جدلية النشاط الحزبي: التصور الماركسي للمنطلقات الفكرية

🖨️ طباعة المقال

هذه الدراسة ليست مجرد محاولة لتأمل موضوع نظري معزول، بل هي حلقة في سلسلة أوسع تتناول قضايا النشاط الحزبي وصلته بالعلاقة الجدلية بين الفكر والممارسة. اليوم نقترب من مسألة المنطلقات الفكرية، ليس باعتبارها إطاراً ذهنياً إضافياً يزيّن الفعل الإنساني من الخارج، بل بوصفها العمق الذي يحدّد معنى هذا الفعل وحدوده. يمكن تشبيهها بالتربة التي تحتضن بذور العمل: من دونها يظل النشاط عشوائياً، متقطعاً، أو يفتقر إلى أفق يوجّهه. فالإنسان حين يتأمل العالم أو يسعى إلى تغييره، لا ينطلق من فراغ، بل من رؤية مسبقة، من زاوية نظر تمنحه القدرة على إدراك العلاقات بين الظواهر. ولهذا يمكن القول ببساطة إن المنطلقات الفكرية أشبه ببوصلة تحدّد اتجاه المسير، كي لا يضيع الفعل في متاهة اللحظة العارضة.

في التصور الماركسي، لهذه المنطلقات خصوصية جوهرية. فهي لا تُفهم كأفكار معلّقة في سماء ميتافيزيقية بعيدة، ولا كعقائد جامدة تُفرض على الواقع من علٍ. بل تُرى باعتبارها نتاجاً مباشراً لشروط الوجود المادي، لعلاقات الإنتاج السائدة، وللتناقضات الطبقية المتجذرة في المجتمع. فالماركسية تنطلق من قاعدة مادية تؤكد أن الوعي لا ينبثق من ذاته، وإنما يتشكل من حركة الواقع الموضوعي. لكن هذا الوعي لا يعكس الواقع انعكاساً ميكانيكياً كصورة في مرآة، بل يتحول إلى طاقة نظرية وتنظيمية قادرة على التدخل في هذا الواقع نفسه. وهنا تبرز جدلية المنطلقات: فهي انعكاس للواقع من جهة، وأداة لتغييره من جهة أخرى.

انطلاقاً من ذلك، يطرح البحث إشكالية محورية: كيف تتشكل المنطلقات الفكرية داخل الحركة الماركسية؟ وكيف تتحول من قاعدة ذهنية إلى سلاح تنظيمي يمكّن الحزب الثوري من صياغة برامجه السياسية وتوجيه نضالاته اليومية؟ بعبارة أدق: كيف تُسهم هذه المنطلقات في بناء وعي طبقي منظم، ينتقل من مستوى التجربة الاجتماعية–الاقتصادية إلى مستوى الفعل السياسي الواعي؟ ومن هذا السؤال المركزي تتفرع أسئلة أخرى: ما طبيعة هذه المنطلقات وخصائصها؟ ما مصادرها؟ وما الوظائف التي تؤديها في حياة التنظيم الثوري؟ وكيف تدخل في علاقة جدلية متحركة مع واقع متغير باستمرار، بحيث تعيد إنتاج نفسها في ضوء التجارب التاريخية الجديدة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من الاعتماد على المنهج الجدلي–التاريخي. هذا المنهج هو الأداة الأعمق لفهم العلاقة بين الفكر والبنية الاجتماعية، إذ لا يرى الفكر معطىً ثابتاً، بل نتيجة لحركة التناقضات الاجتماعية والتاريخية، وفي الوقت نفسه قوة تدخل في هذه الحركة وتعيد صياغتها. إلى جانب ذلك، يستعين البحث بالتحليل النقدي لتفكيك المفاهيم وإظهار دلالاتها، وبالمقارنة التي تبرز فرادة المنطلقات الماركسية قياساً إلى مرجعيات أخرى: دينية، ليبرالية، أو قومية.

