مقدمات في الاقتصاد السياسي للمعرفة: التناقض الزمني

🖨️ طباعة هذه المقالة

شكّل مفهوم التناقض الزمني للمعرفة في الرأسمالية مدخلاً نقدياً لفهم العلاقة المتوترة بين منطق السوق الرأسمالي وبين إنتاج المعرفة وتداولها. فالمعرفة التي كانت تاريخياً تُنتج في إطار اجتماعي-جماعي وتُعتبر مورداً مشتركاً للإنسانية، لم تعد تُعامل في الرأسمالية المعاصرة كخير عام، بل خضعت لآليات التسليع والاحتكار. هذا التحول الجذري جعل من المعرفة عنصراً في دورة تراكم رأس المال، شأنها شأن العمل المأجور أو الموارد الطبيعية، وهو ما أفرز إشكاليات جوهرية تتعلق بالعدالة الاجتماعية، وإمكانية الوصول، والتفاوتات الطبقية بين من يملكون أدوات إنتاج المعرفة ومن يُستبعدون عنها.

إن هذه الإشكالية لا تتعلق فقط بالبنية الاقتصادية للرأسمالية، بل تمتد إلى بُعد زمني أكثر تعقيداً. فمن جهة، تتسارع وتيرة إنتاج المعرفة بوتيرة غير مسبوقة بفضل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ما يؤدي إلى فيض من الابتكارات والبحوث في فترات زمنية قصيرة جداً. ومن جهة أخرى، يبقى الإنسان – جسداً وعقلاً – محكوماً بحدود بيولوجية واجتماعية تفرض بطئاً على عملية التعلم والاستيعاب. هذا التفاوت بين تسارع الإنتاج وبطء الاستيعاب يخلق ما يمكن وصفه بـ”فائض معرفة غير مستوعب”، أي معرفة مُكدَّسة لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي أو التوظيف الاجتماعي العادل، بل تتحول إلى شكل من أشكال التراكم الرأسمالي المُعطَّل الذي يخدم مصالح الشركات الاحتكارية الكبرى دون أن ينعكس على تقدم البشرية ككل.

إذن، فإن التناقض الزمني للمعرفة ليس مجرد مسألة تقنية أو أكاديمية، بل هو انعكاس مباشر لبنية السلطة في الرأسمالية. فالمعرفة، بدل أن تكون أفقاً للتحرر الجمعي، تُختزل في منطق الربح وتُسخّر كأداة للهيمنة الاقتصادية والسياسية. وهذا التناقض يطرح سؤالاً جوهرياً حول مستقبل المعرفة: هل ستبقى أسيرة قوانين السوق وحقوق الملكية الفكرية، أم يمكن إعادة تصورها كملكية جماعية ومشاع إنساني يحرر طاقاتها الكامنة؟

الخلفية التاريخية

حين نتأمل المسار التاريخي لإنتاج المعرفة، نكتشف أن الرأسمالية لم تدخل فقط في علاقة استخدام مع هذا المجال، بل أعادت صياغة بنيته ووظيفته على نحو جذري. ففي المجتمعات ما قبل الرأسمالية، سواء في الحضارات القديمة أو في المجتمعات الوسيطة، كانت المعرفة تُنتج ضمن أطر اجتماعية-ثقافية واسعة، تتوزع بين الحكمة الفلسفية، والخبرة الحرفية، والمعرفة الزراعية، والتقاليد الشفوية. المعرفة في هذا السياق لم تكن تنفصل عن الجماعة، بل كانت تُعاش كجزء من الحياة اليومية، وتنتقل عبر الأجيال بوصفها ميراثاً عاماً لا يخضع لمنطق السوق. وحتى حين ارتبطت المعرفة بمؤسسات محددة كالمعابد أو المدارس الفلسفية أو الجامعات الأولى في القرون الوسطى، ظلت وظيفتها الأساسية مرتبطة بالبحث عن الحقيقة أو خدمة المجتمع والدين، أكثر من ارتباطها بمراكمة الأرباح.

غير أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ القرن الخامس عشر، مع بروز نمط الإنتاج الرأسمالي، بدأت تنقل المعرفة من فضاء المشاع إلى فضاء السوق. فالمعرفة لم تعد مجرد حكمة أو خبرة متوارثة، بل تحولت تدريجياً إلى قوة إنتاجية ضرورية في صيرورة تراكم رأس المال. ومع الثورة العلمية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، تبلورت العلاقة بين العلم الناشئ والرأسمالية الصناعية، حيث صار الاكتشاف العلمي والتقني محركاً رئيسياً لتوسيع الإنتاج وتعظيم الأرباح. فالعالم أو المخترع لم يعد فاعلاً مستقلاً يسعى خلف الحقيقة المجردة، بل أصبح جزءاً من منظومة إنتاجية أوسع تخضع لمقتضيات السوق والتنافس بين الرأسماليين. ومن هنا ظهرت البدايات الأولى لتشييء المعرفة، أي تحويلها إلى وسيلة ضمن دورة القيمة.

