العودة الثالثة… نوري المالكي بين منطق الدولة ومنطق الزمن

🖨️ طباعة هذه المقالة

إعادة طرح اسم نوري المالكي لرئاسة الوزراء في العراق، للمرة الثالثة، ليست حدثا عابرا في سوق السياسة، بل علامة كاشفة على أزمة أعمق في بنية النظام السياسي بعد 2003. فالسؤال هنا لا يقتصر على (من يترشح)، بل يتعداه إلى (لماذا نعود دائما إلى الأسماء ذاتها؟) وهل يعكس هذا الترشيح قوة شخصية، أم هشاشة نظام، أم فقر البدائل؟
من حيث الشكل الدستوري، لا مانع قانونيا من ترشيح المالكي مرة أخرى، بعد أن أُغلقت ثغرة (الولاية الثالثة) بحكم المحكمة الاتحادية بصيغة لا تمنع العودة بعد انقطاع. لكن السياسة ليست نصا قانونيا فقط؛ هي أيضا ذاكرة عامة، وحصيلة تجربة، وميزان كلفة وعائد. وهنا تبدأ الإشكالية.
تجربة المالكي في رئاسة الحكومة ارتبطت، في الوعي العام، بتكريس مركزية السلطة، وتسييس مؤسسات الدولة، وتوسيع الفجوة بين المكونات، فضلا عن إخفاقات أمنية جسيمة انتهت بسقوط الموصل عام 2014. أنصاره يرون فيه رجل دولة صلبا واجه الإرهاب وحمى (هيبة الدولة)، وخصومه يرونه أحد أبرز من أسهموا في إضعاف تلك الهيبة عبر شخصنة الحكم. وبين السرديتين، يقف المجتمع العراقي مرهقا، متسائلا، هل نعيد التجربة لأننا مقتنعون بها، أم لأننا عاجزون عن تخيل بديل؟
هنا تبدو المقارنة التاريخية مع نوري السعيد مغرية، لا بوصفها حنينا، بل أداة تحليل. نوري السعيد شغل رئاسة الوزراء أكثر من عشر مرات في العهد الملكي، وكان يُنظر إليه كـ”رجل المرحلة” في سياق دولة ناشئة، محاطة بصراعات إقليمية، وتوازنات دولية حادة. تكرار تكليفه لم يكن دليلا على ديمقراطية، بل على نخبوية النظام وضيق قاعدته الاجتماعية، رغم كفاءته الإدارية وعلاقاته الدولية.
لكن الفارق الجوهري أن نوري السعيد كان يعمل ضمن دولة مركزية مستقرة نسبيا، بمؤسسات واضحة، ومعارضة سياسية خارج السلطة. أما المالكي، فيعمل ضمن نظام تعددي مشلول، محاصصاتي، تتقاسم فيه القوى السلطة والقرار، وتذوب فيه المسؤولية. تكرار الوجوه اليوم لا يعكس (رجل دولة لا يستغنى عنه)، بل نظاما يعيد إنتاج نفسه لأنه لم ينجح في إنتاج نخب جديدة.
الخطير في ترشيح المالكي للمرة الثالثة ليس شخصه بحد ذاته، بل الرسالة الضمنية، أن السياسة في العراق تدور في حلقة مغلقة، وأن التداول بات شكليا، وأن الزمن السياسي لا يتقدم. وهنا يصبح التشابه مع نوري السعيد تشابها في النتيجة لا في السياق، تكرار السلطة حتى تنفصل عن المجتمع، ثم تدفع الثمن دفعة واحدة.
السؤال النقدي الذي ينبغي طرحه، بعيدا عن الاصطفاف، هو، هل نحتاج اليوم إلى (رجل قوي) أم إلى (دولة قوية)؟
وهل العودة إلى الوجوه القديمة تعبير عن استقرار، أم اعتراف غير معلن بفشل الانتقال السياسي؟
في التاريخ العراقي، لم تكن المشكلة يوما في عدد الولايات، بل في غياب المراجعة. ومن دون مراجعة صريحة للتجربة، فإن الولاية الثالثة، لأي اسم كان، لن تكون تقدما إلى الأمام، بل دوراناً أكثر إحكاما في المكان ذاته.

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 3.67 من 5 (3 صوت)
📂 التصنيفات: مقالات, مقالات رأي

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.