لا يمكن مقاربة 8 شباط 1963 بوصفه حدثاً معزولاً أو مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل هو ذروة مسار من التوترات السياسية والاجتماعية والفكرية التي تراكمت منذ قيام ثورة 14 تموز 1958. ففي هذا اليوم انفجرت التناقضات دفعة واحدة، وسقطت فكرة إدارة الخلاف السياسي، لتحل محلها معادلة القوة والإقصاء.
بعد 14 تموز، دخل العراق مرحلة انتقالية معقدة. النظام الملكي سقط بسرعة، لكن الدولة التي كان يفترض أن تولد على أنقاضه لم تُستكمل مؤسساتها. الحكم الجديد، بقيادة عبد الكريم قاسم، رفع شعارات وطنية واجتماعية جريئة، كالإصلاح الزراعي، والانحياز للفقراء، وتأكيد الاستقلال عن الأحلاف الأجنبية. غير أن هذه السياسات، رغم عدالتها الاجتماعية، لم ترفق ببناء تحالف سياسي متين أو نظام مؤسسي قادر على إدارة التعدد الحزبي والفكري.
سرعان ما تحولت الساحة السياسية إلى ميدان استقطاب حاد. صراع مفتوح بين القوميين والشيوعيين، خلافات داخل المؤسسة العسكرية، وتنافس على الشارع، رافقه خطاب تعبوي متشنج من جميع الأطراف. الدولة، بدلا من أن تكون حَكَماً، وجدت نفسها طرفاً في الصراع، ما أفقدها القدرة على الضبط والتوازن.
في هذا المناخ جاء 8 شباط. تحركت وحدات عسكرية منسقة، وسيطرت على مفاصل حيوية في بغداد، وبدأت المواجهة بسرعة. لم يكن ما جرى مجرد تغيير سلطة، بل تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع السياسي. فمع الساعات الأولى للانقلاب، انفتحت أبواب العنف المنظم، وبدأت حملات اعتقال وتصفيات واسعة طالت خصوماً سياسيين، خصوصاً من الشيوعيين وأنصار الحكم السابق. وهنا انتقل العراق من مرحلة الصراع السياسي المحتدم إلى مرحلة الدم كأداة حكم.
ومن الخطأ اختزال 8 شباط في الداخل فقط. فقد جرى الحدث في ذروة الحرب الباردة، حيث كان العراق ساحة صراع نفوذ بين مشاريع دولية متعارضة. هذا التداخل الخارجي لم يصنع الانقلاب وحده، لكنه وفر له المناخ والدعم والغطاء، مستفيدا من الانقسام الداخلي الحاد.
الأثر الأخطر لـ8 شباط لم يكن إسقاط حكم عبد الكريم قاسم فحسب، بل تكريس سابقة سياسية خطيرة، شرعنة العنف كوسيلة لتصفية الخصوم، وتحويل الجيش من مؤسسة وطنية إلى لاعب سياسي مباشر. منذ ذلك اليوم، دخل العراق في حلقة انقلابات وصراعات، وأُضعفت فكرة التداول السلمي للسلطة، وتراجعت الثقة بالسياسة نفسها.
القراءة المنصفة لهذا اليوم تقتضي الابتعاد عن منطق التخوين الشامل أو التقديس الأعمى. فقاسم أخطأ حين عزل نفسه سياسياً، وخصومه أخطأوا حين اختاروا الانقلاب والدم بديلاً عن العمل السياسي. وبين الخطأين ضاعت فرصة تاريخية لبناء دولة تستوعب التعدد وتدير الخلاف.
8 شباط ليس ذكرى للمكايدة، بل مرآة لخلل عميق ما زال حاضراً. درسه الجوهري أن الدولة التي لا تُحمى بالمؤسسات والتوافق، تسقط عند أول صدام، وأن السياسة حين تفقد أخلاقها، تتحول إلى لعنة طويلة الأمد يدفع المجتمع كله ثمنها.