ومع الثورة الصناعية الثانية في القرن التاسع عشر، تعمق هذا التحول بشكل أكبر. إذ لم يعد دور العلم محصوراً في تحسين أدوات الإنتاج أو تطوير الآلات، بل بات عنصراً بنيوياً في آليات تراكم رأس المال. المؤسسات الصناعية والاحتكارات الناشئة أنشأت مختبرات بحث خاصة، وجعلت من العلماء موظفين يبيعون وقتهم المعرفي كما يبيع العمال قوتهم الجسدي. هذا التغيير التاريخي أرسى القاعدة التي ستتوسع لاحقاً في ظل الرأسمالية المعاصرة، حيث صارت المعرفة خاضعة بالكامل لمنطق الملكية الخاصة وبراءات الاختراع، ومعتمدة على التنافس بين الدول والشركات الكبرى.

ومع الانتقال إلى المرحلة النيوليبرالية في أواخر القرن العشرين، برزت مرحلة جديدة من السيطرة على المعرفة. فالرأسمالية المالية والعابرة للقوميات لم تعد تكتفي بتحويل العلم إلى قوة إنتاجية، بل جعلت من إنتاج المعرفة نفسه قطاعاً قائماً بذاته، يتجسد في الاقتصاد الرقمي وصناعات التكنولوجيا المتقدمة. هنا، باتت الشركات العملاقة مثل Microsoft وGoogle وApple تمثل النموذج الأوضح لهيمنة رأس المال على المعرفة. فهي لم تعد تنتج أدوات مادية فحسب، بل استحوذت على المعرفة ذاتها عبر احتكار البيانات والخوارزميات والبرمجيات، محولةً المجال المعرفي إلى مورد استراتيجي يحدد ميزان القوى العالمي.

وهكذا، تكشف الخلفية التاريخية عن مسار طويل من التحولات، انتقلت فيه المعرفة من كونها إرثاً جماعياً ومشاعاً إنسانياً إلى كونها سلعة رأسمالية خاضعة للملكية الخاصة وآليات السوق. هذا التحول لم يكن محايداً، بل يعكس التناقض البنيوي بين الطابع الجمعي للمعرفة باعتبارها نتاجاً اجتماعياً، وبين منطق التملك الفردي الذي تفرضه الرأسمالية. وهو ما سيمهد الطريق لظهور التناقض الزمني للمعرفة، حيث يتسارع إنتاجها تحت ضغط السوق، بينما يظل استيعابها محكوماً بحدود إنسانية واجتماعية لا يمكن تجاوزها بسهولة.

المعرفة كسلعة

حين تحولت المعرفة في ظل الرأسمالية إلى سلعة، انقطعت عن معناها الأصلي كنتاج اجتماعي مشترك يعبر عن خبرة الإنسان وتراكمه التاريخي، لتدخل في منطق السوق وتخضع لقوانين العرض والطلب والملكية الخاصة. من منظور ماركسي، هذه النقلة ليست مجرد تغيير في طريقة تداول المعرفة، بل هي فعل جوهري من أفعال التشييء؛ حيث تُختزل المعرفة، بكل طابعها الجمعي والتاريخي، إلى مجرد وحدة اقتصادية قابلة للتبادل. فالكتاب، أو البرمجية، أو براءة الاختراع، لم تعد مجرد أدوات لنقل الأفكار أو تطوير حياة البشر، بل صارت تحمل قيمة تبادلية تخضع لحركة رأس المال وتُستثمر بوصفها مصدراً للربح.

هذا التحول يطرح إشكالية نظرية وسياسية عميقة، لأن المعرفة بطبيعتها لا تشبه السلع المادية الأخرى. فهي ليست منتجاً يمكن إنتاجه بمعزل عن المجتمع، بل هي حصيلة تراكم جماعي، تتغذى من خبرات الأجيال وتُبنى عبر الحوار والتفاعل. هنا يبرز مفهوم “السلعة الخيالية” ، والذي يشير إلى تلك العناصر التي لم تُنتَج أصلاً لتكون سلعاً، مثل الأرض والعمل والمعرفة، لكنها أُدرجت قسراً في منطق السوق. إن تسليع المعرفة بهذا المعنى هو عملية عنف رمزي ومادي في الوقت ذاته، لأنه يفصلها عن جذورها الجمعية ويضعها تحت رحمة الرأسمال الاحتكاري.

