الشيوعية بين الأقليات والأكثريات… قراءة جديدة في تاريخ حزبٍ صاغ جانباً من تاريخ السياسة العراقية

🖨️ طباعة هذه المقالة

رؤية تستند إلى تحليل سعود المولى وتحولات الاجتماع السياسي من التأسيس إلى الانتشار الشعبي

في سجالات الذاكرة السياسية العراقية، يبرز سؤال يعيده الباحث سعود المولى بإصرار منهجي، كيف نشأ الحزب الشيوعي؟ ولماذا بدأت جذوره في أوساط الأقليات الدينية قبل أن ينتشر لاحقاً بين الطبقات الشيعية الفقيرة، ثم يتحول إلى قوة وطنية عابرة للطوائف؟

ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو محاولة لفهم المجتمع العراقي نفسه، إذ إن تاريخ الأحزاب، كما يقول المولى، هو الوجه العميق لتاريخ الاجتماع. هذا السؤال، برغم بساطته الظاهرية، يكشف عن مسار اجتماعي معقد يُضيء جانباً مهماً من تشكل الوعي السياسي في العراق خلال القرن العشرين.

الأقليات المؤسسة… بداية الفكرة قبل اتساع القاعدة

تجمع الوثائق التاريخية، من كتابات حنا بطاطو إلى سجلات الصحافة العراقية، أن البواكير الأولى للحركة الشيوعية جاءت من الأقليات الدينية، اليهود، والمسيحيين، والصابئة. هؤلاء، بحكم وجودهم في المدن الكبرى واحتكاكهم بالتعليم العصري والتجارة العالمية، كانوا أقرب إلى الأفكار الحديثة وإلى لغة سياسية جديدة لم تكن مألوفة في المجتمع العراقي المحافظ آنذاك.

لم يكن الأمر تعبيراً عن “طائفية مضادة”، بل عن ديناميكية اجتماعية طبيعية، فحين تنغلق القنوات السياسية أمام الفئات التقليدية، تتجه الأفكار الجديدة نحو المجموعات الأكثر انفتاحاً على العالم. وهذا ما يشير إليه سعود المولى، إنّ جذور الحزب بين الأقليات ليست اتهاماً، بل مفتاحاً لفهم بدايات الحداثة السياسية في العراق.

مع الأربعينيات والخمسينيات، بدأ المجتمع العراقي يتحول بسرعة غير مسبوقة، هجرة واسعة من الريف إلى المدينة، صعود طبقات عاملة جديدة، واتساع دائرة الفقر في بغداد والبصرة والجنوب.

في هذه اللحظة، وجدت الشيوعية جمهورها الحقيقي، الطبقات الشيعية الفقيرة التي نسجت علاقة جديدة مع خطاب الحزب، لا بوصفه “حزب أقليات”، بل كمنصة احتجاج اجتماعي ضد الفقر والظلم واحتكار السلطة. ومع التحولات الاقتصادية العميقة، بدأت الشيوعية تجد جمهورها في الأوساط الشيعية الفقيرة. العمال في الموانئ، الفلاحون النازحون إلى المدن، شرائح واسعة كانت تعيش على هامش النظام الملكي. هنا انتقل الحزب من إطار نخبوي محدود إلى قوة اجتماعية حقيقية.

وقد وثق بطاطو وغيره من الباحثين هذا التحول بوصفه لحظة مفصلية، فالفكرة التي حملتها الأقليات صارت في عهدة الأكثرية المهمشة، وهكذا دخل الحزب مرحلة الاندماج الواسع في المجتمع. وقد لاحظ حنا بطاطا نفسه، حنا بطاطو نفسه لاحظ أن الشيوعية وجدت جمهورها الحقيقي حين التقت بأوجاع الفقراء الشيعة. ومع الخمسينيات، أصبح الحزب من أكثر القوى نفوذاً في بغداد والجنوب، مروراً بثورة 1958 وصعود عبد الكريم قاسم الذي منح اليسار فضاءً عاماً أوسع.

يرى سعود المولى أن هذه اللحظة تمثل التحول البنيوي الأهم في تاريخ الحزب، إذ انتقلت الفكرة من فضاء نخبوي محدود إلى قاعدة شعبية واسعة، صنعت قوة الحزب الحقيقية.