تكمن أهمية دراسة هذا الموضوع في تركيزه على البعد التنظيمي للمنطلقات الفكرية. فهي ليست نقاشاً نظرياً بارداً، بل مسألة عملية: كيف يتحول الوعي الطبقي من وعي مشتت أو عفوي إلى وعي ثوري منظم؟ فالمنطلقات هي التي تمنح الطبقة العاملة القدرة على تجاوز موقعها كفئة اقتصادية لتصبح قوة سياسية واعية بذاتها وبمهمتها التاريخية. بهذا المعنى، البحث في المنطلقات الفكرية ليس تمريناً ذهنياً محضاً، بل محاولة للإمساك بأداة نظرية–عملية تمكّن من قراءة الحاضر واستشراف مسارات تغييره.

تعريف المنطلقات الفكرية

حين نتحدث عن المنطلقات الفكرية في السياق الماركسي، فنحن لا نعني آراء شخصية أو نزعات فردية متفرقة، بل نشير إلى الإطار المرجعي الشامل الذي يمكّن الإنسان، والحركة الثورية خصوصاً، من تحديد موقعها في العالم ورؤيتها لمجرى التاريخ. المنطلق هنا هو النقطة التي يبدأ منها التفكير، والأرضية التي يقف عليها الفعل. من دونه، يصبح النشاط الفكري والسياسي أشبه ببحّار وسط عاصفة بلا بوصلة ولا نجمة يسترشد بها. وجود المنطلقات الفكرية إذن أشبه بوجود الأساس في البناء: غير مرئي في معظم الأحيان، لكنه الشرط الذي يحول دون انهياره.

في الماركسية، تختلف هذه المنطلقات جوهرياً عن المرجعيات الدينية أو الليبرالية أو الفلسفية المثالية. فهي لا تقوم على نصوص منزلة أو مبادئ مفروضة من علٍ، بل تنبني على المادية الجدلية والمادية التاريخية. الفلسفية المثالية ترى العالم في حالة حركة دائمة، حيث يتطور كل كيان عبر تناقضاته الداخلية، كما تتشكل اللؤلؤة داخل الصدفة بفعل احتكاكها المتواصل بما يجرحها من ذرات الرمل. أما الماركسية، فترى أن التاريخ الإنساني ليس تجميعاً عشوائياً للحوادث، بل نتاج البنية الاقتصادية–الاجتماعية، حيث يقف الصراع الطبقي في مركز العملية باعتباره محركها الأساسي. بهذا المعنى، تصبح المنطلقات الماركسية انعكاساً للبنية العميقة التي ينظم البشر من خلالها إنتاجهم وتوزيعهم لثمار عملهم.

هذه الخصوصية تمنح المنطلقات الماركسية مرونة وحيوية نادرة. فهي ليست قوانين صماء أو نصوصاً مقدسة، بل رؤى تتشكل وتتجدد مع حركة التاريخ. إنها نسبية لأنها تعكس شروطاً تاريخية محددة، لكنها كونية لأنها تقوم على قوانين عامة لحركة المجتمع. الجمع بين النسبي والكوني هو ما يجعلها صلبة أمام التغيرات، وفي الوقت نفسه قادرة على التكيّف مع خصوصية كل مرحلة.

وعلى عكس المرجعيات التي تشتق شرعيتها من خارج الواقع، تستمد المنطلقات الماركسية قوتها من الداخل، أي من تحليل التناقضات الطبقية القائمة وإدراك موقع الطبقة العاملة في البنية الاجتماعية. فهي ليست وعياً يُسقطه مثقفون معزولون على الطبقة، بل وعي يُستخلص من وجودها المادي وشروط حياتها. غير أن هذا لا يعني أن الوعي يتولد تلقائياً؛ بل يحتاج إلى صياغة نظرية دقيقة وإلى تنظيم ثوري قادر على تحويله إلى قوة مادية.

خصوصية المنطلقات الماركسية تكمن في وحدتها الجدلية بين الفكر والممارسة. فهي ليست مبادئ معلّقة على الجدران، بل وعي تاريخي حي ينمو في التفاعل مع الواقع ويعود ليؤثر فيه. يمكن تشبيهها بالتيار الكهربائي: لا يُرى بالعين، لكنه يحرّك الآلة ويمنحها طاقتها. وبدون هذا التيار، يبقى الحزب الثوري أو الحركة الاجتماعية مشلولاً، أسيراً للعفوية أو ردود الفعل اللحظية.