إن براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية تمثل الآلية الأبرز لتثبيت هذا التحول. فهي لا تمنح المبدع أو الباحث حماية بسيطة، كما يُزعم، بل تُعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي على نطاق عالمي. فالشركات الكبرى تستطيع شراء هذه الحقوق وتكديسها لتحتكر الوصول إلى المعرفة، في حين يُقصى الملايين من البشر، خصوصاً في بلدان الجنوب العالمي، عن ثمار هذه الإنجازات. ولعل المثال الأكثر وضوحاً لذلك تجلى في قطاع الأدوية، حيث احتكرت شركات الأدوية العالمية براءات تصنيع العلاجات واللقاحات، بينما بقيت شعوب بأكملها عاجزة عن الوصول إليها بسبب كلفتها العالية. هذا الوضع يكشف عن الطبيعة الطبقية لتسليع المعرفة: إذ تتحول من مورد للتحرر الجماعي إلى أداة للهيمنة والسيطرة، تعمق الهوة بين من يملكون المعرفة ومن يُحرمون منها.

من جهة أخرى، تسليع المعرفة لا يقتصر على المجالات العلمية أو التكنولوجية، بل يمتد ليشمل الثقافة والإبداع واللغة ذاتها. فصناعات الإعلام والترفيه والتعليم أصبحت بدورها أسواقاً هائلة لتداول “المعرفة المؤدلجة”، حيث يُعاد إنتاج الوعي الاجتماعي بما يخدم استمرار الرأسمالية. وهنا تتضح آلية أعمق: الرأسمالية لا تحتكر المعرفة بوصفها مورداً اقتصادياً فقط، بل تعيد صياغتها لتصبح أداة لإنتاج الهيمنة الأيديولوجية. فالمحتوى العلمي أو الثقافي يُصاغ ويُفلتر ضمن قوالب تجارية تحددها مصالح السوق، مما يقيّد إمكانيات التفكير النقدي والتحرر الفكري.

هكذا إذن، يتضح أن المعرفة كسلعة ليست مجرد حالة خاصة ضمن الاقتصاد الرأسمالي، بل هي تعبير عن تناقض بنيوي أشمل. فالمعرفة، بحكم طبيعتها الجمعية، تميل إلى الانتشار والتداول الحر، بينما يفرض عليها رأس المال منطق التملك والاحتكار. هذا التناقض بين الطابع المشاعي للمعرفة والطابع الاحتكاري للرأسمالية هو ما يفسر ليس فقط أزمة العدالة في الوصول إلى المعرفة، بل أيضاً يفسر التناقض الزمني ذاته، حيث يُسرَّع إنتاجها بهدف تعظيم الربح، بينما يُبطَّأ تداولها واستيعابها بفعل القيود السوقية.

التناقض الزمني: تسارع الإنتاج وبطء التعلم

يُعد التناقض الزمني للمعرفة أحد أكثر أوجه الأزمة الرأسمالية تعقيداً، إذ يكشف عن فجوة عميقة بين الإيقاع السريع لإنتاج المعرفة والإيقاع البطيء لاستيعابها. فمن جهة، نشهد في العقود الأخيرة تسارعاً غير مسبوق في إنتاج المعرفة بفعل الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتطورات التكنولوجية المتلاحقة. إن أبحاثاً علمية كان إنجازها يتطلب عقوداً من الزمن، باتت اليوم تتحقق في غضون أشهر أو حتى أسابيع. فالمختبرات الضخمة، والشركات العابرة للقوميات، والبنى التحتية الرقمية، كلها تساهم في تكثيف إنتاج المعرفة على نحو يضاعف حجمه بشكل هائل. لكن في المقابل، يظل الإنسان، سواء كان طالباً أو باحثاً أو عاملاً معرفياً، محكوماً بحدود بيولوجية واجتماعية لا يمكن تجاوزها. فالتعلم يتطلب وقتاً طويلاً للتأمل، والفهم، والتجريب، والتكرار، وهي عمليات لا يمكن ضغطها أو تسريعها بما يتوافق مع وتيرة السوق.

