ابعاد الحرب الاقتصادية : من العقوبات المالية الى الصراع التكنولوجي

🖨️ طباعة المقال

المقال هو فقرة مستقلة ومعدلة من بحث لنيل شهادة الماجستير في [علم السياسة و العلاقات الدولية ] من جامعة [اسيدي محمد بن عبد الله ]

أن الحرب الاقتصادية لم تصبح ظاهرة واضحة ومكرسة في العلاقات بين الدول الا حديثا بالرغم من قدمها، فتأثيرها يمتد الى المنظومات العالمية ليس فقط الاقتصادية بل أيضا الجيوبوليتيكية. حيث ينظر إليها كبديل لظاهرة الحرب في ظرف عالمي يتميز بشدة الترابط بين الدول والمجتمعات صارت معه النزاعات المسلحة المباشرة نادرة الحدوث[1].  غير ان هذا الامر بدا يختلف في السنوات الأخيرة حيث عادت الحروب العسكرية للظهور في بعض المناطق (مثل : حرب روسيا و اوكرانيا ، ايران و أمريكا و إسرائيل …) غير انه حتى قبل هذه الحرب العسكرية (أي في فترة السلم) كانت هناك حروب اقتصادية تهدف الى التأثير على الجهاز النقدي و المالي للدول المستهدفة من اجل التدخل في قرارها السياسي و توجهها واحيانا لكبح قوتها وهذا ما أدى الى تعدد ابعاد الحرب الاقتصادية وتوسعها ونذكر من أهمها :

أولا – العنف الاقتصادي: في الحروب الاقتصادية يتم الاعتماد على مجموعة من الاسلحة التي تؤثر على اقتصاد الدولة المستهدفة وعلى سكانها، فعلى المستوى الاقتصادي فان الاعتماد على العقوبات الحصار وتجميد الأرصدة هي أدوات يصبح المدنيون ضحاياها رغم زعم انها تستهدف النخب والمسؤولين الفاسدين والصناعات غير المشروعة. لكنها في الواقع تشكل عوائق واسعة النطاق أمام التجارة والتمويل، مما يؤثر سلبا على المجتمعات.  مثال ذلك ما أكدته الدراسات التجريبية أن العقوبات في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي تقلل بشكل كبير من النمو الاقتصادي، وتفاقم عدم المساواة في الدخل، وتزيد من حدة الفقر، مع كون القيود المالية والتجارية من بين أكثرها ضررا.

ان لأكثر من أربعة عقود، استخدمت الحكومات من واشنطن إلى لندن وبروكسل العقوبات كأداة ضغط، مقدمة إياها على أنها دبلوماسية مبدئية لكن الواقع المعاش في منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية قاتم. ففي كوبا وهايتي ونيكاراغوا وفنزويلا وغيرها، أصبحت العقوبات آليات لخنق اقتصادي مستدام، مما يعمق الفقر، ويعيق التنمية، ويرسخ التبعية.[2] فحسب تقرير مجلس حقوق الانسان متعلق باثر التدابير القسرية الانفرادية و العمالية و الاجتماعية لسنة 2025 فقد وصل معدل الفقر في فينزويلا الى 94%  منهم 67% تحت الفقر مدقع  مما دفع الناس في الانخراط في أنشطة غير مشروعة ، كما فرضت العقوبات على القطاع الزراعي الكوبي الاضرار نتيجة حصار الحبوب بقيمة 2447830 دولار خلال سنتي 2016/2017 [3] .

اما في الجانب المالي من بين أدوات التي يتم استخدامها نجد نظام SWIFT الذي تأسس في 3 مايو 1973 كمنظمة تعاونية غير ربحية لإنشاء رابط عالمي مشترك لمعالجة البيانات والاتصالات، صمم سويفت لتسهيل المدفوعات الدولية بسرعة وكفاءة، وذلك وفقا لغرض إنشائها. مع ذلك، تظهر التجارب السابقة أن سويفت يمكن استخدامها كسلاح، على الرغم من استقلاليتها الاسمية. فعلى سبيل المثال، في سنة 2012، وتحت ضغط من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وافقت سويفت على أن عضوية إيران تشكل انتهاكا للعقوبات الأمريكية والأوروبية، ونتيجة لذلك، تم تعليق عمل البنوك الإيرانية الخاضعة للعقوبات.[4] ان هذا نوع من الحرمان يؤثر على العملة الوطنية للدولة المستهدفة وعلى حياة مواطنيها ويعزلها عن العالم.