مصادر المنطلقات الفكرية

إذا كانت المنطلقات الفكرية في التصور الماركسي تُفهم على أنها انعكاس للواقع المادي وأداة لتغييره في الوقت نفسه، فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: من أين تستمد هذه المنطلقات مضمونها وقوتها وشرعيتها؟ ببساطة، لا يمكن النظر إليها كأفكار تهبط من السماء أو كمقررات جاهزة يفرضها مثقف ما، بل هي ثمرة لتفاعل جدلي معقد بين ثلاثة مصادر أساسية: الواقع المادي، التجربة التاريخية، والتراكم النظري.

أولاً: الواقع المادي بوصفه المصدر الأساسي

القاعدة المادية للمجتمع – أي علاقات الإنتاج، أشكال الملكية، وتقسيم العمل – هي المنبع الأول لكل وعي ممكن. الفكر لا يسقط من السماء، بل يتشكل من الحياة اليومية بكل تناقضاتها. كما أشار ماركس في الأيديولوجيا الألمانية، “ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”. عندما يعيش العامل علاقة استغلال يومية في المصنع أو الحقل، فإن هذه التجربة ليست حادثة فردية، بل تعبير عن بنية اجتماعية شاملة تنتج وعياً معيناً.

يمكن تقريب الصورة بمثال ملموس: المعادن موجودة في باطن الأرض، لكنها لا تكتسب قيمة إلا حين تُستخرج وتُصهر وتُحوّل إلى أدوات. كذلك الواقع المادي: يفرز تناقضات، لكنه لا يحوّلها تلقائياً إلى وعي. هنا يأتي دور الفكر في إعادة صياغة هذه التناقضات ضمن رؤية منظمة. إذن، الواقع المادي هو “المادة الخام” التي تُصاغ منها المنطلقات الفكرية.

ثانياً: التجربة التاريخية والنضالات الثورية

لكن الواقع وحده لا يكفي. التاريخ حافل بأمثلة عن مجتمعات كانت تعيش تناقضات طبقية صارخة، لكنها لم تتحول إلى ثورات منظمة. هذا يكشف أن التناقضات تحتاج إلى وسيط يختبرها ويحوّلها إلى دروس عملية، أي التجربة الثورية.

لنأخذ كومونة باريس عام 1871 كمثال بارز. هذه التجربة القصيرة كشفت هشاشة الديمقراطية البرجوازية، وأوضحت أن الثورة لا يمكنها الاكتفاء بالاستيلاء على جهاز الدولة القائم، بل عليها تحطيمه وإعادة بنائه على أسس جديدة. هذه الدروس لم تكن مجرد تفاصيل في كتاب التاريخ، بل تحولت إلى لبنات أساسية غذّت المنطلقات الماركسية، وأثّرت في الحركات الاشتراكية التي جاءت بعدها. يمكن القول إن كل ثورة كبرى هي بمثابة “مختبر مكثّف”، تنتج معرفة عملية تُغذي النظرية وتعيد توجيهها.

ومن هنا يتضح أن المنطلقات ليست معطيات ثابتة، بل تتشكل وتُعاد صياغتها باستمرار في ضوء تجارب الشعوب وصراعاتها. فالتجربة التاريخية أشبه بموجة بحرية: تحمل معها قوة الواقع الخام، لكنها تعيد صياغته في شكل ملموس من الدروس والاستنتاجات.

ثالثاً: التراكم النظري الماركسي

المصدر الثالث لا يقل أهمية: التراكم النظري الذي ابتدأ مع ماركس وإنجلز، ثم واصل لينين، لوكاتش، غرامشي وغيرهم البناء عليه. هذا التراكم لم يكن يوماً إنتاجاً ذهنياً معزولاً في أبراج عاجية، بل استجابة حية لمتطلبات اللحظة التاريخية.