هذا التناقض يخلق ظاهرة يمكن تسميتها بـ”فائض المعرفة غير المستوعب”، أي تراكم هائل من المعلومات والبحوث والابتكارات التي لا تجد طريقها إلى الفهم الجمعي أو التطبيق العملي. فمن جهة، يتكدس رأس المال المعرفي في شكل قواعد بيانات، وبراءات اختراع، وخوارزميات مغلقة، ومن جهة أخرى، تظل الجماهير عاجزة عن اللحاق بهذا الإيقاع المتسارع. وهكذا يصبح تراكم المعرفة في الرأسمالية مشروطاً ليس بضرورات التقدم الإنساني، بل بضرورات تعظيم الربح. فالغاية ليست إتاحة المعرفة للجميع، بل استغلال سرعتها كمصدر احتكاري يرسخ هيمنة القلة المالكة.

من منظور ماركسي، يمكن فهم هذا التناقض الزمني كامتداد للتناقض الأساسي في الرأسمالية بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. فالمعرفة، باعتبارها قوة إنتاجية، تميل إلى التوسع والتداول الواسع، بينما علاقات الإنتاج الرأسمالية تقيدها بالملكية الخاصة، وتُحوّلها إلى سلعة محجوبة خلف جدران السوق. إن تسارع الإنتاج المعرفي لا ينفصل عن منطق تراكم رأس المال، الذي يسعى دوماً إلى اختصار الزمن وزيادة الفائض. غير أن استيعاب المعرفة، أي تحويلها إلى قوة اجتماعية واعية، يتطلب شروطاً مختلفة، لا يختزلها منطق السوق ولا يمكن اختصارها ضمن إيقاعه.

البُعد الفلسفي لهذا التناقض يكشف عن علاقة مشوهة بالزمن ذاته في الرأسمالية. فالزمن هنا يُعامل كسلعة يجب اختزاله واستثماره لتحقيق الربح الأقصى، بينما يظل زمن الإنسان الجسدي والذهني عصياً على هذا الاختزال. إن التعليم والتفكير والنقد والابتكار الفردي لا يمكن أن يتحول إلى عملية لحظية أو فورية، لأنها مشروطة بعمق التجربة وتراكم الخبرة. ومن هنا ينشأ ما يمكن وصفه بـ”الاستلاب الزمني”، حيث يعيش الأفراد تحت ضغط التسارع المستمر، غير قادرين على مواكبة المعرفة، مما يولد شعوراً بالعجز والتهميش.

إن هذا التناقض الزمني لا يقتصر أثره على النخب الأكاديمية أو العلمية، بل يمتد ليطال المجتمع ككل. فالمؤسسات التعليمية مثل الجامعات والمدارس تعجز عن اللحاق بوتيرة الإنتاج المعرفي، مما يجعلها تبدو متأخرة دائماً خطوة إلى الوراء. وهذا يؤدي إلى أزمة بنيوية في التعليم، حيث يُختزل دوره في إعداد قوى عاملة محدودة المهارات بدلاً من تمكين الأجيال من استيعاب الديناميات المعرفية الجديدة. وهكذا تتحول المعرفة إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية، بدلاً من أن تكون رافعة للتحرر الجماعي.

بهذا المعنى، يصبح التناقض الزمني للمعرفة تجسيداً ملموساً للأزمة الأوسع في الرأسمالية: فهو يعبر عن صراع بين منطق التراكم الذي يسعى لتسريع كل شيء، ومنطق الوجود الإنساني الذي يحتاج إلى زمن للفهم والنمو. وما لم يُحرر إنتاج المعرفة من قبضة السوق، سيبقى هذا التناقض مصدراً لاستلاب جديد، حيث يراكم رأس المال المعرفة بوتيرة متسارعة، بينما تظل المجتمعات عاجزة عن تحويلها إلى قوة تحريرية.

رأس المال المعرفي

إن مفهوم “رأس المال المعرفي” يمثل إحدى أهم التحولات التي عرفتها الرأسمالية في مرحلتها المعاصرة، حيث لم يعد تراكم رأس المال قائماً فقط على السيطرة على الأرض والعمل ورأس المال المادي، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على إنتاج المعرفة ذاتها وتملكها. فالشركات الكبرى لم تعد تقتصر على تصنيع السلع المادية أو تقديم الخدمات، بل تحولت إلى كيانات تحتكر المعرفة وتعيد صياغتها في شكل مورد استراتيجي قابل للاستثمار. هنا، تتجسد المعرفة في صورة “رأس مال” يدر الأرباح ويعزز المواقع الاحتكارية للشركات العابرة للقوميات، بحيث تغدو الخوارزميات والبيانات الضخمة وبراءات الاختراع أهم من المصانع والآلات التقليدية.