مع نهاية الستينيات، لم يعد الحزب الشيوعي “حزب أقليات” ولا “حزب طبقة واحدة”، بل قوة سياسية واسعة الانتشار تضم جميع اطياف المجتمع العراقي ( شيعة، سنة، اكراد، مسيحيين، صابئة، يهود).

بحلول السبعينيات، وبعد سلسلة من التحولات السياسية، أصبح الحزب الشيوعي قوة وطنية بحق. لم يعد حزباً نخبوياً، بل مشروعاً وطنياً له حضور في النقابات والجامعات والجيش، وتحول إلى مؤسسة سياسية كبرى صاغت جزءاً مهماً من تاريخ العراق المعاصر. وتوسعت منظماته الطلابية والنقابية والعسكرية، حتى صار من أكثر القوى تنظيماً وفاعلية قبل أن تعصف به صراعات ما بعد 1979.

وثقت الدراسات البريطانية والعراقية أن الحزب كان يمتلك في 1973 أكبر شبكة تنظيمية بين القوى السياسية الحديثة. هذا التوسع لم يلغِ جذوره الأولى، لكنه حوّل الحزب إلى مشروع وطني يتجاوز حدود الانتماء الأول.

إن إعادة التذكير بجذور الحزب في الأقليات، كما يفعل سعود المولى، ليست دعوة لإعادة تأطير الحزب مذهبياً، بل محاولة لفهم كيف تتحرك الأفكار الكبرى في المجتمعات المركبة. فالتأسيس على يد الأقليات لا ينتقص من وطنية الحزب، تماماً كما أن تأسيس بعض الأحزاب القومية على يد أرمن أو مسيحيين أو كرد لم ينتقص من قوميتها. القيمة الحقيقية للحزب تقاس بـ دوره الاجتماعي والسياسي، لا ببطاقات الهوية لمن وضعوا اللبنات الأولى.

المسار التاريخي للحزب الشيوعي يكشف عن حقيقة اجتماعية كبرى، أن الحركات السياسية لا تُعرف بجذورها الأولى، بل بقدرتها على الالتحام بالمجتمع وفهم تحولاته. وقد نجح الحزب في ذلك لعقود طويلة، قبل أن تتجاوزه موجات الهويات الدينية والطائفية وصعود الاقتصاد الريعي بعد 2003.

ومع ذلك، يظل فهم هذا المسار ضرورياً لأي قراءة جادة لتاريخ العراق، فمن دون قراءة الجذور، تتشوه صورة الفروع. لكن قراءة سعود المولى تذكرنا بأن أي مستقبل للعمل السياسي في العراق لن يتحقق إلا عبر فهم ديناميات المجتمع لا شعارات السياسة. فالسياسة، كما يقول أحد القدماء، “مرآة المجتمع، وليست ظله فقط”.

وما يهم في هذا الموضوع ليس الاحتفاء بتاريخ حزب أو انتقاده، بل فهم الشروط التي أنتجت الأفكار، وكيف تحركت بين الفئات، ولماذا تحولت مساراتها بهذه الطريقة دون غيرها. وقد دون ذلك عباس بغدادي في “تاريخ الحركة اليسارية”، كما وثقه حنا بطاطو في كتابه المرجعي “العراق… الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية”، مؤكداً أن الشرارة الأولى جاءت من مجموعات متعلمة، عاملة في التجارة، على تماس مع التحولات الأوروبية، وتعيش بحكم وضعها كأقليات خارج هياكل السلطة التقليدية.

لم يكن هذا التكوين “مؤامرة أقليات” كما يصور بعض الخطاب الشعبوي اليوم، بل نتاجاً طبيعياً لسياق حديث ناشئ، طبقة متعلمة، سكان المدن الكبرى، مجموعات على تماس مع الصحافة الأجنبية، وأقليات تبحث عن لغة سياسية عابرة للانقسامات الدينية.

لقد كان اليسار، في تلك الحقبة، لغة بديلة للاندماج، لا موقفاً طائفياً؛ وهذا ما يلمح إليه سعود المولى في قراءته: ” لم يكن تأسيس الشيوعية امتيازاً طائفياً، بل مسار فئات تبحث عن مكان داخل مجتمع يتغير”.

