هرمجدون الجديدة… كيف تكتب الأساطير سيناريو الحروب في الشرق الأوسط

🖨️ طباعة المقال

في كتب الغيب القديمة، كانت هرمجدون كلمة بعيدة، تُقرأ في صمت الأديرة أو في هوامش التفاسير اللاهوتية. اسم غامض لمكان قديم في فلسطين اسمه مجدو، مرت عليه جيوش الفراعنة والكنعانيين والآشوريين، وتركوا في ترابه آثار سيوفهم وعجلات مركباتهم. كان التاريخ هناك عاديا معارك كبقية المعارك، وجنود يموتون ثم يطويهم النسيان.

لكن ما لم يكن عاديا هو ما حدث لاحقا في الخيال الديني. ففي لحظة ما من التاريخ، تحول هذا الاسم الصغير إلى رمز كوني. لم يعد مجرد سهل عسكري في شمال فلسطين، بل صار في المخيال الديني مسرح المعركة الأخيرة بين الخير والشر. معركة تتجمع فيها الأمم، ثم تنتهي بانتصار إلهي يطوي صفحة العالم القديم. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية… لا في النصوص، بل في السياسة.

ففي القرن العشرين، ومع صعود التيارات الإنجيلية المتشددة في الولايات المتحدة، بدأت قراءة جديدة للكتاب المقدس. قراءة لا ترى النصوص رموزا أخلاقية، بل خرائط جيوسياسية للمستقبل. وفق هذه القراءة، فإن الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة صراعات، بل مسرح النبوءة. قيام إسرائيل، التوتر الدائم في المنطقة، الحروب المتتالية… كلها تفسر باعتبارها علامات تمهد للمعركة الكبرى. ومن هنا نشأ تحالف غريب بين اللاهوت والسياسة.

بعض التيارات الإنجيلية ترى أن دعم إسرائيل ليس موقفا سياسيا فقط، بل واجب ديني. لأن بقاء إسرائيل وقوتها، في هذا التصور شرط من شروط اكتمال السيناريو الأخروي. لذلك يصبح الشرق الأوسط، في نظر هذه العقيدة، ليس منطقة يجب تهدئتها… بل ساحة يجب أن تبقى مشتعلة بما يكفي كي تتحقق النبوءة.

وعلى الضفة الأخرى، داخل التيارات الصهيونية الدينية، يظهر تصور مشابه وإن كان مختلف الجذور. فالأرض هنا ليست مجرد دولة حديثة، بل أرض الوعد التي يجب تثبيتها بالقوة والوقائع. وكل صراع حولها يُعاد تفسيره بوصفه جزءً من صراع تاريخي طويل، يتجاوز السياسة اليومية إلى معنى وجودي أعمق.

وهكذا، دون أن يشعر العالم، التقت أسطورتان عند نقطة واحدة:

أسطورة الخلاص الديني

وأسطورة القوة السياسية.

وفي هذه اللحظة اصبح الشرق الأوسط شيئا آخر. ليس مجرد جغرافيا… بل نصا يُعاد تمثيله.

عندما ننظر إلى الحرب الدائرة اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، سنجد أن المصالح الاستراتيجية واضحة، نفوذ إقليمي، طرق طاقة، ميزان قوة، تحالفات عسكرية. هذه هي اللغة الواقعية للسياسة.

لكن خلف هذه اللغة، هناك خطاب آخر أكثر خطورة. خطاب يهمس بأن الصراع ليس مجرد حرب، بل مواجهة كبرى بين معسكرين تاريخيين. وأن الشرق الأوسط هو المسرح الذي ستُحسم فيه معركة العالم الأخيرة. هنا تتغير طبيعة الحرب، لم تعد مجرد صراع يمكن احتواؤه أو التفاوض حوله، بل تصبح في المخيال الأيديولوجي، قدرا تاريخيا لا بد أن يقع.

وهذا أخطر ما في الأساطير عندما تدخل السياسة. فالأسطورة بطبيعتها لا تعرف التسويات. لا تعترف بالحدود الوسطى. هي لا ترى سوى نهايتين، النصر المطلق أو الفناء الكامل.

لذلك حين تتسلل فكرة هرمجدون إلى الوعي السياسي، يصبح التصعيد أسهل من التهدئة. لأن الحرب حين تصور على أنها (معركة النهاية)، فإن أي محاولة لإيقافها تبدو وكأنها تعطيل لمسار التاريخ نفسه. لكن التاريخ الحقيقي يخبرنا بشيء مختلف.

فكل الحروب التي قيل عنها إنها الأخيرة انتهت إلى حروب أخرى. وكل الإمبراطوريات التي اعتقدت أنها تمثل نهاية التاريخ سقطت في النهاية مثل غيرها. أما هرمجدون، فقد بقيت دائما في الكتب… بينما الواقع يكتب فصوله بطريقة أكثر تعقيدا بكثير.

ولهذا ربما لا تكون هرمجدون معركة ستقع في المستقبل كما يتخيل البعض. ربما هي شيء آخر تماما. ربما هي اللحظة التي يصدق فيها البشر أساطيرهم أكثر مما يصدقون عقولهم.
وحين يحدث ذلك، لا يعود السؤال… من سينتصر في الحرب؟

بل يصبح السؤال الأخطر… من الذي كتب السيناريو… ومن الذي يدفع ثمن تمثيله؟

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 0 من 5 (0 صوت)
📂 التصنيفات: مقالات, مقالات رأي

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.