ماركس، مثلاً، لم يكتب رأس المال ليقدّم نظرية مجردة، بل ليكشف القوانين الداخلية للرأسمالية الصناعية في القرن التاسع عشر. لينين لم يكرر ماركس، بل أعاد قراءته في ضوء عصر الإمبريالية، مطوّراً مفاهيم مثل الحزب الطليعي والتحالفات الطبقية. وغرامشي أضاف مفهوم “الهيمنة” لفهم كيف تُحكم السيطرة ليس فقط عبر القوة، بل أيضاً عبر الثقافة والإقناع. هذه الإسهامات النظرية هي بمثابة الذاكرة الطويلة للحركة الثورية، تحفظ الدروس وتعيد صياغتها في مفاهيم تناسب كل مرحلة.

جدلية المصادر الثلاثة

لكن لا ينبغي أن نرى هذه المصادر الثلاثة – الواقع، التجربة، النظرية – كجزر معزولة. هي بالأحرى خيوط متشابكة في جديلة واحدة:

الواقع يولّد التناقضات،

التجربة تختبرها وتحوّلها إلى دروس،

النظرية تصوغ هذه الدروس في لغة مفاهيمية وتعيدها إلى الواقع كوعي منظم.

وحين تعمل هذه الحلقات في انسجام، تكتسب المنطلقات الفكرية وضوحاً وقوة. أما إذا حدث انفصال – كأن تُغلق النظرية على نصوص قديمة دون تطوير، أو أن تنفصل التجربة عن التحليل النظري – فإن النتيجة تكون الجمود أو التشتت. عندها تتحول المنطلقات إلى مجرد شعارات جوفاء أو عقائد جامدة، بدل أن تبقى فكراً حياً قادراً على قيادة الممارسة.

بكلمات أخرى: يمكن القول إن المصدر الدائم والحقيقي للمنطلقات الفكرية هو الواقع الملموس في حركته المتغيرة، بينما تمنحها التجربة التاريخية والنظرية الماركسية وعياً وتنظيماً واتجاهاً.

وظائف المنطلقات الفكرية (نسخة موسّعة)

بعد أن أوضحنا تعريف المنطلقات الفكرية ومصادرها، يبرز سؤال لا يقل أهمية: ما الذي تفعله هذه المنطلقات عملياً؟ أي ما هي الوظائف التي تؤديها داخل الحركة الماركسية والتنظيم الثوري؟ ببساطة، المنطلقات ليست مجرد إطار ذهني للاستخدام التأملي، بل هي أداة حيّة تمارس دوراً متعدّد الأبعاد: تنظيمي، توجيهي، نقدي، وتعبوي.

أولاً: الوظيفة التنظيمية – من العفوية إلى الوعي المنظم

المنطلقات الفكرية هي الشرط الضروري للانتقال من العفوية إلى التنظيم. بدونها، قد يتحرك العمال والفلاحون بدافع من ظلم يومي أو مطلب محدد، لكن حركتهم تبقى مشتتة، غير قادرة على الصمود طويلاً. المنطلقات الفكرية، على العكس، تمنح هذه الحركة وعياً بذاتها كجزء من صراع طبقي أشمل.

يمكن القول إن دورها يشبه دور الخيط الذي يجمع حبات المسبحة: كل حبة (أي كل نضال جزئي) قد تكون لامعة ومهمة بحد ذاتها، لكن من دون الخيط الذي يربطها معاً تفقد معناها ككل. بهذا المعنى، الوظيفة التنظيمية للمنطلقات الفكرية هي التي تحول نضالات متفرقة إلى حركة تاريخية واعية.

ثانياً: الوظيفة التوجيهية – بوصلة العمل السياسي

المنطلقات الفكرية ليست مجرد “شعور عام” أو “مزاج سياسي”، بل هي بوصلة تحدد الاتجاه. في واقع مليء بالتناقضات، يمكن لأي حركة ثورية أن تنجرف بسهولة وراء مطالب ثانوية أو تحالفات ظرفية. هنا تأتي المنطلقات لتذكّرها دائماً بالهدف التاريخي: إلغاء الاستغلال الطبقي، وبناء مجتمع جديد قائم على الاشتراكية.