اما في ما يخص الجانب التجاري أثناء الحروب الاقتصادية يتم استخدام كل من الرسوم الجمركية، حظر التصدير وحرب الأسعار إما بهدف حماية الاقتصاد الوطني  من الاستهداف من خلال تحفيز الانتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي او لمنع إغراق السوق الوطنية بالمنتوجات الخارجية التي تؤثر على المنتوج الوطني غير ان هذه الإجراءات تنعكس على اقتصاد الدولة نفسها كما حدث مع الإدارة الامريكية التي فرضت الرسوم الجمركية على السلع المستوردة بنسب مختلفة حسب كل دولة . هذا  أدى بها من جهة الى ارتفاع نسيبة التضخم و انخفاض نمو اقتصادها[5] و من جهة أخرى ادخلها في الردود الانتقامية من الشركاء التجاريين خاصة الصين التي وصلت الرسوم الجمركية المفروضة عليها الى 125 في المئة  ، هذا ما كانت الصين قد هيأت له استراتيجيات اقتصادية ، إذ عمدت الى إعادة هيكلة أسواقها الخارجية تدريجيا بعيدا عن الولايات المتحدة، فبعد أن كانت صادراتها إليها تمثل نحو 19.8 في المئة من إجمالي الصادرات، انخفضت هذه النسبة إلى نحو 12.5 في المئة سنة 2024، أي إنها أصبحت أقل اعتمادا عليها . كما كانت تدرك جيدا أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب عليها غير واقعية وغير قابلة للتطبيق. [6]

ثانيا -المنافسة الجيو-اقتصادية: بعد الحرب العالمية الثانية، توجه العالم نحو الاستقرار من خلال  إعطاء أهمية متزايدة للعمليات الاقتصادية، والتكامل الاقتصادي العابر للحدود،[7] بحيث تأسست السياسة الدولية على أساس اقتصادي و حلت الأساليب التجارية محل الأساليب العسكرية باستخدام رأس المال القابل للتصرف بدلا من القوة النارية، والابتكار المدني بدلا من التقدم العسكري-التقني، والتغلغل في الأسواق بدلا من الثكنات والقواعد. هذا أدى بالقوى الدولية الى اعادت توجيه نفسها نحو الجيو-اقتصاديات لتعويض أدوارها الجيوسياسية المتدهورة في التنافس بين الدول على المستوى الجيو-اقتصادي وذلك عن طريق الاستثمارات الاستراتيجية المتمثلة في الاستثمار الأجنبي المباشر في مواقع جغرافية استراتيجية (مثل المضايق، المواقع التي تتوفر على موارد طبيعية الاستراتيجية …) في دول أخرى، والاستحواذ على الشركات وشراء الحكومات لديون حكومات أخرى. تمكن هذه الاستراتيجيات الدول من ممارسة نفوذها الجيو-سياسي من خلال التبعية الاقتصادية. وتصبح طريقا لتعزيز النفوذ على الدول الأخرى[8] .

لقد برزت المنافسة الجيو-اقتصادية بين الدول في مواقع متعددة من أمثلتها مبادرة الحزام والطريق التي طرحتها الصين وقدمتها كطريق للتعاون الاقتصادي يعزز الترابط بين قارة اسيا و أوروبا و افريقيا و بحارها المجاورة وتعزيز الشراكات بين الدول الواقعة على طول المبادرة وتحقيق تنمية متنوعة فقد بلغ حجم التجارة الصينية مع الدول المشمولة بالمبادرة 1.44 تريليون دولار امريكي في عام 2017 وفي 2018 اتفقت الصين مع سبع دول ضمن المبادرة بشأن ترتيبات مقاصة باليوان الصيني ، كما تضمنت المبادرة العديد من الطرق والممرات منها الحزام الاقتصادي لطريق الحرير البري و طريق الحرير القطبي[9]، رغم ان جوهر فكرة هذه المبادرة مبني على المنافسة إلا أنها حققت اهدافا تخدم تنمية مناطق الممرات بشكل مباشر من حيث تحسين بنيتها التحتية مما أدى الى تقليل أوقات السفر على طول الممرات الاقتصادية بحيث ستخفض بنسبة تصل إلى 12% عند اكتمالها. كما سينخفض وقات السفر مع بقية دول العالم بنسبة 3% في المتوسط، مما يدل على استفادة الدول والمناطق غير الواقعة على ممرات مبادرة الحزام والطريق. وأيضا زيادة التجارة والاستثمار بحيث شهد التبادل التجاري نموا ملحوظا، وإن كان متفاوتا، في اقتصادات ممرات المبادرة، إذ ارتفع حجم التجارة بنسبة تتراوح بين 2.8% و9.7% في اقتصادات الممرات، وبين 1.7% و6.2% على مستوى العالم. ومن الجدير بالذكر أنه من المتوقع أن تشهد الدول منخفضة الدخل زيادة كبيرة في الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 7.6% بفضل روابط النقل الجديدة ، كما يمكن لمشاريع النقل ضمن مبادرة الحزام والطريق أن تساعد في انتشال 7.6 مليون شخص من براثن الفقر المدقع (ممن يتقاضون أقل من 1.90 دولارا أمريكيا في اليوم) و32 مليون شخص من براثن الفقر المعتدل (ممن يتقاضون أقل من 3.20 دولارا أمريكيا في اليوم). [10]