من منظور ماركسي، يمكن فهم رأس المال المعرفي كامتداد لعملية التشييء التي تخضع لها كل القوى الاجتماعية في ظل الرأسمالية. فالمعرفة، التي كانت بطبيعتها نتاجاً جماعياً، تُفصل عن سياقها الاجتماعي وتُعاد صياغتها كسلعة مستقلة تملكها الشركات والمؤسسات. إن العامل في هذا السياق لم يعد مجرد صاحب قوة عمل بدنية كما كان في المصنع الصناعي الكلاسيكي، بل أصبح حاملاً لـ”قوة عمل معرفية” يبيعها في سوق العمل. الباحث، المبرمج، أو المصمم باتوا جزءاً من بروليتاريا جديدة، يبيعون وقتهم الذهني وخبرتهم الفكرية مقابل أجر، بينما تُستحوذ الشركات على القيمة الفائضة التي يولدها نشاطهم المعرفي. وبذلك، يتحول الفكر ذاته إلى مجال للاستغلال الرأسمالي، تماماً كما كان الجسد موضوعاً للاستغلال في الرأسمالية الصناعية.

إن أبرز مثال على ذلك يتمثل في الشركات العملاقة مثل Google وMicrosoft وApple وAmazon. هذه الكيانات لا تُنتج مجرد منتجات أو خدمات تقنية، بل تسيطر على البنية التحتية للمعرفة العالمية من خلال احتكار البيانات والخدمات السحابية، وتوجيه البحث العلمي، والتحكم في أنماط التواصل الاجتماعي. وهكذا تصبح المعرفة مادة أولية لعملية تراكم رأسمالي هائلة، تُبنى على استخراج البيانات وتحويلها إلى سلعة تباع وتُشترى في الأسواق العالمية. وهذا الاحتكار لا يقتصر على التقنية وحدها، بل يمتد إلى الأدوية والبيوتكنولوجيا والتعليم والذكاء الاصطناعي، حيث يتم تأطير البحث العلمي داخل أجندة الشركات والدول المهيمنة بما يخدم إعادة إنتاج تفوقها.

ومن اللافت أن رأس المال المعرفي لا يقتصر على إنتاج سلع ملموسة أو خدمات رقمية، بل يشمل أيضاً السيطرة على الرموز والمعاني واللغة ذاتها. ففي عالم الاقتصاد المعرفي، تُصبح العلامة التجارية والمحتوى الإعلامي والمعلومة المتداولة أدوات لتوليد الأرباح، وهو ما يكشف عن مدى تغلغل رأس المال في أبسط تفاصيل الحياة الثقافية والفكرية. إن هذا المستوى من السيطرة يعكس تحول المعرفة من مورد مشترك للبشرية إلى أداة للهيمنة الطبقية والعالمية، بحيث تُعاد صياغة الحدود بين المركز الرأسمالي والأطراف التابعة على أساس من يملك أدوات إنتاج المعرفة ومن يُستبعد منها.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن رأس المال المعرفي يعبر عن الطور الأعلى من عملية “استيلاء الرأسمالية على العام”، أي تحويل ما هو جماعي بطبيعته إلى مجال خاص للاحتكار والاستغلال. فالمعرفة، باعتبارها نتاجاً تراكمياً للبشرية، تُختزل في شكل أصول رأسمالية يتم استثمارها لتعزيز تراكم الأرباح، بدلاً من أن تكون قوة محرِّرة توجه التقدم الاجتماعي. وهذا ما يجعل من رأس المال المعرفي ليس فقط تطوراً اقتصادياً جديداً، بل أيضاً تحدياً سياسياً وأيديولوجياً يفرض على الحركات الاجتماعية والعمالية إعادة التفكير في سبل مواجهة الرأسمالية في عصر الاقتصاد الرقمي.

انعكاسات اجتماعية وسياسية

إن التناقض الزمني للمعرفة في الرأسمالية لا يبقى حبيس المجال الاقتصادي أو الأكاديمي، بل يمتد ليترك انعكاسات عميقة على البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمعات. ففي المقام الأول، يؤدي احتكار المعرفة وتسليعها إلى تعميق الفوارق الطبقية بين من يملكون أدوات إنتاجها ومن يُستبعدون عنها. إذ تتركز المعرفة في يد النخب الرأسمالية – سواء عبر الشركات العملاقة أو الجامعات الممولة من رأس المال – بينما تُحرم منها الغالبية العظمى من البشر، خصوصاً في الجنوب العالمي. هذه الفجوة المعرفية لا تُترجم فقط إلى حرمان من فرص التعليم أو العمل، بل تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الهيمنة العالمية، حيث تُرسم الحدود بين “المركز” المهيمن و”الأطراف” التابعة على أساس من يمتلك المعرفة ويحتكرها.