لنأخذ مثالاً من الواقع المعاصر: قد يجد الحزب الثوري نفسه أمام حراك جماهيري ضد غلاء المعيشة. من دون منطلقات واضحة، قد ينحصر في مطلب تخفيض الأسعار أو دعم السلع، وينتهي الأمر بتحقيق إصلاح محدود. لكن إذا انطلق من منطلقات ماركسية، فإنه يربط هذا المطلب اليومي بجذر المشكلة: طبيعة النظام الرأسمالي وآليات تراكمه. بذلك يتحول الحراك من مجرد احتجاج اقتصادي إلى معركة سياسية واعية.

ثالثاً: الوظيفة النقدية – غربلة الواقع والأفكار

من أهم وظائف المنطلقات الفكرية أنها توفر أداة نقدية، بمعنى القدرة على التمييز بين ما هو جوهري وما هو ثانوي، بين ما يخدم الطبقة العاملة وما يخدم خصومها. فالحركات الثورية ليست محصّنة من الانحراف أو الوقوع في فخ الشعارات البرّاقة. المنطلقات هنا تقوم بدور أشبه بالمرآة التي تعكس تناقضات الواقع كما هي، وتكشف ما يختفي خلف القناع الإيديولوجي.

على سبيل المثال، كثيراً ما تُطرح الدعوة إلى “الوحدة الوطنية” كحل لمشاكل المجتمع. من دون منطلقات نقدية، قد تبدو هذه الدعوة بديهية وإيجابية. لكن عبر المنظور الماركسي، يُسأل فوراً: وحدة بين من ومن؟ هل هي وحدة بين المستغِلين والمستغَلين؟ بين الرأسمال والطبقة العاملة؟ المنطلقات الفكرية هنا تفكك الخطاب وتُظهر أنه يخدم في الغالب تثبيت النظام القائم بدل تغييره.

رابعاً: الوظيفة التعبوية – تحويل الفكر إلى قوة مادية

وأخيراً، المنطلقات الفكرية ليست حكراً على الدوائر النظرية أو كتب المكتبات. وظيفتها الأعمق هي التعبئة، أي تحويل الفكر إلى طاقة قادرة على تحريك الجماهير. عندما يُدرك العامل أو الفلاح أن معاناته ليست قدراً فردياً بل نتاج نظام طبقي شامل، يصبح أكثر استعداداً للنضال المشترك. وحين يُقدَّم له هذا الإدراك في صيغة منطلقات فكرية واضحة، فإنه يتحول إلى قوة مادية هائلة.

ماركس نفسه أشار إلى ذلك في جملته الشهيرة: “الأفكار تصبح قوة مادية عندما تستولي على الجماهير”. المنطلقات الفكرية هي القناة التي تسمح للفكرة بالانتقال من النصوص إلى الشوارع، من الوعي الفردي إلى الفعل الجماعي. يمكن تشبيهها بشرارة كهربائية: صغيرة في ذاتها، لكنها إذا وجدت وسطاً قابلاً للاشتعال، أطلقت طاقة لا تُقاس.

التكامل بين الوظائف

هذه الوظائف الأربع – التنظيم، التوجيه، النقد، التعبئة – ليست منفصلة، بل مترابطة. فالمنطلقات تنظم الحركة، توجهها نحو أهدافها التاريخية، تقيها من الانحراف عبر النقد، وأخيراً تمنحها القدرة على تحويل الفكر إلى ممارسة ثورية. هذا التكامل هو ما يجعل المنطلقات الفكرية في الماركسية ليست مجرد إطار عام، بل شرطاً حيوياً لأي حركة تريد أن تنتقل من مجرد ردود أفعال عفوية إلى مشروع تاريخي واعٍ.

جدلية الفكر والواقع

من بين أكثر القضايا جوهرية في التصور الماركسي مسألة العلاقة بين الفكر والواقع. فالفكر ليس كائناً معلقاً في فراغ، كما أنه ليس مجرد انعكاس ميكانيكي للظروف المادية. العلاقة بين الاثنين أعقد بكثير، تقوم على جدلية متبادلة: الفكر يتشكل من الواقع، لكنه في الوقت نفسه يعود ليتدخل فيه ويغيّره.