إن قراءة سعود المولى لهذا التاريخ، بوصفه انتقالاً من الأقليات إلى الأكثريات، لا تهدف إلى إعادة إنتاج خطاب الهوية، بل إلى تفكيك العلاقة بين التكوين الاجتماعي والحركة السياسية.

ويمكن تلخيص الدلالات في النقاط التالية:

* الأفكار الكبرى تبدأ عند الهوامش، الأقليات لعبت دوراً استكشافياً للفكرة، لأنها كانت أكثر اتصالاً بالعالم الحداثي.

* القواعد الشعبية تحدد مصير الحركات، تمدد الشيوعية حسمته الطبقات الشيعية الفقيرة التي جعلت الحزب قوة جماهيرية.

* الخوف من تاريخ التأسيس هو قراءة غير دقيقة، ليس في كون المؤسسين من الأقليات ما ينتقص من وطنية الحزب، فقد كانت الأقليات نفسها جزءاً من نسيج العراق الاقتصادي والثقافي.

* المشكلة الحقيقية بدأت لاحقاً، الحزب لم ينجح بعد السبعينيات في تطوير خطاب يستوعب موجات الهوية الدينية والطائفية، ولا التحولات الريفية العميقة، ولا انفجار ما بعد 2003. هنا يكمن الخلل، لا في التأسيس، بل في عدم تجديد أدوات القراءة.

ما يقوله سعود المولى صحيح… ولكن الأعمق مما قاله، إن القول بأن الحزب الشيوعي نشأ بين الأقليات ثم تمدد بين الشيعة ثم تعمم وطنياً هو حقيقة تاريخية موثقة، لا تقليل من شأن، ولا شهادة تفضيل.

بل هو نموذج تفسيري لفهم كيف تتحرك الأفكار في العراق، تبدأ عند الفئات الأكثر احتكاكاً بالعالم، تنتقل إلى الفئات الأكثر إحساساً بالظلم، ثم تكبر حين تلتقي بحاجة المجتمع إلى التغيير.

وإذا كان الشيوعيون قد صنعوا جزءاً من تاريخ العراق الحديث، فإن مسؤولية المستقبل تتطلب قراءة نقدية أكثر شجاعة، لماذا انحسر نفوذهم؟ وأي علاقة متبقية لهم مع المجتمع الذي كانوا يوماً مرآته الأكثر وضوحاً؟

السؤال الذي يجدر مناقشته بهدوء من خلال طروحات المولى. هل انتماء الأقليات للتأسيس يُنقص من شرعية الحزب؟ أم أن الحزب، كأي حركة سياسية يُقاس بمشروعه وبرنامجه وسلوكه؟

الجواب من وجهة نظري، إن الحزب الشيوعي “نشأ بين الأقليات” هو وصف تاريخي صحيح، لكنه لا يصلح وحده لتقييم التجربة. فالأقليات ليست “شبهة”، بل جزء من تاريخ العراق. وإذا كان اليهود والمسيحيون قد ساهموا في بناء الحزب، فقد ساهم الشيعة والسنة والكرد في تطويره وتعميمه. هذا ما يؤكده سعود المولى نفسه، المسألة ليست مذهبية، بل تاريخ اجتماعي لتحولات الأفكار.

لكن، من جانب آخر، يجب القول حتى لا نقع في التبرير، إن الحزب الشيوعي كثيراً ما فشل لاحقاً في قراءة التحولات العميقة داخل الأكثريات الشعبية. لم ينتبه بما يكفي إلى صعود الهويات الدينية، ولا إلى التحولات الريفية، ولا إلى الانفجار الطائفي بعد 2003. هنا يمكن انتقاد الحزب بشدة، ليس لأن جذوره من الأقليات، بل لأنه لم يطور أدوات قراءة المجتمع بالسرعة المطلوبة.

الخلل لم يكن في الجذور، بل في العلاقة المتوترة بين الفكر والواقع. فالأحزاب التي لا تجدد نفسها تُصبح كمن يرفع راية كبيرة فوق بيت صغير، فتبدو الراية أكبر من السقف الذي يحملها.

 

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 5 من 5 (1 صوت)
📂 التصنيفات: مقالات, مقالات رأي

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.