ومن بين أبرز الانعكاسات أيضاً ما يُعرف بـ أزمة التعليم. فالجامعات التي كانت يوماً فضاءً لتوليد الفكر النقدي وتحرير العقول، باتت اليوم مؤسسات شبه سوقية تخضع لآليات التمويل الخاص ومعايير السوق. البرامج الأكاديمية تُصمم غالباً وفقاً لمتطلبات الشركات، وليس لحاجات المجتمع أو لتطور الوعي النقدي. والطالب لم يعد يُنظر إليه بوصفه متعلماً يسعى وراء المعرفة لذاتها، بل زبوناً يشتري خدمة تعليمية مقابل شهادة تُحدد مكانته في سوق العمل. هذا التحول يخلق مفارقة واضحة: في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة إنتاج المعرفة عالمياً، تعجز المؤسسات التعليمية عن ملاحقتها، لتظل دائماً متأخرة خطوة عن السوق. والنتيجة أن التعليم لا يُنتج وعياً جماعياً قادراً على استيعاب الثورة المعرفية، بل يُعيد إنتاج قوة عاملة مقيدة بمهارات محدودة، مما يعمّق استلاب الأفراد ويعطل إمكاناتهم النقدية.

كذلك، تتجلى هيمنة أوليغارشية معرفية في يد أقلية ضيقة من الشركات والجامعات الكبرى. هذه المؤسسات لا تحتكر فقط الوصول إلى المعرفة، بل تتحكم أيضاً في مسارات البحث العلمي واتجاهاته. فالمشاريع البحثية التي لا تدر أرباحاً أو لا تخدم أجندة رأس المال تُهمّش أو تُقصى، حتى وإن كانت قادرة على تقديم حلول لمشكلات إنسانية كبرى مثل الفقر أو التغير المناخي. بهذا المعنى، يتحول العلم من أفق للتحرر الإنساني إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة الطبقية والهيمنة الإمبريالية. إن ما يُسمى بـ”الاقتصاد المعرفي” ليس سوى إعادة صياغة لعلاقات القوة العالمية، حيث تُختزل الأطراف في دور “مستهلكين” أو “مزودين” لعمالة منخفضة الأجر، بينما يُحتكر الإبداع والابتكار في مراكز الرأسمالية.

أما على المستوى السياسي، فإن احتكار المعرفة يعزز النزعات السلطوية والإمبريالية. فالدول والشركات التي تسيطر على التكنولوجيا والمعرفة الرقمية تمتلك قدرة غير مسبوقة على المراقبة والتحكم في المجتمعات. البيانات، التي هي تعبير عن حياة الأفراد اليومية، تتحول إلى مورد يُستثمر في توجيه السلوك الانتخابي، وفي صناعة الرأي العام، وفي تعميق أدوات القمع والسيطرة. وهكذا، فإن المعرفة في ظل الرأسمالية لا تُستخدم كوسيلة للتحرر الديمقراطي، بل تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة، سواء من خلال الدعاية الإعلامية أو تقنيات المراقبة الشاملة أو احتكار الوصول إلى المعلومات.

إن انعكاسات هذا الوضع خطيرة، لأنها تكشف عن أزمة حضارية شاملة. فبدل أن تكون المعرفة أفقاً لتحرير الإنسان من قيود الضرورة المادية والاجتماعية، تتحول في الرأسمالية إلى قيد جديد يرسّخ التفاوتات ويعيد إنتاج التبعية. وهنا يتضح أن التناقض الزمني للمعرفة ليس مجرد مسألة تقنية أو تعليمية، بل هو تجسيد لصراع طبقي عالمي يتحدد فيه مصير العلاقة بين الإنسان والمعرفة، بين الإمكان التحرري والقيد الاستغلالي.

آفاق بديلة

إن مواجهة التناقض الزمني للمعرفة في الرأسمالية تستدعي تصوراً بديلاً يتجاوز منطق السوق ويعيد للمعرفة طبيعتها الجمعية بوصفها نتاجاً إنسانياً مشتركاً. من منظور ماركسي، فإن الحل لا يكمن في إصلاح جزئي أو في تلطيف بعض مظاهر الاحتكار، بل في إعادة هيكلة جذرية لعلاقة المجتمع بالمعرفة. ذلك أن المعرفة، بحكم تكوينها التاريخي والاجتماعي، ليست ملكاً لفرد أو شركة، بل هي حصيلة تفاعلات ممتدة عبر أجيال وشعوب مختلفة. ومن ثم فإن تحريرها من منطق التملك الخاص هو الشرط الأول لتحويلها إلى قوة تحرر جماعي.