لكن في المقابل نظرت بعض الدول مثل الهند ، الولايات المتحدة و دول الاتحاد الاوروبي الى هذا التعاون كاستراتيجية للهيمنة والتي تمت مواجهتها بعدة مشاريع بديلة من بينها شراكة البنية التحتية والاستثمار العالمية (PGII) بقيادة الولايات المتحدة ودول مجموعة السبع أيضا هناك الشراكة بوابة العالم (GG) التي أطلقتها دول الاتحاد الأوروبي في سنة 2021 والتي تسعى الى منافسة الصين في افريقيا بشكل أساسي ، و شراكة اليابان من أجل البنية التحتية عالية الجودة (PQI) التي أطلقت في سنة 2015 كمكون رئيسي ضمن استراتيجية الهندو-باسيفيك.[11]ان الهدف من هذه المشاريع هو محاولة الحد من التقدم الصيني و هيمنتها على اقتصاد مجموعة من الدول النامية ومنعها من تحكم في الموارد الاستراتيجية .

ثالثا- البعد التكنولوجي: تلعب التكنولوجيا اليوم دورا محوريا في الحروب الاقتصادية خاصة مع ظهور التقنيات المتقدمة مثل الإلكترونيات الدقيقة للجيل القادم، التكنولوجيا النانوية، التكنولوجيا الحيوية، الروبوتات، والذكاء الاصطناعي و التي غيرت التوازنات القوى الدولية وسوف تستمر في ذلك بسبب انتشارها غير المتكافئ، الذي يسمح لبعض الدول ان تمتلك التفوق التكنولوجي بالحصول على ميزات استراتيجية في مقبل الآخرون محرومون منها  [12] ، هذا جعلها سلاحا في الحروب الاقتصادية  حيث شهد القرن الحادي والعشرون تنافسا تكنولوجيا حادا بين الولايات المتحدة والصين، مما أثر بشكل كبير على السياسات الاقتصادية العالمية وديناميكيات التجارة. فمع تنافس أكبر قوتين اقتصاديتين على التفوق التكنولوجي، أثرت تحركاتهما على اتفاقيات التجارة الدولية والسياسات الصناعية وسلاسل التوريد العالمية. فقد فرضت الولايات المتحدة قيودا متزايدة على وصول الصين إلى التقنيات المتقدمة (مثل الرقائق ، معالجات الذكاء الاصطناعي ….) معللة ذلك بمخاوف تتعلق بالأمن القومي، بينما سعت الصين إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال استثمارات ضخمة في تصنيع أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي وقطاعات حيوية أخرى. وقد أدى هذا التنافس الاستراتيجي إلى إعادة هيكلة أنماط التجارة العالمية، حيث أعادت العديد من الدول تقييم تبعياتها المالية ومواطن الضعف في سلاسل التوريد الخاصة بها.[13]

ترتكز العقوبات الأمريكية على الصين بشكل مكثف جدا في القطاعات القائمة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات العسكرية مقارنة بالقطاعات التقليدية مما يعكس تحولا في منطق الصراع الى السيادة التكنولوجيا .

تتميز العقوبات المفروضة على القطاع التكنولوجي بتشعب الكيانات المستهدفة ، مثال ذلك: تطبيق الولايات المتحدة الامريكية بعض القيود على الصادرات من الولايات المتحدة بينما نجد قيود أخرى ذات نطاق خارجي (أي أنها تنطبق على مبيعات الشركات الأجنبية إذا استخدمت مدخلات أو تصاميم أو معدات أمريكية الصنع في الإنتاج)[14] .وهذا ما تعرضت له الشركة التايوانية TSMC (Taiwan Semiconductor Manufacturing Company Limited) التي تحتل مكانة فريدة في مجال تصنيع أشباه الموصلات فهي تنتج ما يقارب  90 %من رقائق أشبه الموصلات المتقدمة في العالم ،كما كانت هذه الشركة حجر الزاوية في منظومة الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة الصينية مثل شريحة Ascend 910A التي تم طرحها سنة 2019 من طرف هواوي ومصنوعة من طرف  TSMC ، تغيير هذا الامر في سنة 2020 حيث أوقفت الشركة تعاملها مع هواوي بعد فرض الحكومة الامريكية ضوابط التصدير وامتثال الشركة لها بسبب اعتمادها على معدات و تقنيات أمريكية . مما أدى الى تأثير كبير على إيرادات هواوي، التي انخفضت بنسبة 23 بالمائة بين عامي 2019 و 2021 .[15]

