اليسار والفرصة الضائعة… حين تبخرت الساحات وبقيت الذاكرة

🖨️ طباعة هذه المقالة

في ربيع 2003، بعد سقوط تمثال صدام حسين، بدت بغداد كمدينة خرجت من قفصها دفعة واحدة. لم يكن المشهد سياسياً فقط، بل كان رمزياً ايضاً، فراغ في المعنى، وارتباك في الاتجاه، وشهية عامة لإعادة تعريف كل شيء. كنت يومها اعمل صحفياً في وكالة  EBU، اتنقل بين الميدان والناس، اراقب كيف تتحول اللحظات الكبرى الى تفاصيل، وكيف تصعد الفكرة ثم تختبرها الحياة على قارعة الشارع.

وسط ذلك الفراغ الرمزي، خرجت مجموعة صغيرة من الشباب الفنانين، لا يزيد عددهم على عشرة اشخاص، فنان تشكيلي، وملحن، وممثلون واصحاب مواهب متعددة. كانوا يشبهون تلك البلاد وهي تحاول ان تتذكر وجهها الحقيقي بعد سنوات طويلة من القمع والخوف. هذه المجموعة اطلقت على نفسها اسم “كروب ناجين”. وفي الاسم وحده كانت تقيم حكاية جيل، نجاة من نظام سقط، ونجاة من مستقبل لم تتضح ملامحه بعد.

لم يكتفوا بالحديث عن التغيير، بل صنعوا رمزاً جديداً. نحتوا تمثالاً ونصبوه بدلا من تمثال صدام. كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها. ان استعادة المجال العام لا تبدأ بالسياسة وحدها، بل باستعادة الحق في الرمز، وفي الجمال، وفي صياغة صورة اخرى للمدينة. في تلك الايام كان الفن يحاول ان يسبق السياسة بخطوة، وان يقول ما تعجز عنه البيانات والخطب.

حول ذلك النصب، وفي الشوارع القريبة، كان اليسار العراقي يعيش لحظة حضور نادرة. تظاهرات يومية، اعدادها احياناً بالاًلاف، ومسيرات تمتد في قلب بغداد على نحو لافت. كانت الغالبية الساحقة من هذه الجماهير من اهل الداخل، من الذين ذاقوا قسوة الحصار والحروب والدولة الامنية. كان هناك شعور واضح بان الفرصة قد جاءت اخيراً لكي يتقدم خطاب العدالة الاجتماعية، وتستعيد السياسة معناها، ويخرج اليسار من هامش التاريخ الى مركز المجتمع.

لكن ما حدث لاحقاً يختصره عنوان واحد “الفرصة الضائعة”. لم تتبخر الجماهير لأنها كانت عابرة او ساذجة، بل لأنها لم تجد من يحول اندفاعها الاخلاقي الى مشروع سياسي واجتماعي مقنع. الناس لا تظل في الشارع الى الابد. هي تبحث عن اتجاه، عن تنظيم، عن لغة تفهمها، وعن قيادة تتعامل معها بوصفها شريكا لا مجرد رقم. حين لا يحدث ذلك، تتحول الساحات الى ذكرى، وتعود الاسئلة الى البيوت، ويصعد من يملك القوة والمال والإعلام.

الاخطر ان جزءا من اليسار الذي عاد من الخارج بعد سقوط النظام، لم ينجح في بناء جسور ثقة مع المجتمع. بعضهم جاء بنبرة حادة، ممتلئة بالتخوين، وكأن المجتمع كله متهم سلفاً، وكأن ملايين العراقيين بعثيون بالوراثة. تلك اللغة لم تكن خطأ سياسياً فقط، بل كانت خطأ اخلاقياً ايضاً. لأنها تعاملت مع شعب خرج من الاستبداد مثقلا بالجراح، لا بوصفه شريكاً في اعادة البناء، بل بوصفه قضية تحتاج الى ادانة. وفي لحظة كانت البلاد تحتاج فيها الى خطاب يجمع، جاء خطاب يفرز ويقصي، فخسر اليسار جزءا من جمهوره الطبيعي قبل ان يخسره في صناديق الاقتراع.

مع ذلك، لا يصح اختزال المشهد كله في خطأ اليسار وحده. كانت البيئة العامة قاسية على اي مشروع مدني. انهيار مؤسسات الدولة، انفلات امني، عنف سياسي وطائفي، اقتصاد ريعي يتشكل على عجل، واحتلال يرسم قواعد اللعبة بطريقته. في مثل هذا المناخ، تصبح السياسة صراعاً على البقاء قبل ان تكون صراعاً على البرامج. ومع صعود الاحزاب الاكثر تنظيماً وتمويلاً، تراجع صوت الاحتجاج المدني، وجرى استنزاف المجال العام حتى فقد قدرته على الاستمرار.

غير ان الدرس يبقى واضحاً حين تظهر طاقة شعبية بهذا الحجم ولا تجد قيادة تستوعبها، فأنها لا تتحول تلقائياً الى مكسب تاريخي، بل قد تتحول الى خيبة تاريخية. وحين يتقدم الفن ليعيد تشكيل الرمز، ويتأخر اليسار عن تشكيل المعنى السياسي والاجتماعي، تترك الساحات لمن يجيد ادارة الخوف والهوية والغنيمة.

بعد سنوات، حين نستعيد صورة “كروب ناجين” وتمثالهم الذي وقف في وجه الفراغ، نستعيد معها سؤالاً مؤلماً، كيف امكن لبلد ان ينتج ذلك الشغف بالحرية والعدالة في ايام معدودة، ثم يعجز عن حمايته؟ وكيف امكن لليسار، وهو الاقرب نظرياً الى آلام الناس، ان يترك لحظة نادرة تمر من بين يديه؟

انها ليست مرثية لزمن مضى، بقدر ما هي قراءة في معنى الفرصة. فالفرص التاريخية لا تكفي وحدها، بل تحتاج من يلتقطها بعقل بارد وقلب قريب من المجتمع، لا بعصبية ايديولوجية ولا بحس استعلاء. وعندما لا يحدث ذلك، تبقى الذاكرة وحدها شاهدة على ما كان يمكن ان يكون.

 

 

 

ما تقييمك لهذا المقال؟
⭐ متوسط التقييم: 0 من 5 (0 صوت)
📂 التصنيفات: مقالات, مقالات رأي

أضف تعليقًا

الحقول المشار إليها بـ * إلزامية.