أحد الأفق الأساسية لهذا التصور يتمثل في توسيع الوصول المفتوح للبحوث والبيانات. فبدل أن تُحتجز المعرفة خلف جدران الملكية الفكرية أو النشر التجاري، ينبغي أن تُتاح بوصفها مورداً عاماً للجميع. وهذا لا يعني فقط إتاحة المقالات الأكاديمية أو البيانات العلمية، بل يعني أيضاً إعادة النظر في النظام القانوني الذي يحمي الاحتكار المعرفي. إن براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية، التي تُسوَّق على أنها آليات لحماية المبدعين، ليست سوى أدوات لتعميق التفاوتات العالمية. لذلك، فإن أي مشروع تحرري ينبغي أن يسعى إلى تقويض هذه الآليات واستبدالها بأنظمة قائمة على المشاركة والتعاون.

كما يقتضي الأمر إعادة هيكلة التعليم بما يجعله متحرراً من التبعية لمنطق السوق. فالتعليم في شكله النيوليبرالي الحالي لا يهدف إلا إلى تزويد السوق بعمالة مرنة ومحدودة المهارات، بينما يظل عاجزاً عن مواكبة إيقاع الإنتاج المعرفي العالمي. البديل هنا هو بناء منظومة تعليمية قائمة على النقد والإبداع، تجعل من التعلم عملية مستمرة ومفتوحة، لا مجرد تهيئة للدخول في سوق العمل. هذا التصور يستلزم أيضاً تحرير الجامعات من هيمنة التمويل الخاص والشركات، وإعادة ربطها بحاجة المجتمع إلى المعرفة الحرة لا بحاجة رأس المال إلى الربح.

إلى جانب ذلك، فإن التعاون العلمي العالمي يمثل أفقاً بديلاً مهماً. فالمعرفة لا يمكن أن تزدهر إلا في بيئة قائمة على المشاركة والتبادل الحر بين الشعوب والثقافات. لكن الرأسمالية تقوض هذا التعاون من خلال فرض قيود على تداول التكنولوجيا والمعرفة، بما يضمن استمرار هيمنة المراكز الرأسمالية. إن تجاوز هذا الوضع يقتضي بناء شبكات معرفية بديلة، عابرة للحدود، تُدار بشكل جماعي وتخدم حاجات الشعوب بدلاً من مصالح الشركات. وهنا يمكن أن يشكل مفهوم “المشاعات المعرفية” (Knowledge Commons) أرضية عملية لتجسيد هذا البديل، حيث تُدار المعرفة بوصفها ملكاً عاماً لا سلعة.

وأخيراً، فإن مواجهة تحويل المعرفة إلى أداة للهيمنة الإمبريالية يستلزم نضالاً سياسياً عالمياً، يربط بين المطالب التحررية للعمال والمثقفين في المركز الرأسمالي وبين حركات المقاومة في الأطراف. فالاقتصاد المعرفي لا يعيد إنتاج الاستغلال الطبقي فقط، بل يرسخ تبعية بلدان الجنوب من خلال حصرها في أدوار هامشية كموفر للعمالة الرخيصة أو كسوق استهلاكي. البديل الحقيقي هو بناء تضامن عالمي يضع تحرير المعرفة في صلب مشروع مقاومة الإمبريالية، بحيث تتحول المعرفة إلى أداة لإعادة توزيع القوة على نحو أكثر عدلاً.

هكذا يتضح أن الآفاق البديلة ليست مجرد خيال طوباوي، بل هي إمكان واقعي يتأسس على نقد الرأسمالية نفسها. فإذا كانت الرأسمالية قد نجحت في تحويل المعرفة إلى سلعة خاضعة لمنطق الربح، فإن الحركة التحررية مطالبة بإعادة ابتكار علاقة جديدة مع المعرفة، علاقة تجعل منها قوة مشتركة تعزز التضامن والعدالة والمساواة. بهذا المعنى، يمكن للمعرفة أن تستعيد دورها التاريخي كأفق للتحرر الإنساني، بدلاً من أن تبقى أداة للهيمنة والاستلاب.

