يدافع البعض عن روسيا اليوم بدافع عاطفي، مستند إلى حنينٍ قديم للاتحاد السوفييتي، تلك الدولة التي دعمت قضايا التحرر وواجهت الهيمنة الغربية. لكن هذه العاطفة، رغم مشروعيتها الوجدانية، تغفل أن روسيا المعاصرة ليست امتداداً لذلك الكيان العقائدي الاشتراكي، بل دولة رأسمالية براغماتية تسعى لتقاسم النفوذ والمصالح العالمية.
من الضروري التأكيد أن روسيا الاتحادية التي تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ليست استمرارية طبيعية له، بل كيان جديد مختلف جذرياً في البنية والهوية والتوجه. الاتحاد السوفييتي كان دولة عقائدية اشتراكية، تناهض الرأسمالية وتتبنى مشروعاً أممياً ذا طابع أيديولوجي. أما روسيا اليوم، فهي لا تملك مشروعاً أيديولوجياً عالمياً، بل تتحرك وفق حسابات المصالح والنفوذ، تماماً كباقي القوى الرأسمالية الكبرى. وهي، وإن استعادت رموز الإرث السوفييتي، فإنها تفعل ذلك لأغراض سياسية لا أكثر، لا حباً بمبادئ الأمس.
إن من الخطأ الاستمرار في النظر إلى روسيا بعين الماضي. علينا أن نتعامل مع الواقع كما هو، لا كما نريده أن يكون. وعي اللحظة يتطلب قراءة باردة، لا انفعالات دافئة.
يلاحظ المتابع أن بعض الأصوات في العالم العربي والعالم الثالث عموماً تميل إلى الدفاع عن روسيا المعاصرة بدافع عاطفي خالص، مستند إلى الحنين للاتحاد السوفييتي السابق. هذا الميل لا يستند إلى تحليل واقعي لموقع روسيا الحالي، بقدر ما يعكس شعوراً جمعياً بالانتماء إلى لحظة تاريخية كان فيها “الرفاق” السوفييت رمزاً للتوازن العالمي ومصدراً لدعم قضايا التحرر. لكن هذه العاطفة، المشروعة في جانبها النفسي، قد تتحول إلى عامل تضليل سياسي، إذا لم تواكبها قراءة دقيقة للواقع.
تسعى روسيا جاهدة، أن تعيد تقديم نفسها كقوة دولية موازنة للهيمنة الغربية، مستخدمة خطاباً سياسياً ناعماً يزاوج بين الدعوة للتعددية القطبية والحديث عن العدالة الدولية. إلا أن هذا الخطاب، في كثير من الأحيان، لا يعكس مواقف ثابتة، بل يهدف إلى تحسين شروط التفاوض وتقوية موقع موسكو في معادلة النفوذ العالمي. وهي ليست قوة “تحريرية” كما يُظن أحياناً، بل قوة تسعى إلى المشاركة في تقاسم النفوذ، من موقع المكافئ لا المعارض.
نجحت روسيا سياسيا من خلال استثمارها للأرث السوفييتي وبما يخدم مصالحها، فهي تستثمر رموز الحقبة السوفييتية، من النشيد الوطني إلى خطاب “الرفاق”، فإنها تفعل ذلك بدوافع تكتيكية بحتة، تهدف إلى تعبئة الداخل الروسي، وجذب شرائح معينة في الخارج تتوق إلى لحظة تاريخية سابقة، لا بدافع الوفاء لعقيدة اشتراكية اندثرت. فهي تلوّح بمواقف الأمس كأداة لجذب التعاطف الشعبي والنخبوي، لكنها تفعل ذلك دون التزام حقيقي بمبادئ ذلك الماضي، بل من باب البراغماتية الخالصة. فدول عدة، لم تعد ترى في موسكو “الأخ الأكبر” كما كان يُنظر إلى موسكو السوفييتية، بل شريكاً دولياً يبحث عن نفوذ وأسواق.
اذن من الخطأ السياسي والأخلاقي أن نخلط بين روسيا اليوم والاتحاد السوفييتي بالأمس. فبين الكيانين مسافة شاسعة في المنطلقات، والأهداف، والسياسات. الاعتراف بذلك لا ينفي إمكانية التعاون مع روسيا أو فهم دوافعها، لكنه يشترط أن يكون الموقف مبنياً على وعي، لا على انطباع تاريخي مشحون بالعاطفة، خصوصا وأننا نعيش في زمن التشظي العالمي، لذا نحن بحاجة إلى إعادة تعريف تحالفاتنا ورؤيتنا للعالم، انطلاقاً من معايير المصالح الواقعية.
لذا من الخطأ الاستمرار في رؤية روسيا اليوم من خلال عدسة الماضي السوفييتي. العالم تغيّر، وروسيا تغيّرت كذلك. لا يمكن فهم تحركاتها الدولية، أو موقعها الحقيقي في النظام العالمي، إلا من خلال نظرة واقعية خالية من الحنين. الاعتراف بهذا التحول لا يعني تبني موقف عدائي من روسيا، بل يعني ببساطة التعامل مع الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. فنحن نعيش في عالم يتجه نحو تشظٍّ متسارع، وتتغيّر فيه التحالفات والمواقع باستمرار، ما يفرض علينا تجاوز النوستالجيا السياسية، وإعادة تقييم مواقفنا من الدول والقوى على أساس المصالح الواقعية لا الرومانسية الثورية.
روسيا ما بعد السوفييت… الحنين العاطفي وخديعة الانطباع التاريخي