الواقع أساس الفكر

الماركسية تبدأ من نقطة واضحة: الوجود الاجتماعي يحدد الوعي، وليس العكس. هذا لا يعني أن الوعي معدوم الفاعلية، بل يعني ببساطة أن الإنسان لا يبدأ التفكير من العدم، وإنما من وضعه المادي. العامل الذي يعيش استغلال ساعات طويلة في مصنع، أو الفلاح الذي يواجه مصادرة أرضه، لا يكوّن وعيه السياسي من نصوص فلسفية، بل من تجربته اليومية مع التناقضات المادية. هنا يظهر الواقع كمنبع أول للفكر، كمادة خام تُشكّل طبيعة الأفكار الممكنة في كل عصر.

يمكن تقريب الصورة بتشبيه مألوف: البذرة لا تنبت إلا في تربة محددة، ولا تعطي ثماراً إلا بقدر ما تسمح لها التربة والمناخ. لكن شكل الشجرة واتجاه نموها يتوقف أيضاً على كيفية رعايتها. هكذا الفكر: يتغذى من شروط الواقع، لكنه لا يتطور إلا بقدر ما يجد من رعاية نظرية وتنظيمية.

الفكر كقوة فاعلة

لكن الماركسية تتجاوز النظرة الاختزالية التي ترى الفكر مجرد انعكاس. الفكر، متى ما صيغ في إطار نظري منظم وتحول إلى منطلقات واضحة، يصبح قوة قادرة على إعادة تشكيل الواقع نفسه. خذ مثلاً النظرية اللينينية حول الحزب الطليعي: لم تكن مجرد وصف للواقع الروسي مطلع القرن العشرين، بل كانت أداة عملية غيرت مسار التاريخ بقيادة ثورة أكتوبر.

بهذا المعنى، الفكر يشبه المطرقة: صحيح أن مادته من الحديد (أي من الواقع)، لكنه حين يُصاغ بشكل محدد يصبح أداة قادرة على التأثير، بل وتحطيم البنى القديمة.

الحركة الدائمة بين الانعكاس والتأثير

الجدلية الماركسية ترى العلاقة بين الفكر والواقع كحركة متواصلة:

الواقع ينتج الفكر عبر تناقضاته المادية،

الفكر ينظم التجربة ويعيد صياغتها في شكل وعي طبقي،

الفكر يعود إلى الواقع عبر الممارسة الثورية، فيغيره،

ومن ثم يتجدد الفكر نفسه على ضوء الواقع الجديد.

هذه الحركة تشبه دورة المياه في الطبيعة: التبخر من الأرض إلى السماء، ثم نزول المطر ليغذي الأرض من جديد. كل حلقة تغذي الأخرى في مسار لا ينقطع.

خطر الانفصال بين الفكر والواقع

المشكلة تظهر حين ينقطع هذا الترابط. إذا انفصل الفكر عن الواقع، يتحول إلى دوغما جامدة، إلى نصوص تحفظ عن ظهر قلب دون قدرة على التفاعل مع المتغيرات. وإذا غابت المنطلقات الفكرية وترك الوعي للواقع وحده، فإن الحركة تقع في أسر العفوية وردود الأفعال اللحظية، فتفقد أفقها التاريخي.

في التجربة الماركسية العالمية، عشنا الأمثلة على الحالتين: أحزاب جمدت على نصوص كلاسيكية دون تطوير، فانتهت إلى العزلة عن الجماهير؛ وحركات ثورية اعتمدت فقط على العفوية الشعبية، فانفجرت بسرعة ثم انطفأت لغياب الرؤية الواضحة. ما يحفظ التوازن هو هذه الجدلية الحيّة، التي تجعل الفكر مرآة للواقع وفي الوقت نفسه مطرقة لتغييره.

الوعي الطبقي كمحصلة لهذه الجدلية

الوعي الطبقي، بهذا المعنى، ليس فكرة مسبقة ولا مجرد انعكاس، بل هو نتاج الحركة المتبادلة بين الواقع والفكر. العامل لا يصبح ثورياً لأنه يعاني فقراً أو استغلالاً فحسب، بل لأنه يعيد قراءة تجربته من خلال منطلقات فكرية واضحة. وعبر التنظيم، يتحول هذا الوعي إلى قوة مادية قادرة على قلب موازين القوى.