خاتمة

إن التناقض الزمني للمعرفة في الرأسمالية ليس مجرد ظاهرة عرضية أو إشكالية تقنية مرتبطة بسرعة التكنولوجيا أو بطء التعليم، بل هو تعبير مكثف عن الأزمة البنيوية للرأسمالية في عصر اقتصاد المعرفة. ففي قلب هذه الأزمة يكمن التوتر بين منطقين متناقضين: منطق تراكم رأس المال الذي يسعى بلا هوادة إلى تسريع كل شيء، وتحويل الزمن ذاته إلى مورد اقتصادي، ومنطق الحاجات الإنسانية الذي يفرض إيقاعاً مختلفاً، أكثر بطئاً وتعقيداً، يتطلب وقتاً للفهم والنقد والإبداع. هذا التناقض لا يمكن تجاوزه ضمن شروط السوق، لأنه ينبع من طبيعة الرأسمالية ذاتها التي لا ترى في المعرفة سوى وسيلة لتعظيم الأرباح وترسيخ السيطرة الطبقية.

لقد رأينا كيف انتقلت المعرفة تاريخياً من كونها مشاعاً إنسانياً إلى أن أصبحت سلعة، وكيف تحولت إلى شكل من أشكال رأس المال المعرفي الذي تحتكره الشركات العابرة للقوميات. هذا التحول أنتج بدوره فجوة اجتماعية وسياسية عميقة، حيث تُقصى الأغلبية الساحقة من البشر عن الوصول إلى المعرفة، بينما تحتكرها أقلية ضيقة تتحكم في مصائر الاقتصاد والسياسة والثقافة. وبفعل هذا الاحتكار، لم تعد المعرفة أفقاً للتحرر الجمعي، بل غدت أداة لإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية والتبعية العالمية.

التناقض الزمني يوضح بجلاء أن الرأسمالية، رغم قدرتها المدهشة على تسريع وتيرة إنتاج المعرفة، عاجزة عن تحويلها إلى قوة اجتماعية متكافئة. فالمجتمعات لا تستطيع أن تستوعب هذا الفيض المتسارع، لأن عمليات التعلم والنقد والإبداع الفردي والجماعي لا يمكن أن تُختزل أو تُضغط وفق إيقاع السوق. النتيجة هي تراكم هائل من “المعرفة غير المستوعبة”، أي فائض معرفي يتحول إلى شكل جديد من أشكال رأس المال المعطَّل، يُستخدم لتعزيز الهيمنة لا لتحرير الإنسان.

هذا الوضع يفرض علينا إعادة طرح سؤال جوهري: ما هو مصير المعرفة في المستقبل؟ هل ستظل أسيرة قوانين السوق وحقوق الملكية الفكرية، تتحرك داخل دائرة مغلقة من الربح والاحتكار؟ أم يمكن إعادة تصورها كمورد جماعي، ملك للبشرية جمعاء، يعاد توزيعه بشكل عادل ويُستثمر في خدمة الحاجات الإنسانية؟ من منظور ماركسي، الإجابة تكمن في النضال من أجل تحرير المعرفة من السوق، وفي بناء مشاعات معرفية تتيح للمعرفة أن تتحول من سلعة إلى قوة تحررية.

إن الخاتمة التي يفرضها هذا التحليل ليست متشائمة بالضرورة، بل جدلية. فالمعرفة في ظل الرأسمالية تحمل وجهين متناقضين: فهي أداة للهيمنة إذا ظلت أسيرة منطق الربح، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على إمكانات هائلة للتحرر إذا جرى تحريرها من قيود السوق. إن الصراع حول المعرفة هو جزء لا يتجزأ من الصراع الطبقي في القرن الحادي والعشرين، وهو ساحة أساسية لتحديد ما إذا كان المستقبل سيُبنى على تعميق الاستلاب والتبعية، أم على بناء مجتمع أكثر عدلاً ومساواة.

وبهذا، يمكن القول إن التناقض الزمني للمعرفة ليس فقط عنواناً لأزمة فكرية أو تقنية، بل هو مرآة للأزمة التاريخية للرأسمالية ذاتها. فإذا كانت الرأسمالية قد حولت الزمن والمعرفة إلى أدوات للاستغلال، فإن التحدي التاريخي المطروح أمام الإنسانية اليوم هو إعادة استعادة المعرفة كقوة جمعية، تُستخدم لا لتكديس الأرباح، بل لبناء عالم أكثر تحرراً وإنسانية.

 

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 4.38 من 5 (8 صوت)
📂 التصنيفات: دراسات, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.