثل هذه التحالفات، التي لا تقوم على أسس تنظيمية ثابتة، غالباً ما تُظهر وجوداً سياسياً شكلياً يعكس أزمة حقيقية في التواصل مع الجماهير. وما يتبع ذلك هو اختلال التوازن بين القيادة القوية ظاهرياً والقاعدة الضعيفة، التي تظل تائهة بلا توجه أو رؤية سياسية واضحة. لا تكون هذه التحالفات في هذه الحالة سوى وسيلة للاحتفاظ بوجود رمزي، دون أي فاعلية في تغيير الواقع.
من الجبهة الشعبية إلى الجبهة الوهمية: التحالفات في مواجهة التحديات الداخلية
في التجربة الإسبانية لعام 1936، مثلت الجبهة الشعبية تحالفاً ثورياً ضد الفاشية، لكنها انهارت بسبب غياب القيادة الثورية الموحدة وعدم القدرة على التعامل مع التناقضات الداخلية. هذه التجربة تكشف بوضوح أن التحالفات لا تكتسب قوتها إلا إذا كانت مدعومة بإستراتيجية واضحة وقيادة قادرة على التنسيق بين التناقضات الداخلية. فحتى في أوقات الحروب الثورية، يجب أن تكون الجبهة الشعبية موجهة نحو تحقيق أهداف مشتركة تحت قيادة ثورية واضحة، وليس مجرد تجمع عشوائي يخفي التناقضات.
في المقابل، نرى اليوم تحالفات تُبنى على أسس هشة، حيث تُرفع شعارات فضفاضة مثل “التغيير” و”الانتقال الديمقراطي” دون أن يكون لها أي مضمون سياسي حقيقي. تُشكل هذه التحالفات، في الغالب، جبهات وهمية لا تفعل شيئاً سوى امتصاص الصراع السياسي وتجميده. لا تحمل هذه التحالفات أفقاً للنضال الثوري، بل هي في جوهرها مجرد تكتيك سياسي يهدف إلى إبقاء القوى السياسية في الساحة دون تقديم حلول حقيقية للصراع الطبقي.
نحو تحالف طبقي واعٍ: الشروط لا التنازلات
في الماركسية، تُبنى التحالفات على القوة الطبقية والوضوح الاستراتيجي. يجب أن تكون التحالفات أداة لتصعيد الصراع الاجتماعي والسياسي، وليس لاحتوائه أو تجميده. في هذا السياق، لا يُسمح بأن تكون التحالفات مجرد بديل عن بناء التنظيمات السياسية الفاعلة. التحالفات التي لا تدعم التنظيم الطبقي المستقل ولا تعزز من قدرته على قيادة الجماهير إلى معركة سياسية حقيقية، هي تحالفات فاقدة للمعنى.
التحالفات لا يُفترض أن تكون محكومة بتنازلات تكتيكية أو ضغوط مؤقتة، بل يجب أن تساهم في بناء الكتلة التاريخية للطبقات الشعبية، وتوسيع رقعة الفعل الثوري. عندما تتحول التحالفات إلى أداة لتجميل الواقع السياسي أو لتأجيل الصراع الطبقي، فإنها تفقد دورها الثوري وتتحول إلى تجميع سياسي هزيل لا ينتج أي تغيير جوهري.
خاتمة: التحالف الحقيقي هو من يحمي المشروع لا من يدفنه
إذا كانت التجربة التاريخية لليسار قد علّمتنا شيئًا ثابتًا، فهو أن الاتساع الشكلي لا يعوّض الغياب الفعلي للقوة الاجتماعية المنظمة. إن الرهان على “الجبهة الشعبية الواسعة” بوصفها مخرجًا من الأزمة، دون المرور عبر سؤال التنظيم والارتكاز الطبقي، لا يُعد خطأً تكتيكيًا فحسب، بل يعكس خللًا نظريًا في فهم آليات التغيير ذاتها. فالصراع الطبقي لا يُدار بالأمنيات ولا بالتركيبات الفوقية، بل ببناء قوى حقيقية قادرة على الفعل والاستمرار.
في هذا المعنى، لا تكمن المشكلة في التحالف كصيغة سياسية، بل في قلب العلاقة بين الوسيلة والغاية. حين تتحول الجبهة إلى بديل عن الحزب، أو إلى تعويض عن ضعفه، فإننا لا نكون أمام سياسة ثورية مؤجلة، بل أمام سياسة معكوسة تبدأ من القشرة بدل الجوهر. الجبهة، تاريخيًا، لم تكن يومًا نقطة الانطلاق، بل لحظة تتويج لمسار من التراكم التنظيمي والهيمنة السياسية داخل المجتمع.
إن الإصرار على القفز فوق مسألة التنظيم يعكس، في كثير من الأحيان، عجزًا عن خوض معركة طويلة النفس، تتطلب الصبر، والانغراس، والعمل اليومي داخل تناقضات المجتمع. لذلك يُستبدل هذا المسار الشاق بخيارات أسرع: تحالفات، بيانات مشتركة، منصات إعلامية، وحضور انتخابي محدود. لكنها، في المحصلة، أشبه بإدارة أزمة دائمة لا بتجاوزها.
من هنا، يمكن القول إن الأزمة الراهنة ليست أزمة “وحدة” بل أزمة وظيفة تاريخية. أي: ماذا يريد اليسار أن يكون؟ قوة احتجاج رمزية؟ شريكًا ثانويًا في معادلات قائمة؟ أم أداة فعل طبقي تسعى، ببطء ولكن بثبات، إلى إعادة تنظيم المجتمع من الأسفل؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تُقدَّم في وثائق التحالف، بل في شكل وقوة وتأثير التنظيم، ونوع القاعدة الاجتماعية، وطبيعة الاشتباك مع الواقع.
إن الخروج من وهم الجبهة الواسعة لا يعني الانغلاق أو الانعزال، بل يعني إعادة ترتيب الأولويات: العمق قبل الاتساع، البناء قبل التمثيل، والقوة الاجتماعية قبل الهندسة السياسية. فقط على هذا الأساس يمكن لأي تحالف مستقبلي أن يكون تعبيرًا عن قوة حقيقية، لا غطاءً نظريًا لضعف قائم. فالتحالف الذي لا يولد من قلب المجتمع، سيظل معلقًا فوقه، بلا جذور، وبلا مستقبل.