الخاتمة

حين نتأمل مسألة المنطلقات الفكرية في التصور الماركسي، يتضح لنا أنها ليست مجرد تفاصيل نظرية أو مقدمات ذهنية تزيّن الممارسة، بل هي البنية العميقة التي تمنح هذه الممارسة معناها، اتجاهها، وقوتها. المنطلقات الفكرية هي الشرط التاريخي–العملي الذي يسمح للحركة الثورية أن تتحول من فعل عفوي متقطع إلى مشروع تاريخي منظم.

لقد رأينا أن تعريف المنطلقات الفكرية يضعها بوصفها الأساس الذي يقف عليه الفعل الثوري، مثلما يقف البناء على أساسه الخفي. وتعرّفنا إلى مصادرها التي تتوزع بين الواقع المادي كمنبع خام، التجربة التاريخية كحقل اختبار، والتراكم النظري كذاكرة حيّة للحركة. ثم وقفنا عند وظائفها التي تتجسد في التنظيم، التوجيه، النقد، والتعبئة. وأخيراً، لمسنا جدليتها مع الواقع، حيث يتشكل الفكر منه ويعود ليؤثر فيه، في حركة دائمة تعكس جوهر المنهج الجدلي الماركسي.

إن القيمة الجوهرية لهذه المنطلقات تكمن في كونها تُعيد توجيه الوعي الطبقي باستمرار، بحيث يتجاوز المطلب الاقتصادي المحدود نحو الفعل السياسي الواعي، ومن ثم نحو الرؤية التاريخية لتغيير المجتمع ككل. ببساطة، يمكن القول إن المنطلقات الفكرية هي “اللغة” التي تعبّر بها الطبقة العاملة عن ذاتها، وهي الأداة التي تمكّنها من أن ترى في معاناتها اليومية تعبيراً عن نظام شامل، لا مجرد قدر شخصي أو ظرف عابر.

من دون هذه المنطلقات، يغدو الوعي هشّاً، عُرضة للتقلبات، أو منقاداً وراء شعارات جاهزة قد تخدم في النهاية بقاء البنية الطبقية ذاتها. أما بوجودها، فإن كل تجربة نضالية صغيرة – إضراب، اعتصام، أو احتجاج – تتحول إلى لبنة في مشروع تاريخي أكبر. بهذا المعنى، المنطلقات الفكرية ليست رفاهاً نظرياً، بل هي، في جوهرها، فعل مقاومة ضد النسيان والتشتيت.

في هذا السياق، يمكن تشبيهها بالتيار الخفي الذي يسري تحت سطح النهر: قد لا يُرى بالعين، لكنه هو الذي يمنح الماء اتجاهه، وبدونه يتحول النهر إلى مستنقع راكد. المنطلقات الفكرية هي التي تمنح الحركة الثورية اتجاهها وتمنعها من الانغماس في العفوية أو الذوبان في الإصلاحية.

إن إدراك جدلية الفكر والواقع هو ما يضمن لهذه المنطلقات أن تظل حيّة. فهي ليست عقائد جامدة تُفرض على التاريخ، ولا مجرد ردود فعل ميكانيكية على الظروف، بل تفاعل مستمر بين النظرية والممارسة، بين الوعي والتجربة، بين الماضي والمستقبل. لذلك فإن الحفاظ على حيويتها يتطلب تطويرها الدائم، ومساءلتها في ضوء الواقع الجديد، دون السقوط في دوغما النصوص أو فوضى العفوية.

خلاصة القول: المنطلقات الفكرية في الماركسية هي بمثابة القلب النابض للحركة الثورية. فهي التي تضمن وحدتها الفكرية، صلابتها التنظيمية، ووضوحها السياسي. ومن دونها، يظل الفعل مفتتاً، محكوماً بعفوية اللحظة. أما معها، فإنه يكتسب قوة التاريخ، واتجاه المستقبل، وإمكانية التغيير الجذري.

.

 

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 4.07 من 5 (15 صوت)
📂 التصنيفات: دراسات, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.