من خلال ما سبق يتضح ان الحرب الاقتصادية لم تقتصر على الأساليب التقليدية بل أصبحت منظومة متعددة الابعاد تستخدم لتوجيه الضغط المستمر على الدول المستهدفة غير انه هذا نقل الصراع الدولي الى ساحة معركة اكثر تعقيدا . لكن ، علاوة على ذلك تظل الحرب الاقتصادية اقل إضرارا  مقارنة مع الحروب العسكرية غير انها هي الأخرى غير الإنسانية بسبب امتداد أثرها الى المدنيين ، هذا ما يطرح  جدلية متعلقة كيفية تحقق الحرب الاقتصادية اهدفها دون تحمل المجتمع نتائجها؟

 

[1]  عمر بوكركب ، الحرب الاقتصادية : الظاهرة و تجلياتها في سياسات القوى الكبرى ، مجلة السياسة العالمية ، المجلد 6 العدد2 ، 2022 ص: 137

[2] Kenneth Mohammed , Sanctions are not a humane alternative to bombs. They are economic warfare , The Guardian , January 28, 2026, https://shorturl.at/rhYV0 14/03/2026 , 13 : 56

[3]  مجلس حقوق الانسان ، اثر التدابير القسرية الانفرادية و العمالية و الاجتماعية ، الأمم المتحدة ، 2025 ، ص: 8 ،15 .

[4] Teoman Ertuğrul Tulun , SWIFT SYSTEM TURNS INTO ECONOMIC SANCTIONS INSTRUMENT , Center for Eurasian Studies (AVİM) , Nisan 2022 , Sayı: 10 ,P :44

[5]  زياد عبد الرحمان علي ، تبعات الرسوم الجمركية الامريكية على الاقتصاد العالمي و التفاعلات الدولية “العراق نموذجا” ،تقدير موقف ، مركز البيان للدراسات و التخطيط ، 2025  ، ص: 3 -13.

[6]  مركز المغربي للأبحاث و دراسة السياسات ، مدى وجاهة الحرب الجمركية الامريكية و مالاتها ، أوراق اقتصادية ، 2025  ، ص : 12

[7] Inan, Sukru ,Geoeconomic Policies for Regional Development: Turkey as a Catalyst for Eastern Europe

,Ekonomika, vol. 69, 2005. pp. 30-45

[8] Jonathon Cini , Geo-economic competition: global disruptions from the new frontline , Geneva Centre for Security Policy ,No 6 , 2015

[9] Zhang Zhexin,The Belt and Road Initiative China’s New Geopolitical Strategy , China Quarterly of International Strategic Studies Vol. 4, No. 3 ,2018 P :327-343

[10] World Bank Group, Belt and Road Economics: Opportunities and Risks of Transport Corridors,2019 ,P :13

[11] Euston Quah,  Jun Rui Tan and  Iuldashov Nursultan  ,A Comparative Analysis of the Belt and Road Initiative with Other Global and Regional Infrastructure Initiatives: Prospects and Challenges , J. Risk Financial Manag. ,

Volume 18 ,Issue 6, 2025

[12] Mohan Malik, Technopolitics: How Technology Shapes Relations Among Nations , Daniel K. Inouye Asia-Pacific Center for Security Studies, 2012.

[13] Mizanur Rahman , Tech Supremacy and Economic Warfare: The U.S.-China Trade Battle in the 21st Century ,

Multitech Journal of Applied Sciences (MJAS) Vol.2, No.4, 2025, P : 250

[14] Martin Chorzempa, Mary E. Lovely, and Christine Wan  ,The Rise of US Economic Sanctions on China: Analysis of a New PIIE Dataset , The Peterson Institute ,2024, P : 8

[15] Gregory C. Allen , Isaac Goldston , Understanding U.S. Allies’ Current Legal Authority to Implement AI and Semiconductor Export Controls, the Center for Strategic and International Studies (CSIS),2025 ,   P :23

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 4.5 من 5 (4 صوت)
📂 التصنيفات: تحليلات, مقالات

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.